في أعقاب عمليّات نفّذها أفراد سحبت الإدارة المدنيّة خلال هذه السنة مئات تصاريح العمل من مئات الفلسطينيين العاملين في إسرائيل وفي المستوطنات كرد فعل على عمليات نفذها افراد يحملون اسم العائلة نفسه ويسكنون البلدة نفسها.
حتى أيّار 2018 سحبت الإدارة المدنيّة تصاريح العمل لنفس الأسباب المذكورة في ثلاث مناطق: في منطقة يطّا في محافظة الخليل، حيث سُحب العدد الأكبر من التصاريح وفي منطقة بيت سوريك شمال غرب القدس وفي برطعة الشرقيّة في محافظة جنين. رغم مرور أشهر طويلة على تطبيق هذا الإجراء ما زالت إسرائيل تجمّد تصاريح العمل وتحرم العمّال من كسب رزقهم وإعالة أسَرهم؛ وكلّما طالت هذه المدّة تتفاقم آثارها القاسية على حياة العمّال وأسَرهم. يفيد العمّال أنّ سحب التصاريح قلب حياة أسَرهم رأسًا على عقب وبعضهم غرق في الدّيون. تسيطر على هؤلاء العمّال الحَيْرة فهم لا يعرفون هل سيسترجعون تصاريحهم ولا متى سيتمّ ذلك. من جهة يضطرّون للبحث عن عمل في الضفة الغربية رغم أنّ ذلك يعني هبوطًا في الرّواتب ومستوى المعيشة؛ ومن جهة أخرى لا يمكنهم الالتزام بعمل قد يتخلّون عنه بمجرّد تجديد تصاريحهم وعودتهم إلى أماكن عملهم المعهودة.
سحب تصاريح الفلسطينيين الذين لا تربطهم أيّة صِلة بمنفّذي العمليات يأتي ضمن سياسة معلنة تتّبعها إسرائيل. في أعقاب مقتل شرطيّة من حرس الحدود طعنًا في عمليّة نفّذها فلسطينيون يوم 17.6.2017 في باب العامود في القدس كتب الجنرال يوآف مردخاي الذي كان حتى وقت قريب منسّق عمليّات الحكومة في الأراضي المحتلّة، أنّ إسرائيل قرّرت اتّخاذ سلسلة من الإجراءات "أوّلها إلغاء 250 ألف تصريح زيارة وسحب تصاريح العمل من عائلات منفّذي العمليّات". بعد مرور بضعة أشهر في أعقاب مقتل حارسَين وشرطيّ من حرس الحدود في عمليّة إطلاق نار عند مدخل مستوطنة "هار آدار" صرّح رئيس الحكومة أنّ من بين الإجراءات التي سيتمّ اتّخاذها "هدم منزل المخرّب وفرض طوق حول قريته بيت سوريك وسحب تصاريح العمل داخل إسرائيل من أبناء عائلته".
لم تُسحب التصاريح بادّعاء أنّ العمّال مسؤولون عن هذه العمليّات أو ضالعون فيها بأيّ شكل ولا حتّى بادّعاء أنّهم يعرفون الأشخاص الذين نفّذوا العمليات. استهدافهم بهذه القسوة مؤسّس فقط على حقيقة - تافهة في حدّ ذاتها وهي تطابق اسم العائلة الذي يحملونه مع اسم عائلة منفّذ العملية رغم أنّه في معظم الحالات لا توجد أيّة صلة تربطهم به. إنّها سياسة لا مبرّر لها بل إنها تشكّل عقابًا جماعيًّا يحظره القانون الدولي.
تستند هذه السياسة إلى تصوّر إسرائيل بأنّ تصاريح العمل التي تصدرها للفلسطينيين مِنّة أو حسَنَة تتفضّل بها عليهم. من هنا ترى إسرائيل لنفسها الحقّ في حرمانهم منها متى شاءت وإعادتها إليهم متى شاءت ودون أيّ سبب معقول أو منطقيّ. تتجاهل الدّولة تمامًا آثار هذا القرار وتتصرّف كأنّما ليست هي من تقيّد حركة الفلسطينيين وتمنع تطوّر اقتصادهم وانتفاعهم بالموارد. إنّه مثال آخر من أمثلة كثيرة على ممارسات إسرائيل التعسّفية في الضفة الغربية. هذا التعسّف يتحكّم بحياة الفلسطينيين ويشكّل جانبًا من جوانب عنف الدولة المنظّم والرّامي إلى إدامة السيطرة الإسرائيلية على سكّان مدنيّين ضمن حرمانهم من أيّة حقوق سياسيّة.
منطقة يطّا - محافظة الخليل
يعيش في بلدة يطّا الواقعة في محافظة الخليل نحو 65,000 شخص. وهناك نحو 30,000 من سكّان البلدة ومحيطها يحملون اسم العائلة "أبو عرام". في 2.8.2017 طعن إسماعيل أبو عرام عاملًا في سوبرماركت في "يفنه" وسبّب له جراحًا بليغة. في اليوم التالي سحبت الإدارة المدنيّة تصاريح العمل من أكثر من 1,000 فلسطيني يحملون اسم العائلة نفسه - 915 منهم يعملون داخل إسرائيل والبقيّة يعملون في المستوطنات. بداية سُحبت التصاريح لمدّة عشرة أيّام ولكن بعد أربعة أشهر في 14.12.2017 عادت الإدارة المدنية وألغت التصاريح وفي هذه المرّة قيل للعمّال إنّها مسحوبة "حتّى إشعار آخر".
في الإفادات التي جمعها الباحث الميداني لبتسيلم موسى أبو هشهش، حدّثه العمال من حمولة أبو عرام عن الصعوبات التي تواجههم في أعقاب حرمانهم من تصاريح العمل.
علي أبو عرام عامل بناء (51 عامًا متزوّج وأب لسبعة أبناء) أدلى بإفادته يوم 18.3.2018 قائلاً:
الصورة
علي أبو عرام عامل بناء. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم, 18.3.18
أسكن في قرية الكرمل شرقيّ بلدة يطّا وأعمل في إسرائيل منذ عام 2007. عندما سحبوا التصريح منّي كنت أعمل لدى مقاول إسرائيلي في حولون. لأجل هذا التصريح أنا أدفع له مبلغ 2,000 شيكل شهريًّا. كان تصريحي الأخير ساري المفعول حتى 9.6.2018. كنت أخرج إلى العمل في حولون كلّ يوم عند الفجر وأعود إلى منزلي بعد الساعة 19:00 عبر حاجز "ميتار". كنّا نعمل هناك أنا وأولادي الثلاثة المتزوّجون: نضال (24 عامًا) وجهاد (22 عامًا) ومحمد (21 عامًا) وجميعنا لدينا تصاريح. كانت حياتنا مستقرّة ورواتبنا جيّدة جدًّا. كنت أتقاضى يوميًّا 500 شيكل.
في بداية شهر آب هاجم شابّ من عائلة أبو عرام شخصًا إسرائيليًّا في "يفنه". في أعقاب ذلك سحبوا تصاريح العمل لمدّة عشرة أيّام - منّي ومن أبنائي ومن عمّال آخرين من حمولة أبو عرام. اضطررنا حينها إلى استصدار تصاريح عمل جديدة وعدنا إلى أماكن عملنا. بعد مرور عدّة أشهر في 14.12.2017 فوجئنا على حاجز "ميتار" أنّ تصاريحنا ملغية. في البداية ظننّا انّه قرار مؤقت يتعلّق فقط بذلك اليوم. لم يقدّم لنا الجندي في الحاجز أيّ تفسير فقط قال: "هذه هي التعليمات. عودوا إلى بيوتكم". عندما وصلت إلى البيت سمعت أنّهم سحبوا تصاريح مئات الأشخاص الذي يحملون اسم "أبو عرام" وهم في طريقهم إلى العمل في ذلك اليوم وأعادوهم إلى بيوتهم بغضّ النظر في أيّ حاجز كانوا.
منذ ذلك الحين أصبحنا عاطلين عن العمل - أنا وأبنائي الثلاثة وجميع العمّال من حمولة أبو عرام. اتّصلنا بجهات عديدة لكي يساعدونا لكن دون فائدة. اتّصلت بالمقاول الذي يشغّلني واستشار آخرون محامين ونظّموا اعتصامًا احتجاجيًّا في باحة الإدارة المدنيّة لكن لم يتغيّر شيء.
نحن بلا عمل وبلا مصدر دخل منذ ثلاثة أشهر وقد ألحق هذا بنا أضرارًا كبيرة. لقد بدأ ينتابني القلق خشية أن يصبح هذا الوضع دائمًا. لديّ بعض المدخرات ولكنّي أعتمد على الدخل اليوميّ. في الوقت الحالي تمكّنت من تقليص مصروف الأسرة بشكل كبير وقد بدأت في الإنفاق من مدّخراتنا. إيجاد عمل في يطّا أمر صعب جدًّا: عدد العاطلين عن العمل في البلدة كبير جدًّا وفرص العمل قليلة وكذلك الرواتب لا تكفي. إنّها سياسة عقاب جماعيّ.
أنا وأبناء عائلتي وزملائي في العمل محبطون تمامًا.
زاهر أبو عرام (25 عامًا ومتزوّج) أدلى بإفادته يوم 19.3.2018 قائلاً:
الصورة
زاهر أبو عرام. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم, 27.3.18
أسكن مع عائلتي في مدينة يطّا. لديّ تصريح عمل وفي السنتين الأخيرتين كنت أعمل في اللّد. كذلك أبي واثنان من أشقّائي يعملون في إسرائيل ولي شقيق آخر يعمل في المستوطنات. هناك 27 شخصًا يعتمدون في معيشتهم على عملنا.
في 3.8.2018 بعد يوم من هجوم على إسرائيليّ في "يفنه" نفّذه شخص من حمولة أبو عرام قيل لي بأنّني ممنوع من دخول إسرائيل. استمرّ ذلك المنع 10 أيّام وفي نهايته اضطررنا - أنا ووالدي وأشقّائي - إلى استصدار تصريح جديد. بعد مضيّ بضعة أشهر في 14.12.2018 حين وصلت إلى الحاجز أبلغت فجأة أنّ هناك حظر جديد على دخول العمّال من حمولة أبو عرام إلى إسرائيل وما زال الحظر ساريًا حتّى الآن.
كنت في منتصف مراحل بناء منزلي. اقتنيت موادّ بناء ودفعت شيكات للمقاولين ولكنّي لا أعلم إن كنت سأتمكّن من تسديد الديون وتغطية الشيكات. يساعدني الآن والدي وأشقّائي من مدّخراتهم ومع ذلك قرّرت وقف أعمال البناء في المنزل إلى أنا المعيل الوحيد لعشرة أشخاص - زوجتي وأولادي السّبعة إضافة إلى شقيقتي ووالدي البالغ من العمر 75 عامًا والذي يعاني مرض السكّري ومشاكل في القلب وارتفاع ضغط الدّم. يسكن والدي وشقيقتي في منزل منفرد.
لديّ ولدان يدرسان في الجامعة وهما محمد البالغ من العمر 20 عامًا وسوار البالغة من العمر 19 عامًا وبقيّة أولادي طلاب في المدارس. لا يوجد من يعيل كلّ هؤلاء غيري. مصروفنا الشهري على الأقل 6 آلاف شيكل منها 600 - 1000 شيكل لاحتياجات والدي وشقيقتي. أنا أكسب من العمل في إسرائيل 6 آلاف شيكل شهريًّا أي أنّ المدخول يساوي المصروف.
منذ أن منعوني من العمل في إسرائيل في أعقاب عمليّة إطلاق النار في مستوطنة "هار أدار" أصبحت بلا مصدر دخل. الوضع الاقتصاديّ والنفسيّ للأسرة صعب جدًّا.
أعمل في الجنائن منذ 14 عامًا 11 منها لدى لجنة حيّ في "مفَسيرِت تسيون". ليس من السّهل العثور على عمل كهذا في منطقتنا فهذه المهنة غير مطلوبة لدينا. كذلك لا أستطيع العمل في مهنة أخرى لأنّني أعاني من مشاكل جدّية في الرؤية. ولذلك فأنا عاطل عن العمل حاليًّا.
أصبح صعبًا عليّ توفير الاحتياجات الأساسيّة لأسرتي ومع ذلك لا يمكنني اقتراض الأموال من أشقّائي لأنّ وضعهم مشابه لوضعي: كانا يعملان في إسرائيل وسُحب منهما تصريح العمل. لقد اضطررت إلى بيع مصاغ زوجتي ولكن المال الذي حصلنا عليه قد نفد سريعًا جدًّا. يحرجني كثيرًا الذهاب إلى الأعراس أو للزيارات الاجتماعية لأنّ ذلك يتطلّب مصاريف لا أقدر عليها اليوم.
عندما أدرك ابني محمّد أنّ وضعنا الاقتصادي آخذ في التدهور انتقل من جامعة بير زيت إلى جامعة القدس المفتوحة لأنّ قسط التعليم في هذه الجامعة أقلّ بكثير ونظام التعليم يتيح له الدراسة والعمل في نفس الوقت ليكسب مصروفه الشخصي. ابنتي تدرس في دار المعلمين وتفكّر الآن في وقف الدّراسة لأنّها تحتاج يوميًّا مصاريف سفر و25 شيكل لأجل المصاريف الأخرى. عندما تدخل إلى المنزل وترى وضعي النفسي السيء تحضنني وتلاطف رأسي وتواسيني قائلة: "لا بأس يا أبي ستنتهي هذه المحنة بإذن الله" تقول ذلك وهي نفسها حزينة جدًّا.
الفقر والعوز أقسى ما يمكن لإنسان أن يمرّ به وهذا ما نمرّ به جميعنا في هذه الأيّام لا لشيء سوى أنّنا ومنفّذ العمليّة نحمل اسم العائلة نفسه. كان العمل في إسرائيل متنفّسنا الوحيد لكنّهم سدّوا هذا الباب في وجهنا.
بيت سوريك - محافظة القدس
في قرية بيت سوريك شمال غرب القدس يسكن نحو 4,500 شخص. في 26.9.2017 نفّذ نمر الجمل عمليّة في حاجز نصبه الجيش عند مدخل مستوطنة "هار ادار" وقتل حارسيْن مدنيّين يعملان في الحاجز وشرطيًّا من حرس الحدود. في أعقاب ذلك سحبت الإدارة المدنيّة التصاريح من نحو 150 عاملًا من سكّان القرية يعملون في إسرائيل والمستوطنات جميعهم يحمل اسم العائلة "الجمل". قيل للعمّال أنّ التّصاريح مجمّدة لمدّة نصف سنة ولكن في نهاية شهر آذار تبيّن أنّ دخولهم ما زال ممنوعًا حتّى إشعار آخر.
في إفادات سجلها الباحث الميداني لبتسيلم إياد حدّاد، في 9.4.2018 حدّثه أبناء عائلة الجمل القاطنون في بيت سوريك عن الصعوبات التي يواجهونها جرّاء هذا العقاب الجماعيّ:
أنا المعيل الوحيد لعشرة أشخاص - زوجتي وأولادي السّبعة إضافة إلى شقيقتي ووالدي البالغ من العمر 75 عامًا والذي يعاني مرض السكّري ومشاكل في القلب وارتفاع ضغط الدّم. يسكن والدي وشقيقتي في منزل منفرد.
لديّ ولدان يدرسان في الجامعة وهما محمد البالغ من العمر 20 عامًا وسوار البالغة من العمر 19 عامًا وبقيّة أولادي طلاب في المدارس. لا يوجد من يعيل كلّ هؤلاء غيري. مصروفنا الشهري على الأقل 6 آلاف شيكل منها 600 - 1000 شيكل لاحتياجات والدي وشقيقتي. أنا أكسب من العمل في إسرائيل 6 آلاف شيكل شهريًّا أي أنّ المدخول يساوي المصروف.
منذ أن منعوني من العمل في إسرائيل في أعقاب عمليّة إطلاق النار في مستوطنة "هار أدار" أصبحت بلا مصدر دخل. الوضع الاقتصاديّ والنفسيّ للأسرة صعب جدًّا. أعمل في الجنائن منذ 14 عامًا 11 منها لدى لجنة حيّ في "مفَسيرِت تسيون". ليس من السّهل العثور على عمل كهذا في منطقتنا فهذه المهنة غير مطلوبة لدينا. كذلك لا أستطيع العمل في مهنة أخرى لأنّني أعاني من مشاكل جدّية في الرؤية. ولذلك فأنا عاطل عن العمل حاليًّا.
أصبح صعبًا عليّ توفير الاحتياجات الأساسيّة لأسرتي ومع ذلك لا يمكنني اقتراض الأموال من أشقّائي لأنّ وضعهم مشابه لوضعي: كانا يعملان في إسرائيل وسُحب منهما تصريح العمل. لقد اضطررت إلى بيع مصاغ زوجتي ولكن المال الذي حصلنا عليه قد نفد سريعًا جدًّا. يحرجني كثيرًا الذهاب إلى الأعراس أو للزيارات الاجتماعية لأنّ ذلك يتطلّب مصاريف لا أقدر عليها اليوم.
عندما أدرك ابني محمّد أنّ وضعنا الاقتصادي آخذ في التدهور انتقل من جامعة بير زيت إلى جامعة القدس المفتوحة لأنّ قسط التعليم في هذه الجامعة أقلّ بكثير ونظام التعليم يتيح له الدراسة والعمل في نفس الوقت ليكسب مصروفه الشخصي. ابنتي تدرس في دار المعلمين وتفكّر الآن في وقف الدّراسة لأنّها تحتاج يوميًّا مصاريف سفر و25 شيكل لأجل المصاريف الأخرى. عندما تدخل إلى المنزل وترى وضعي النفسي السيء تحضنني وتلاطف رأسي وتواسيني قائلة: "لا بأس يا أبي ستنتهي هذه المحنة بإذن الله" تقول ذلك وهي نفسها حزينة جدًّا.
الفقر والعوز أقسى ما يمكن لإنسان أن يمرّ به وهذا ما نمرّ به جميعنا في هذه الأيّام لا لشيء سوى أنّنا ومنفّذ العمليّة نحمل اسم العائلة نفسه. كان العمل في إسرائيل متنفّسنا الوحيد لكنّهم سدّوا هذا الباب في وجهنا.
مهدي الجمل كهربائي (34 عامًا وخاطب) قال في إفادته:
الصورة
مهدي الجمل. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم, 9.4.18
أنا مسؤول عن إعالة ستّة أنفار: والدي ووالدتي وأخواتي الأربع. جميعنا نسكن في بيت سوريك. والدي مريض وغير قادر على العمل. وأنا خاطب وقد خطّطنا للزواج في هذا الشهر في نيسان.
أعمل في إسرائيل منذ 15 سنة وفي العشر الأخيرة منها أعمل لدى مقاول كهرباء إسرائيلي في مستوطنة "هار أدار" المجاورة. لديّ تصريح عمل في المستوطنات يجدّده المشغّل كلّ ثلاثة أشهر.
منذ أن وقعت عمليّة إطلاق النار في المستوطنة قبل سبعة أشهر مُنع جميع العمّال من حمولة الجمل من العمل في إسرائيل وفي المستوطنات. يعمل في مستوطنة "هار أدار" نحو عشرين أو ثلاثين من حمولة الجمل - جميعهم ألغيت تصاريحهم. أصبح ممنوعًا دخولنا إلى هناك. إضافة إلى إلغاء تصاريح أكثر من مائة شخص من حمولة الجمل يعملون داخل إسرائيل.
عوقبنا جميعًا على أمرٍ لم نفعله ولا علاقة لنا به. سحب تصاريح العمل ألحق بنا أضرارًا اقتصاديّة وأذانا نفسيًّا واجتماعيًّا.
كنت أكسب في السّابق 250 شيكل يوميًّا والآن لا شيء. أصبحت بلا مصدر دخل. بعد شهر من سحب تصريحي ذهبت للعمل في كسّارة في الضفة الغربية براتب ضئيل جدًّا 100 شيكل في اليوم. إنّها أعمال شاقّة ومنهكة وهي ليست مهنتي ولذلك اضطررت بعد مضيّ 12 يومًا لترك العمل. أنا الآن عاطل عن العمل.
أكاد لا أخرج من المنزل. أخرج فقط لأتمشّى قليلاً لكيّ أحرّك جسمي. أنا لا أجرؤ على الدخول إلى مقهى أو مطعم لكي أوفّر في المصروف. كنت أزور خطيبتي مرّة كلّ أسبوع ولكن بعد سحب تصريح العمل أذهب فقط مرّة في الشهر. لا أعلم كيف سنتدبّر أمرنا. لقد حدّدنا موعد زفافنا في هذا الشهر لكنّي اضطررت لتأجيل العرس إلى شهر أيلول على أمل أن تحلّ المشكلة حتى ذلك الحين.
كانت لديّ بعض المدخرات لكنّني صرفتها على الاستعدادات للعرس وعلى حفل الخطوبة في السنة الماضية. عندما سحبوا تصريحي كانت مدّخراتي قد نفدت. اضطرّ اليوم لاقتراض النقود من أصدقائي وأحيانا من أشقّائي المتزوّجين.
عندما كنت أعمل كنت أستطيع إعالة والديّ ولكن منذ سحب التصريح يتكفّل أشقّائي بإعالتهما. لولا أشقّائي لما كان لديهم شيء. إنّه وضع صعب جدًّا وصعب نفسيًّا أيضًا. كنت أحسّ أنّني رجل ناضج ومسؤول عن أسرة والآن أمدّ يدي إلى جيبي فلا أجد حتّى ثمن السجائر.
أنا عالق بين السماء والأرض في انتظار أن يسمحوا بعودتي إلى العمل. أخشى كثيرًا أن يستمرّ هذا الوضع ويصبح دائمًا لأنّ في ذلك هدم لمستقبلي. أنا أريد الزواج وإنشاء أسرة مثل بقيّة البشر. أخشى ما أخشاه أن تتحوّل أحلامي كلّها إلى وهْم.
برطعة الشرقيّة - محافظة جنين
برطعة الشرقية قرية فلسطينية في محافظة جنين زجّتها إسرائيل في جيب بين الخطّ الأخضر والجدار الفاصل. يعيش في القرية نحو 5,000 شخص جميعهم تقريبًا يحملون اسم العائلة "كبها". أحد سكّان القرية ويدعى علاء كبها قتل جنديّين دهسًا في 16.3.2018 قرب مستوطنة "ميفو دوتان". في اليوم نفسه سحبت الإدارة المدنيّة تصاريح ما يقارب مئة شخص من سكّان القرية: 67 تصريح عمل داخل إسرائيل 26 تصريح لمزاولة أعمال التجارة وأربعة تصاريح عمل في المستوطنات.
في الإفادات التي سجلها الباحث الميداني لبتسيلم عبد الكريم السعدي في 16.4.2018 حدّثه أبناء حمولة كبها في برطعة الشرقية عن الصعوبات التي يلاقونها جرّاء سحب تصاريحهم.
الصورة
زكريّا كبها. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 16.4.18
زكريّا كبها عامل كهرباء (37 عامًا متزوّج وأب لثلاثة أطفال) قال:
أسكن في برطعة الشرقية مع زوجتي وأولادي الثلاثة الصّغار. منذ عدّة أشهر بدأت العمل في الخضيرة في شركة لأعمال الكهرباء والبنية التحتية ولديّ تصريح عمل داخل إسرائيل.
في يوم الأحد الموافق 18.3.2018 عند نهاية الدّوام أبلغنا المشغّلون أنّ إسرائيل سحبت تصاريح العمل من جميع أبناء حمولة كبها. هناك أربعة غيري من الحمولة نفسها يعملون هناك. قيل لنا ألّا نعود إلى أن تُنهي السلطات الحظر.
هذا القرار يعني أنّني لن أتمكّن من إعالة أسرتي - زوجتي وأولادي الثلاثة. منذ وفاة والدي أعيل أيضًا والدتي وأشقّائي الثلاثة - أحدهم يعاني متلازمة داوْن. أرى أنّه عقاب جماعيّ لأناس أبرياء. أفراد أسرتي لم يفعلوا شيئًا يستدعي ذلك.
يومًا بعد يوم أتّصل بصاحب العمل لأسأل هل ألغي الحظر. لقد مرّ شهر بأكمله وما زلنا نجلس في بيوتنا بلا عمل وبلا مصدر دخل جارٍ. لا توجد لدينا سبُل أخرى لإعالة أسَرنا.
محمّد كبها عامل بناء (41 عامًا متزوّج وأب لستّة أبناء) قال:
الصورة
محمّد كبها. تصوير: عبد الكريم السعدي, بتسيلم, 16.4.18
أنا عامل بناء في شركة بناء إسرائيلية منذ خمس سنوات. لديّ تصريح عمل تهتمّ الشركة بطلبه وتجديده كلّ نصف سنة. بعد أن دهس علاء كبها جنودًا في 16.3.2018 قرّرت السلطات معاقبة السكّان الذين يحملون اسم العائلة نفسه لكنّ حمولة كبها كبيرة ولا يوجد ما يربط الناس ببعضها سوى الاسم. لقد فرضت السلطات عقابًا جماعيًّا طال كلّ من لديه تصريح دخول لإسرائيل من سكّان القرية الذين يحملون اسم عائلة كبها.
أنا عاطل عن العمل منذ أن سحبوا منّي التصريح وحرموني من الوصول إلى مكان عملي في نتانيا. أبلغت السلطات المسؤولين في مكان العمل انّه يُحظر عليهم تشغيل أشخاص من حمولتنا حتى إشعار آخر.
لقد غيّر هذا العقاب كلّ شيء في حياتنا. إضافة إلى زوجتي وأولادي أنا أعيل والدتي وأخي المعاق الذي يعاني الصّمم ايضًا. لديّ ولدان يدرسان في المعاهد وقد طلبت منهما أن يوقفا التعليم لأنّه لا يوجد لدينا ما يكفي من المال. لقد ألحق هذا الحظر ضررًا مباشرًا بأسرتي.
عمل معي سبعة أشخاص آخرين يحملون اسم العائلة "كبها" وجميعهم الآن عاطلون عن العمل. علاقتنا مع المشغّلين كانت جيّدة جدًّا ولم تحدث بيننا مشاكل أبدًا. لقد توجّهت إلى مديريّة الارتباط الفلسطينية لكي يساعدونا كما توجّهت بلدية برطعة للجهات المعنيّة. أتمنّى أن نسمع أنباءً طيّبة. أنا أتّصل يوميًّا مع أصحاب الشركة لأستفسر هل تغيّر شيء. إذا استمرّ هذا الحظر فذلك يعني استمرار معاناة أسَرنا جميعًا.
في يوم الجمعة الموافق 18.8.23 نحو الساعة 11:30 حضر ابنا الخالتين محمود ويحيى النواجعة (18 و16 عامًا على التوالي) إلى حاجز "ميتار" الذي تمّ توصيلهما إليه بسيّارة فلسطينيّ من مواطني إسرائيل. كان الاثنان في طريق عودتهما من داخل إسرائيل إلى منزلهما في تجمُّع الجوايا، جنوبي- شرق بلدة يطّا في تلال جنوب الخليل. عندما وصلا إلى الحاجز أخرج الجنود السائق والراكبَين من السيّارة وأجروا تفتيشًا على أجسامهم. أخذ الجنود من الثلاثة حقائبهم وهواتفهم المحمولة وكذلك سوارًا وخاتمًا كان يضعهما يحيى عليه وأجرة عمل بمبلغ 8,000 ش.ج. نقدًا كان ابنا الخالتين يحتفظان بها في جيبيهما. بعد ذلك قام الجنود بربط أيادي الثلاثة خلف ظهورهم بأكياس من النايلون وغطّوا أعينهم بأكياس من النايلون وأدخلوهم في سيّارة جيب عسكريّة. وردًّا على سؤالهم قيل لهم إنّه سيتمّ أخذهم إلى حاجز "بيت يتير/خ. لصيفر" ("متسدوت يهودا"). بعد وصولهم إلى المعسكر المجاور لحاجز "بيت يتير" أُنزِل الثلاثة من سيّارة الجيب وأجلِسوا على الأرض في ساحة المعسكر. على هذه الحال جلسوا على الأرض وأياديهم مربوطة وأعينهم معصوبة طوال ساعات الليل كلّها حتّى ساعات الظهيرة من اليوم التالي. حتّى في ساعات الظهر، في عزّ الحرّ الشديد، منع الجنود الشبان الثلاثة من الشرب أو الأكل أو الذهاب إلى المرحاض. وعندما طلبوا من الجنود الجلوس في مكان مظلل رفض الجنود ذلك، كما مُنِعوا من الاتّصال بأفراد عائلاتهم أو بالمحامي لإبلاغهم بمكان وجودهم. في وقت لاحق، اقتيد الثلاثة إلى غرفة في القاعدة العسكريّة وتمّ تقييد أياديهم بالأصفاد مجدّدًا، وهذه المرّة من الأمام، وتمّ استبدال الأكياس التي على أعينهم بأغطية من القماش. جرى التحقيق معهم بالعربيّة وسُئلوا عن أسمائهم وأعمارهم وعن كيفيّة دخولهم إلى إسرائيل وبماذا عملوا هناك. من هناك تمّ نقلهم إلى منشأة عسكريّة أخرى، حيث تمّ أخذ بصمات الأصابع من ثلاثتهم وهم مقيّدو الأيدي ومعصوبو الأعين ثمّ قام الجنود بفصل السائق الذي كان يُقلّ محمود ويحيى وأطلقوا سراحه فيما بعد. أدخِل محمود ويحيى إلى السيّارة مجدّدًا وأُجلِسا في داخلها لمدّة نصف ساعة تقريبًا. وبعد سفرة قصيرة إلى دوّار بيت عينون على شارع 60، شمال الخليل، أخرجهما الجنود من السيّارة وأبلغاهما بأنّه تمّ إطلاق سراحهما. بعد توسّلهما فقط، أزال الجنود الأصفاد وعصابات الأعين عنهما ثمّ أعادا لهما هاتفيهما المحمولين وليحيى الحلى التي كانت عليه أثناء الاعتقال. وعندما طالبا الجنود بالنقود التي أخِذتْ منهما أيضًا زعم هؤلاء بأنّ النقود حُوِّلتْ إلى الشرطة وغادروا المكان. اتّصل محمود بوالده الذي حضر إلى المكان وأوصلهما إلى منزليهما بعد أكثر من عشرين ساعة دون طعام أو شراب. في اليوم التالي توجّه محمود ويحيى النواجعة إلى محطّة الشرطة في "كريات أربع" للمطالبة باستعادة نقودهما، لكنّ أفراد الشرطة أحالوهما إلى معسكر شرطة حرس الحدود في مستوطنة "تيلم". عندما وصلا إلى هناك قِيل لهما إنّ عليهما العودة في اليوم التالي. في 31.8.23 توجّه الاثنان إلى "مركز الدفاع عن الفرد" لكي يقدّم باسمهما شكوى في الشرطة للمطالبة بإعادة نقودهما. باحث بتسيلم الميدانيّ باسل العدرة سجّل إفادتي الاثنين: محمود النواجعة (18 عامًا)، من سكّان الجوايا، قال في إفادته: منذ أن أنهيتُ دراستي وأنا أساعدُ في إعالة الأسرة. في شهر حزيران 2023 بدأتُ أعمل في بلدة عرّابة داخل الخطّ الأخضر. لم يكن لديّ تصريح عمل فتسلّلتُ. وبعد شهر تقريبًا انضمّ إليّ ابن خالتي يحيى النواجعة (16 عامًا) للعمل أيضًا. في 18.8.23 قرّرنا العودة إلى المنزل ودفعنا أجرة السفريّة لفلسطينيّ مواطن في إسرائيل. نحو الساعة 23:30 وصلنا إلى حاجز "ميتار" وأوقف عنصر الحراسة هناك السيّارة وطلب رؤية بطاقات الهويّة. أظهر له السائق بطاقة هويّته وأنا قلتُ له إنّ بطاقة هويّتي ليست معي. ويحيى قال أيضًا إنّه ليس لديه بطاقة هويّة لأنّ عمره 16 عامًا ولم يُصدرها بعد. أمرنا رجل الحراسة بالخروج من السيّارة وطلب من السائق أن يوقفها في موقف السيّارات المجاور للحاجز. أبعدنا بعض الجنود عن السيّارة قليلًا وقامت جنديّة بتفتيش السيّارة بجهاز إلكترونيّ. في تلك الأثناء أمرني الجنود بالاتّصال بوالديّ لأطلب منهما أن يرسلا لي رقم بطاقة هويّتي أو صورة عنها. حاولتُ الاتّصال لكنّ أحداً لم يردّ. أدخلوني أنا ويحيى والسائق إلى إحدى الغرف في الحاجز والتقطوا لنا صورًا هناك، ثمّ تعرّفوا على وجوهنا. بعد ذلك نقلونا إلى مقصورة صغيرة وقاموا بتفتيش أجسادنا وأخذوا منّا كلّ شيء كان معنا: هواتفنا المحمولة، الحقائب بما فيها من ملابس، وكذلك مبلغ 5,000 شيكل كسبتُه في كلّ أشهر العمل ومبلغ 3,000 شيكل الذي كسبه يحيى وكان معه. بعد ذلك ربطوا أيدينا خلف ظهورنا بأكياس من النايلون وغطّوا أعيننا بأكياس أيضًا وأصعدونا نحن الثلاثة إلى سيّارة جيب عسكريّة سوداء. سألتُهم إلى أين يأخذوننا فأجاب أحد الجنود: "إلى متسودات يهودا". بعد نحو عشر دقائق من السفر (نحو الساعة 00:30)، أنزلونا من السيّارة وأجلسونا على الأرض في داخل قاعدة عسكريّة. شعرتُ بسيّارات تسير بسرعة كبيرة بجانبنا. كان هذا الأمر مخيفًا حقًّا وقلقتُ جدًّا بشأن ما سيحدث، خصوصًا أنّه لم يعلم أحد من عائلتنا بتاتًا بأنّهم اعتقلونا. طلبتُ من الجنود أن يحاولوا الاتّصال ثانيةً بأحد أفراد العائلة لكنّهم رفضوا. كذلك عندما طلبنا منهم شرب الماء أو الأكل لم يعطونا أيّ شيء واكتفوا بأمرنا بالصمت وبعدم التحدّث مع بعضنا البعض. سألنا كم من الوقت سنبقى على الأرض هكذا، فقال أحد الجنود لوقت طويل. بقينا هناك على هذه الحال طوال الليل. في صباح اليوم التالي، بعد نحو ساعة ونصف الساعة من سماعنا أذان الفجر، كان الجوّ قد أصبح حارًّا جدًّا. لم نعد قادرين على تحمّل حرارة الشمس وطلبنا من الجنود الانتقال إلى مكان أكثر فيئًا لكنّهم رفضوا. في ساعات الظهيرة أصبح الأمر لا يطاق وطلبنا ثانية عدّة مرّات، لكنّهم رفضوا في كلّ مرّة. في مرحلة ما تمكّنت من إزالة النايلون عن عينيّ، وفي غضون لحظة أعاده لي بعض الجنود وصرخوا عليّ بأنّه ممنوع أن أزيله. جلسنا على الأرض وأيدينا مربوطة وأعيننا مغطّاة لمدّة 15 ساعة متواصلة، حتّى أدخلنا الجنود إلى غرفة في القاعدة. أزالوا النايلون عن أعيننا وغطّوها مجدّدًا بقطعة قماش وربطوا أيدينا بإحكام بأصفاد بلاستيكيّة، من الأمام هذه المرّة، ثمّ أجلسونا على كراسٍ. فجأةً تحدّث معنا شخص لم أرَ وجهه. عرَّف عن نفسه بأنّه "خالد" وسأل كلّ واحد منّا أسئلة بلغة عربيّة غير جيّدة. سألني عن اسمي وكم عمري وأين عملتُ وكيف دخلتُ إلى إسرائيل. وسأل أيضًا يحيى والسائق الذي أقلّنا نفس الشيء. بعد ذلك أصعدنا الجنود إلى سيّارة الجيب مرّة أخرى وسافرنا أربعين دقيقة حتّى أنزلونا وأدخلونا مرّة أخرى إلى الغرفة التي أخذوا منّا فيها بصمات أصابعنا، بينما كانت أيدينا لا تزال مقيّدة بالأصفاد وأعيننا معصوبة. بعد ذلك أصعدوني أنا ويحيى إلى سيّارة مدنية. لا أعرف إلى أين أخذ الجنود السائق الذي أقلّنا. انتظرنا في السيّارة نحو نصف ساعة حتّى بدأت السيارة بالتحرّك، وبعد بعض الوقت أنزلونا وقالوا لنا إنّ بإمكاننا الذهاب. لم يزيلوا العصابتين عن أعيننا وكانت أيادينا لا تزال مقيّدة بالأصفاد. فقط بعد أن توسّلنا إليهم أن يزيلوا الأصفاد والعصابتين فعلوا ذلك، ثمّ أدركنا أنّنا موجودان في دوّار بيت عينون. أعاد لنا أحد الجنود الهاتفين. سألْنا أين نقودنا فقال الجنديّ إنّ النقود موجودة لدى الشرطة، ثمّ غادر الجنود. تمكّنتُ من تصوير لوحة السيّارة الخاصّة بهم. كان ذلك نحو الساعة 18:00-17:30. اتُصلتُ بوالدي وجاء لاصطحابنا. كنّا منهكَين بشكل فظيع. اتّصلتُ لاحقًا بالسائق الذي أقلّنا فأخبرني بأنّهم أطلقوا سراحه وبأنّ أصدقاءه أقلّوه، لكنّ الجنود صادروا سيّارته. في اليوم التالي ذهبتُ مع يحيى إلى شرطة "كريات أربع" لاستعادة نقودنا لكنّهم قالوا لنا إنّ ملفّنا يُعالَج في معسكر "تيلم". ذهبنا إلى معسكر "تيلم" لكنّهم طُلبوا منّا أن نعود في اليوم التالي. في صباح اليوم التالي اتّصلوا بي من شرطة "كريات أربع" وطلب منّي المترجم أن أشرح له ما حدث وكم هو مبلغ النقود، فأخبرته وقلت له إنّني أنوي الحضور في اليوم التالي إلى معسكر "تيلم" لتسلّم النقود من هناك. قال إنّهم سيتّصلون بي لكنّ ذلك لم يحدث. يحيى النواجعة (16 عامًا)، من سكّان يطّا، قال في إفادته: بحثتُ عن عمل خلال العطلة الصيفيّة حتّى يكون لديّ ما يكفي من مصروف جيب للسنة الأخيرة من دراستي الثانويّة. رتّب لي ابن خالتي، محمود النواجعة، عملًا سويّةً معه في منطقة عرّابة في إسرائيل وبدأتُ بالعمل هناك في 15.7.23. كان يوم 20.8.23 هو اليوم الدراسيّ الأوّل وأردتُ أن يكون لديّ وقت كافٍ للاستعداد، لذلك ترك كلانا العمل في 18.8.23. خرجنا نحو الساعة 21:30 مع سائق فلسطينيّ مواطن في إسرائيل وأقلّنا مقابل أجر، ونحو الساعة 23:30، عندما وصلنا إلى حاجز "ميتار"، احتجزنا رجل الحراسة هناك عندما رأى أنّنا، أنا ومحمود، بدون بطاقة هويّة. أبرز السائق الذي أوصلنا بطاقة هويّته لرجل الحراسة، وأمرني رجل الحراسة أنا ومحمود بالخروج من السيّارة وأمر السائق بركْنها في الساحة المجاورة للحاجز. خرج كلانا من السيّارة ورافقنا جنديّان في داخل الساحة ذاتها، ثمّ جاء جنديّان آخران وجنديّة، وقامت هي بتفتيش السيّارة بجهاز إلكترونيّ. طالبنا الجنود مرّة أخرى بإظهار بطاقات الهويّة ولكنّنا قلنا لهم مرّة أخرى أنّه ليس لدينا. اقتادونا نحن الثلاثة إلى داخل غرفة في الحاجز، صوّرونا هناك ثمّ أجروا تفتيشًا على أجسادنا في داخل مقصورة صغيرة. أخذوا منّا هواتفنا وأخذوا منّي أيضًا سوارًا وخاتمًا كنت أضعهما على يدي، كما أخذوا مبلغ 3,000 شيكل كنتُ قد كسبتُه من العمل. أخذوا من محمود أيضًا مبلغًا قدره 5,000 شيكل كان قد كسبه. بعد ذلك قام الجنود بربط أيدينا خلف ظهورنا بأكياس من النايلون، كما قاموا أيضًا بتغطية أعيننا بأكياس من النايلون. بعد ذلك أصعدنا الجنود إلى سيّارة جيب، وبعد عشر دقائق من السفر أنزلونا وأجلسونا على الأرض في داخل قاعدة عسكريّة. كان ذلك مخيفًا لأنّني لم أرَ شيئًا ولم أكن أعرف ما الذي يخطّط له الجنود. شعرتُ فقط بسيّارات تسير بسرعة كبيرة بجواري. طلبتُ من الجنود الذهاب إلى المرحاض عدّة مرّات لكنّهم لم يسمحوا لي بذلك. لم يعطونا ماءً وطعامًا أيضًا ومنعونا من التحدّث مع بعضنا البعض. طلبتُ أنا ومحمود الاتّصال بعائلتنا أو بمحامٍ، لكنّ أحد الجنود كان يقول في كلّ مرّة نفس الكلمة: "ممنوع". بعد نحو ساعة ونصف الساعة من سماعنا أذان الفجر، وكانت الشمس قد أشرقت، طلبنا منهم أن ينقلونا إلى الظلّ لكنّهم رفضوا. عند الظهر، لم نعد قادرين على تحمّل الحرارة الشديدة بعد أن جلسنا مقيَّدين هناك لمدّة 15 ساعة متواصلة، لكنّهم استمرّوا في الرفض عندما طلبنا الانتقال إلى مكان أكثر فيئًا. في مرحلة ما أدخلونا نحن الثلاثة إلى غرفة في المعسكر وعصبوا أعيننا بالقماش بدلًا من النايلون، كما استبدلوا ربط أيدينا بأصفاد بلاستيكيّة وهذه المرّة قيّدونا من الأمام. قام أحد الجنود بتقييد يديّ بشكل شديد جدًّا وكان ذلك مؤلمًا. ثمّ سأل ثلاثتنا شخصٌ قال إنّ اسمه "خالد" بعض الأسئلة بلغة عربيّة غير متقنة، مثل كم عمرنا، أين عملنا وكيف دخلنا إلى إسرائيل. بعد ذلك أخرجونا نحن الثلاثة من الغرفة وأصعدونا ثانيةً إلى سيّارة جيب. بعد 40 دقيقة من السفر أنزلونا وأدخلونا إلى غرفة ما وأخذوا بصمات أصابعنا رغم أنّ أيدينا كانت لا تزال مقيَّدة وأعيننا معصوبة. بعد ذلك أصعدونا ثانية أنا ويحيى فقط إلى سيّارة وانتظرنا في داخلها لمدّة نصف ساعة تقريبًا. وبعد سفرة قصيرة أنزلنا الجنود وقالوا لنا إنّ بإمكاننا الذهاب دون أن يزيلوا لنا الأصفاد والأغطية عن الأعين. طلبنا منهم أن يفكّوها لنا لكنّ أحدهم قال إنّ ذلك ممنوع. لم نفهم لماذا كان يريد أن يتركنا هكذا في منتصف الشارع وظللنا نصرّ على ذلك حتّى قام أحدهم بفكّ الأصفاد لنا وبإزالة أغطية الأعين. شعرتُ بالارتياح. كما أعادوا لنا هاتفينا وأعادوا لي السوار والخاتم اللذين كنتُ أضعهما في يدي. لم يعيدوا لنا النقود التي أخذوها منّا وعندما طلبنا إعادتها لنا قال الجنديّ إنّها لدى الشرطة. بعد ذلك غادروا المكان واتّصل محمود بوالده الذي جاء ليأخذنا. كنّا جائعين ومتعبين للغاية وأردنا النوم فقط.
يعاني اقتصاد قطاع غزة ركودًا غير مسبوق بفعل سياسات إسرائيل: 12 سنة من الحصار و19 سنة من فصل قطاع غزة عن الضفة الغربيّة والتوقّف عن إصدار تصاريح عمل داخل إسرائيل لسكّانه. يفيد التقرير الأخير الصادر عن البنك الدوليّ أنّ تراجعًا إضافيًّا حدث في السنتين الأخيرتين بسبب تقليص الهِبات الدوليّة من "الدّول المانحة" والتحويلات الماليّة من السّلطة الفلسطينيّة. تفيد معطيات دائرة الإحصاء الفلسطينيّة عن معدّلات البطالة في القطاع في عام 2018 أنّ معدّل البطالة العامّ في القطاع بلغ 52% و-69% بين الشباب حتى سن 26 عامًا و-78% بين الشباب ذوي الألقاب الأكاديميّة و-74.5% بين النساء. منذ بداية الانتفاضة الثانية في أيلول 2000 أي قبل أن تتّبع إسرائيل سياسة الحصار بدأت في فرض قيود مشدّدة على حركة سكان قطاع غزة وفصلت القطاع فصلًا شبه كلّي عن الضفة الغربيّة. قلّصت إسرائيل كثيرًا من حركة سكّان القطاع عبر معبر إيرز وضمن ذلك ألغت تصاريح عمل عشرات آلاف العمّال الذين كانوا يعملون في إسرائيل حينئذٍ فكانت تلك "ضربة قاضية" قطعت أرزاقهم بشكل فجائيّ. في عام 1999 كانت نسبة العاملين في إسرائيل من القوى العاملة من سكان قطاع غزة 15.7% وكانت نسبة البطالة 16.9%. بعد مضيّ سنتين أي في عام 2001 هبطت نسبة العاملين في إسرائيل إلى 1.9% من مجمل القوى العاملة وقفزت نسبة البطالة إلى 34%. في تلك السنة بلغت نسبة البطالة بين النساء 24%. في حزيران 2007 مع بدء تطبيق سياسة الحصار الشامل أوقفت إسرائيل إصدار التصاريح تمامًا وقفز معدّل البطالة خلال عام 2008 إلى 40.6%. أدّى إغلاق قطاع غزة وعزله عن العالم إلى انهيار اقتصاده وحبس سكّانه داخل سوق عمل مغلق وصغير يخلو من أيّة إمكانيّة للتّنمية ويغلق آفاق المستقبل. تستطيع إسرائيل خلق انفراج فوريّ في هذا الواقع يبعث بعضًا من الأمل لو أرادت لكنّها تلجأ إلى خيار سدّ الأفق أمام سكّان القطاع وحبسهم في واقع حياة بلا أمل. سجّل باحثو بتسيلم الميدانيون إفادات من بعض سكّان قطاع غزّة الذين عملوا في إسرائيل أو عمل هناك أفراد من أسرهم فتحدّث هؤلاء عن بؤس الواقع اليومي الذي فرضته إسرائيل عليهم قسرًا مع إغلاق القطاع: حمديّة أبو عودة (46 عامًا) من سكّان بيت حانون هي ربّة منزل متزوّجة وأمّ لتسعة أولاد. كان زوجها يعمل في إسرائيل منذ 1988 وانقلبت حياتها رأسًا على عقب حين أصبح عاطلًا عن العمل بعد إلغاء التصاريح. عن ذلك تحدّثت في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، التي أدلت بها في 17.4.19: منذ أن تزوّجت في عام 1988 وكان زوجي عامل بناء في إسرائيل. كان يخرج إلى إسرائيل كلّ يوم في الخامسة صباحًا ويعود في الخامسة أو السّادسة مساءً وكان مرتّبه الشهريّ نحو 5,000 شيكل. في تلك الفترة كانت حياتنا جيّدة ومستوى معيشتنا عالٍ. وُلد أولادنا وكان مرتّب أيمن زوجي يكفي لإعالتنا وإعالة والدته وحتّى أنّني كنت أوفّر بعض النقود لأجل مستقبل الأولاد. كانت تلك فترة تمتّعنا فيها بالهدوء الاقتصادي والرّاحة النفسيّة. لم يخطر في بالي أن يأتي يوم يفقد فيه زوجي عمله. مع بداية الانتفاضة الثانية أخذوا يغلقون معبر إيرز من حين لآخر وعندها لم يذهب للعمل كلّ يوم ومع ذلك تدبّرنا أمورنا. لكنّهم في عام 2005 منعوه تمامًا من العمل في إسرائيل. أخذ أيمن يبحث عن عمل داخل القطاع. كان يعثر على عمل متقطّع بشقّ الأنفس وحتى المرتّب كان متدنيًّا جدًّا. لم يجد عملًا منتظمًا بشكل دائم لكنّه يعثر أحيانًا على عمل مؤقت. بدأت في تقليص مصاريف المنزل تدريجيًّا لكي أوفّر. بعد ذلك أخذنا نصرف من النقود التي قمنا بتوفيرها. ولكن عندما شدّدت إسرائيل الحصار على غزة احترت ماذا أفعل وكيف أتدبّر أموري. التجأت إلى الجمعيّات التي توزّع المعونات وصرنا نحصل على مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعي بمبلغ 1,800 شيكل كلّ أربعة أو خمسة أشهر تقريبًا. كبر أولادي الثلاثة وتزوّجوا ولأنّ الزواج يكلّف أموالًا كثيرة اقترضنا المال من الأقارب والأصدقاء. الآن هم متزوّجون ولديهم أولاد ويسكنون في منزلنا معي ومع بقيّة أولادي. فقط اثنان من أولادي يعملان. في عام 2012 دخل زوجي في مشروع مزرعة دواجن صغيرة لكي يعيل الأسرة. هذا المشروع كلّفنا مالًا كثيرًا ولكنّ المزرعة تدمّرت تمامًا خلال حرب 2014. بعد ذلك أقمناها من جديد لكنّنا أفلسنا بسبب الوضع الاقتصادي الصعب في القطاع وقلّة من يستطيعون الشراء. في حرب 2014 تدمّر أيضًا منزلنا. هُدم تمامًا. كان بناءً من ثلاثة طوابق أقمناه في الفترة التي عمل فيها زوجي داخل إسرائيل. أصبحنا مشرّدين بلا مأوى. قضينا فترة معيّنة نتنقّل بين مدارس وكالة الغوث وبيوت الإيجار. الحمد لله في النهاية تمّت إعادة إعمار المنزل بدعم وكالة الغوث وعدنا للسّكن فيه. لدينا قطعة أرض صغيرة مساحتها نحو 500 متر. قرّرننا زراعتها لتوفير الخضار لاستهلاك الأسرة ونبيع الفائض لأجل الحصول على بعض المدخول. حاليًّا نفكّر أنا وزوجي كلّ الوقت بأنّ بيع الأرض ربّما هو الحلّ المجدي. بسبب التوتّر الدّائم أصبت بمرض السكّري وأعاني من ارتفاع ضغط الدم وضعف في عضلة القلب. لا يوجد لنا مصدر دخل ثابت وهذا يبعث اليأس في نفسي ويسبّب لي الاكتئاب. زوجي أيضًا أصبح شخصًا عصبيّ المزاج لأنّه عاطل عن العمل ويقضي كلّ وقته في المنزل. ناصر نور الدّين (54 عامًا) من سكّان مخيّم المغازي للّاجئين متزوّج وأب لثلاثة أولاد. كان يعمل في إسرائيل لكنّه عاطل عن العمل منذ عام 2000 ويعاني هو وأسرته أوضاعًا صعبة بسبب البطالة القسريّة. عن ذلك تحدّث في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة، التي أدلى بها في 1.5.19: في عام 1980 بدأت العمل في إسرائيل. في البداية عثرت على أعمال مؤقّتة. كنت عازبًا وكنت أعمل في إسرائيل وأعود للمبيت في غزّة لأنّ تصريحي لم يشمل المبيت. كنت أكسب 100-120 شيكل يوميًّا في تلك الفترة. في عام 1990 عثرت على عمل دائم في شركة لدهان المنازل والمكاتب. كان العمل يوميًّا وكنت أكسب 250 شيكل في اليوم. كان ذلك "العصر الذّهبيّ" بالنسبة إليّ. بفضل ذلك العمل تمكّنت من الزواج في 1998 وفي عام 2000 أقمت منزلًا مساحته 60 مترًا مربّعًا. تلقّيت بعض الدّعم في بناء المنزل من وكالة الأونروا لأنّنا لاجئون. ولكن بعد عام 2000 أغلقت إسرائيل المعابر ومنذ ذلك الحين أصبحت عاطلًا عن العمل. أعمل فقط بضعة أيّام طوال الشهر هذا إذا وجدت عملًا. لديّ ثلاثة أولاد ووضعي الاقتصادي يصبو إلى الصّفر. نحن نعتاش من طرود المعونة التي تقدّمها وكالة الغوث مرّة كلّ ثلاثة أشهر. يحتوي الطرد على 5 أكياس طحين وزن كلّ واحد 30 كغم و10 لتر زيت للطبخ و4 علب مسحوق حليب وكيلوغرام واحد من السكّر لكلّ شخص (في السّابق كانوا يقدّمون 3 كغم لكلّ شخص ثمّ قلّصوا الكميّة) و3 كغم عدس و5 علب سردين لكلّ شخص. هذه الحاجيّات لا تكفينا لمدّة ثلاثة أشهر ولذلك أضطرّ لشراء احتياجاتنا من البقالة ديْنًا وعندما أعثر على عمل أسدّد ديوني. نحن نشتري الدّجاج مرّة كلّ 5-6 أشهر أمّا اللّحم فلا نذوقه سوى في عيد الأضحى عندما يوزّع الناس قطعًا من أضحياتهم على الفقراء. أنا لا أشتري لأسرتي سوى البندورة والبطاطا. أحيانًا يمرّ شهر بأكمله فلا تجد في جيبي حتى شيكل واحد. في كلّ يوم أخرج من المنزل "هربًا" من المشاكل مع أسرتي ومن طلبات أولادي لأنّني لا أستطيع تلبيتها. أجلس في المقهى وحتى القهوة هناك أشربها بالدّين. أولادي يذهبون إلى المدرسة بدون مصروف وفي المناسبات يطلبون منّي أن أشتري لهم الملابس لكنّ وضعي للأسف لا يسمح بذلك. ابنتي الكبرى أريج في مرحلة التوجيهي ولا أعلم من أين سأجلب الأموال اللّازمة لدراستها في الجامعة - سواء القسط الدراسيّ أو مصاريف السفر إلى هناك. أنا لم أدفع فواتير الكهرباء والماء منذ عام 2000. أقدّر أنّني مديون بمبلغ 10,000 شيكل. سقف منزلنا من الصّفيح ولا مال لدينا لصبّ سقف حقيقي. في الشتاء منزلنا بارد كأنّه ثلّاجة وفي الصيف كأنّه فرن. المطر يتسرّب إلى داخل المنزل فنضطرّ لتوزيع الأواني في أرجائه لتجميع المياه. قضيت وقتًا طويلًا في البحث عن عمل ولم أجد وهذا يسبّب لي اليأس التامّ. الآن أنا لا أجدّ في البحث عن عمل. أصبحت منعزلًا اجتماعيًّا ومنقطعًا عن الأقارب حتّى. أنا لا أزورهم لأنّه لا توجد معي نقود. لديّ ثلاث أخوات مقيمات في غزّة ولا أزورهنّ سوى في الأعياد لأنّني أملك تكاليف السّفر إليهن ولا شراء الهدايا. أحيانًا أذهب لزيارتهنّ سيرًا على الأقدام مسافة 4 ساعات ولهذا أذهب وحدي دون مرافقة أحد من أفراد أسرتي. حسام بلّور (51 عامًا) من سكّان مخيّم النصيرات للّاجئين متزوّج وأب لتسعة أولاد. عمل في أشغال منوّعة داخل إسرائيل منذ 1984 وحتى 1998، ثمّ عمل في مشغل خياطة في القطاع إلى أن أغلق في عام 2000 بسبب إغلاق المعابر أمام تصدير البضائع. عن ذلك وعن تأثير الحصار على حياته تحدّث حسام في إفادته التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، في 28.4.19: منذ أن بلغت الـ 17 من عمري اشتغلت داخل إسرائيل في مجالات متنوّعة. عملت في الحدائق العامّة في بلدية تل أبيب وفي مطعم في تل أبيب وفي مخبز في المنطقة الصناعيّة في ريشون لتسيون وفي مصنع بسكويت في المنطقة نفسها. مكان عملي الأخير كان محل للحلويات في ريشون لتسيون وقد عملت هناك طوال ستّ سنوات تقريبًا حتى عام 1998. كنت أكسب 70 شيكل في اليوم وكنت خلال الأسبوع أبيت في المصنع وأعود إلى منزلي فقط في عطلة نهاية الأسبوع. وفّرت المال وتزوّجت. بعد أن تزوّجت انتقلت للعمل في مشاغل خياطة داخل القطاع مقابل 30 شيكل يوميًّا. لكنّ المشغل أغلق أبوابه في عام 2000 لأنّ إسرائيل أغلقت المعابر ولم تسمح باستيراد وتصدير البضائع. بعد ذلك كنت أعثر على عمل مؤقت من حين لآخر في القطاع - مرّة في مطعم حمّص في النصيرات ومرّة في بيع القهوة والشاي على الرّصيف. في بعض الأماكن لم يقدر أصحاب العمل أن يدفعوا لي حتى عشرين شيكل في اليوم مقابل عمل 12 ساعة. منذ ثلاث سنوات أنا عاطل عن العمل تمامًا. اليوم أتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعي - مبلغ 1,800 مرّة كلّ ثلاثة أشهر وحتى هذا المبلغ أتقاسمه مع والدتي. نحصل أحيانًا على طرود غذائيّة من جمعيّات أو من أشخاص متصدّقين كما نحصل على طرد غذائي من وكالة الأونروا مرّة كلّ ثلاثة أشهر. نسكن في منزل سقفه من الصفيح. مساحة المنزل 90 مترًا مربّعًا ومنذ سنوات طويلة نعيش في اكتظاظ. جميعنا نسكن في ثلاثة غرف مع والدتي أيضًا. لا أستطيع توفير المال اللّازم لدراسة ابنتي ربى في الجامعة. تراكمت عليّ ديون كثيرة منها دين بمبلغ 39 ألف شيكل لشركة الكهرباء ودين بمبلغ 12 ألف شيكل لشركة المياه. أخرج كلّ بضعة أيّام للبحث عن عمل ولكنّني لا أعثر على شيء. هذا الأمر يسبّب لي ضغطًا نفسيًّا كبيرًا. لا يوجد معنا قرش واحد حتّى. إنّي أختنق. قبل عدّة سنوات أصبت بمرض السكّري بسبب كثرة المشاكل والوضع الذي انحدرنا إليه. جمال الشيخ خليل (60 عامًا) من سكّان مدينة غزّة متزوّج وأب لستة أولاد. عاطل عن العمل. منذ بداية الثمانينيّات وطيلة أكثر من عشرين عامًا عمل دهّانًا في إسرائيل. في عام 2003 ألغت السلطات الإسرائيليّة تصريح عمله ومنذ ذلك الحين عمل داخل القطاع بشكل متقطّع في أشغال مؤقّتة عثر عليها بصعوبة. منذ فرض الحصار في عام 2007 أصبح عاطلًا تمامًا عن العمل. عن ذلك وعن المعاناة التي تقاسيها أسرته تحدّث جمال في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، يوم 15.4.19: كنت في العشرينيّات من عمري حين بدأت العمل في إسرائيل كدهّان. كانت تلك سنوات جيّدة جدًّا بالنسبة إليّ. تزوّجت وأقمت منزلًا ووُلد لي ستة أولاد. كنت أكسب ما يقارب 4,000 شيكل شهريًّا ونجحت في الاهتمام باحتياجات أسرتي بحيث لم ينقصهم شيء وكنت إضافة إلى ذلك أعيل والديّ وقد وفّرت مبلغًا صغيرًا من المال. لكنّ الانتفاضة الثانية في عام 2000 قلبت الأمور رأسًا على عقب عندما منعونا من العمل داخل إسرائيل. شعرت بالإحباط واليأس. كنت أعيل أسرة مؤلّفة من 8 أنفار وكان أولادي صغارًا أفكّر طوال الوقت بمستقبلهم. بدأت البحث عن عمل في القطاع ولم أعثر سوى على أشغال مؤقتة برواتب متدنّية جدًّا لم تكف احتياجاتنا. منذ عام 2007 تفاقمت أوضاعنا أكثر بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع. أكثر من تضرّر من الحصار كان العمّال. لم نتمكّن من العثور على عمل. كان الوقت يمرّ وأنا جالس في البيت. أخذت أبحث عن جمعيّات توزّع طرودًا غذائيّة في قطاع غزة. توجّهت إلى وزارة الرّفاه الاجتماعي لكي أحصل على مخصّصات وقد مرّ الوقت وحصلت عليها بصعوبة كبيرة في عام 2016. تمكّنت كذلك من الحصول على مخصّصات للغذاء من مؤسّسة "أوكسْفام" بمبلغ 270 شيكل تقريبًا لكنّ هذا لا يكفينا. بلغ أولادي سنّ الزواج ولكنّني لم أتمكّن من تأمين مستقبلهم لكي يؤسّسوا لحياتهم ويتزوّجوا. هم أيضًا عاطلون عن العمل. أحيانًا يعثرون على عمل يوميّ مقابل عشرين شيكل. أحد أبنائي طالب جامعي وقد تلقّى عدّة إنذارات بالطرد من الجامعة بسبب ديون لم أتمكّن من تسديدها. اضطررت في النهاية إلى اقتراض المال من الأقارب لكي يتمكّن من إنهاء دراسته. أنا لا زلت أخرج للبحث عن عمل ولكنّني بالكاد أعثر على أشغال يوميّة. منذ أن توقّفت عن العمل أصبحت قلقًا ومكتئبًا. من شدة الضغط والتوتر أصبت بمرض السكّري. اقترضت أكثر من خمسين ألف شيكل لكي ندبّر أمور معيشتنا. بعت مصاغ زوجتي لكي أسدّد جزءًا من الدّيون ولا تزال عليّ ديون لم أتمكّن من تسديدها. أصبحت حياتنا عبارة عن حالة انهيار مستديمة وهذا ظلم كبير. أقضي معظم وقتي في المنزل لأنّه لا يمكن الخروج بدون بعض النقود في جيبك. أحزن على أولادي لأنّ مستقبلهم ضاع تمامًا. أتمنّى أن يتمّ التعامل بإنسانيّة مع سكّان غزة وأن ينتهي الحصار لكي نتمكّن من الخروج من هذا الفقر والعيش بكرامة. محمد الجرو (59 عامًا) من سكّان مدينة غزة متزوّج وأب لثمانية أولاد. عاطل عن العمل منذ عام 2004. كان في السّابق يبيع في قطاع غزة خضارًا وفاكهة مستوردة من إسرائيل ومنذ عام 1996 عمل في مصنع لقطع غيار السيّارات في المنطقة الصناعية الملحقة بمعبر إيرز حيث كان عاملًا في البداية ثمّ مدير عمّال منذ 1998. في عام 2004 أغلقت المنطقة الصناعيّة وفقد محمد مكان عمله. عن ذلك وعن أحوال أسرته تحدّث في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.4.19: الفترة التي كنت أبيع فيها الخضار القادمة من إسرائيل كنت أكسب فيها نحو 5,000 شيكل في الشهر. بعد ذلك عندما أصبحت مدير العمال في مصنع في معبر إيرز كنت أكسب ما يقارب 6,000 شيكل. تمتّعنا في تلك الفترة باستقرار اقتصادي وحياة مريحة من جميع النواحي. لم ينشغل بالي في حساب المصروف ولم يكن شيء ينقص أسرتي. في كلّ يوم كنت أعود إلى المنزل حاملًا ممّا طاب: الأكل والملابس لأولادي ولزوجتي وكنت أوفّر مبلغًا معيّنًا من راتبي. انقلبت حياتي في عام 2004 بعد أن أغلقوا المنطقة الصناعية في معبر إيرز وفصلوا جميع العمال الذي عملوا هناك. فُصل آلاف العمّال من جميع المصانع. كانت هذه كارثة حلّت بنا. لم أصدّق أنّ هذا يحدث لنا. لم أفهم لماذا طردونا جميعًا وأغلقوا المنطقة الصناعية فنحن لم نشكّل خطرًا على أحد. أصبحت عاطلًا عن العمل وكنت مسؤولًا عن إعالة تسعة أنفار. بحثت عن عمل في غزة ولكنّني لم أعثر على شيء لأنّ فرص العمل قليلة والسّوق صغيرة. عندما عثرت على عمل كان مرتّبي الشهري يقارب 2,000 شيكل مقابل 12 ساعة عمل كلّ يوم. اضطررت للصّرف من المبالغ التي وفّرتها أيام عملي في منطقة إيرز الصناعية. في بداية عام 2005 اقتنيت سيّارة باص وكميّة من موادّ التنظيف وعملت في تسويق موادّ التنظيف. ولكن منذ عام 2007 أصبح الحصول على البضاعة صعبًا جدًّا بسبب الحصار الذي فرضته إسرائيل ومنع إدخال البضائع إلى القطاع. واصلت بيع البضاعة المتبقّية لديّ إلى أن نشبت الحرب نهاية عام 2008. خلال الحرب قُصف منزلي - الواقع في شرقيّ مدينة غزّة - وتهدّم تمامًا. خسرت جميع البضاعة التي كانت مخزّنة فيه وهكذا أفلس مشروعي. بعد الحرب تنقّلنا بين منازل مستأجرة طيلة ستّ سنوات حتى عام 2014. كانت تلك فترة عصيبة لدرجة أنّني تمنّيت لنفسي الموت لكي أتخلّص من هذه المشقّة. بعد ذلك أعدنا إعمار المنزل بأموال تلقّيناها من الأمم المتحدة الـ UNDP. تلقّينا منهم 18 ألف دولار فقط في حين كلّفنا منزلنا الأصلي أكثر من ذلك بكثير. ما زلت أسدّد تكاليف بنائه حتى الآن. لقد فقدت عملي في إسرائيل ثم فقدت المصلحة التي أقمتها وحتى منزلي فقدته. كنت في وضع نفسيّ سيّء جدًّا. أفكّر طوال الوقت كيف سأوفّر لأولادي لقمة عيشهم. ابني حسن وابنتي تهاني بدآ دراستهما الجامعيّة. اقترضت المال لكي يكملا تعليمهما. أنا عاطل عن العمل منذ أن انهار مشروعي في عام 2008. لا توجد في غزّة فرص عمل بسبب تشديد الحصار. أربعة من أولادي حصلوا على شهادات جامعيّة وجميعهم عاطلون عن العمل. نحن نعتاش من مخصّصات غذاء أسبوعيّة بقيمة 70 شيكل تقدّمها منظمة CHF. هذا لا يكفي لأسرة مؤلّفة من عشرة أنفار. أحيانًا يعثر أولادي على أشغال مؤقّتة ويحصلون على 20-30 شيكل مقابل يوم عمل من الصباح وحتى المساء. أبنائي الثلاثة أحمد ومحمود وبهاء أصبحوا في سنّ الزواج ولكنّ مستقبلهم لا يبدو مطمئنًا فهم بلا عمل وبدون بيت. أنا مستعدّ لأن أعمل رغم أنّني في الـ60 من عمري ورغم قلّة فرص العمل. لكن في الظروف السائدة حاليًّا في القطاع حتى لو وجدت عملًا فهو لن يكفي لإعالة أسرتي. ليتني أعثر على عمل وأتمكّن من توفير احتياجات أولادي وتأمين مستقبلهم. الوضع في غزّة ميئوس منه. مستوى المعيشة تحت الصّفر والمستقبل مبهَم بالنسبة لنا. أولادي بلا مستقبل. إنّهم لا يفكّرون حتى بالزواج وإقامة أسرة لأنّه لا إمكانيّة لذلك. هم غارقون في حالة من اليأس والإحباط.
"بعد وفاة زوجي، في عام 2006، بقينا دون مصدر رزق، فاضطررت إلى الخروج للعمل لإعالة أولادي. في عام 2014 عثرت على عمل منظّم كعاملة تنظيف في منجرة، في المنطقة الصناعية "شاحاك"، في مستوطنة "شاكيد". طيلة سنوات عملي الأربع هناك، زوّدني المشغّلون بتصريح كانوا يجدّدونه كلّ نصف سنة. كانت علاقاتي جيّدة مع المسؤولين وبقيّة العمّال". الأقوال أعلاه أدلت بها أمل قبها (52 عامًا، أرملة وأمّ لثمانية)، التي كانت تعمل في منجرة إلى أن أُجبرت على ترك مكان عملها في 4.2.2018. في ذلك اليوم، خرجت أمل قبها في طريقها إلى عملها، وحين وصلت إلى حاجز برطعة فوجئت بأنّ تصريحها، الذي تدخل بواسطته للعمل في المستوطنات، قد سُحب منها رغم أنّه ما زال ساري المفعول. تقع قرية طورة الغربية شماليّ مدينة يعبد، في محافظة جنين، ويسكنها ما يقارب 1100 شخص، بينهم نحو 800 من أبناء حَمولة قبها. في عام 2003 أقيم في محاذاة القرية جدار الفصل، واقتُطع لأجله جزء من أراضي القرية، وضُمّت عمليًّا إلى إسرائيل. شكّل مسار الجدار في أراضي يعبد جيبًا مساحته نحو 32 دونم، تقع فيه سبع قرًى فلسطينية وثلاثة مستوطنات. أقامت إسرائيل داخل هذا الجيب "حديقة شاحك الصناعية"، وتبعد نحو كيلومترين عن قرية طورة الغربية. الفلسطينيون المعنيّون بالعمل في تلك المنطقة الصناعية يضطرّون إلى تقديم طلبات للحصول على تصاريح دخول تصدرها الإدارة المدنية. قلّما تُعطى مثل هذه التصاريح، وقواعد إصدارها مجهولة ولا يعرفها الفلسطينيون، بحيث ينتهي الإجراء إلى قرارات تعسّفية دون تقديم تفسيرات. لكي يصلوا إلى عملهم في حديقة "شاحاك" الصناعية، يضطرّ العمال من قرى المنطقة لعبور أحد حاجزين نصبهما الجيش على مسار جدار الفصل في المنطقة: حاجز ظهر المالح، معزز بالجنود بشكل دائم؛ أو حاجز برطعة، معزز بالجنود وحرس من شركة خاصّة متعاقدة مع وزارة الأمن. حاجز ظهر المالح أقرب إلى المنطقة الصناعية وإلى قرية طورة الغربية، لكنّ الطرق المؤدّية إليه ليست معبّدة، ولذلك يستخدمه عادة المزارعون، أمّا العمّال فيفضّلون عبور حاجز برطعة، المنصوب على بُعد أربعة كيلومترات من القرية. المعطيات من بداية 2018 تفيد أنّ أربعين من سكّان طورة الغربية كان لديهم تصاريح دخول لأجل العمل. قبل ثلاثة أشهر، في 4.2.2018، أبلغ الجنود والحرس الخاصّ في الحاجزين المذكورين عشرين منهم أنّ تصاريحهم لاغية، دون أن يقدّموا أيّ تفسير ودون سابق إنذار. في بعض الحالات، صودرت تصاريح الدّخول من العمّال، وفي حالات أخرى أُبقيت التصاريح في أيديهم لكنّها أصبحت بلا قيمة. اثنان على الأقلّ من أبناء حمولة قبها كان في حوزتهما، إضافة إلى تصاريح العمل، تصاريح دخول إلى إسرائيل بهدف لمّ شمل العائلات؛ وخمسة على الأقلّ كان لديهم تصاريح زراعيّة - تتيح لهم فلاحة أراضيهم التي بقيت وراء الجدار. أفاد أبناء هذه الحمولة أمام بتسيلم أنّهم حاولوا مرارًا وتكرارًا عبور الحاجزين بواسطة تلك التصاريح، لكنّهم كانوا يُمنعون من ذلك في كلّ مرّة. منذ أكثر من ثلاثة أشهر تمنع إسرائيل هؤلاء العمّال العشرين من الوصول إلى عملهم وكسب رزقهم وإعالة أسَرهم، دون أن توضح لهم أو لمشغّليهم أسباب إلغاء التصاريح. جيمع نواحي حياة سكّان الضفة الغربية متعلّقة تمامًا بالتصاريح التي تصدرها الإدارة المدنية: الوصول إلى أماكن عملهم، فلاحة أراضيهم، زيارة أقربائهم، وغير ذلك. سُحبت التصاريح من أبناء حَمولة قبها دون أيّ مبرّر ودون سابق إنذار، فأصبحوا عاطلين عن العمل، وباتت أسَرهم دون معيل. إنّه مثال آخر يُظهر الآثار المدمّرة لسياسات إسرائيل في الأراضي المحتلّة، وتعسّف الجيش وعشوائيّته في استخدام قوّته، والتجاهل التامّ لحقوق سكّان الضفة الغربية الفلسطينيين. في إفادات استمع إليها الباحث الميداني من بتسيلم، عبد الكريم السعدي، في 28.2.2018، حدّث عمّال من حمولة قبها عن سحب التصاريح: أحمد قبها، 54 عامًا، متزوّج وأب لخمسة، عامل في المنطقة الصناعية "شاحاك"، يقول: في حوزتي تصريح زراعي منذ أن أقاموا جدار الفصل على أراضينا. إضافة إلى ذلك، لديّ منذ 19.8.2014 تصريح دخول لأجل العمل، لأنّني أعمل في مصنع إعادة تدوير الإطارات المطّاطية الواقع في المنطقة الصناعية "شاحاك"، قرب مستوطنة "شاكيد". أعمل هناك منذ عدّة سنوات بشكل منتظم ودون أيّة مشاكل. العلاقة بيني وبين المشغّلين ممتازة. في معظم الأحيان نصل إلى هناك - أنا والعمّال الآخرون، عن طريق حاجز ظهر المالح، وأحيانًا نسلك طريق حاجز برطعة. في يوم الأحد، 4.2.2018، في الصباح الباكر، خرجت إلى عملي عن طريق حاجز برطعة، ولكن عندما أبرزت التصريح وبطاقة الهوية لرجل الأمن من شركة الحراسة الخاصّة، أبلغني أنّني ممنوع من العبور. لم يوضّح لي رجل الأمن أسباب المنع المفروض عليّ، علمًا أنّ التصريح الذي يمكّنني من الدخول للعمل في المستوطنات ساري المفعول حتى 16.7.2018. اضطررت للعودة إلى المنزل دون أن أفهم لماذا منعوني من الوصول إلى عملي ومواصلة حياتي كالمعتاد. لم أصدّق ما يحدث، ولم أفهم لماذا يسحبون منّي تصريح الدخول ويمنعونني من الوصول إلى العمل. لم أسّلم بالأمر. اتّجهت في اليوم نفسه إلى حاجز ظهر المالح وحاولت الدخول بواسطة التصريح الزراعي - وهو ساري المفعول من 11.1.2018 إلى 9.7.2018، لكن هناك أيضًا منعوني من العبور. قال لي الجنود أنّني ممنوع لأسباب أمنيّة. ليس فقط أنا. تبيّن لي أنّ المنع يطال نحو عشرين شخصًا من حَمولة قبها، وجميعهم لديهم تصاريح دخول يُفترض أنّها سارية المفعول. منع الدخول يعني فقدان القدرة على كسب رزقي وإعالة أسرتي، وعدم قدرتي على إطعام أولادي. علي قبها، 32 عامًا، متزوّج وأب لاثنين، يعمل في المنطقة الصناعية، يقول: أعمل في المنطقة الصناعية "شاحاك". لديّ ثلاثة تصاريح دخول: تصريح تجارة، تصريح عمل في المستوطنات وتصريح للأزواج الشابّة، حيث أنّني منذ عشر سنوات متزوّج من مواطنة إسرائيلية من سكّان قرية عيلوط. صودر منّي التصريح الزراعي في 4.2.2018، في حاجز ظهر المالح؛ وبعد أربعة أيّام صادروا منّي تصريح الأزواج الشابّة، عندما حاولت العبور بواسطته من حاجز الجلمة شماليّ جنين. منذ أن بدأت العمل في المصنع، في المنطقة الصناعة "شاحاك" - في 1.1.2014، تساعدني الإدارة في الحصول على تصريح عمل في المستوطنات، وتجدّده لي كلّ نصف سنة. وحيث كان هذا التصريح قيد التجديد في تلك الفترة، استخدمت التصاريح الأخرى التي كانت في حوزتي لكي أصل إلى عملي. هذا ما أفعله عادةً إلى حين تجديد تصريح العمل. لا أعلم لماذا سحبوا التصاريح منّي ومن آخرين من حَمولة قبها. لم أسمع أنّ أحدًا من الحَمولة قام بمخالفة أو ارتكب جرمًا أيًّا كان. يعتاش أبناء الحَمولة من العمل في إسرائيل، وخاصّة في المنطقة الصناعية "شاحاك"، التي لا تبعد عن قريتنا سوى أربعة كيلومترات. إنّه عقاب جماعيّ فُرض علينا دون أيّ مبرّر. رأفت قبها، 30 عامًا، متزوّج وأب لولد واحد، يعمل في منجرة في المنطقة الصناعية، يقول: زوجتي مواطنة إسرائيلية، وتسكن معي في قرية طورة الغربية. بعد زواجنا صار لديّ تصريحان، واحد خاصّ بالأزواج الشابّة، ساري المفعول لمدّة سنة، ويتيح لي المكوث في إسرائيل لمدّة 24 ساعة؛ والآخر تصريح عمل يجدّده المشغّل كلّ ستّة أشهر. في عام 2015 بدأت العمل في منجرة كبيرة تشغّل نحو سبعين عاملاً، في المنطقة الصناعية "شاحاك". في 4.2.2018 توجّهت إلى عملي، كالمعتاد عن طريق حاجز ظهر المالح، وناولت الجندي التصريح الخاصّ بالأزواج الشابّة، ويُفترض أنّه ساري المفعول. قال لي الجنديّ أنّ التصريح قد ألغته السلطات. حاولت عبور الحاجز نفسه بواسطة تصريح العمل، وهو ساري المفعول حتى 12.5.2018، لكنّ الجنود قالوا إنّني ممنوع من الدخول بأمر من السلطات. أبلغنا المسؤولين في المنجرة، لكي يساعدونا في حلّ المشكلة. عندما راجع المسؤول في المصنع السلطات، قيل له إنّ هناك أمر منع إداري ضدّ أبناء حَمولة قبها لمدّة ستّة أشهر. لم يوضحوا له أسباب سحب التصاريح منّا. هذا المنع يمسّ بقدرتنا على كسب رزقنا. محمد قبها، 34 عامًا، متزوّج وأب لاثنين، عامل في المنطقة الصناعية، يقول: أعمل منذ عام 2015 في مصنع لإعادة تدوير الإطارات المطّاطية، في المنطقة الصناعية "شاحاك". يجدّد المسؤولون تصريح العمل خاصّتي كلّ نصف سنة. لم يحصل أن حدثت لي مشاكل مع المشغّلين، ولا مع السلطات الإسرائيلية. في حوزتي اليوم تصريح عمل يُفترض أنّه ساري المفعول حتى 7.5.2018. في 4.2.2018 توجّهت إلى عملي في المنطقة الصناعية، وعندما وصلت إلى حاجز برطعة ناولت الأوراق والتصريح لرجل الأمن من شركة الحراسة، فقال لي إنّ السلطات منعت دخولي. لم يوضحوا لي لماذا لا يمكنني مواصلة العمل. حاليًّا أنا عاطل عن العمل. لقد مسّوا برزق أسرتي دون تقديم أيّ تفسير لذلك.