قطاع غزة

بنو البشر ليسوا أوراقا للمساومة

بنو البشر ليسوا أوراقا للمساومة

بمناسبة مرور 5 سنوات على احتجاز جلعاد شاليط من قبل حماس، تصرح منظمات إسرائيلية، فلسطينية ودولية في مجال حقوق الإنسان:

ينبغي على حماس أن تضع حدا للتعامل غير الإنساني وغير القانوني تجاه جلعاد شاليط مرت خمس سنوات على احتجاز الرقيب أول جلعاد شاليط من قبل حماس. محتجزوه ما زالوا يرفضون تمكينه من الاتصال مع عائلته ولم يوفروا معلومات حول حالته وظروف احتجازه. تؤكد المنظمات أن هذا التعامل غير إنساني ويشكل انتهاكا للقانون الإنساني الدولي.

ينبغي على سلطات حماس في قطاع غزة أن تنهي فورا التعامل القاسي وغير الإنساني تجاه جلعاد شاليط. الى أن يطلق سراحه، ينبغي عليها تمكينه من الاتصال مع عائلته ومع الصليب الأحمر الدولي.

منظمة العفو الدولية (أمنستي)- فرع إسرائيل
بتسيلم- مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة
بمكوم-  مخطّطون من أجل حقوق التخطيط
"جيشاه-مسلك"- مركز للدفاع عن حرية الحركة
هيومان رايتس واتش
الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان
المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة
أطباء لحقوق الإنسان- إسرائيل
اللجنة العامة لمكافحة التعذيب في إسرائيل
حاخامون من أجل حقوق الإنسان
جمعية حقوق المواطن في إسرائيل
يش دين- منظمة متطوعين لحقوق الإنسان

مواد مقترحة

سكان مدينة غزة يهربون بعد أن أمرهم الجيش الإسرائيلي بالانتقال جنوبًا. 15 أيلول 2025. تصوير: محمود عيسى, رويترز

قطاع غزة

"لا مكان تحت السماء": الترحيل القسري في قطاع غزة، 2023-2025

"ليس هنالك نصف عمل. رفح، دير البلح، النصيرات - إبادة تامّة. 'امحَ ذِكر عماليق من تحت السماء' - لا مكان تحت السماء".بتسلئيل سموتريتش، نيسان 2024 قانونية الإخلاء موجات التهجير و"المناطق الإنسانية" أوامر الإخلاء و"الممرات الآمنة" ظروف المعيشة في مجمعات المهجَّرين القصف في مجمعات المهجَّرين محو الحيّز المدني تلخيص مقدمةمنذ تشرين الأول 2023، ينفذ النظام الإسرائيلي إبادة جماعية في قطاع غزة. قتلُ عشرات الآلاف من الأشخاص، إصابة مئات الآلاف بجراح، تدمير هائل للمباني والبنية التحتية الحيوية وتجويع غالبية السكان - كل هذا يتم بشكل منهجي، كجزء من هجوم منسق يهدف إلى تدمير جميع مقوّمات الحياة في القطاع (للتوسع، انظر تقرير "إبادتنا"، تموز 2025).حتى نهاية تشرين الأول 2025، ووفقًا لبيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، يقدر عدد القتلى نتيجة للهجوم المباشر بحوالي 68,519 شخصًا، غالبيتهم العظمى من المدنيين الذين لم يشاركوا في القتال، ويقدر عدد الجرحى بحوالي 170,382 شخصًا. تشير سلسلة من الدراسات التي نشرت على مدار أشهر الهجوم إلى أن هذه الأرقام تمثل تقديرًا ناقصًا لعدد القتلى وأن ثمة سببًا معقولًا للاعتقاد بأن عدد الضحايا الذين حصدتهم الهجمات الإسرائيلية أكبر بكثير. لم يتم إجراء فحص شامل كهذا لبيانات الجرحى، لكن في ضوء انهيار النظام الصحي وقيود الإبلاغ المماثلة - فمن المرجح أن تكون هذه أيضًا تقديرات ناقصة.تعتبر أزمة النزوح الهائلة التي خلقتها إسرائيل ركيزة أساسية في عملية الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة. على مدار عامين، أمرت إسرائيل سكان القطاع بالرحيل عن أماكنهم، مرارًا وتكرارًا. نزح حوالي 1,9 مليون فلسطيني، يمثلون حوالي 90% من سكان قطاع غزة، مرة واحدة على الأقل منذ تشرين الأول 2023، بعد أن يكونوا قد فقدوا أفراد عائلاتهم ومعظم ممتلكاتهم في الغالب. تشير التقديرات إلى أنه حتى نهاية العام الأول من الهجوم، نزح سكان قطاع غزة ست مرات في المتوسط. هذا التهجير القسري الذي فرضته إسرائيل على السكان الفلسطينيين جرّدهم، دفعة واحدة، من إنسانيتهم وكرامتهم وأجبرهم على التنقل طيلة شهور من مخيم نزوح إلى آخر وخوض صراع يومي من أجل البقاء.بعد أن أمرتهم بالرحيل عن منازلهم، قامت إسرائيل بتركيز المهجرين في مناطق كانت تتقلص باستمرار، حيث سادت ظروف معيشية مستحيلة. ورغم أن إسرائيل وصفتها بأنها "مناطق آمنة/إنسانية"، إلا أن الجيش الإسرائيلي قصف تلك المناطق وأطلق النار عليها بشكل منهجي. في ظل غياب فرصة حقيقية للعثور على ملاذ يمكن أن يوفر لهم الحماية من الهجوم الإسرائيلي أو إمكانية الحصول الآمن على الغذاء والماء والخدمات الأساسية، سرعان ما أدرك سكان قطاع غزة أنه ليس هنالك أي مكان آمن في القطاع.كما سيتبين لاحقًا، ألحق النزوح المستمر أضرارًا بصحة سكان قطاع غزة الجسدية والنفسية، بالخلايا الأسَرية بينهم وبنسيجهم الاجتماعي. بسبب هذه النتائج المتوقعة، ينبغي اعتبار التهجير أداة رئيسية استخدمتها إسرائيل لتدمير المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، كمجموعة ـ أي، لتنفيذ إبادة جماعية ضد الفلسطينيين سكان قطاع غزة. (للتوسع، انظروا فصل "ما هي الإبادة الجماعية؟" في تقرير "إبادتنا"، تموز 2025).قانونية الإخلاءفي رأي استشاريّ نشرته في تموز 2024، قضت محكمة العدل الدولية في لاهاي (ICJ) بأنه حتى قبل غزو قطاع غزة في تشرين الأول 2023، شكلت إسرائيل في الواقع قوة احتلال في القطاع، بسبب سيطرتها على المعابر البرية، على المجالين الجوي والبحري وعلى إمدادات المياه والكهرباء في القطاع. وبسبب ذلك، تخضع تصرفات إسرائيل للواجبات المفروضة على "قوة احتلال"، مثلما هو نصوص عليها في القانون الإنساني الدولي. ووفقًا للرأي الاستشاري، تتناسب هذه الواجبات طرديًا مع مدى سيطرة إسرائيل على المنطقة. وعليه، فإن تعميق سيطرتها على القطاع بعد 7 تشرين الأول يؤكد، أكثر فأكثر، حقيقة أن إسرائيل هي قوة احتلال في قطاع غزة.تحظر قواعد القانون الإنساني الدولي - أو "قوانين الحرب" - "النقل القسري" لسكان الأراضي المحتلة من قبل قوة الاحتلال. الاستثناء الوحيد لهذا الحظر، بموجب اتفاقية جنيف والبروتوكولات الملحقة بها، هو النقل الناجم عن ضرورة عسكرية مُلحّة، أو النقل الذي يتم للحفاظ على سلامة المهجَّرين. وفي الوقت نفسه، يجب على قوة الاحتلال أيضًا استيفاء الشروط التالية:1. ضمان أن يكون الإخلاء مؤقتًا، ومع انتهاء القتال، السماح للمهجَّرين بالعودة إلى منازلهم في المنطقة التي رحلوا عنها، بأسرع وقت ممكن، بل والمساعدة في ذلك.2. ضمان المرور الآمن للشخص الذي أُجبر على الرحيل عن منزله. يجب على قوة الاحتلال أن تفعل كل ما في وسعها لضمان عدم فصل هذا الشخص عن عائلته وتوفير المأوى له، إلى جانب إمكانية حصوله على الغذاء والماء وخدمات الصحة والصرف الصحي.وفقًا لأحكام القانون الإنساني الدولي، عندما لا يستوفي تهجير السكان هذه الشروط، قد يُعتبر جريمة حرب، بل جريمة ضد الإنسانية، إذا تم تنفيذه بشكل منهجي وعلى نطاق واسع.في الأقسام التالية، ستخضع للفحص سياسةُ التهجير التي فرضتها إسرائيل على سكان غزة بين شهري تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2025، على ضوء هذه الشروط الملزمة. موجات التهجير و"المناطق الإنسانية"في القسم التالي، نستعرض بإيجاز "موجات التهجير" الرئيسية في قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023. وللتوضيح، فإن التقسيم إلى "موجات" هو تبسيط لروتين التهجير الديناميكي والمستمر، والذي أملى مسار حياة سكان قطاع غزة دون توقف، منذ تشرين 2023. بين تشرين الأول 2023 وتشرين الأول 2025، أصدر الجيش الإسرائيلي 161 أمر إخلاء على الأقل لسكان القطاع، كان العديد منها يأمر بإخلاء عشرات المناطق في الوقت ذاته.تعكس أعداد المهجَّرين المذكورة في القسم التالي حجم السكان الذين طُلب منهم الإخلاء في كل موجة من موجات التهجير - وليس بالضرورة عدد الأشخاص الذين نزحوا بالفعل خلال الفترة الزمنية المعنية. تشرين الأول 2023 فصاعدًا: النزوح من الشمال إلى الجنوبفي 7 تشرين الأول 2023، نفذت حركة حماس وفصائل مسلحة أخرى من قطاع غزة الهجوم الأكثر دموية على الإطلاق ضد مدنيين إسرائيليين. في اليوم نفسه، بدأت إسرائيل موجة واسعة من الهجمات على قطاع غزة، من الجو والبحر والبر.في 13 تشرين الأول 2023، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر الإخلاء الجماعي الأولى لسكان قطاع غزة، والتي أمرت حوالي 1,1 مليون إنسان من سكان شمال القطاع بمغادرة منازلهم والنزوح جنوبًا في غضون 24 ساعة. واضطر مئات آلاف الأشخاص، الذين كانوا يتعرضون لقصف عنيف في ذلك الوقت، إلى اتخاذ قرار متسرع بشأن المكان الذي سيهربون إليه، دون معرفة ما إذا كانوا سيتمكنون من العودة إلى منازلهم ومتى. بدأ كثيرون بالفرار إلى وسط وجنوب القطاع ومعهم القليل من المعدات التي كان بإمكانهم حملها على أجسادهم. كل المنطقة الواقعة جنوبَ وادي غزة، والتي تمثل حوالي 63% من مساحة القطاع، اعتبرها الجيش منطقة آمنة طُلِب من المهجَّرين الانتقال إليها. كانون الأول 2023 فصاعدًا: التهجير في الجنوبفي كانون الأول 2023، بعد حوالي شهرين من بدء القتال وبالتزامن مع بدء الهجوم على منطقة مدينة خان يونس في جنوب القطاع، أمر الجيش، بواسطة أوامر إخلاء، حوالي نصف مليون شخص كانوا في خان يونس ووسط القطاع، نصفهم تقريبًا من المهجَّرين الذين وصلوا إلى تلك المناطق من الشمال خلال الشهرين السابقين، بإخلاء مساحة 80,8 كيلومتر مربع، أي حوالي 22% من مساحة القطاع. وقد وصل معظمهم إلى منطقة مدينة رفح.أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش في كانون الأول 2023، وجهت جزءًا من المهجَّرين، للمرة الأولى، إلى منطقة حددها على أنها "المنطقة الإنسانية" في المواصي، وهي منطقة صحراوية على الساحل الجنوبي لقطاع غزة. حتى قبل الهجوم الإسرائيلي، لم تكن ثمة بنى تحتية للكهرباء والمياه والصرف الصحي في الجزء الأكبر من تلك المنطقة؛ وحتى بدء الهجوم، كان يعيش فيها حوالي 9,000 شخص فقط. أيار 2024 فصاعدًا: اجتياح رفحابتداءً من 6 أيار 2024، أصدر الجيش أوامر إخلاء جديدة طلبت من المتواجدين في مدينة رفح التحرك نحو "المنطقة الإنسانية" الجديدة والموسعة في المواصي، والتي تقلصت من كانون الأول 2023 حتى أيار 2024 من حوالي 22% إلى حوالي 17% من مساحة القطاع. ابتداء من اليوم التالي على إصدار أوامر الإخلاء، كثف الجيش هجماته على المنطقة، من الطائرات والدبابات، وبدأ اجتياحًا بريًا لها. وقبيل نهاية ذلك الشهر، طُلب من نحو مليون شخص، غالبيتهم العظمى من المهجَّرين الذين وصلوا إلى المدينة خلال الأشهر السابقة، إخلاء رفح والانتقال إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي، حيث كانت تسود ظروف قاسية من الاكتظاظ الشديد والنقص الحاد في الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الأساسية. وأفاد العديد من المهجَّرين الذين وصلوا إلى تلك المنطقة في ذلك الوقت بأنهم وعائلاتهم اضطروا إلى النوم في العراء بسبب نقص الخيام. بلال بلبولة (34 عامًا)، أب لستة، من سكان مدينة رفح، قال في إفادته:"في 6.5.2024 أعلن الجيش الإسرائيلي أنه سيقتحم رفح ووزع منشورات في المدينة تأمرنا بالإخلاء الفوري. كان يومًا رهيبًا. لم نكن نعرف إلى أين نذهب [...] [وصلنا] إلى منطقة المواصي، على شاطئ البحر. صحراء، لا يوجد فيها شيء. عندما وصلنا، كانت قد وصلت إلى هناك آلاف العائلات وكان هناك اكتظاظ رهيب. وجدنا مكانًا لإقامة خيامنا فيه. كنا حوالي 60 امرأة وطفلًا ورجلًا في خيامنا، بدأنا نشعر بالنقص على الفور. [...] اشتكى أطفالي من أنهم جائعون وعطشى ولم يكن لدي حتى القليل من البسكويت أو أي شيء حلو لأعطيهم إياه. كان الانشغال المتواصل بموضوع الطعام والماء عذابًا بالنسبة لي. من أين سأحصل على الطعام؟ ماذا سيحدث إذا لم أجد ولم يكن لدى الأطفال ما يأكلونه؟". إلى الإفادة الكاملة تشرين الأول 2024 فصاعدًا: من الشمال إلى الجنوب، "خطة الجنرالات" "رويدًا رويدًا، سيصبح شمال القطاع، بما في ذلك مدينة غزة [...] حلمًا بعيد المنال. مثلما نسوا عسقلان، سينسون هذه للمنطقة أيضًا"غيورا آيلاند، تشرين الأول 2024 على الرغم من أن أوامر الإخلاء السابقة أمرت أكثر من مليون من سكان شمال القطاع بالنزوح إلى الجنوب، في تشرين الأول 2024، إلا أن أكثر من 400 ألف شخص كانوا لا يزالون يعيشون في شمال القطاع. بعضهم بقي في الشمال لأنهم لم يتمكنوا من تحمّل ظروف النزوح والتهجير القاسية، بسبب أعمارهم أو إعاقات مختلفة، فيما خشي البعض الآخر من النزوح بسبب الظروف المعيشية غير المحتملة في "المناطق الإنسانية" أو بسبب القصف العنيف في جميع أنحاء القطاع؛ وكان آخرون من المهجَّرين قد عادوا إلى منازلهم خلال أشهر الهجوم.ابتداءً من تشرين الأول 2024، صعّدت إسرائيل من عملياتها التدميرية المنهجية للبيئة الحضرية والزراعية في شمال قطاع غزة، وطبّقت سياسة تجويع وتدمير وتهجير حادة ومنهجية. وقد طولِب سكان مدينة غزة وبلدات بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا بالنزوح جنوبًا إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي.عكست هذه الإجراءات منطق الخطة التي قادها ضباط كبار سابقون في الجيش الإسرائيلي، والتي أطلق عليها اسم "خطة الجنرالات". أمرت هذه الخطة بتهجير جميع المدنيين، مئات آلاف الأشخاص، من شمال القطاع، في غضون أسبوع واحد فقط، يتم بعده فرض حصار على المنطقة بأكملها ومنع الحركة إلى داخلها وخارجها، إلى جانب إدخال الغذاء أو الوقود أو الماء. كان الهدف من "خطة الجنرالات"، كما صرحت مصادر مختلفة في الجيش، إخلاء المنطقة بالكامل من سكانها، على المدى البعيد. وعلى الرغم من عدم تبنيها رسميًا، إلا أن الخطة شكلت "مصدر إلهام" للعمليات العسكرية على الأرض. واعتُبِرت ممارسات إسرائيل في شمال القطاع، بما في ذلك سياسة التجويع والتدمير الواسعة النطاق وتهجير مئات آلاف السكان من منازلهم، من قبل العديد من الخبراء - بمن فيهم الأمين العام للأمم المتحدة - بأنها محاولة لتنفيذ تطهير عرقي. كانون الثاني ـ آذار 2025: وقف إطلاق النار والعودة إلى الشمالمع الإعلان عن وقف إطلاق النار المؤقت، كجزء من صفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل وحماس في كانون الثاني 2025، انسحبت القوات الإسرائيلية من أجزاء من المنطقة التي حددها الجيش الإسرائيلي على أنها "محور نتساريم" (للمزيد حول "محور نتساريم"، انظر أدناه) وسمحت للمهجَّرين بالعودة إلى شمال قطاع غزة. خلال الأسبوعين التاليين، عاد نصف مليون مُهجَّر إلى الشمال. تحدث كثيرون في وصف الدمار والخراب الهائل الذي رأوه بأعينهم في الأماكن التي كانت تقوم فيها منازلهم وأحياؤهم ومدنهم ذات يوم.بعد ذلك بأقل من شهرين، في 18 آذار 2025، انتهكت إسرائيل اتفاق وقف إطلاق النار وطالبت، على الفور، سكان مناطق مختلفة في القطاع بالنزوح من أماكن إقامتهم، مرة أخرى. أحمد مطر (32 عامًا)، من سكان بيت حانون في شمال القطاع، تحدث إلى بتسيلم عن تجربته في العودة إلى منزله مع بداية وقف إطلاق النار."كل شيء مدمر. لم يبق شيء من الحياة التي كانت هناك. كان الناس اليائسون يتجولون في الشارع ويتحدثون مع أنفسهم. مررت في طريقي بمجموعة من النساء يبكين، لا يعرفن ماذا يفعلن، عاجزات أمام الدمار الهائل. رأيت مدارس أحرَقها وهدمَها الجيش الإسرائيلي، وكان الناس ينظفونها ليسكنوا فيها، رغم عدم توفر الظروف هناك. كان السكان يجلسون على جوانب الطرقات ووجوههم تعبر عن الحزن واليأس. كان الناس يجدون صعوبة في التعرف على منازلهم، وعندما كانوا يعثرون على أنقاضها كانوا يحاولون فقط العثور على ملابس أو بطانيات تحت الأنقاض". إلى الإفادة الكاملة مع بدء وقف إطلاق النار، عاد أحمد الغلبان (16 عامًا) وأفراد أسرته، أيضًا، إلى منزلهم في بيت لاهيا في شمال القطاع، بعد أن نزحوا خمس مرات منذ بداية الهجوم. في 22 آذار 2025، بعد أربعة أيام من انتهاك إسرائيل وقف إطلاق النار وأقل من يوم واحد بعد إصدار أوامر إخلاء جديدة لسكان بيت لاهيا، أخرج أحمد وأفراد أسرته ممتلكاتهم إلى الشارع استعدادًا للرحيل. في ذلك الوقت، بدأ الجيش بإطلاق القذائف عليهم."أصبتُ بجروح خطيرة. كان محمد (شقيقه التوأم) يحتضر بجانبي، وقد تمزق العم إياد (33 عامًا) أشلاءً. كانت هبة، والدتي، وأختي آلاء وأخي قصيّ على بُعد حوالي عشرة أمتار عنّا. كنت ملقى على الأرض، أنزف. نظرت إلى ساقي ولم أصدق ذلك. قلت لنفسي، "هذا حلم". صرخت أمي وطلبت المساعدة. بعد خمس دقائق جاء شاب وعندما رأى أننا ما زلنا على قيد الحياة، حملني أنا ومحمد على مركبة "توك توك" وأخذنا إلى المستشفى [...] بعد أسبوعين، عندما تحسنت حالتي النفسية، أخبرتني [أمي] أن محمد قد مات. بكيت كثيرًا لأن محمد كان صديقي أيضًا. إنه أخي التوأم. لم أصدق أنه مات. بقيت أبكي خمسة أيام دون توقف. لم أتخيل أنني سأفقده. لم أتخيل أيضًا أنني سأفقد ساقي [...] الأفكار حول ما حدث لا تفارقني - الدم، محمد وهو يحتضر، جثة عمي ممزقة. كل هذه المناظر. أنا أفتقد محمد. كنت أتمنى أن يكون معي في هذه الأيام. أنا أفكر به طوال الوقت". إلى الإفادة الكاملةمنذ انتهاك وقف إطلاق النار في 18 آذار 2025 وحتى أيلول 2025، توقفت إسرائيل تمامًا عن تحديد "مناطق إنسانية" مخصصة، في أوامر الإخلاء التي وزعتها على سكان القطاع. في الوقت نفسه، واصلت تهجير الناس من منازلهم في مناطق مختلفة، سواء في شمال القطاع أو في جنوبه. آب ـ أيلول 2025: تدمير مدينة غزة"الآن، تُرفَع المزاليج عن بوابات الجحيم في غزة. تم تسليم إشعار الإخلاء الأول لمبنى إرهابي شاهق في مدينة غزة قبل الهجوم. عندما يتم فتح الباب، لن يتم إغلاقه وستزداد عمليات الجيش الإسرائيلي - حتى يقبل قتلة ومغتصبو حماس بشروط إسرائيل لإنهاء الحرب، وعلى رأسها إطلاق سراح جميع الرهائن ونزع السلاح ـ وإلا، فستتم إبادتهم".يسرائيل كاتس، وزير الأمن، 5 أيلول 2025 في نهاية آب 2025، شنت إسرائيل هجومًا واسع النطاق على مدينة غزة. في بداية أيلول، وللمرة الأولى منذ آذار 2025، حددت إسرائيل "منطقة إنسانية" جديدة في محيط خان يونس، امتدت على حوالي 11% من مساحة القطاع. في منتصف أيلول، وسّعت إسرائيل المنطقة التي سمحت للمدنيين بالإقامة فيها بنحو الضِّعفين، عندما أضافت إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي أيضًا مناطق من مخيمات اللاجئين في وسط القطاع. أوامر الإخلاء التي صدرت آنذاك لسكان شمال القطاع أمرت حوالي 1,2 مليون إنسان بالنزوح من مواقعهم. أوامر الإخلاء و"الممرات الآمنة" " إلى سكان مدينة غزة [...] لقد توجهنا إليكم مؤخرًا لإخلاء المنطقة الواقعة جنوب وادي غزة حفاظًا على سلامتكم [...] إذا كانت حياتكم وحياة أحبائكم مهمة بالنسبة لكم - توجهوا جنوبًا، إلى جنوب وادي غزة. نوصي بالوصول إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي، وفقًا للتعليمات".من حساب الفيسبوك الخاص بالمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، 20 تشرين الأول 2023 في كانون الأول 2023، نشر الجيش الإسرائيلي خارطة على الإنترنت تقسم القطاع إلى "كتل" مرقّمة، بزعم تسهيل فهم أوامر الإخلاء. ولكن، بعد أن قطعت إسرائيل إمدادات الكهرباء، كانت إمكانية الارتباط بالإنترنت محدودةً للغاية، ولم يتمكن الكثيرون من رؤية الخارطة عبر الإنترنت، مما زاد من مشاعر الذعر والعجز.على مدار عامين، وزعت إسرائيل أوامر الإخلاء على سكان القطاع، بشكل أساسي، بواسطة منشورات تم إنزالها من الطائرات ومنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي. وأظهرت دراسة أجراها معهد Forensic Architecture أن تلك الأوامر كانت، في كثير من الحالات، غير واضحة أو مضللة: فقد احتوت العديد من تلك الأوامر على أخطاء في الأسماء وفي ترسيم حدود المناطق التي طُلب من السكان إخلاؤها، وكذلك المناطق "الآمنة/ الإنسانية" التي طُلب منهم الانتقال إليها. في كثير من الأحيان، كانت الأوامر تصدر بعد أن يكون الجيش قد بدأ فعليًا بمهاجمة المناطق المطلوب إخلاؤها، مما أثار في كثير من الأحيان قلقًا وارتباكًا بين السكان الذين طُلب منهم الإخلاء وتسبب بخلق فوضى أثناء محاولتهم الامتثال لتلك الأوامر. في بعض المنشورات التي تم توزيعها وكذلك المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، بث الجيش الإسرائيلي رسائل تسخر من المهجَّرين أو تهدف إلى إثارة الذعر بين السكان.مع إصدار أوامر الإخلاء الأولى لسكان قطاع غزة، بدأت إسرائيل بتحديد "ممرات آمنة" لعبور المهجَّرين إلى المناطق التي طُلب منهم الانتقال إليها. في تشرين الثاني 2023، بدأت إسرائيل بترسيم "الممرات" على بعض الخرائط التي تضمنتها أوامر الإخلاء. لكن على مدار أشهر الهجوم، وردت تقارير عديدة عن أشخاص قصفتهم طائرات سلاح الجو أو أطلق عليهم قناصة إسرائيليون النار أثناء سيرهم في تلك "الممرات الآمنة" نفسها. وقد كشفت إفادات أدلى بها سكان القطاع لمنظمة "بتسيلم" ومقاطع فيديو نشرت في وسائل الإعلام الدولية عن مشاهد لجثث ملقاة على جوانب "الممرات الآمنة". على سبيل المثال، في 13 تشرين الأول 2023، في اليوم الذي طُلب فيه من حوالي مليون من سكان شمال القطاع إخلاء منازلهم والنزوح إلى الجنوب، هاجم الجيش طريق صلاح الدين، وهو شريان المرور الرئيسي الذي يقطع القطاع من الشمال إلى الجنوب، والذي وجهت إليه إسرائيل السكان باعتباره "ممرًا آمنًا". استهدف الهجوم قافلة مركبات كانت تقل مهجَّرين، مما أسفر عن مقتل حوالي 70 شخصًا.بغية الامتثال لأوامر الإخلاء، اضطر العديد من سكان القطاع إلى ترك أفراد عائلاتهم المسنين أو المعاقين أو المرضى الذين لم يتمكنوا من تحمّل ظروف الطريق والنزوح الصعبة. ظلت العديد من العائلات منفصلة لفترات طويلة، ودون معرفة مصير أحبائها غالبًا، بسبب انهيار شبكات الاتصالات في القطاع. واضطر آخرون إلى البقاء تحت القصف الشديد من أجل رعاية أفراد عائلاتهم، خوفًا من أنّ الظروف في المناطق التي طُلب منهم الانتقال إليها لن تسمح لهم بتلبية احتياجات أحبائهم الأساسية.بسبب الجمع بين الطرق المتضررة، والتي دُمّرت بالكامل أجزاء كبيرة منها على مدار أشهر الهجوم، ونقص الوقود ثم المركبات بالتالي، اضطر العديد من المهجَّرين إلى النزوح سيرًا على الأقدام أو في عربات تجرّها حيوانات المزرعة، في رحلات استمرت ساعات طويلة، بل أيامًا، في كثير من الحالات.في نهاية عام 2023، بدأ الجيش بتعزيز "محور نتساريم"، وهي منطقة عازلة كانت تخضع لسيطرته المطلقة وتقطع القطاع من الشرق إلى الغرب. عمل الجيش بشكل منهجي على تدمير جميع المباني الموجودة في هذه المنطقة. عند التقاء "المحور" مع شارع صلاح الدين - وهو محور النقل الرئيسي من شمال القطاع إلى جنوبه، والذي حدّده الجيش في ذلك الوقت بأنه "ممرّ آمن" لعبور المهجَّرين - أقام الجيش حاجزًا، أو "نقطة تفتيش"، سُمح فيه بالمرور إلى الجنوب فقط.وصف العديد من سكان القطاع الذين أدلوا بإفاداتهم لمنظمة "بتسيلم" كيف وجدوا أنفسهم محاطين بقناصة إسرائيليين عند وصولهم إلى ذلك الحاجز. وأفاد العديد منهم أن الجنود وجّهوهم عبر مكبرات الصوت - تحت إطلاق نار تحذيري وتهديدات بالاعتقال – بأن يرفعوا أيديهم وأن يخلعوا جميع ملابسهم للتفتيش وأن يوجهوا وجوههم نحو الكاميرات، لجمع بيانات بيومترية على ما يبدو. وقد احتجز الجيش الإسرائيلي مئات أو آلاف المهجّرين بشكل تعسّفي أثناء مرورهم عبر هذا الحاجز في طريقهم جنوبًا. وفي حالات عديدة، كان يستمر الاحتجاز لفترات طويلة ومصحوبًا بعنف شديد أو ينتهي إلى اعتقال وحبس – وكل هذا دون أي سبب واضح، في معظم الأحيان. خلال أشهر الهجوم، وسّع الجيش "المحور" حتى وصل عرضه، في ذروته، إلى حوالي سبعة كيلومترات، تم تعريفها في الهجوم لاحقًا بأنها "منطقة إبادة" يجب إطلاق النار على أي فلسطيني يدخل إليها. ظروف المعيشة في مجمعات المهجَّرينعانى المهجَّرون الذين وصلوا على مدار أشهر الهجوم إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي، التي تقلصت، وكذلك إلى المباني التي تم تحويلها إلى ملاجئ للمهجَّرين في مناطق أخرى من القطاع، لأشهر طويلة من نقص متزايد في الغذاء والمياه الصالحة للشرب، ومن الاكتظاظ الشديد، ومن عدم وجود مأوى لائق والتعرض لظروف الحرارة والبرودة القاسية. أُجبروا على العيش بين أكوام القمامة والصرف الصحي، دون الوصول إلى الخدمات الطبية الأساسية - وهو واقع معيشي يمثل أرضًا خصبة للمرض والموت، فضلاً عن العنف والاستغلال (للمزيد، انظر فصل "تدمير الظروف المعيشية في قطاع غزة" في تقرير "إبادتنا"، تموز 2025).في تشرين الثاني 2023، قدّر خبراء الأمم المتحدة أن أكثر من 90% من سكان القطاع يواجهون انعدام الأمن الغذائي بصورة حادة، وهو وضع تفاقم بسرعة على مدار أشهر الهجوم. في نهاية تموز 2025، قرر خبراء الأمم المتحدة أن "أسوأ سيناريو للمجاعة يتحقق الآن في قطاع غزة" حيث يعاني 500 ألف شخص، أي ربع سكان القطاع، من الجوع اليومي.المجاعة في غزة ليست نتيجة ثانوية للحرب التي تشنها إسرائيل ضد حماس، بل هي النتيجة المتوقعة لسياسة التجويع المتعمدة والمعلنة التي تنتهجها إسرائيل. بعد أن دمرت إسرائيل وعطلت بشكل منهجي معظم منظومات إنتاج وتوزيع الغذاء التي كانت قائمة في القطاع، وبينما تمنع بشكل منهجي إدخال الغذاء إليه، بدأت هيئة أمريكية تسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" (GHF) في نهاية أيار 2025 بتشغيل أربعة "مراكز إغاثة" في القطاع. كانت تلك المراكز، التي أقيمت بتشجيع ودعم من إسرائيل، تهدف، من بين أمور أخرى، إلى إجبار سكان القطاع على التجمع في المناطق المكتظة التي حددتها إسرائيل كمناطق إنسانية (للمزيد، انظر الفصل الفرعي "روتين القتل في 'مراكز الإغاثة"، في تقرير "إبادتنا"، تموز 2025).منذ الأيام الأولى من نشاطها، وصف ممثل الأمم المتحدة هذه المجمّعات بأنها "مصائد موت"، حيث يضطر حشود من الجياع والمنهكين إلى الوقوف في ازدحام شديد والتنافس فيما بينهم على رُزم المساعدات القليلة، تحت نيران القوات الإسرائيلية التي كانت متواجدة في المنطقة، والتي كانت تقوم بتأمين توزيع الغذاء، ظاهريًا. في كل يوم تقريبًا تم فيه تشغيل المراكز، قُتل عشرات الأشخاص بالرصاص في محيطها، معظمهم من سكان مخيمات المهجَّرين الذين وصلوا إليها في محاولة منهم للحصول على القليل من الطعام، لهم ولعائلاتهم. في الإفادة التي أدلت بها لمنظمة "بتسيلم"، تحدثت صفاء الفرماوي (35 عامًا)، أم لسبعة، عن الجوع والمحاولات اليائسة للحصول على الطعام لأطفالها في فترة تواجدهم في "المنطقة الإنسانية" في المواصي:"جنى وحلا وبسام (أولادها) كانوا يذهبون أحيانًا إلى الخيام المجاورة لطلب الخبز. في بعض الأحيان كنت أبيع ملابس الأطفال كي يكون لديّ بعض المال لشراء ما نحتاجه. كانت تلك أشهر من الجوع الرهيب، بالكاد كان لدي القليل من الطحين للخبز. ذات يوم، عثر ابني عمر، على رغيف خبز يابس بجانب القمامة، أحضره إلى الخيمة، نظفه وأكله. بعد ذلك قلت لنفسي: يجب ألا يحدث هذا مرة أخرى. سأفعل كل شيء، بما في ذلك المخاطرة بحياتي، لإحضار الطعام لأطفالي". إلى الإفادة الكاملةنتيجة للتهجير على نطاق واسع جدًا والتقليص التدريجي للمناطق التي تم توجيه المهجَّرين إليها، فقد ساد فيها اكتظاظ هائل بالفعل منذ الأشهر الأولى للهجوم. على سبيل المثال، في بداية شهر تموز 2024، أمرت أوامر الإخلاء حوالي ربع مليون من سكان خان يونس، رفح ومدينة غزة بالرحيل إلى أجزاء مختلفة من "المنطقة الإنسانية" في المواصي. في وقت لاحق من الشهر نفسه، قلص الجيش مساحة "المنطقة الإنسانية" بنحو 15%، وطالب العديد من المهجَّرين بالنزوح مرة أخرى، بينما كان "يكبس" السكان في اتجاه الغرب. على مدار الشهر التالي، آب 2024، أصدر الجيش أربعة أوامر إخلاء إضافية، على الأقل، لإخلاء مساحات ضمن "المنطقة الإنسانية". اضطر المهجَّرون الذين كانوا يقيمون في المناطق التي "تم تقليصها" إلى النزوح مرارًا وتكرارًا، بينما استمر المهجَّرون الجدد في الوصول إلى المجمع المكتظ حتى لم يتبق مكان خالٍ. من أيار حتى نهاية آب 2024، تقلصت "المنطقة الإنسانية" من 17% إلى حوالي 13% من إجمالي مساحة القطاع. وفقًا لتقديرات الأونروا، كان يعيش فيها في الشهر التالي، أيلول 2024، أكثر من مليون مهجَّر - أي ما يقرب من نصف سكان غزة.طوال أشهر الهجوم، وصفت تقارير كيف تُحشر العائلات في داخل الغرف الدراسية في المدارس التي تم تحويلها إلى ملاجئ، أو تضطر إلى تقاسم خيمة في "المنطقة الإنسانية" في المواصي. في ظل انعدام حلول معيشية مناسبة ونقص متزايد في الخيام، اضطر العديد من سكان مجمعات المهجَّرين إلى ارتجال مأوى مؤقت من مواد مثل الشوادر البلاستيكية، الأمر الذي جعلهم عرضة لأضرار البرد في الشتاء والحرارة في الصيف؛ وقد نُشر أن الكثيرين اضطروا أيضًا إلى النوم تحت قبة السماء. في تلك المجمعات، اضطر مئات المهجَّرين غالبًا إلى مشاركة مرحاض واحد والانتظار لساعات في الطابور إليه. دفعت النساء والفتيات والبنات الصغيرات ثمناً باهظاً جراء انعدام الخصوصية في المخيمات، وهو وضع عرّضهن بشكل خاص لعنف جندري. يُضاف إلى ذلك النقص الحاد في منتجات النظافة، الأمر الذي أرغم النساء على إعادة استخدام الفوط الصحية التي تستخدم لمرة واحدة أو ارتجال فوط صحية من قطع القماش.نتيجة للدمار الواسع النطاق الذي ألحقته إسرائيل بالبنى التحتية في مجاليّ المياه والصرف الصحي، وجد العديد من المهجَّرين أنفسهم مضطرين للعيش بين أكوام القمامة ومياه المجاري، وسط التعرض لملوثات إضافية، مثل الدخان والسخام، التي تصاعدت من النيران التي أشعلت للطهي والتدفئة.ترك الهجوم الإسرائيلي المدمِّر على النظام الطبي في القطاع معظم السكان دون إمكانية الحصول على رعاية طبية مناسبة. وهذا إضافة إلى الظروف المعيشية الصعبة في مجمعات المهجَّرين، والتي كانت لها انعكاسات سلبية جدًا على إمكانيات تعافي المهجَّرين الذين يعانون من إصابات وإعاقات وأمراض مزمنة. وفي كثير من الحالات، تسببت الإصابات التي لم تتم معالجتها بشكل صحيح بسبب انهيار النظام الصحي والظروف المتردية في المجمعات، بحصول التهابات ومضاعفات أخرى. وزادت إسرائيل الطين بلّة عندما منعت بشكل منهجي الجرحى والمرضى من مغادرة القطاع لتلقي العلاج الطبي، وعندما منعت إدخال المعدات المساعِدة للمعاقين، مثل العكازات والكراسي المتحركة، إلى القطاع. وقد تسبب النقص في هذه المعدات بصعوبات كبيرة لآلاف المهجَّرين الذين يعانون من إعاقات مختلفة وقدرتهم على التنقل بين الخيام، الوقوف في طوابير لتوزيع الطعام والماء أو استخدام المراحيض. وإلى جانب تدهور الظروف المعيشية، تم توثيق انتشار الأمراض المُعدية في مخيمات المهجَّرين: في كانون الأول 2023، بعد حوالي شهرين من بدء الهجوم، أبلغ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) عن زيادة كبيرة في عدد المصابين بالإسهال والتهابات الجهاز التنفسي الحادة والتهابات الجلد، بسبب الاكتظاظ والظروف الصحية المتردية في المخيمات. تحدث محمد أبو عيطة (50 عامًا)، أب لخمسة، في إفادة أدلى بها لمنظمة بتسيلم، عن قصف منزله في مخيم جباليا للاجئين في كانون الأول 2023، والذي قُتل فيه العديد من أفراد عائلته وأصيب اثنان من أطفاله:"كان يعيش معنا في المنزل أقاربي الذين نزحوا من الشمال والشرق، وقُتل 16 منهم - أعمامي وأبناء أعمامي - ودُفنوا تحت الأنقاض. فجأة، رأيت حسن وريما (ولداه). كانت أقدامهما مقطوعة وكانا ملقَيَين على الأرض يصرخان. بعد أن رأيتهما سقطت ولم أستطع النهوض. ولداي، اللذان لم تتح لهما بعد فرصة الاستمتاع بحياتهما، كانا بين الحياة والموت".بعد القصف، انطلقت عائلة محمد، المنكوبة بالحزن والصدمة، في رحلة نزوح متواصلة بين المستشفيات ومجمعات المهجَّرين."(في المستشفى) ألقوا بولديّ في الممر. توسلت إليهم أن يعتنوا بهما لكن أحدًا لم يسمعني. كانت غرف العمليات تغرق في الدماء [...] في اليوم السابع، طالب الجيش طاقم المستشفى بإخلاء المكان. لم يكن لدينا مكان نذهب إليه ولم نكن نعرف ماذا نفعل. كان من المفترض أن يخضع الطفلان لعمليات جراحية، لكننا أخذناهما وخرجنا إلى الشارع.وصلنا إلى مدرسة أبو حسين في جباليا، حيث كان هناك آلاف المهجَّرين. عشنا في غرفة ضيقة بدون فرشات وبدون طعام وبدون أدوية. بقينا هناك سبعة أشهر كاملة ـ نعاني الجوع والألم والخوف. العلاج الوحيد الذي تمكنا من تقديمه للطفلين هو غسل جروحهما وتغيير الضمادات لهما، على الرغم من أن الماء كان ملوثًا. استمرت حالة الجروح في التدهور وتراكم فيها القيح، وكانا يعانين من الألم طوال الوقت [...] لا أستطيع أن أصف الإحباط الذي أشعر به عندما لا أستطيع توفير العلاج لأطفالي". إلى الإفادة الكاملةكما كان للتهجير المستمر آثار حادة على الصحة النفسية بين سكان قطاع غزة. في دراسة على المهجَّرين في القطاع، أجريت في تشرين الثاني 2024، وجد أن ما بين 70% و90% من المشاركين استوفوا معايير تشخيص اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) . وظهرت لدى 63% منهم مؤشرات جدية على القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة في الوقت ذاته. في كلتا الحالتين، كانت المعدلات التي تم تسجيلها أعلى بكثير من تلك التي تم توثيقها بين المهجَّرين في مناطق الحروب الأخرى. اعتقد الباحثون أنه خلافًا للصراعات السابقة، حيث تمكن المهجَّرون من العثور على مأوى بديل في مرحلة ما، ظل المهجَّرون في القطاع محاصرين هذه المرة داخل منطقة حرب مستعرة طوال عدة أشهر، دون إمكانية الاستقرار من جديد أو ضمان الأمن الأساسي لأنفسهم أو البدء بعملية التعافي. واعتقد الباحثون أن الصدمة التي يعاني منها سكان القطاع ليست حدثًا عابرًا لمرة واحدة، بل هي وضع مستمر لا يمكنهم معرفة متى سينتهي.في الوقت الذي اضطر فيه غالبية السكان إلى تقاسم مساحات متضائلة باستمرار في مخيمات المهجَّرين، تدهورت أيضًا العلاقات المجتمعية في القطاع. فقد أدى الهجوم الإسرائيلي على عناصر حفظ النظام العام، إلى جانب النقص الحاد في الضروريات الأساسية للمعيشة، وفقًا لإفادات المهجَّرين، إلى نزاعات وصراعات عنيفة بين العائلات الجائعة والمنهكة، سواء حول موقع الخيمة في المخيمات، بسبب "السلوك الجامح للأطفال" أو بسبب "الغيرة من أولئك الذين تمكنوا من الحصول على رزمة طعام" (للمزيد، انظر فصل "انتشار الفوضى" في تقرير "إبادتنا"، تموز 2025). القصف في مجمعات المهجَّرين "ليس بإمكاني تأكيد ذلك بشكلٍ كافٍ: لا يجد أي مكان آمن في قطاع غزة. ولكن وفقًا للقانون الإنساني الدولي، يجب أن يكون [مكان كهذا]. المخيمات والملاجئ والمدارس والمستشفيات والمنازل الخاصة وما يسمى بـ "المناطق الآمنة" لا ينبغي أن تكون ساحة معركة. ومع ذلك، تم تدمير قطاع غزة من الأساس. [...] إذا بقي الناس، فإنهم يُقتلون. وإذا رحلوا، يُقتَلون. "الخيار" المتاح للناس هو بين حكمين بالإعدام".جيسون لي، مدير قسم شؤون الأرض الفلسطينية المحتلة في منظمة "أنقِذوا الأطفال" (Save the Children)، 4 كانون الثاني 2024 منذ تشرين الأول 2023، تراكمت أدلة لا حصر لها على الهجمات الجوية والمدفعية على المجمعات التي وجه الجيش إليها المهجَّرين، وتوثيقها. على سبيل المثال، من بين 1028 غارة جوية وثقتها منظمة Forensic Architecture بين 7 و28 تشرين الأول 2023، كانت 426 منها في جنوب القطاع - في المنطقة التي حددها الجيش الإسرائيلي على أنها "آمنة" للمهجَّرين في ذلك الوقت. أصبح هذا الواقع روتينًا. وقد أظهر تحليل أجرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي - BBC) كيف أنه بعد وقت قصير من توجيه حوالي مليون شخص إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي، بين الغزو العسكري لرفح في أيار 2024 وحتى بداية وقف إطلاق النار المؤقت في كانون الثاني 2025، تعرضت المنطقة "الآمنة" للهجوم 97 مرة على الأقل. وقُتل في تلك الهجمات ما لا يقل عن 550 شخصًا.تحدثت "أ. ح." (30 عامًا)، أم لأربعة، عن قصف الجيش لمدرسة السيدة خديجة في دير البلح صباح يوم 27 تموز 2024. كانت المدرسة قائمة داخل حدود "المنطقة الإنسانية" في المواصي، كما تم تحديدها في ذلك الحين. في وقت القصف، كانت "أ. ح." في إحدى الغرف الدراسية في المدرسة مع ابنها (6 سنوات)، بينما كان أولادها الآخرون في غرفة مجاورة."سمعت ضجة عالية من أصوات القصف [...] أخذت طفلي الرضيع وأمسكتُ بأطفالي الثلاثة وبدأنا نركض نحو بوابة المدرسة، مع المهجَّرين الآخرين. هربنا جميعًا لإنقاذ حياتنا. كانت أهوال ذلك اليوم مثل مشاهد يوم القيامة. كانت المدرسة موقعًا للدمار - أنقاض وحجارة وزجاج في كل مكان. في طريقنا للخروج، دُسنا على جثث، بعضها محترق وأجزاء من جثث وعلى جرحى ينزفون وقد قطعت أطرافهم.[...] منذ المذبحة، لم يتمكن أطفالي من النوم جيدًا. إنهم يبكون ويصرخون طوال الوقت. إنهم يستعيدون ما مروا به ويقولون لي: "لقد دُسنا على أجزاء من جثث، على جثث وعلى دماء". أطفالي في حالة نفسية صعبة. من القصف والتهجير من مكان إلى آخر والمذابح التي شاهدوها. يرتجف جسد طفلي خوفًا في كل مرة يكون هناك قصف أو ضوضاء. [...] لم نجد بعد مكانًا للعيش فيه. يقيم زوجي مع عائلته في خيمة وأقيم أنا مع الأطفال في منازل الأقارب، أبدّل المنزل كل أسبوع أو عشرة أيام. لا يوجد مكان آمن للذهاب إليه وجميع مخيمات المهجَّرين ممتلئة تمامًا [...] لم يبق لي أحد تقريبًا من العائلة، فقد قُتل الكثير من أفراد عائلتي. أعيش حياة منسلخة عن الدنيا. ليس لدي مكان مستقر للإقامة فيه. لا أمن ولا حياة في قطاع غزة. نحن محاطون بالموت". إلى الإفادة الكاملةفي وقت لاحق من العام 2025، هاجم الجيش "المنطقة الإنسانية" في المواصي مئات المرات الأخرى، بينما واصلت أوامر الإخلاء الصادرة عنه توجيه المهجَّرين إلى المكان ذاته. وفقًا لمكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR)، بين 18 آذار و16 حزيران 2025 فقط، تم توثيق 112 هجومًا في "المنطقة الإنسانية"، ما أدى إلى مقتل 380 شخصًا، من بينهم 158 امرأة وطفلاً على الأقل.بالإضافة إلى "المنطقة الإنسانية" في المواصي، أمرت بعض أوامر الإخلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي السكان بالانتقال إلى "الملاجئ" والمدارس في جميع أنحاء القطاع، دون تحديد المباني التي تعتبر محمية. حتى نهاية شباط 2025، تعرضت 62% من المدارس التي كانت تستخدم كملاجئ للمهجَّرين لهجمات مباشرة من قبل الجيش الإسرائيلي. محو الحيّز المدنيعلى مدار عامين من الهجوم العسكري المتواصل، ألحق الجيش الإسرائيلي أضرارًا جسيمة ودمّر بالكامل، بالقصف الجوي والمدفعي وبالجرافات، أكثر من 90% من المباني السكنية؛ تشكل حوالي 70% من إجمالي المباني في قطاع غزة، بما في ذلك المستشفيات والمدارس والمؤسسات الدينية والثقافية؛ وحوالي 81% من شبكة الشوارع والطرق. وهكذا محا الجيش الإسرائيلي عن وجه الأرض أحياء ومدنًا بأكملها في القطاع (للمزيد، انظر الفصل الفرعي "إبادة المساكن ـ Domicide" في تقرير "إبادتنا"، تموز 2025). وفي موازاة ذلك، دمرت هجمات الجيش أيضًا معظم المناطق الزراعية في المنطقة. وقد تم تنفيذ التدمير، في أحيان عديدة، دون أي يكون هنالك أي خطر على القوات، في المناطق التي توقفت فيها العمليات العسكرية تمامًا، وغالبًا عندما كانت المنطقة تحت السيطرة الفعلية الكاملة للجيش. وقد أدلى جنود خدموا في قطاع غزة بإفادات قالوا فيها إن التدمير المنهجي أصبح هدفًا في حد ذاته.ورأت تقارير مختلفة، تقصّت حجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل بقطاع غزة عامة، أنه في غياب أهداف عسكرية واضحة، من المرجح أن تكون إسرائيل قد سعت إلى جعل التهجير "المؤقت" لجزء على الأقل من سكان القطاع دائمًا. اعتبارًا من أيار 2025، أعلن مسؤولون إسرائيليون أن التطهير العرقي لسكان غزة هو هدف مركزي للحرب، وأوضحوا أن تدمير القطاع وسيطرة إسرائيل على المساعدات الإنسانية هما وسيلتان لتحقيق ذلك.على مدار أشهر الهجوم، عمل الجيش الإسرائيلي بشكل منهجي على تدمير ومحو جميع البنى التحتية المدنية في المناطق التي سيطر عليها، كما مزّق مساحة القطاع من خلال سلسلة من الحواجز والمناطق العازلة. بالإضافة إلى "المنطقة العازلة" الموسعة بين القطاع وإسرائيل، والتي دمر فيها معظم المباني والمناطق الزراعية، سيطر الجيش حتى حزيران 2024 على منطقة "محور فيلادلفيا" على طول حدود قطاع غزة ومصر، أيضًا، ووسَّعها إلى مسافة 450 مترًا من الحدود مع مصر. وفي أيار 2025 استولى الجيش أيضًا على منطقة "محور موراج"، التي قطعت القطاع من الشرق إلى الغرب بين رفح وخان يونس. في بعض المناطق التي دمرها، أنشأ الجيش الإسرائيلي حواجز ومواقع متقدمة ربطها بالبنى التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وشق طرقًا ومسارات ربطتها ببعضها البعض وبالأراضي الإسرائيلية.نصَّ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول 2025، على أن تنسحب قوات الجيش الإسرائيلي، في المرحلة الأولى، إلى ما تم تعريفه على أنه "الخط الأصفر"، وأن يبقى حوالي 50% من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية. ومع ذلك، كشف تحقيق نشرته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي- BBC) في نهاية تشرين الأول أنّ إسرائيل وضعت مكعبات خرسانية مطلية باللون الأصفر لتحديد حدود "الخط الأصفر" في مسار يتجاوز بمئات الأمتار المنطقة المتفق عليها في الخرائط التي تم رسمها في الاتفاقية، والتي وافق عليها الطرفان. هكذا أبقت إسرائيل تحت سيطرتها مناطق أوسع مما تم الاتفاق عليه. في تشرين الثاني 2025، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي- BBC) أن إسرائيل دمرت حوالي 1,500 بناية في المنطقة التي تسيطر عليها، منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ. قد يشكل هذا انتهاكًا آخر للاتفاقية، التي كان من المفترض أن توقف إسرائيل بموجبها جميع هجماتها في القطاع.تشير إعادة تنظيم الحيّز، إلى جانب سلسلة التصريحات التي أدلى بها ممثلو جمهور على مدار أشهر الهجوم، إلى أن ثمة من وراء أفعال إسرائيل نيّة لتكريس وجود إسرائيلي طويل الأمد في قطاع غزة وتغيير الحيز المدني ومواقع التجمعات السكانية الفلسطينية بشكل جذري في "اليوم التالي" لانتهاء القتال. تلخيص: التهجير كأحد مركِّبات الإبادة الجماعية في قطاع غزةأزمة التهجير التي خلقتها إسرائيل في قطاع غزة تشكّل جزءًا مركزيًّا من الهجوم الواسع والمنسَّق الذي شنّته، ولا تزال تشنه، بقصد تدمير المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة كجماعة. فقد ترك التهجير المتكرر، مرة تلو أخرى، لأكثر من 90% من سكان قطاع غزة المجتمع الفلسطيني مُحطَّمًا شظايا، يفتقر إلى الموارد اللازمة لمواجهة الخراب الذي خلفته إسرائيل ومعتمدًا، اعتمادًا كليًا وتامًا، على المساعدات الخارجية.خلال أشهر الهجوم على قطاع غزة، قصفت إسرائيل، على نطاق واسع وبشكل منهجي، "المنطقة الإنسانية" في المواصي ومجمعات المهجرين الأخرى التي طلبت من سكان القطاع إخلاءَها، وكذلك طرق التنقل التي أمرتهم بالنزوح عبرها. أدت سياسة التجويع المتعمَّدة التي اتبعتها إسرائيل ومنع إدخال المساعدات الإنسانية الحيوية إلى انتشار مجاعة كارثية وانهيار النظام الصحي ونقص حاد في منتجات النظافة الأساسية وتفشي الأمراض وخلق ظروف معيشية غير إنسانية في جميع أنحاء القطاع، وخاصة في مخيمات المهجرين. وبذلك، انتهكت إسرائيل بشكل واضح واجبها بأن توفّر للمهجرين مأوى آمنًا، إمكانية الحصول على الغذاء والمياه الصالحة للشرب والرعاية الطبية والحد الأدنى من الظروف الصحية.إن سياسة التدمير المتعمد التي اتبعتها إسرائيل خلال أشهر القتال، والتي تواصل تنفيذها في المناطق التي لا تزال تحت سيطرتها، حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تهدف إلى ضمان عدم تمكن الغالبية العظمى من المهجرين من العودة إلى منازلهم وإعادة بناء حياتهم في المناطق التي هُجّروا منها.لم يكن تدمير الأحياء، بل مدن بأكملها، نتيجة ثانوية ترتبت عن القتال، بل كان، بشكل أساسي، جزءًا من سياسة متعمدة قامت إسرائيل في إطارها بتفعيل منظومة من المعدات الهندسية والعسكرية والمدنية في القطاع، دمرت بشكل منهجي المنزل تلو الآخر في المناطق التي نزح منها السكان الفلسطينيون وسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. وكما صرّح صنّاع السياسات الإسرائيليون، فإن حجم تدمير المنازل السكنية في قطاع غزة، فضلاً عن التدمير المنهجي للبنى التحتية الحيوية مثل الطرق والصرف الصحي والكهرباء والمياه والمناطق الزراعية وغيرها، كان فعلًا متعمَّدًا لمنع عودة المهجرين إلى منازلهم وتغيير وجه الحيز المدني في قطاع غزة بشكل جذري.تشكل أزمة النزوح التي خلقتها إسرائيل في قطاع غزة جزءًا مركزيًا من عملية الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل ولا تزال ترتكبها، بهدف تدمير المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة. وعلاوة على أن ممارسات إسرائيل قد انتهكت واجباتها القانونية، فقد أحدثت دمارًا إنسانيًا على نطاق هائل جدًا. لقد قطع الهجوم الإسرائيلي، على نحو مفاجئ، روتين الحياة اليومي لنحو مليوني إنسان من سكان قطاع غزة وحوّل العديد منهم إلى معدَمين. تم تجريد المهجرين من إنسانيتهم وممتلكاتهم، بينما يتم دفعهم من مكان إلى آخر، يضطرون إلى العيش لأشهر طويلة في مخيمات مكتظة تفتقر إلى البنى التحتية الأساسية، في ظل نقص شديد، وهم عُرضة للقصف وإطلاق النار من قبل إسرائيل ومحرومون من أي حماية. في تلك المخيمات، عاش ـ ولا يزال يعيش ـ مئات الآلاف من أفراد العائلات الذين اتم فصلهم بعنف عن أحبائهم، أطفال تُركوا دون أي إطار تعليمي أو دعم نفسي يعينهم على مواجهة الفظائع التي تعرضوا لها، آباء وأمهات لا يستطيعون توفير الطعام وماء الشرب لأولادهم، أو يضطرون إلى تعريض حياتهم للخطر من أجل الحصول عليها. وقد أدى كل هذا، أيضًا، إلى انهيار تام للبنى الاجتماعية في القطاع وتدهوُر العلاقات الشخصية بين سكان مجمعات المهجرين. بالأحمر: المساحة التي بقيت تحت سيطرة إسرائيل قبل المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النارلم يؤد اتفاق وقف إطلاق النار بين دولة إسرائيل ومنظمة حماس في 10 تشرين الأول 2025 إلى تغيير جوهري في سلوك إسرائيل وأدائها. حتى تشرين الثاني 2025، كانت إسرائيل تصر على رفض فتح بعض المعابر الحدودية التي كان من المفترض أن تسمح من خلالها بإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، كما تُعطل وتؤخر إدخال المساعدات الحيوية في المعابر التي تم فتحها بالفعل، وتواصل فرض قيود صارمة على أنشطة منظمات الإغاثة ومنع دخول الصحفيين إلى قطاع غزة المدمَّر. وقد ذكرت وكالات الأمم المتحدة ومنظمات دولية أن إسرائيل رفضت، منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ حتى 21 تشرين الأول، حوالي 75% من جميع الطلبات المقدمة لإدخال مساعدات إلى القطاع. وقد شملت المعدات التي مُنع إدخالها: الخيام والأغطية البلاستيكية والبطانيات والفرشات والمواد الغذائية ومنتجات النظافة والمعدات المساعِدة للمعاقين وملابس الأطفال - وكلها مواد لا ينبغي أن تُفرَض أي قيود على إدخالها خلال وقف إطلاق النار وهي ضرورية لتلبية احتياجات المهجرين.حيال خطورة الجرائم التي تتحمل القيادة الإسرائيلية المسؤولية عنها، من واجب المجتمع الدولي التحرك بشكل فوري وحازم لضمان مثول صُناع القرار الإسرائيليين أمام العدالة ومطالبتهم بتحمل المسؤولية عن أفعالهم. بالإضافة إلى ذلك، يجب على المجتمع الدولي ضمان إدخال المساعدات الإنسانية المطلوبة في المدى الفوري، ثم البدء بعملية إعادة إعمار قطاع غزة، التي من المتوقع أن تستمر لعقود، دون تأخير وبطريقة فعالة، مع التغلب على الصعوبات والعراقيل التي تضعها إسرائيل، ومن المتوقع أن تواصل وضعها أمام عملية إعادة الإعمار. إذا سمح المجتمع الدولي للمسؤولين عن الجرائم بالإفلات من العقاب وسمح لإسرائيل بالتنصل من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية عن الدمار الذي ألحقته بقطاع غزة، فقد يتحول الطموح الإسرائيلي إلى "تطهير" قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين من كابوس إلى واقع غير قابل للتغيير.

19 كانون الأول/ديسمبر 2025

האני זיארה בבית החולים לאחר פציעתו. התמונה באדיבות המשפחה

قطاع غزة

إسرائيل تمنع العلاج وإعادة التأهيل عن آلاف الجرحى مبتوري الأطراف في القطاع، بينهم قرابة ألف طفل

منذ أن بدأت إسرائيل حربها المدمرة على قطاع غزة وحتى أيار 2025، أُصيب في الهجمات الإسرائيلية ما يزيد عن 100,000 شخص، غالبيتهم العظمى من المدنيين. بالإضافة إلى الأضرار الجسيمة التي ألحقتها بالمدنيين، تشنّ إسرائيل هجومًا مباشرًا ومنهجًيا ضد مختلف البنى التحتية الصحية في قطاع غزة، متجاهلةً الحماية الخاصة التي يمنحها القانون الدولي للمستشفيات والطواقم الطبية والجرحى والمرضى.وقد أفاد تعميم نشرته جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" في آذار 2025 بأنه في أعقاب الهجمات والحصار الذي فرضته إسرائيل، انهارت المنظومة الصحية في القطاع بشكل كامل، تقريبًا. كما أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 17 فقط من أصل 36 مستشفى في القطاع لا تزال تعمل حاليًا، لكن جميعها بشكل جزئي للغاية. من بين 3,560 سريرًا استشفائيًا كانت تضمّها المستشفيات قبل الحرب، لم يتبق اليوم سوى 1,685 سريرًا. من بين 105 غرف عمليات، لم يتبق سوى 45 غرفة، وهناك نقص في حوالي 87% من المعدات اللازمة لجراحة العظام. في ظل هذه الظروف، لا تستطيع الطواقم الطبية تقديم العلاجات اللازمة للمرضى والجرحى.وأفادت جمعية "أطباء لحقوق الإنسان"، أيضًا، بأنه على الرغم من تدمير المنظومة الصحية في القطاع، إلا أنّ إسرائيل تمنع الغالبية الساحقة من المرضى والجرحى من الخروج لتلقي العلاجات الطبية في الضفة الغربية أو في دول ثالثة. منذ إغلاق معبر رفح في أيار 2024 وحتى وقف إطلاق النار المؤقت في 19.1.25، تم إجلاء 450 مُصابًا فقط من القطاع. وخلال وقف إطلاق النار، الذي انتهكته إسرائيل في 18.3.25، تم إجلاء حوالي 1,680 مُصابًا إضافيًا من القطاع، جميعهم عبر معبر رفح، باستثناء ثمانية منهم عبر معبر كرم أبو سالم. منذ ذلك الحين، وعلى مدار أكثر من ثلاثة أشهر، تم إجلاء حوالي 280 مُصابًا فقط. في القوت الحالي، ثمة في القطاع نحو 14,380 مُصابًا بحاجة إلى علاج طبي عاجل غير متوفر في القطاع. وأفادت وزارة الصحة الفلسطينية بأن 513 مُصابًا، على الأقل، قد توفوا خلال انتظارهم الحصول على تصريح للخروج بغرض تلقي العلاج الطبي.في المستشفى، يتم تنظيف جروح هاني مرة واحدة كل يوم، في غرفة العمليات تحت التخدير. منطقة الحوض في خطر دائم من التلوث بسبب قربها من فتحة الشرج ومجرى البول. خضع لعملية جراحية أخرى في البطن ووُضعت له فغرة (فتحة صناعية). حالته صعبة للغاية. إنه بحاجة ماسة إلى علاج خارج القطاع لأنه لا تتوفر ظروف مناسبة له في المستشفى ولا أدوية ولا مسكنات للألم. لقراءة إفادة ليلي زيارة الكاملة عن بتر ساق ابنها الرضيع هاني جرّاء القصفغياب العلاج والتأهيل الملائمين لمصابي ومبتوري الأطراففي شهر كانون الثاني 2025، أفادت منظمة اليونيسف بأن عدد الأطفال مبتوري الأطراف في القطاع هو الأكبر في العالم، نسبة إلى عدد السكان.وفقًا لتقرير نشرته منظمة الصحة العالمية (WHO) في شهر أيار 2025 [نسخة منه محفوظة لدى بتسيلم]، أُصيب أكثر من 15,000 شخص في أطرافهم ـ وهو نوع الإصابة الأكثر شيوعًا في الحرب الحالية ـ وأكثر من 2,000 شخص تعرضوا لإصابات في العمود الفقري أو عانوا من أضرار دماغية رضّيّة. ووفقًا لبيانات قدمتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة لـجمعية "أطباء لحقوق الإنسان"، فقد اضطر أكثر من 4,700 شخص للخضوع لعمليات بتر أعضاء، من بينهم أكثر من 940 طفلاً وحوالي 370 امرأة.وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، حتى أيار 2025، كان رُبعٌ، على الأقل، من الجرحى الذين زاد عددهم عن 116,000 شخص في قطاع غزة، بحاجة إلى علاج تأهيلي متواصل، لكن معظم خدمات إعادة التأهيل توقفت عن العمل بسبب القصف والحصار والتدمير المتعمد للبنى التحتية الصحية. وتعمل خدمات إعادة التأهيل حاليًا في ثلاثة مستشفيات فقط في القطاع: "مستشفى الوفاء" في حي الشجاعية في مدينة غزة، و"مستشفى حمد لإعادة التأهيل"، في شمال مخيم الشاطئ للاجئين في مدينة غزة، و"مستشفى الأمل" في مدينة خان يونس. وتعاني مراكز إعادة التأهيل هذه من حالة انهيار تحت العبء وتواجه قوائم انتظار تضمّ مئات المصابين، إضافة إلى تقصير أيام الاستشفاء، خلافًا لتوصيات الأطباء، وحالة الاستنزاف التي تعاني منها الطواقم التي تُركت بدون معدات أساسية، مثل طاولات العلاج وأجهزة الحركة والأطراف الصناعية والضمادات.قصفت الطائرات منزلنا بينما كنا نائمين. جرّاء هذا القصف، قُتل أخي إبراهيم وزوجته سالي خضر صبحي ياسين وابنهما حمدي (عامان) وابنتهما الرضيعة ماسة (4 أشهر). تمزقت جثثهم أشلاء وتناثرت حتى أسطح المنازل المجاورة. أُصبتُ بجروح خطيرة في جميع أنحاء جسدي وفي بطني وخضعت لعدة عمليات جراحية. أُصيبت زوجتي أيضًا وجميع بناتي وأخي محمود وأفراد عائلته. [...] في التاسعة صباحًا، اضطر الأطباء لبتر ساق ابنتي مَلَك (5 أعوام)، لأن حالتها كانت خطيرة جدًا. لقراءة إفادة محمد الشرفا الكاملة عن بتر ساق ابنته مَلَك (5 سنوات) جرّاء القصفوفقًا للتقرير، تُرك عشرات آلاف الجرحى ومبتوري الأطراف بدون علاج ملائم، كما يتم تسريح العديد من الجرحى للعودة إلى الحياة في ظروف مستحيلة، سواء في الخيام أو المباني المدمرة أو الملاجئ المؤقتة، دون الحصول على المياه والكهرباء والأدوية بشكل كافٍ، ودون مرافقة عائلية في كثير من الأحيان. وتزيد هذه الظروف من تفاقم حالتهم وتؤدي إلى مضاعفات طبية لا يمكن إصلاحها.ويتضح من محادثات أجراها طاقم من جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" مع أطباء في القطاع، وكذلك من معلومات نشرتها منظمة "أطباء بلا حدود" (MSF)، أن الأطباء أبلغوا عن نقص حاد في مسكّنات الأوجاع مما يؤدي إلى إجراء عمليات بتر أعضاء من دون تخدير، بما في ذلك في حالات الأطفال. وروى أطباء عن عمليات بتر أعضاء أُجريت في ظروف غير صحية، دون معدات ملائمة لإجراء العمليات الجراحية، بل خارج مناطق المستشفيات حتى، في بعض الحالات. وفي الحالات التي لم يكن من الممكن فيها الحصول على أدوية أساسية، مثل المضادات الحيوية، اضطر الأطباء إلى بتر أطراف المصابين لإنقاذ حيواتهم، بينما كان من الممكن تجنب البتر في الظروف العادية.كانوا يُدخلون رزان إلى غرفة العمليات كل يوم لتنظيف الجروح وتغيير الضمادات ومع ذلك، أصيبت بتعفن الدم [...] بكيت عليها لأنني كنت أعرف أنها تعاني من آلام شديدة. ذات مرة قالت لي إنها ستموت وهذا حطم قلبي [...] لم تُجدِ مسكنات الألم نفعًا وكان جهازها الهضمي لا يعمل تقريبًا وكانت نسبة الأكسجين في دمها تنخفض باستمرار [...] أرادت أن تودعني وتودع والدها ولم ترفع عينيها عنا حتى لفظت أنفاسها الأخيرة وصمتت الأجهزة. لقراءة إفادة فلسطين بربخ عن موت ابنتها رزان (14 عامًا) بعد إصابتها جرّاء القصف وبتر ساقيهايتضح من تقرير منظمة الصحة العالمية أن حوالي 4,370 من البالغين والأطفال الذين بُترت أطرافهم خلال الحرب الحالية لا يزالون ينتظرون الحصول على معدات مُساعِدة، مثل العكاكيز أو الأطراف الصناعية، وأن 83% من الأشخاص الذين يعيشون مع إعاقة في قطاع غزة حاليًا فقدوا أجهزتهم المساعِدة ومعدات أساسية أخرى أثناء عمليات النزوح والتهجير. وقد توقفت الخدمات المجتمعية عن العمل بشكل شبه كامل والأشخاص ذوو المحدوديات الجسدية الدائمة ـ بمن فيهم الأطفال ذوو المحدوديات الجسدية المزمنة والأطفال المصابون بالشلل الدماغي ـ لا يتلقون اليوم أي علاج إطلاقًا، تقريبًا.وفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية، وكذلك لتقارير تلقتها جمعية "أطباء لحقوق الإنسان" من أطباء من القطاع ومن من الخارج حضروا إليه ضمن وفود طبية، اضطرت الطواقم الطبية إلى إجراء عمليات جراحية في ظروف غير إنسانية. في نهاية عام 2024، أفاد مدير مستشفى كمال عدوان، الدكتور حسام أبو صفية، بأن العديد من العمليات الجراحية أُجريت على أيدي فرق لم تتلق تدريبًا كاملاً أو لم تتخصص في الجراحة، بسبب النقص الحاد في المتخصصين جراء الحصار الإسرائيلي. ووقد اعتقلت إسرائيل أبو صفية أثناء اقتحام المستشفى في 27.12.24، وهو محتجز منذ ذلك الحين في "سجن عوفر".أنظر إليهما ويعتصر قلبي ألمًا. كيف ستواصلان حياتهما هكذا، بدون أرجل، وبدون أم؟ أخشى اللحظة التي ستسألني فيها حنان ومِسك عن أرجلهما. ماذا سأجيبهما؟ عندما سأذهب لشراء أحذية لأطفالي، ماذا سأفعل مع حنان ومِسك عندما تسألاني لماذا لا أشتري لهما؟ إذا قالتا لي "نريد أن ألعب"، "نريد أن أرقص"، "نريد أن أركب دراجة" - بماذا يمكنني أن أجيبهما؟ لقراءة إفادة شَِفا الدقي الكاملة عن ابنتيّ أخيها الطفلتين اللتين بُترت أرجلهما جرّاء القصفوفقًا للتقرير، يحتاج العديد من مبتوري الأطراف الآن إلى تدخلات طبية غير متوفرة في القطاع، مثل جراحات ترميمية إضافية وتركيب أطراف صناعية. وهكذا يُترك الجرحى بدون علاج، بدون مساعدة وبدون أمل في الشفاء اللائق. وقد تمكن عدد قليل فقط من الجرحى من الخروج لتلقي العلاج خارج القطاع، في مصر بشكل أساسي، لكن هذا العلاج غالبًا ما يكون محدودًا جدًا ولا يمكنه تلبية احتياجاتهم.يقرّ التقرير بأن القاصرين مبتوري الأطراف في القطاع يعيشون في محنة شديدة، جسديًا ونفسيًا. على الصعيد الجسدي، بعد تلقيهم علاجًا جزئيًا للغاية، إن حصل هذا أصلًا، يتم تسريحهم للعودة إلى الحياة في ظل ظروف غير لائقة لا تسمح بمتابعة العلاج واستمرايته.يعاني عمر كثيرًا منذ إصابته وفقدانه لعائلته. يختبئ طوال الوقت، لا يحب أن يراه أحد ويحاول إخفاء ذراعه المبتورة ووجهه. يذهب إلى الحمام كثيرًا وقد أظهرت الفحوصات أن ذلك ليس بسبب بمشكلة طبية. قال لي الطبيب إن ذلك مرتبط بحالته النفسية. لقراءة إفادة مها أبو كويك ـ أبو رزق الكاملة عن بتر ذراع ابن أخيها عمر (5 سنوات) جرّاء القصففي تقرير لها من أيلول 2024، وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش المحنة النفسية الفريدة التي يعيشها الأطفال الجرحى وذوو الإعاقة في غزة منذ اندلاع الحرب. وفقًا للتقرير، على خلفية أشهر طويلة من الصدمات والنزوح وظروف العيش المستحيلة، يعاني الكثير منهم الآن من الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم وأزمات نفسية أخرى، غالبًا ما تزيد في إضعاف قدرتهم على التعافي من الإصابات وتسبب لهم أضرارًا في النمو لا يمكن إصلاحها. وأصبحت خدمات الصحة النفسية ومنظومة الدعم النفسي- الاجتماعي، التي كانت إمكانيات الحصول عليها محدودة حتى قبل بدء الهجوم الحالي، أكثر ندرة منذ بداية الهجوم. وورد أيضًا أن هؤلاء الأطفال يعانون من القلق بسبب عدم قدرتهم على الهروب من القصف جرّاء إعاقتهم، إلى جانب الخوف من أن يتم التخلي عنهم في المرة القادمة التي تضطر فيها أسرهم إلى النزوح والقلق من أن حالتهم قد تعرّض بقية أفراد عائلاتهم إلى الخطر. ويقيم الكثير منهم في المستشفيات من دون مرافقين على الإطلاق، بعد أن فقدوا العديد من أفراد عائلاتهم.يعيش في قطاع غزة اليوم أكثر من مئة ألف جريح ومعاق دون بنية تحتية طبية أو بشرية أو منظومية تستطيع أن تقدم لهم خدمات ملائمة لإعادة تأهيلهم. فقد أبقتهم السياسة الإسرائيلية المتعمّدة، التي تشمل الحصار والقصف والإهمال المتواصل ـ عاجزين في واقع لا يجدون فيه أي فرصة للشفاء.قبل الإصابة، كنت لاعب جمباز محترفًا، تنافست مع محمد في المسابقات والفعاليات. كنا من المتفوقين في شمال القطاع. لكن الاحتلال سلب مني كل شيء: أخي التوأم، ساقيّ والقدرة على فعل أي شيء. نفسي محطمة [...] ما زلت أتلقى العلاج في مستشفى "أصدقاء المريض" في حي الرمال. من الصعب جدًا الوصول إلى هناك بسبب الأنقاض والحجارة في الشوارع. يحاول أبي الحصول لي على مسكنات للأوجاع من الصيدلية، لكنها باهظة الثمن للغاية. لا توجد مراهم ولا ضمادات في المستشفى، نحن نشتري كل شيء بأنفسنا. أعاني بشدة من آلام قوية وحالتي النفسية صعبة. فقدت الكثير من الوزن بسبب الجوع - لا يوجد لحم ولا خضروات ولا فواكه. يوجد فقط عدس وحمص. لكي أتعافى من الإصابات، يحتاج جسدي إلى طعام مغذٍّ. لقراءة إفادة أحمد الغلبان (16 عامًا) الكاملة عن بتر ساقيه واثنتين من أصابعه جرّاء القصف وفقدان شقيقه التوأم

9 تموز/يوليو 2025

مأخوذ من توثيق الفيديو. تصوير: يوسف زعنون

قطاع غزة

تدمير، قصف وتجويع: إسرائيل تدمّر الحياة في قطاع غزة

منذ شهرين تمنع إسرائيل إدخال المؤن والتجهيزات الإنسانيّة إلى قطاع غزّة وتجوّع صراحةًً أكثر من مليوني إنسان، بينهم أكثر من مليون طفل. في 16 نيسان أعلن وزير الأمن، يسرائيل كاتس، أنّه لن يتمّ استئناف إدخال الغذاء وسائر موادّ الإغاثة إلى قطاع غزّة واعترف، عمليّاً، بأنّ إسرائيل تستخدم التجويع كطريقة للقتال. في 25 نيسان أعلن "برنامج الأغذية العالميّ" التابع لمنظمة الأمم المتحدة (WFP) أنّ مخازنه في القطاع قد فرغت.المجتمع الدوليّ يسمح بهذا الحصار القاتل ويمتنع عن حماية الأرواح البشريّة. حكومة إسرائيل وبقيّة صُنّاع القرار يواصلون، بشكل متعمَّد وعلى رؤوس الأشهاد، إصدار الأوامر بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تفاقِم الكارثة الإنسانيّة في قطاع غزّة. على هؤلاء أن يتحمّلوا المسؤوليّة عن أفعالهم وأن يمثلوا للمُحاكمة.في 18 آذار جدّدت إسرائيل حملة القتل والإبادة في قطاع غزّة، وقتلت، منذ ذلك الحين، أكثر من 2,200 فلسطينيّ في غارات القصف الجوّي والمدفعي وإطلاق النيران بصورة عشوائيّة. منذ بدء الحرب، قتلت إسرائيل في قطاع غزّة أكثر من 52,000 فلسطينيّ، بضمنهم أكثر من 1,500 من الكوادر الطبّية وكوادر الإنقاذ والإغاثة. أمّا عدد الذين ماتوا جرّاء الجوع أو جرّاء النقص في مياه الشرب، إضافة إلى تفشّي الأمراض، فهو غير معروف، ومن المتوقّع أن يستمرّ في الارتفاع مع استمرار حملة القتل الإسرائيليّة. سجّل باحثو بتسيلم الميدانيون إفادات عدد من سكّان قطاع غزة، تحدّثوا فيها عن الحياة تحت وطأة التجويع:أنوار حمد (38 عاماً)، أمّ لستّة أولاد، من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، قالت: "يومَ ولدتُ ابنتي آلاء تناولتُ الفلافل، وفي وجبة الغداء تناولت الحلاوة، على أمل أن يُساعدني ذلك على إرضاعها. كنت جائعة طوال الوقت، لم أتناول الخضار أو الفواكه بتاتًا ولا اللحوم طبعًا، وخشيت ألّا أستطيع توفير ما يكفي من الحليب لآلاء… المجاعة التي نعيشها الآن هي الأقسى منذ بدء الحرب. إنّها تقضي علينا. لقد دب الوهن والهزال في أجسادنا. أذهب لأنام فأحلم بأن أستيقظ في الصّباح وأسمع أنّ الحرب قد انتهت. نحن مُنهكون تماماً. لا داعي للكلام، لأن لا شيء يمكنه التعبير عمّا نمرّ به.إلى متى سيستمرّ هذا الوضع؟ أنا واحدة فقط من مليونيّ إنسان فُرضت يتعرضون للتجويع في قطاع غزّة. نحن نواجه القصف والقتل، الجوع والعطش. أشتاق فقط لأن تدخل إلى بيتي حبّة بطاطا أو باذنجان! وصلنا إلى وضع نحلم فيه، ليلاً نهاراً، بالخضار واللّحوم. جعلونا أناساً لا يحلمون سوى بالطعام". لقراءة الإفادة الكاملةعبد الله شقّورة (40 عاماً)، أرمل وأب لثلاثة أولاد، من سكّان مدينة خان يونس، يروي قائلاً: "يتوسل أطفالي أن أحصل لهم على اللحوم أو البيض فأضطر أن أقول لهم إنني لا أستطيع. ما هي جريمة أطفالي؟ لماذا يستحقون هذا الجوع؟المجاعة التي فُرضت علينا الآن مُرعبة. لا يمكن الحصول هنا على أي شيء سوى الطحين، علب المعلّبات، الأرز والحبوب، البازيلاء والفاصوليا. الخضار الطازجة الوحيدة التي تباع هنا هي البنادروة، الخيار والفلفل، لكن أثمانها باهظة جدًا بالنسبة لنا. اللحوم أو الأسماك أو البيض غير متوفرة هنا بتاتًا. ولكن حتى الأشياء التي يمكن شراؤها، نحن لا نستطيع السماح لأنفسنا بطبخها. فغاز الطبخ ليس متوفرًا بالمرّة ولا يمكن الطبخ إلا على موقد نار، لكنّ الحطب يباع بأسعار باهظة جدًا بالنسبة لنا. لذلك، نحن نعتمد فقط على الطعام الجاهز الذي يوزعونه في التكايا والقليل من علب المعلبات. لولا هذه التكايا، لمتنا من الجوع منذ زمن. نحن نقف في الطوابير الطويلة للحصول على الطعام، من أجل العودة إلى المنزل ولو مع صحن واحد من الطبيخ. أحيانًا يقف أولادي في الطابور وفي أحيان أخرى أقف أنا. الكيلوغرام الواحد من الطحين يباع بخمسين شاقلًا وحين يكون بإمكاني، أشتريه وأخبز الخبز لكن هذه الكمية تنفد بسرعة كبيرة. منذ 53 يومًا ونحن نتعرض للتجويع الحقيقي". لقراءة الإفادة الكاملةهَلا شعشاعة (40 عامًا)، أمّ لخمسة أولاد، من سكّان مدينة غزّة، تحدّثت عن فترة ما قبل وقف إطلاق النار: "أحيانًا كنا نحصل على الطعام وفي أحيان أخرى لم نحصل عليه. كان من الصعب بشكل خاص الحصول على الخضار واللحوم. وكان هناك نقص في الطحين أيضًا، وأحيانًا لم يكن متوفّرًا على الإطلاق. كان ابني الصغير، عزّ الدين، يبكي كثيرًا ويردّد دائمًا "أنا جوعان". كان يذبحني سماع ذلك وكنتُ أبكي بسبب حالته، لكن هكذا كان حال الجميع. شرحتُ له أنّ الجميع جائعون وليس في وسعي فعل أيّ شيء…".أضافت شعشاعة فوصفت الوضع الحاليّ، بعد أن منعت إسرائيل إدخال المؤن وكل أشكال الإغاثة: "تقلّصت حياتنا إلى مجرّد صراع من أجل البقاء ـ نحن مشغولون كلّ يوم بأسئلة حول كيفيّة الحصول على الطعام والماء وكيف سنشعل موقد النار وكيفيّة الحصول على مال نقديّ. كلّ شيء صعب للغاية. قيمة المائة شاقل تعادل قيمة عشرة شواقل قبل الحرب. لا يمكنك هنا الآن شراء أي شيء، تقريبًا، بمائة شاقل.إذا بقيت المعابر مغلقة واستمرّت الحرب، فسنموت هنا من جرّاء القصف أو جرّاء المجاعة. هناك مجاعة شديدة هنا الآن. يقترح عزّ الدين أن نشتري لحم الخيل، وأنا أقول له: "لا يمكن تناوله". لكنّنا وصلنا إلى وضع أصبح الناس فيه يأكلون أيّ نوع من اللحوم التي يمكن العثور عليها هنا، بغضّ النظر عن مصدرها.يذهب أولادي إلى النوم على معدة خاوية، جائعين. تتحدّث ليان وبنان عن اشتياقهما للمُكسَّرات والشوكولاتة، وهي أشياء اختفت ولم يعد لها أثر هنا، بالنسبة لنا نحن على الأقلّ". لقراءة الإفادة الكاملة

5 أيار/مايو 2025