منذ أن صادرت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي حسكتي وأنا عاطل عن العمل ولا أستطيع إعالة أسرتي. الوضع في قطاع غزة صعب للغاية بسبب الحصار ولا توجد فرص عمل أخرى. في قطاع الصّيد كنت أكسب نحو عشرين شيكل في اليوم وهذا مكّنني من شراء الطعام والشراب لعائلتي أمّا الان فقد باتت حياتنا صعبة جدًّا.
تامر زيد من سكان بيت لاهيا، 27.8.18
المحنة التي يعانيها تامر زيد ليست حالة استثنائية فهو أحد آلاف الصيّادين في قطاع غزة الذين يعانون نتيجة قضاء إسرائيل تدريجيًّا على قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزة: في الماضي قبل أن تفرض إسرائيل الحصار على قطاع غزة كانت تسمح بالصيد وصولًا إلى مسافة أقصاها 12 ميلًا بحريًّا (22 كيلومترًا) في عمق البحر. منذ ذلك الحين تواصل إسرائيل تغيير النطاق الذي يُسمح فيه الصّيد عدّة مرّات في السنة حيث بلغ في نهاية العام 2018 تسعة أميال بحريّة (حوالي 16.5 كيلومتر) في المناطق الواقعة جنوبيّ مدينة غزة وستّة أميال بحريّة (حوالي 9.5 كيلومتر) في المناطق الواقعة قبالة مدينة غزة وشمالها. إنّ الحدّ من مساحة الصيد يقلّص كميّة وأنواع الأسماك المتاحة للصيّادين مما يضرّ بمدخولهم.
الصورة
ميناء الصيادين في بيت لاهيا. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.2.18
بالإضافة إلى ذلك، تنكّل قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي بالصيّادين بشكل روتينيّ بدعوى أنهم تجاوزوا المساحة المسموحة للصّيد - رغم أنّ الصيّادين مجهّزين بأجهزة ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) ويحرصون على عدم تجاوز المدى المُتاح. في العامين الماضيين قتلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ اثنين من الصيّادين وجرحت عشرات الصيّادين الآخرين بإطلاق الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. في بعض الحالات يقوم الجنود حتى باعتقال الصيّادين ومصادرة قواربهم (الحسكات). كما وتقيّد إسرائيل تصدير الأسماك وتسويقها وتحظر دخول الموادّ والمعدّات الضروريّة للعمل في الصّيد البحريّ بما في ذلك تلك اللّازمة لإصلاح القوارب والمحرّكات.
كل هذا أدّى إلى انهيار قطاع الصّيد البحريّ في القطاع: في عام 2000 كان هناك نحو 10,000 صيّاد مسجّل بينما اليوم هناك نحو 3,700 صيّاد مسجّل - وفعليًّا فقط نصفهم يعملون لأنّ العديد من قوارب الصّيد معطّلة بسبب حظر استيراد المواد الخام والمعدّات اللّازمة لإصلاحها أو لبناء قوارب جديدة بالإضافة إلى مصادرة القوارب من قبل الجيش. نحو 95٪ من الصيّادين يعيشون تحت خط الفقر والتي يبلغ في قطاع غزة 4.6 دولار في اليوم.
في عام 2018 قتلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ، الصيّاد إسماعيل أبو ريالة رميًا بالرصاص وأصابت ستة صيّادين آخرين بالرّصاص المعدنيّ المغلف بالمطّاط. بالإضافة إلى ذلك، في هذا العام، اعتقلت قوّات سلاح البحريّة 53 صيّادًا، ثلاثة منهم لم يتمّ إطلاق سراحهم بعد حتى شهر كانون الثاني 2018. خلال ملاحقتها للصيّادين صادرت قوّات سلاح البحريّة في عام 2018 العشرات من قوارب الصيد. كذلك، ونتيجة إطلاق النار من قِبل قوّات سلاح البحريّة جرى تكسير 32 كشاف في قوارب الصيد وثلاثة أجهزة ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) وجهاز إيكو-ساوند الذي يسمح للصيّادين بتحديد مواقع الأسماك. كما وفُقدت في البحر 121 شبكة صيد خلال هذه الملاحقات.
إنّ سياسة دولة إسرائيل فيما يتعلق بقطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزة تُظهر بوضوح أنّه لا صحّة لادّعائها بأنها لم تعد مسؤولة عن مصير سكّان قطاع غزة وما يحدث في نطاقه. حتى اليوم لا تزال دولة إسرائيل تسيطر على العديد من جوانب حياة سكّان القطاع - احيانًا عن بُعد وأحيانًا أخرى في داخل القطاع - وقد أدّت ممارساتها في القطاع إلى انهيار قطاع الصّيد البحريّ وحال الصيّادين الصعب.
أحمد الصعيدي (40 عامًا) متزوج ولديه طفلان وهو من سكّان مخيم الشاطئ للّاجئين في شمال قطاع غزة ويعمل في قطاع الصّيد البحري منذ 15 عامًا. أدلى الصعيدي بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، محمد صباح، في 16.1.19 محدّثًا عن الصعوبات التي يواجهها في السنوات الأخيرة:
الصورة
أحمد الصعيدي. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 16.1.19
منذ أن كنت في الثامنة من عمري تمحورت حياتي كلّها حول الصّيد ومنذ سن الـ-15 أعمل مع إخوتي كصيّاد بدوام كامل. في التسعينيّات كنا ندخل في البحر إلى مسافة 12 ميلاً بحريًّا وهو نطاق الصيد الذي سمحت لنا إسرائيل به. كان في البحر سمك من جميع الأنواع وكنّا نعمل ليلَ نهار. كان العمل جيدًا والرّزق وفيرًا حيث تمكنّا من بيع الكثير من الأسماك. كان مستوى معيشتنا جيّدًا. في عام 2002 تزوّجت وبنيت منزلاً في مخيّم الشاطئ للّاجئين.
في العام 2000 وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية بدأت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي بالتضييق علينا تدريجيًّا. لقد قلّصت مسافة إسرائيل المنطقة المسموحة للصيد إلى أقل من 12 ميلًا بحريًّا. وبعد خطف شليط في العام 2006 أغلقت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ البحر بالكامل لفترات لا تقلّ عن ثلاثة أشهر في كلّ مرة. ثم قاموا بتقليص منطقة الصيد في البداية إلى ستة أميال بحريّة ثم إلى ثلاثة أميال. لم نعد نعرف متى يُسمح لنا بدخول البحر ومتى هو مغلق أمامنا. واصلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ تقييد امكانية إبحارنا رغم أنّه لا علاقة لنا بالمسائل السياسية فنحن مجرد صيّادين نرغب في كسب لقمة العيش.
في عام 2012 اعتقلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ أخي وثلاثة أقارب آخرين أثناء عملهم على قاربي وصادرت القارب. اضطررت لشراء قارب آخر حتى نتمكن من الاستمرار في العمل.
على مرّ السنين عانينا كثيرًا من اعتداءات قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ في الصيف والشتاء، ليلًا ونهارًا. طاردونا وأطلقوا النار علينا أحيانًا. اضطررنا للعمل في ظروف صعبة للغاية وخاطرنا بحياتنا. كنّا نخشى باستمرار أن يطاردونا أو يطلقوا النار علينا أو أن يعتقلونا أو يصادروا قاربنا. علاوة على ذلك، كلّما اندلعت حرب منعتنا إسرائيل بالكامل من دخول البحر.
قبل نحو السّنة اعتقلوني أثناء عملي في الصّيد مع ابن أخي وصادروا قاربي. منذ ذلك الحين بدأت حياتي في التدهور. بقيت بدون مصدر رزق لم يعد لي ولعائلتي ما نعتاش منه. ومنذ ذلك الحين أقضي معظم الوقت جالسًا في المنزل أو عند عتبة الباب أراقب الأشخاص الذين يمشون في الشارع وأفكر في حياتي كيف تعطّلت وتوقّفت. وأيضًا تسبّبت البطالة المفروضة عليّ قسرًا بمشاكل بيني وبين زوجتي لأنه لم يعد لدينا المال ولم أعد قادرًا على تلبية احتياجات عائلتي مثل الطعام والملابس ومصاريف بداية العام الدراسي.
يمكننا شراء اللحوم والدجاج فقط مرّة واحدة في الشهر بشرط أن أعمل مع صيّادين آخرين، أحيانًا لمدّة يوم وأحيانًا لبضعة أيّام؛ وإذا لم أحصل على عمل نبقى بدون أيّ مدخول. حتى الأسماك التي اعتمدنا عليها في غذائنا طيلة السنين نشتريها في السوق اليوم. نحن مضطرون لشراء السّمك وهذا أيضًا مرّة واحدة فقط في الشهر.
لقد أصبحنا عبئًا على المجتمع. أتلقّى معونات من وكالة الغوث للّاجئين "الأونروا" مثل الطعام. لقد أصبحت متسولًا وأشعر بالإهانة حين أمدّ يدي للنّاس. في الماضي لم أكن بحاجة إلى أيّ شخص لكننا اليوم نتوسّل للحصول على المساعدة. وأنا بطبيعة الحال لا أملك أيّة مهنة أخرى غير الصيد. قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ تحتجز قاربي وبذلك قد دفعت بي وبعائلتي إلى حياة الفقر.
صديقة السّلطان (65 عامًا) متزوجة وأمّ لتسعة أولاد وهي من سكّان بيت لاهيا ويعمل زوجها وأولادها في قطاع الصّيد البحري. في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، التي أدلت بها في 31.1.19، حدّثت عن الصعوبات التي تواجهها العائلة في حياتها اليوميّة:
قبل اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، كان زوجي غالب السلطان (70 عامًا) يعمل في إسرائيل. بعد أن ألغت إسرائيل تصاريح العمل استخدمنا الأموال التي وفّرناها وبعنا قطعة صيغة لي لكي يتمكّن زوجي من شراء قارب ومعدّات للصّيد البحري. كلفنا هذا أكثر من 2000 دولار. اعتقدنا أنها فكرة جيّدة خاصّة وأنّنا نسكن بالقرب من الشاطئ. منذ ذلك الحين يعمل زوجي وأبنائي في الصّيد البحري. في السنوات الأولى كان العمل جيداً، وكان الدخل يصل أحياناً إلى 300-400 شيكل في اليوم. كان هذا كافياً لنا ولأبنائنا. استمرّ الأمر على هذا النحو لمدّة ستّ سنوات. في ذلك الوقت كان من الممكن إدخال معدّات صيد الأسماك إلى قطاع غزة ولم يقم الجيش بالاعتداء على الصيّادين أو إطلاق النار أو إلقاء القبض عليهم ولم يصادروا معدّاتهم. وكانت المساحة التي يُسمح فيها الصّيد 12 ميلًا بحريًّا.
في العام 2007 تغير الوضع حيث فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة. بدأوا في الحدّ من المناطق المسموحة للصيد وتقليصها لستة أميال بحريّة ولاحقًا قلّصوها إلى ثلاثة أميال. كذلك بدأ الجيش الإسرائيلي بمطاردة الصيّادين حتى أثناء تواجدهم ضمن المناطق المسموحة للصيد.
عانى زوجي وأولادي من القيود الجديدة ومن مطاردات قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ لهم أثناء عملهم داخل البحر. في بعض الأحيان كانوا يطلقون النار عليهم فيضطرّون إلى الفرار وترك الشباك في البحر، فينتشلها الجيش من البحر ويصادر كلّ شيء. بسبب هذه الإجراءات وإغلاق المعابر كان هناك نقص في شباك الصيد وبالتالي ارتفع سعرها في الأسواق. وقد قفزت أسعار الشبك من 180 شيكل في عام 2007 إلى 500 شيكل.
منذ عام 2007 قام الجيش بمصادرة الكثير من معدّات الصيد من زوجي وأبنائي. كانت المرّة الأولى في عام 2009 عندما أطلقوا النار على زوجي وأولادي وهم في البحر. ثم اعتقلوا زوجي وابني رمضان (43 عامًا) وأطلقوا سراحهم في المساء. لكنّهم صادروا القارب والشباك. بعد أربع سنوات أعادوا لنا القارب ولكن بدون المعدّات وكان مدمّرًا ولا يصلح للاستخدام.
في غضون ذلك، أخذ زوجي قروضًا لشراء قارب ومعدّات جديدة وكان القارب الذي تمكّنّا من شرائه أصغر وأبسط من القارب الذي صادره الجيش.
في عام 2010 صادر الجيش القارب الجديد أيضًا وفي عام 2012 قام بمصادرة قارب آخر وقد فُقدت الشباك في البحر ولكن في النهاية أعادوا لنا القارب في حالة جيّدة وعاد زوجي إلى العمل. غير أنّه تمكن من اصطياد كميات قليلة من الأسماك في غياب ما يكفي من الشباك. في عام 2016 صادر الجيش القارب الرابع. لا يزال القارب والشباك في قبضة الجيش الإسرائيلي بعد أن تكلّفنا الكثير من المال لشرائهم. مع كلّ مصادرة كان يزداد وضعنا الاقتصادي تدهورًا.
أكثر اللّحظات رعبًا في حياتي عندما أسمع أنهم أطلقوا النار على الصيّادين مرّة أخرى. أشعر بالتوتر والقلق وأظلّ متوترة حتى يعود زوجي وأولادي إلى البيت.
في شهر تموز 2018 صادروا منّا القارب وكنّا قد اشتريناه مباشرة بعد أن صادروا القارب السّابق في عام 2016 مع شباك الصيد. أطلق الجنود النار على القارب وصادروه. في ذلك اليوم كان ابني محمد (26 عامًا) وحفيدي البالغ من العمر 22 عامًا في البحر. اعتقلهما الجيش عندما كانا على بعد ميلين بحريين من الشاطئ وأفرج عنهما في الصباح. لكنهم لم يعيدوا لنا القارب والشباك.
منذ ذلك الحين ليس لدينا نقود لشراء قارب وشباك صيد أخرى. هذه المصادرات المتكرّرة ضعضعت وضعنا المالي بشكل كبير - لم يتبقّ لنا شيء. ما زلنا مدينين أموالًا لقاء الشباك التي اشتريناها في الماضي؛ وحتى لو كان لدينا المال نحن سئمنا من شراء المعدّات ليعود الجيش ويقوم بمصادرتها. زوجي عاطل عن العمل فيما وجد أبناؤنا عملاً كصيّادين أجيرين. في بعض الأحيان يقول لي زوجي أنه يريد شراء قارب آخر لكنه يخشى أن يصادروه. إنّه يقبع في المنزل ولا يتلقى مساعدة من أيّة جهة وحالته النفسية صعبة للغاية.
وضعنا الآن صعب جدًّا. أنا التي كنت في السابق أبيع الأسماك في السوق أحتاج اليوم لشرائها وحتى ليس لدي ما يكفي من المال لدفع ثمنها. قبل أن يقوموا بمصادرة القارب الأخير كنّا نكسب ما يقارب خمسين شيكل في اليوم لأننا لا نملك سوى عدد قليل من شباك الصيد. بينما الآن يعمل أبنائي كصيّادين اجيرين ويكسبون أقلّ من 20-30 شيكل في اليوم وهذا لا يكفي لجميع احتياجاتنا.
يُشكّل قطف الزيتون في الضفة الغربيّة ركيزة أساسيّة في الاقتصاد الفلسطينيّ، وهو من أهمّ مصادر الدّخل بالنسبة لعشرات آلاف العائلات. تفيد تقديرات البنك الدولي ومركز التجارة الفلسطينيّ بأنّ محصول الزيتون في المواسم الجيّدة يدرّ على الاقتصاد الفلسطينيّ عائدات تبلغ نحو 200 مليون دولار. غير أنّ إسرائيل تفرض على القطاف في كلّ موسم قيوداً مشدّدة - رسمية وغير رسميّة. على خلفيّة الحرب في قطاع غزّة بلغت هذه القيود ذروة جديدة في الموسم المنصرم، 2023: وفقاً لتقديرات اتّحاد المزارعين الفلسطينيّين، نحو 50% من المزارعين الفلسطينيّين لم يتمكّنوا من قطف الثمار عن أشجارهم.الآليّة الرسميّة الأساسيّة التي تستخدمها إسرائيل لتقييد القطاف هي آليّة "التنسيق" التي تُلزم الفلسطينيّين بالتنسيق مع الجيش قبل خروجهم إلى القطاف. نشأت هذه الآليّة كطريقة يعالج بها الجيش عُنف المستوطنين تجاه قاطفي الزيتون الفلسطينيّين. لكنّ بدلاً من معالجة ممارسات المستوطنين مباشرة، يطالب الجيش الفلسطينيّين بالتنسيق معه مواعيد مجيئهم إلى أراضيهم، كأنّما لكي يأتي جنود لحمايتهم أثناء القطاف. لكن ما يحدث عمليّاً هو أنّ هذه الآليّة تقيّد القطاف، بل تمنعه تماماً، لأنّ موسم القطاف يُفترض أن يستمرّ أسابيع، بينما قام الجيش بتقليصه إلى أيّام معدودة فيمنع، بذلك، المزارعين من قطف الثمار عن جميع أشجارهم، كما يمنعهم من إعداد الأرض لموسم المزروعات الشتويّة. وفي كل الأحوال، هذه الآليّة بحدّ ذاتها لا تفيد في منع العُنف، إطلاقاً، لأنّ الجنود في كثير من الحالات لا يحضرون بتاتاً، رغم "التنسيق" الذي تمّ مع الجيش، وحتى عندما يحضرون لا يساعدون في منع العُنف، بل حدث اكثر من مرّة أن شاركوا فيه بأنفسهم.في السّنوات الماضية كانت الإدارة المدنيّة تخصّص لقطف الزيتون ثلاثة أيّام لكلّ تجمع. لكنّها في هذه السّنة، وبعد بدء الحرب في قطاع غزّة فوراً، ألغت الإدارة المدنية حتى هذه الأيّام القليلة التي كان تم تخصيصها. وقد عيّن الجيش بضعة أيّام بديلة لكنّه عاد وألغاها في بعض الحالات، مثلما بفعل، تحت ضغط المستوطنين، قرب مستوطنات "إلكنا"، "شعاري تيكفا" و"عِيتس إفرايم".هكذا، على سبيل المثال، قال رئيس مجلس محلّي قرية بورين، إبراهيم عمران، لبتسيلم إنّ نحو 12,000 دونم من الأراضي الزراعيّة التابعة لقريته، وتشكّل ثلثي إجمالي أراضي القرية، مصنّفة ضمن المنطقة C، بما في ذلك نحو 1,000 دونم مزروعة فيها 16,000 شجرة زيتون. تمّ تخصيص يومين فقط لسكان القرية لقطف الزيتون، في 25.10.23 و-26.10.23، لكنّها ألغيت فور بدء الحرب. ويقول أيضاً إنّ نحو 70% من سكّان القرية يعتمدون في مدخولهم على موسم قطاف الزيتون، وبسبب القيود على القطاف فقد خسروا عشرات آلاف الشواقل، هي الدخل الذي يشكل أساس رزقهم خلال السّنة كلها. والحديث هنا عن أموال مُعدّة لسداد التزامات مختلفة، مثل بدل إيجار، بناء منزل، أقساط جامعية، إلخ. معنى هذا أنّ منع القطاف في هذا الموسم قد أثّر عليهم بصورة مباشرة.يتوجّب "التنسيق" أيضاً من أجل الدخول إلى الأراضي الزراعيّة التي بقيت غربيّ جدار الفصل. رئيس المجلس القروي عكابا، تيسير عمارنة، قال لبتسيلم إنّ أهالي القرية يملكون نحو 2,500 دونم من الأراضي الزراعيّة غربيّ جدار الفصل، وهُم يأتون إليها كلّ يوم عبر إحدى بوّابات الجدار. أغلقت البوّابة فوراً بعد بدء الحرب ثمّ بعد مفاوضات بين مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وتلك الإسرائيليّة تقرّرت للأهالي ثلاثة أيّام "تنسيق" في نهاية تشرين الثاني. لم تكف هذه الأيّام لإنهاء قطاف الزيتون كلّه، ولا حتى لقطاف ما يكفي احتياج العائلات نفسها، ممّا أضرّ بمعيشة الأهالي.الوسائل غير الرسميّة لتقييد قطف الزيتون هي عُنف المستوطنين تجاه قاطفي الزيتون - والذي يرتكبونه تحت رعاية الجيش وبإذن منه، بل وبمشاركته الفعلية في كثير من الأحيان. منذ سنين يشهد موسم قطاف الزيتون ذروة في عُنف المستوطنين، وما زالت سياسة السّلطات الإسرائيليّة منذ سنين هي الامتناع عن ردع هذا العُنف المتكرّر. في هذه السّنة، منذ أن بدأت الحرب في قطاع غزّة، جُنّد الكثير من المستوطنين في منظومة الحماية المناطقيّة للجيش في الضفة الغربيّة. استغلّ المستوطنون صلاحيّات وظيفتهم هذه لكي يُغلقوا الطرق المؤدّية إلى الأراضي الفلسطينيّة أو لكي ينصبوا الحواجز في الطرق الزراعيّة، وهكذا منعوا الفلسطينيّين من الوصول إلى كروم الزيتون الواقعة في جوار المستوطنات.ارتفعت وتيرة هجمات المستوطنين وشدّتها تجاه قاطفي الزيتون بشكل كبير منذ أن بدأت الحرب. وفقاً لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في الأمم المتحدة (OCHA)، منذ بداية الحرب وحتى منتصف كانون الثاني شنّ المستوطنون أكثر من 440 اعتداء عنيفاً ضدّ الفلسطينيّين، عشرات منها ضدّ قاطفي الزيتون. تضمّنت هذه الهجمات اعتداءات جسديّة على قاطفي الزيتون، اقتلاع كروم زيتون كبيرة، إتلاف كروم عبر تكسير الأغصان وقطع الجذوع بالمنشار وحرق أشجار، إضافة إلى قطف ثمار الزيتون وسرقتها.الكثير من أعمال العُنف حدثت وقوّات أمن إسرائيليّة حاضرة في المكان. كذلك نشر المستوطنون عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ تهديدات بأنّهم سوف يُلحقون الأذى بقاطفي الزيتون. على سبيل المثال، رئيس مجلس عورتا، سعد عوّاد، قال لبتسيلم إنّ هناك نحو 2,000 دونم من أراضي القرية لا يسمح الجيش بالوصول إليها بدون إجراء "تنسيق" لأنّها قريبة من مستوطنة "إيتمار". في هذه السّنة تمّ تخصيص يوم واحد فقط للقطاف، بداءً من السّاعة 8:00 صباحاً. في اليوم الموعود تمّ إبلاغه أنّ موعد بدء القطاف تأجّل ساعتين. عندما وصل أهالي القرية إلى أراضيهم وجدوا هناك نحو 20 مستوطناً يقومون بقطف الزيتون وعدداً من الجنود يؤمّنون لهُم الحراسة. حاول الأهالي وقف هذا الاعتداء لكنّهم لم ينجحوا، ثمّ غادروا أراضيهم نحو السّاعة 16:00 فيما استمرّ المستوطنون في قطف الزيتون عن أشجارهم وإتلافها.إفاداتعبد الله نعسان، من سكّان قرية المغيّر، قال في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:تملك عائلتنا أكثر من 900 دونم أرض مزروع فيها أكثر من 8,000 شجرة زيتون على جانبي شارع "ألون" وكنّا نستطيع دائماً الوصول إليها بحرّية طيلة أيّام السّنة، ويقع جزء من الأراضي في محيط بؤرة "عدي عاد" الاستيطانيّة، ويتطلّب الوصول إليها إجراء "تنسيق". في كلّ سنة كنّا نحصل على 5-7 أيّام "تنسيق". في هذه السّنة، بعد أن بدأت الحرب في غزّة، ألغت إسرائيل كلّ شيء. سدّ الجيش جميع المداخل والطرق الزراعيّة، وعددها ثمانية، بالصّخور وأكوام التراب.بوسيلة ما، تمكّنا عدّة مرّات من الدّخول سرّاً إلى أراضينا، ولكن لم نستطع دائماً الفرار من عُنف المستوطنين. هُم عادة يستخدمون طائرات شراعيّة ويرون من عُلوّ كلّ من يحاول الاقتراب من الأرض. عندئذٍ يبدؤون في مطاردتنا أو يستدعون الجيش، ثمّ يصادرون منّا المعدّات أو السيّارات. حتى الآن صادر الجيش منّا جرّارين زراعيّين.بعد ضغط شديد مارسناه عبر شخص من القرية يعمل في مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة حصّلنا ثلاثة أيّام "تنسيق" في بداية شهر كانون الأوّل لكي نقطف ثمار أشجار الزيتون المجاورة لشارع "ألون". عندما جئنا إلى هناك وجدنا جميع الثمار على الأرض ولم تعد تنفع بعدُ لإنتاج زيت صالح للأكل، ولم عد بالإمكان الاستفادة منها بأيّ شكل بسبب حُموضتها العالية. وحتى لو أردنا أن نُنتج من الثمار صابوناً فسوف تكون التكلفة عالية جدّاً بحيث يكون ذلك غير مُجدٍ اقتصاديّاً. هكذا خسرنا هذا الموسم.في المواسم السّابقة كنّا ننتج من أراضينا في كلّ سنة نحو 40,000 كغم زيت زيتون، ونبيع كلّ كغم في السّوق بسعر 30 ش.ج. للكيلو الواحد. كنّا نبيع في القرية أو في السّوق الفلسطينيّ ونصدّر كذلك للولايات المتحدة، ونكسب من ذلك مدخولاً جيّداً. ولكن في هذه السّنة لم نربح شيئاً، لم نتمكّن من قطف ما يكفي احتياج العائلة ممّا يعني أنّنا سوف نضطرّ أن نشتري لكي نعوّض النقص. من جهة أخرى، كانت لدينا مصاريف كثيرة على رعاية أشجار الزيتون، الأسمدة، المُبيدات، مصاريف الحراثة، ما مجموعه نحو 300,000 ش.ج. إضافة إلى ذلك، لدينا مصاريف أجور العمّال حيث يعمل لدينا أكثر من ثلاثين عاملاً في كلّ سنة خلال موسم القطاف. هؤلاء أيضاً تضرّروا إذ خسروا مصدر دخل، وهُم يعيلون 150 نفراً على الأقلّ. وهناك عشرة عمّال آخرون يعملون لدينا على مدار السّنة، وهؤلاء أيضاً تضرّروا.بعد السّابع من أكتوبر خرّب المستوطنون أشجارنا والأراضي. شاهدنا مستوطني المزارع الاستيطانيّة المنتشرة في الجزء الشرقيّ من القرية يجلبون قطعان أغنامهم لترعى داخل كرومنا، وقد أكلت هذه القطعان الأوراق والأغصان وخرّبتها. هذا يؤدّي إلى تيبّس الأشجار وموتها، وأحياناً يحتاج الأمر سنتين أو ثلاثة حتى تستعيد الأشجار عافيتها. لقد تمكّنا من اكتشاف مكان الجرّافات التي استخدمها المستوطنون في تجريف أراضينا الواقعة قرب بؤرة "عدي عاد" الاستيطانيّة، حيث توجد لنا هناك أكثر من 400 شجرة. عندما ذهبنا لتقديم شكوى في محطة شرطة "بنيامين" استجوب المحقّق اليهوديّ عمّي وسأله كيف استطعتم تصوير المستوطنين، كأنّما نحن المذنبون. نملك أيضاً معصرة زيتون أقمناها في العام 2010. نحن نعمل مع مزارعين من المغيّر والقرى المجاورة، مثل كفر مالك وترمسعيّا وأبو فلاح ودوما. وكان مدار عمل المعصرة متوائماً مع موسم القطاف، أي على مدار خمسين يوماً، بمتوسّط عشر ساعات عمل في اليوم. لقد كانت المعصرة تعمل وتُنتج يوميّاً ستّة أطنان من زيت الزيتون، وبالمجمل أنتجنا نحو 300 طن خلال الموسم. أمّا في هذه السّنة فقد كانت المعصرة شبه معطّلة حيث تمكّنا من إنتاج 60 طناً من زيت الزيتون فقط، أي ما يعادل 20% من الإنتاج السّنويّ العاديّ.وسيم لدادوة، من سكّان بلدة المزرعة القبليّة، قال في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد:تعدّ عائلتنا الموسّعة نحو مائة نفر، ونملك معاً ما يقارب 450 دونماً نصفها كروم زيتون. لسوء حظّنا، تقع كرومنا في جوار مستوطنات "نحليئيل" و-"كيرم رعيم" و-"طلمون" و-"حورشاه". في الموسم الحاليّ لم نتمكّن بتاتاً من قطف ثمار الزيتون لأنّ الجنود والمستوطنين، الذين أتى بعضهم بزيّ عسكريّ، منعونا من الوصول إلى أشجارنا.في 11.10.23 حاول أهالي القرية، بمن فيهم عائلتي، المجيء إلى كروم الزيتون القريبة من البلدة، وهي أراضٍ تبعُد مئات الأمتار عن المستوطنات والدخول إليها لا ولم يتطلّب إجراء "تنسيق". مع ذلك، حين اقتربنا اعتدى علينا الجنود والمستوطنون. كان عددنا نحو ثلاثين شخصاً، ومعنا نساء وأطفال، وقد هدّدونا بالسّلاح وأخافوا الجميع. كذلك خرّبوا بعضاً من السّلالم وأدوات العمل التي جلبناها معنا. في أوقات أخرى حاول بعض المزارعين المجيء إلى كرومهم خفيةً، لكنّ محاولاتهم باءت بالفشل لأنّ الجيش والمستوطنين منتشرون ليلاً ونهاراً على قمم التلال. الجنود يُراقبون على مدار السّاعة ويستخدمون في ذلك الطائرات الشراعيّة أيضاً لكي يتعقّبوا المزارعين الذين يحاولون الاقتراب من كرومهم. إنّهم يُطلقون النار لكي يُخيفوهم.خسائرنا فادحة. كنّا ننتج في كلّ موسم نحو 250 صفيحة (تنكة) زيت زيتون وزن كلّ منها 15 كغم، أي أنّنا كنّا ننتج 3,750 كيلوغراماً من زيت الزيتون. متوسّط سعر الكيلوغرام الواحد 40 ش.ج. هذا كلّه خسرناه. ليس فقط عائلتنا وإنّما جميع أهالي القرية خسروا مبالغ كبيرة. أنا أعرف ذلك لأنّني ناشط زراعيّ وعضو في عدّة لجان في القرية.مساحة أراضي البلدة 14,200 دونم، منها 7,500 دونم تقع في الجانب الغربي من البلدة وتطوّقها المستوطنات التي ذكرتها أعلاه. كروم الزيتون خاصّتنا موجودة هناك. يمكن القول إنّ أكثر من 90% من محصول زيت الزيتون سُلبت منّا في هذا الموسم. معصرة الزيتون التي في بلدتنا تُنتج في كلّ موسم نحو 10،000 صفيحة زيت زيتون، أي ما يعادل 150 ألف كغم زيت. ولكن في هذا الموسم أنتجت المعصرة فقط 500 كغم زيت لأنّنا لم نتمكّن من قطف ثمار الزيتون. في هذه السّنة لم نتمكّن حتى من إنتاج ما يكفي من الزيت لاحتياجاتنا وسوف نضطرّ إلى شرائه - هذا إذا وُجد زيت زيتون في السوق حيث أنّ ما جرى لبلدتنا جرى لجميع البلدات والقرى في الضفة الغربيّة.خُذني أنا مثالاً: كانت عائلتي تُنتج في كلّ موسم عشرين صفيحة زيت زيتون. نحن نستهلك أربعة صفائح أي 60 كغم والبقيّة كنت أبيعها وكانت تدرّ مدخولاً ذا أهمّية لنا، بينما خرجت من هذا الموسم بثلاث زجاجات زيت فقط، أي خمسة كغم. هناك مُزارعون كانوا ينتظرون موسم قطاف الزيتون لكي يموّلوا عُرس أحد الأبناء أو بناء منزل أو دفع أقساط جامعة، ناهيك عن حالة فقراء المزارعين فهؤلاء ينتظرون موسم القطاف لأنّه مصدر دخلهم الوحيد وبالكاد يعتاشون منه.تبعات هذه الجريمة تطال أيضاً أشجار الزيتون نفسها. الثمار التي تبقى على الشجر تتعفّن وتُنمّي حشرات تضرّ بالشجرة، وهذا يسبّب أمراضاً قد تيبّس الشجرة أو تُميتها. إبقاء الثمر على الشجر يؤدّي أيضاً إلى خفض محصول الثمار بنسبة كبيرة في الموسم اللّاحق، وأحياناً تنخفض الكميّة إلى نصف المنتوج العادي.
يحتاج سكّان قطاع غزّة إلى نحو 600 ميغا/واط لكي يحصلوا على كهرباء متواصلة ومنتظمة على مدار 24 ساعة، لكنّهم لا يحصلون في الواقع سوى على 180 ميجا واط - 120 منها تزوّدها إسرائيل مباشرة عبر عشرة من خطوط الجُهد العالي والـ60 المتبقّية تنتجها محطّة توليد الكهرباء في القطاع وتعمل بواسطة وقود يصلها من إسرائيل وتموّله قطر. نتيجة لذلك يحصل سكّان قطاع غزّة في الأيّام "العاديّة" على كهرباء لفترات تمتدّ 8 ساعات فقط يليها 8 ساعات تنقطع فيها الكهرباء وهكذا دواليك؛ وفي الصّيف تنقطع الكهرباء أحياناً لمدّة 12 ساعة. لا يمكن لإسرائيل التنصّل من مسؤوليّتها عن هذا الواقع لأنّها لا تزال هي الطرف المسيطر على ما يحدث داخل القطاع: هي التي فجّرت قبل 14 عاماً محطّة توليد الكهرباء في القطاع ومنعت منذ ذلك الحين إعادة إعمارها - نتيجة لذلك لا تستطيع المحطة سوى إنتاج كميّة محدودة من الكهرباء. وأيضاً إسرائيل هي التي تعيق إجراء الترميمات وإدخال تحسينات ضروريّة على منظومة الكهرباء وتُجبر السّلطات على شراء الوقود منها وحدها. ولكنّ إسرائيل لم تكتف بهذا كلّه. علاوة على ذلك ومن باب العقاب الجماعيّ لكلّ سكّان القطاع أوقفت إسرائيل ضخّ الوقود اللّازم لتشغيل محطّة توليد الكهرباء في الأوقات التي ترتئيها. في 10.8.20 وفي قمة اشتداد الصيف الحارق قرّرت إسرائيل إغلاق المعابر ومنع إدخال الوقود إلى قطاع غزّة، وذلك ردّاً على مواصلة إطلاق البالونات الحارقة والمتفجّرة نحوها من القطاع. بعد مضيّ أسبوع على ذلك في 18.8.20 توقّفت محطّة توليد الكهرباء في القطاع عن العمل بسبب نقص الوقود وهبطت ساعات تزويد الكهرباء إلى 4 ساعات في اليوم لا أكثر. وبعد مضيّ ثلاثة أسابيع في 1.9.20 أعادت إسرائيل فتح المعابر وعاد بالتّالي تزويد الكهرباء إلى سابق عهده أي 8 ساعات في اليوم تليها 8 ساعات تنقطع فيها الكهرباء. يصعب تخيّل عائلات لا تبعد عن تل أبيب سوى بضع عشرات من الكيلومترات وتعيش بدون كهرباء منتظمة. انقطاع الكهرباء المتكرّر والمتواصل لا يمكّن سكّان القطاع من إدارة نظام حياة معقول في عالم أصبحت فيه الكهرباء لازمة في كلّ مجال تقريباً - من استهلاك الغذاء إلى العمل والدّراسة والصحّة والتواصُل مع العالم وغير ذلك. في حال انقطاع الكهرباء لا يستطيع السكّان استخدام الأدوات الكهربائيّة الأساسيّة كالثلّاجة والمراوح وغسالة الملابس والفرن، ولا يستطيع المرضى والمعاقون تلقّي العناية اللازمة إذ يحتاج ذلك تزويد الكهرباء بشكل متواصل. كذلك يضرّ انقطاع الكهرباء بالبُنى التحتيّة وعلى رأسها شبكات المياه والمجاري ناهيك عن الضرر اللّاحق بالمستشفيات. هذا الرّوتين اليوميّ القاسي لم ينجم عن كارثة طبيعيّة ولا هو حُكم القدَر وإنّما نتيجة لسياسة إسرائيليّة ظالمة. فيما يلي إفادات أدلى بها عدد من سكّان القطاع أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين يصفون فيها ما يلاقونه من مشقّة في تسيير حياتهم اليوميّة في هذه الظروف والإحباط الشديد الذي يرافق ذلك: أدناه إفادة باسمة خليل (61 عاماً) لديها 12 ابناً وابنة وهي من سكّان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة - أدلت بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.8.20: نقيم أنا وزوجي خيري عبد الرحمن (60 عاماً) في منزل من طابقين مع أبنائنا الأربعة وعائلتَي اثنين منهم. عددنا سويّة 16 نفراً. زوجي عاطل عن العمل منذ عشرين عاماً. منذ أن قصفت الطائرات الإسرائيليّة محطّة الكهرباء ونحن نعاني من أزمة كهرباء وهذا فوق أزمة المياه والحصار المفروض علينا. أحياناً تنقطع الكهرباء طوال النهار كلّه وتأتي لمدّة 3 - 4 ساعات فقط في المساء؛ وعندما تقع حرب لا توجد كهرباء بالمرّة. وكذلك المياه لا تصلنا بشكل متواصل وحين تنقطع الكهرباء والمياه في آنٍ واحد فلا يمكن ضخّ المياه إلى الخزّانات المنصوبة فوق السّطح. أحسّ وكأنّ الكهرباء والماء خطّان متوازيان لا يلتقيان! الوضع في قطاع غزّة لا يُطاق أبداً. الحصار أدّى إلى تدهور أوضاعنا الاقتصاديّة بحيث لا نستطيع شراء مولّدات كهرباء كان من شأنها أن تسهّل حياتنا في حال انقطاع الكهرباء. لقد أعادنا القطاع إلى العصور القديمة إذ صرنا نستخدم بدائل بدائيّة مثل قنديل الكاز والشمع لإنارة منازلنا - وهذا أمر له مخاطره وقد وقعت جرّاءه حرائق أكثر من مرّة. في إحدى المرّات وضعت الشمعة فوق جهاز التلفزيون فاشتعلت النار فيه. معظم أعمال المنزل تتطلّب الكهرباء وبسبب انقطاع الكهرباء المتكرّر كثيراً ما تتلف أجهزة المنزل الكهربائيّة. يحدث هذا لأنّني أشغّل جميع الأجهزة دفعة واحدة عندما تأتي الكهرباء لكي استغلّ الوقت وأتمكّن من تنفيذ أعمال المنزل قبل انقطاعها ثانية. في الوقت نفسه ترَيني أغسل الملابس وأخبز وأطبخ وأكوي وأضخّ الماء لخزّانات السّطح وأشغّل سخّان المياه وأشحن الهواتف كلّها دفعة واحدة. قوّة الكهرباء عندنا لا تكفي لتحمّل هذا العبء فتحترق جرّاء ذلك بعض الأجهزة أحياناً. وفي بعض الأحيان عندما تأتي الكهرباء لوقت قصير أضطرّ لغسل الملابس يدويّاً وخبز العجين في الطّابون وهذه أعمال مُتعبة جدّا لامرأة في سنّي. كثيراً ما أبقى مستيقظة حتى ساعة متأخّرة في انتظار وصول الكهرباء لكي أكمل أعمال المنزل وأعجن وأخبز في الطنجرة الكهربائية كلّ هذا أقوم به وعيناي شبه مغمضتين من النعاس والتعب. أخبز في كلّ مرّة 30 - 40 رغيفاً وإذا انقطعت الكهرباء أثناء الخبز هناك حلّان أمامي: إمّا أن ألقي بالعجين في النفايات وإمّا أن أشعل الحطب وأواصل الخبز في الطابون. كلاهما متعب ويوتّر الأعصاب. كثيراً ما اضطررت لإلقاء فواكه وخضار في النفايات لأنّها تلفت بسبب انقطاع الكهرباء. بالنسبة للّحوم أشتريها في يوم احتياجي لها لأنّه لا يمكن تخزينها في الثلّاجة إذ تتلف سريعاً جدّاً. مشكلة انقطاع الكهرباء تُرهقني جسديّاً ونفسيّاً. في الشتاء يصعُب تدفئة المنزل بدون الكهرباء ورغم المخاطر لا أجد حلّاً سوى تدفئة المنزل بإشعال الفحم. في الصّيف الطقس حارّ جدّاً ولا يمكن تشغيل المراوح. أستصعب النوم في اللّيل وكثيراً ما أنهض وأرشّ الماء على جسمي. ليلة أمس كانت الكهرباء مقطوعة ولكثرة الحرّ اضطررت للنوم على بلاط الأرضيّة وفي الصّباح استيقظت وظهري يؤلمني. أحفادي أيضاً يتصعّبون في النوم بسبب الحرّ الشديد وأحياناً نخرج إلى الشارع في منتصف الليل بحثاً عن نسمة هواء. العتمة أيضاً مشكلة في حدّ ذاتها. اقتنيت لإنارة المنزل مصابيح LED تُشحن ولكنّها ضعيفة جدّاً. في اليومين الماضيين كان الوضع صعباً بشكل خاصّ لأنّ الكهرباء تصلنا فقط لمدّة 3 - 4 ساعات لأنّ محطّة توليد الكهرباء تعطّلت تماماً بعد أن أغلقت إسرائيل معبر كرم أبو سالم ومنعت إدخال الوقود لتشغيل المحطّة. السّنة الدراسيّة في بدايتها وابني أحمد طالب في الصفّ العاشر ولديه وظائف يجب أن يحلّها. عندما يعود من المدرسة ويجد الكهرباء مقطوعة يقول لي: "خرجتُ منذ الصّباح الباكر ولم يكن كهرباء، وها أنا أعود في الظهيرة ولا تزال الكهرباء مقطوعة! أيّة حياة هذه؟!". يغضب جدّاً لأنّه محبَط. انعدمت الحياة في غزة. أولادي يقولون دائماً "لقد مللنا هذه الحياة… إلى متى سنبقى في هذا الوضع؟". نحن نعيش في فقر مُدقع وهذه أيضاً مشكلة كبيرة جدّاً إضافة إلى مشكلة الكهرباء. أحسّ أنّني مخنوقة لم تبق لديّ قوى لتحمّل هذه الحياة. لقد وصلت إلى درجة اليأس التامّ من كلّ شيء. أشعر أنّني أموت ببطء. لا نطلب سوى أمور أساسيّة جدّاً وحياة طبيعيّة: أن تصلنا الكهرباء بشكل منتظم ومتواصل وأن يجد زوجي وأولادي عملاً وأن يرفعوا عنّا الحصار بالطّبع. قليل من الرّحمة! نريد أن نستمتع بالحياة وأن نرى أيّاماً جميلة وسعيدة وأن نعيش بكرامة ونحصل على أبسط الأشياء - كهرباء! في عصرنا كلّ شيء يعمل بالكهرباء فهي روح الحياة. بدون الكهرباء تتوقّف الحياة. أدناه إفادة عبد الرّحيم العرعير (61 عاماً) من حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة وهو أب لثمانية أبناء وعاطل عن العمل - أدلى بها في 20.9.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد: أقيم مع زوجتي شفا (64 عاماً) وولديّ المتزوّجين وأسرتيهما في منزل مؤلّف من طابقين. نعدّ معاً 22 نفراً. في العام 2012 حين كنت في طريقي إلى عملي أطلق الجيش الإسرائيليّ قذيفة من دبّابة نحو منطقة تقع شرقيّ حيّ الشجاعيّة وأصبت مع أشخاص آخرين كانوا يمرّون من هناك. اضطرّ الأطبّاء لبتر ساقي اليمنى فبقيت عاطلاً عن العمل منذئذٍ. حاولت طوال سنوات التعوّد على استخدام ساق اصطناعيّة ولكن بلا نفع. إضافة إلى ذلك خضعت لعمليّة جراحيّة في القلب وأعاني أيضاً من السكّري. لكي أتدبّر أموري اليوميّة أستعين بـدراجة "سكوتر" كهربائيّة ثمنها 2,000 دولار وينبغي شحنها لمدّة خمس ساعات تقريباً كلّ يوم. لا أستغني عن "السكوتر" فهو كلّ شيء بالنسبة لي. بفضله أنسى أنّني بلا ساق وهو يخدمني في كلّ ما أحتاجه. عندما يكون معطّلاً بسبب انقطاع الكهرباء أكون أنا أيضاً معطّلاً. أنا عمليّاً رهينة جدول الكهرباء وفي كلّ يوم أنتظر عودة الكهرباء لكي أشحن السّكوتر. من مشاكل الكهرباء أيضاً أنّها لا تأتي في أوقات محدّدة. أحياناً أظلّ مستيقظاً طوال اللّيل أو أستيقظ باكراً جدّاً لكي أشحن السّكوتر فأنا لا أستطيع المكوث طوال الوقت داخل المنزل. بمساعدة السّكوتر أذهب إلى السّوق لكي أشتري احتياجات الأسرة، وأذهب للصّلاة في المسجد القريب تقريباً خمس مرّات كلّ يوم. يبعد المسجد عنّا نحو 500 متر. وأحياناً أبقى في المسجد من صلاة الظهر حتى صلاة المغرب لكي أقتصد في صرف الكهرباء. الآن وبسبب تعطيل محطّة توليد الكهرباء تصلنا الكهرباء فقط لمدّة 3 - 4 ساعات في اليوم وهذا لا يكفي لشحن السّكوتر بشكل كامل. أي أنّني إذا خرجت من المنزل إلى مكان بعيد قد أعلق وسط الطريق حين تفرغ البطّاريّة، وعندها سأضطرّ لاستدعاء من لديه سيّارة كبيرة لكي يوصلني إلى المنزل مع السّكوتر. هذا أمر مُرهق. أحياناً أخرج بمساعدة العكاكيز عندما نحتاج شيئاً ضروريّاً ويكون السّكوتر غير مشحون. حالتي النفسيّة تتأثّر عندما أكون محبوساً في المنزل بسبب انقطاع الكهرباء. وضعنا الاقتصاديّ لا يسمح لنا بشراء مولّد كهرباء خاصّ وعندما ألاحظ أنّ بطّاريّة السّكوتر على وشك أن تفرغ آخذه للشحن لدى صديق لي يقيم قريباً منّي. هو صاحب منجرة ولديه مولّد كبير. الكهرباء من الموارد الأساسيّة في الحياة فجميع الأعمال تعتمد على الكهرباء. نحن نعاني مثل بقيّة سكّان القطاع. نضطرّ لاستخدام أدوات بدائيّة في إنارة منازلنا كالشموع وقناديل الكاز والمصابيح الصغيرة. أنا وزوجتي نقوم بجميع أعمال المنزل وهي تضطرّ أحياناً لغسل الملابس يدويّاً. أنا أهتمّ بتشغيل مضخّة المياه الكهربائيّة وحين أكون خارج المنزل أتّصل طوال الوقت لكي أعود وأشغّل المضخّة إذا ما وصلت الكهرباء. أزمة الكهرباء متواصلة طوال السّنة في الصّيف وفي الشتاء. في الشتاء عندما تكون الكهرباء مقطوعة طوال النهار لا مناص لنا من استخدام الفحم لتدفئة المنزل. وفي الصّيف مع الحرّ الشديد نعاني أكثر لأنّنا نحصل على الكهرباء عادة لمدّة 6 ساعات تليها 12 ساعة تنقطع خلالها الكهرباء. الخضار والفواكه واللّحوم تتلف داخل الثلّاجة. كذلك لا يمكننا تشغيل المراوح وفي اللّيل ننام بصعوبة. حتى أحفادنا الأطفال يبكون بسبب معاناة الحرّ. هكذا هي حياتنا تحت الحصار منذ 14 عاماً. الوضع سيّء للغاية. نحن ننتظر رحمة السّماء لأنّ حياتنا كلّها عذاب ويأس. ولكنّنا نريد أن يتغيّر هذا الوضع. لا يمكن أن نبقى هكذا محرومين من أبسط الحقوق. مشاكل الكهرباء هي أصعب ما نواجهه. نأمل أن ينزاح عنّا هذا الكابوس. أدناه إفادة يحيى سلطان (62 عاماً) من مخيّم النصيرات للّاجئين وهو أب لسبعة أبناء ومتقاعد - أدلى بها في 23.8.20 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة: أقيم في الطابق السّابع في برج سكنيّ مع زوجتي وأولادنا الأربعة العازبين. اثنان منهما يدرسان في الجامعة. نحن نعاني كثيراً ومنذ سنين طويلة جرّاء انقطاع الكهرباء. ذات مرّة كانت الكهرباء تصلنا لمدّة ثماني ساعات تليها ثماني ساعات انقطاع ثمّ تعود لمدّة ثماني ساعات وهكذا. الآن تنقطع الكهرباء في الصّيف والشتاء لمدّة أطول قد تصل إلى 12 ساعة أحياناً. في البرج الذي أسكنه مصعدان يعملان على الكهرباء إذا وُجدت وعندما تنقطع الكهرباء أظلّ حبيس المنزل إذ لا يمكنني صعود الدّرج لأنّني أعاني من مشاكل صحّية كثيرة: سكّري ومشاكل في القلب وارتفاع ضغط الدم. أحيانا تصل الكهرباء في منتصف اللّيل فأظلّ محبوساً المنزل لمدّة يومين أو أكثر وإذا كانت عليّ التزامات في الخارج ألغيها أو أؤجّلها إلى أن تعود الكهرباء وتعمل المصاعد من جديد. أنا أدفع فاتورة كهرباء لشركة الكهرباء وفاتورة أخرى لمزوّد لديه مولّد خاصّ. أنا مدين لشركة الكهرباء نحو 27 ألف شيكل وأدفع لهم حاليّاً بدل الكهرباء التي نستهلكها و-100 شيكل أخرى لسداد أقساط الدّين الذي تراكم. إضافة إلى ذلك أشتري الكهرباء من جاري الذي يملك مولّدًا خاصّا وأدفع له 100 شيكل كلّ شهر وأحياناً أكثر. خطّ المولّد الخاصّ يكفي فقط لتشغيل مروحتين وللإنارة لا الثلّاجة أو الحاسوب. عندما تنقطع كهرباء المولّد الخاصّ نستخدم مصابيح LED مشحونة وهي تكفي بالكاد لساعتين. بعد ذلك نستعين بمصابيح هواتفنا في التنقّل داخل المنزل. ولداي اللّذان يتعلّمان في الجامعة يبقيان الآن في المنزل ولا يحضران المحاضرات لأنّني عجزت عن دفع القسط الدراسيّ. ابنتي سلسبيل (23 عاماً) تدرس الرياضيّات في الجامعة. قبل عدّة أشهر كانت تجيب على أسئلة امتحان عبر الإنترنت وفجأة انقطعت الكهرباء فأخذت تبكي بشكل هستيري؛ لكنّها تمالكت نفسها بسُرعة وبدلت ملابسها وهرعت إلى منزل عمّها القريب منّا وأكملت الامتحان هناك. بسبب أنّ إسرائيل أغلقت المعابر ومنعت دخول الوقود إلى غزّة تصل مدّة انقطاع الكهرباء إلى أكثر من 20 ساعة يوميّاً أي أنّ الكهرباء تصلنا فقط لمدّة 4 ساعات؛ وحتى هذا يكون أحياناً في ساعات اللّيل المتأخّرة ونحن نيام بحيث لا نستفيد منها بأيّ شكل. خزّانات المياه على سطح المنزل تكفينا ليومين فقط. في الأسفل قرب البناية توجد خزّانات كبيرة وحين تتوفّر الكهرباء علينا الإسراع في ضخّ المياه إلى خزّانات السّطح وإلّا فسنبقى بدون مياه جارية أيضاً. بالأمس وصلت الكهرباء عند العصر ولكنّني امتنعت عن الخروج لأداء الصّلاة في المسجد القريب من المنزل خشية أن تنقطع الكهرباء فلا أتمكّن من العودة إلى المنزل بالمصعد. انقطاع الكهرباء يضرّ أيضاً بحياتنا الاجتماعيّة. نحن تقريباً منقطعون عن العالم فحتى أولادنا وأقاربنا حين يريدون القدوم لزيارتنا يتّصلون مسبقاً لكي يتأكّدوا من وجود كهرباء. الآن حيث تصلنا الكهرباء فقط لمدّة 4 ساعات يوميّاً انقطعت الزيارات العائليّة تماماً. أقضي معظم وقتي داخل المنزل وأتسلّى بتصفّح الإنترنت حين يكون ذلك ممكناً. حياتنا الطبيعيّة تنقطع مع انقطاع الكهرباء. أدناه إفادة إنعام السّلطان (48 عاماً) من جباليا وهي مطلّقة وأمّ لخمسة أبناء - أدلت بها أمام باحثة بتسلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 21.8.20: أقيم منذ نحو 14 عاماً مع أبنائي الخمسة في الطابق الخامس من بُرج سكنيّ مؤلّف من ثمانية طوابق و28 شقّة. جميع السكّان يعانون كثيراً من أزمة الكهرباء التي بدأت مع الحصار. لا نملك المال اللّازم لشراء مولّد كهرباء والمصعد يعمل فقط حين تتوفّر الكهرباء. حالتي الصحّية صعبة جدّاً إذ أعاني ارتفاع ضغط الدّم وانزلاق غُضروفيّ في الفقرتين الخامسة والسّابعة ومشكلة في القلب ومشكلة أخرى في غضروف الرّكبة اليمنى. أنا لا أستطيع هبوط الدّرج وعندما تنقطع الكهرباء لا أخرج من المنزل. عندما يتمّ تزويد الكهرباء بشكل منتظم وفق جدول 8 ساعات وصل و-8 ساعات قطع يكون الوضع أفضل قليلاً لأنّنا على الأقلّ نعرف مسبقاً متى ستنقطع الكهرباء ومتى تعود. عندما تصل الكهرباء في الصّباح الباكر أخرج من البيت لزيارة والدتي وفي الطريق أشتري لها ولنا ما نحتاجه ثمّ أساعدها في المنزل. الكثير من أصدقائنا وأقاربنا لا يستطيعون زيارتنا لأنّ المصعد لا يعمل ومن الصّعب صعود الدّرج وهبوطه. ذات مرّة زارتنا والدتي وعلقت عندنا حتى اليوم التالي بسبب انقطاع الكهرباء. الآن أزمة الكهرباء اشتدّت أكثر وتفاقمت بسبب تعطيل محطّة توليد الكهرباء قبل نحو أسبوع وخفض ساعات تزويد الكهرباء إلى 3 - 4 يوميّاً بحيث تنقطع لمدّة تقارب 18 ساعة متواصلة. هذه كارثة بالنسبة إليّ. أنا لا أخرج من المنزل بتاتاً إلّا لحاجة طارئة أو ضروريّة. صعود الدّرج يستغرق رُبع السّاعة وهبوطه أيضاً يتطلّب وقتاً. أتوقّف لأستريح كلّ بضع درجات لأنّ الدّرج مُتعب جدّاً. أحياناً تتوفّر الكهرباء في اللّيل بالذّات عند السّاعة 23:00 مثلاً وأنا في هذا الوقت أكون قد نمت. عندما أستيقظ في الصّباح تكون الكهرباء قد انقطعت والفرصة قد ضاعت. أحياناً وإذا كنت مضطرّة أظل مستيقظة لكي أقوم بأعمال المنزل التي تحتاج كهرباء، مثال غسل الملابس وخبز العجين والكيّ وشحن المصابيح والهواتف الخلويّة. نظامنا اليوميّ تُمليه ساعات توفّر الكهرباء وهذا أمرٌ مُمضّ. مدخولي الشهري يبلغ نحو 100 دينار (ما يقارب 470 شيكل ولذلك لا أستطيع شراء مولّد كهرباء صغير للمنزل ولا تركيب نظام توليد كهرباء شمسيّ. في اللّيل عندما تكون الكهرباء مقطوعة والمراوح لا تعمل أبقى مستيقظة بسبب شدّة الحرّ. أحياناً ننام أنا وابنتي أحلام على بلاط الأرضيّة. وأحياناً تصل الكهرباء لفترة قصيرة جدّاً فلا يُسعفني الوقت لشحن بطّاريّات مصابيح الـ LED وهذه تفرغ بطّاريّاتها خلال وقت قصير قرابة 2 - 3 ساعات. في الأمس بقينا كلّنا بدون إنارة في اللّيل. الوضع سيّء إلى درجة أنّني أفكّر في استخدام الشمع رغم المخاطر المترتّبة على ذلك.