تفيد المعطيات من نهاية شهر نيسان 2019 أنّ إسرائيل تحتجز 5,152 أسيرًا ومعتقلًا فلسطينيًّا (فيما يلي: الأسرى) معرّفين كـ"أمنيّين". يقبع معظم هؤلاء الأسرى في سجون داخل الحدود السياديّة لدولة إسرائيل وهي تستغلّ هذا الأمر لكي تفرض على زيارات عائلاتهم لديهم قيودًا متطرّفة في تشدّدها. هكذا بالإضافة إلى تقييد عدد الزوّار ووتيرة الزيارات ومنذ تمّوز 2017 تمنع إسرائيل الزيارة على الإطلاق عن 1,329 أسيرًا معرّفين كأسرى حماس قلّة منهم من قطاع غزة ومعظمهم من الضفة. تفعل إسرائيل ذلك بهدف الضغط على حماس لكي تعيد أبراهام منجيستو وهشام السيّد المحتجزين لدى التنظيم وكذا جثماني الجنديّين أورون شاؤول وهدار جولدين. تنقطع العلاقة تمامًا بين الأسير وأسرته لأنّ إسرائيل تمنع الأسرى "الأمنيّين" أيضًا من إجراء محادثات هاتفيّة.
في الحالات التي تتاح فيها زيارات الأسرى - التي ينظّمها الصّليب الأحمر - لا تخلو أيّة زيارة من مشقّات السفر. يبدأ السّفر قبل طلوع الفجر وينتهي في ساعات المساء. الزيارة نفسها قصيرة ولا تمتدّ سوى 45 دقيقة أو ساعة في الحدّ الأقصى وفي أثنائها يفصل بين الأسير وزائريه حاجز زجاجيّ ويتحدّث الطرفان معًا بواسطة جهاز هاتف داخليّ.
من بين الأسرى الذين تحتجزهم إسرائيل هناك 303 أسرى من سكّان قطاع غزّة تُخضعهم إسرائيل لقيود أكثر وأكثر تشدّدًا, ثلاثة منهم قاصرون تتراوح أعمارهم بين 16-18 عامًا. بعض هؤلاء الأسرى جرى اعتقالهم قبل تطبيق "خطّة الانفصال" في 2005 وبعضهم بعد ذلك. إضافة إلى ذلك تحتجز إسرائيل 15 فلسطينيًّا من سكّان القطاع جرّاء مكوثهم غير القانونيّ في إسرائيل وتعتبرهم سجناء "جنائيّين".
وهكذا وفي عام 2007 منعت إسرائيل زيارة عائلات الأسرى من قطاع غزة. ابتداءً من عام 2012 سمحت بالزيارات ولكن تحت تقييدات شديدة الصرامة. تحدد إسرائيل هوية الزائرين المسموحة بوالدي الأسير وزوجاتهم وأبنائهم حتى سن 16 عامًا فقط وتسمح لهم بزيارة واحدة فقط كلّ شهرين (بدلًا من زيارة كلّ شهر كما في حالة الأسرى من الضفة الغربية). ولا تسمح إسرائيل لإخوة وأخوات الأسرى بالزيارة سوى في حالة وفاة الوالدين أو إصابتهما بمرض عضال إذا كان الأسير أعزبًا. وفي هذه الحالة يُسمح لهم بالزيارة فقط مرّة كلّ ستّة أشهر بناءً على تنسيق خاصّ وبعد تقديم تقارير طبّية - هذا إذا لم تعرّفهم إسرائيل "ممنوعون أمنيًّا" وهو تعريف تطبّقه بشكل تعسّفيّ ولا يمكن الاعتراض عليه.
تحدّث إخوة وأخوات أسرًى من قطاع غزة في إفادات أدلوا بها أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين عن المصاعب التي يعانونها جرّاء حرمانهم من رؤية إخوتهم:
نسرين جابر (43 عامًا) عزباء من سكّان مدينة غزّة وتعمل مربّية رياض أطفالوهي شقيقة الأسير محمد جابر (38 عامًا) الذي اعتُقل في عام 2003 وحُكم عليه بالسّجن 18 عامًا يقضيها في سجل "إيشل" في بئر السبع. منذ تجديد السماح بالزيارات في 2012 رأت نسرين شقيقها مرّتين فقط. قبل عشر سنوات توفّي الوالد أمّا الوالدة فلا تستطيع زيارة ولدها منذ بداية عام 2016 بسبب وضعها الصحّي. إثر ذلك ومنذ عام 2016 قدّمت نسرين وشقيقتها نور (26 عامًا) أكثر من 10 طلبات لزيارة شقيقهما ولم تحصلا على موافقة سوى مرّتين. في إفادة أدلت بها يوم 2.5.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قالت نسرين جابر:
الصورة
نسرين جابر. تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 2.5.19
اعتُقل محمد في عام 2003 وكانت إسرائيل حينئذٍ تسمح لنا بزيارته. كانت زيارتي الأولى مع الوالدين في عام 2004 ثمّ زرته في 2005. وبسبب تقييد عدد الزائرين لم أذهب من بعد ذلك حيث أخذ والداي معهما نور وأحمد أخويّ الأصغر منّي. منذ عام 2007 منعت إسرائيل الزيارات كلّيًّا. منذ خمس سنوات تقريبًا لم يذهب أحد منّا لزيارة محمّد.
توفّي والدي في عام 2009 في تلك الفترة كان ممنوعًا علينا جميعا زيارته أي أنّه فارق الحياة دون أن يتمكّن من زيارة محمد ورؤيته. هذا الأمر ضاعف بالنسبة لنا مأساة وفاة والدي. لقد كان فترة عصيبة جدًّا,
في عام 2012 جدّدت إسرائيل السماح لعائلات الأسرى بزيارتهم ولكنّها استثنت من ذلك الإخوة والأخوات. كان من الصعب جدًّا تقبّل هذا الأمر. كانت حاتلي النفسية سيئة بسبب هذا القرار. في تلك السنة كانت والدتي تسافر وحدها لزيارة محمد ورغم أنّها امرأة مسنّة ومريضة لم يسمحوا لنا بمرافقتها. كانت والدتي تعود منهكة من الزيارة وترقد مريضة في الفراش طيلة أسبوع. ما يصعّب عليها الزيارة بشكل خاصّ أنّ سجن بئر السّبع فيه أدراج كثيرة ويجب أيضًا السّير لمسافات طويلة. لكنّ هذه المصاعب لم تثن والدتي عن زيارة محمد.
في بداية عام 2016 قدّمت والدتي تقارير طبّية إلى إدارة السجن عن طريق الصليب الأحمر لكي يسمحوا لي ولشقيقتي نور بالزيارة. اختارت والدتي أن نستبدلها نحن البنات لا إخوتي الشباب لأنّها كان تعلم أنّ الموافقة على طلبها ستكون أسهل. أوضحت لها السلطات الإسرائيلية أنه لا يمكنها زيارة ولدها طالما نور وأنا نزوره ووافقت والدتي على ذلك.
منذ بداية عام 2016 تسجّلت للزيارة أنا ونور لدى الصّليب الأحمر سبع مرّات وفي كلّ مرّة كانت إسرائيل ترفض طلبنا "لأسباب أمنيّة". فجأة في تمّوز 2017 اتّصلوا بنا من الصّليب الأحمر وقالوا إنّ هناك موافقة على طلبنا. كانت سعادتي لا توصف حين أبلغونا بذلك. لم أغفُ في تلك الليلة لشدّة فرحتي وانفعالي من اقتراب لقائي مع أخي الذي لم أرَه منذ 11 سنة.
كان الزيارة صعبة بالنسبة إليّ كما بالنسبة لأهالي الأسرى الآخرين. إدارة سجن بئر السّبع تجري على الزّائرين تفتيشات دقيقة جدًّا ومحرجة. إنّهم يفتّشون حتى الملابس الداخليّة. كذلك يوم الزيارة طويل ومضنٍ وهذا كلّه لأجل لقاء مدّته 45 دقيقة لا أكثر. تحمّلت كلّ هذا العذاب لأنّني أردت رؤية أخي محمد مهما كانت الظروف.
عندما رأيت محمد يأتي برفقة السجّان قلت للسجّان أنّني أريد أن أمسك بيد أخي ولكنّه رفض ولم يسمح لنا. صرنا نبكي ونصرخ أنا ونور.
كنت سعيدة لرؤيته. كان محمد قد أصيب بأزمة قلبيّة بعد أن سمع أنّ أبانا توفّي لكنّه في هذه الزيارة حدّثني أنّه منذ ذلك الحين يعاني مشاكل في الرؤية خاصّة في عينه اليسرى. قال لنا إنّهم لا يقدّمون لهم العلاج الطبّي في السّجن وأنّه إذا تألّم يقدّمون لهم الأكامول فقط. انقضت الزيارة بسرعة ولم أشعر كيف مرّ الوقت من فرط سعادتي رغم أنّني لم أتمكّن من معانقته ولمس يديه وتقبيله. عدت من الزيارة مسرورة جدًّا ولكن متعبة ومرهقة.
بعد نصف سنة قدّمنا طلبًا آخر لي ولنور لزيارة كانت محدّدة ليوم 10.3.18. وافقوا على الطلب وفرحنا جدًّا بذلك ولكن عندما التقينا محمد حدّثنا أنّه تقريبًا فقد قدرته على الإبصار بعينه اليسرى وأوصانا ألّا نخبر والدتي بذلك. أنا أيضًا لا أدري كيف يمكنني إخبارها بمثل هذا الأمر.
بعد هذه الزيارة قدّمت عدّة طلبات لكنّهم في كلّ مرّة كانوا يرفضون الطلب. إنّني أحسّ بغياب أخي محمّد في جميع المناسبات - في الأعياد وفي الأعراس والآن على وجه الخصوص لأنّنا نقترب من شهر رمضان. لكنّ غيابه أكثر ما كان محسوسًا في يوم وفاة والدي وفي عرسَي شقيقيّ رامي وفادي. لم نشعر بالفرح في ذلك اليوم لأنّ محمد لم يكن معنا. آمل أن يفرج عنه قريبًا. لم نره أنا ونور منذ سنة وشهرين. في الصّليب الأحمر يقولون لنا في كلّ مرّة إنّ طلبنا قد رُفض وهم لا يعلمون ما السّبب. ليتهم يوافقون ويسمحوا لي بزيارة محمد فأنا قلقة جدًّا على صحّته وأشتاق له طوال الوقت. أرغب في معانقته ولمسه. محمد لا يغيب عن بالي ولو للحظة.
محمد الآغا (38 عامًا) من سكّان مدينة غزة وهو أعزب وعاطل عن العمل. قضى محمد 12 سنة في السّجن كان في السنتين الأخيرتين ونيف منها سجينًا مع أخيه ضياء (45 عامًا). منذ الإفراج عنه في عام 2015 لم ير محمد أخاه حيث تُمنع عن الأسرى زيارات الإخوة والأخوات. في إفادة أدلى بها يوم 25.4.19 أمام باحث بتسيلم الميداني محمد صباح حدّث عن الوضع اليوم:
الصورة
محمد الآغا. تصوير: محمد صباح, بتسيلم, 28.4.19
تحرّرت من السّجن بعد سنوات من الشوق لإخوتي لأنّه لم يكن يُسمح لهم بزيارتي حتى قبل عام 2007. في كلّ فترة سجني لم يزرني أحد غير والدتي وبين السنوات 2007-2012 حتى هي لم يُسمح لها بزيارتي بعد منع الزيارات تمامًا. في عام 2013 نقلوني إلى سجن نفحة وهناك التقيت أخي ضياء المسجون منذ عام 1992. كنّا معًا أكثر من سنتين وقد زارتنا والدتي عدّة مرّات في السّجن نفسه. منذ الإفراج عنّي في عام 2015 لم أره لأنّ إسرائيل تمنع عن الأسرى زيارات الإخوة والأخوات.
بقيّة إخوتي لم يروا ضياء منذ 27 عامًا أي منذ اعتقاله. هو لا يعرف أيًّا منهم لأنّهم ممنوعون من زيارته. أنا على الأقلّ رأيته في السّجن وجلست معه وتحدّثنا سويّة. لفترة معيّنة كنّا مسجونين في الغرفة نفسها حتى. أشتاق إليه كثيرًا أرغب برؤيته ومجالسته وتبادل الحديث معه عن كلّ شيء يحدث في مجتمعنا وفي العائلة. أريد أن أراه ولو لبضع ساعات لكي أطمئنّ عليه بدل القلق الذي ينتابني باستمرار.
آمال أبو عيدة (47 عامًا) متزوّجة وأمّ لستّة أولاد وربّة منزل من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين لم تر أخاها محمد أبو عيدة (40 عامًا) منذ 12 عامًا تقريبًا. اعتُقل محمد في عام 2005 وكان أفراد أسرته يزورونه حتى عام 2007 ثمّ منعت السلطات الإسرائيليّة زيارات ذوي أسرى قطاع غزة. والدة آمال ومحمد توفّيت بضعة أشهر قبل تجديد الزيارات في عام 2012 وزوجة محمد تعيش في الإمارات العربيّة المتّحدة أمّا الوالد فقد توفّي منذ سنوات. في إفادة أدلت بها آمال أبو عيدة يوم 23.4.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، حدّثت عن أشواقها الحارّة لأخيها:
الصورة
آمال أبو عيدة . تصوير: ألفت الكرد, بتسيلم, 23.4.19
صُدمت حين اعتُقل محمد. سكن محمّد وعمل في الإمارات مدّة خمس سنوات وقد تزوّج هناك. اعتقلوه في معبر رفح عندما أتى في زيارة للقطاع. أبلغنا الصّليب الأحمر أنّه موجود في سجن عسقلان وحصلنا في تلك الفترة على تصريح دخول لزيارته مرّة كلّ أسبوعين. كانت ظروف الزيارة في تلك الأيّام أفضل بكثير من اليوم. في عام 2007 منعونا من زيارته. مضت خمس سنوات تقريبًا لم نزر فيها محمد بتاتًا وكانت هذه فترة صعبة وقاسية جدًّا. كنّا قلقين عليه. في عام 2007 توفّي أخي جهاد. وفي عام 2012 قبل بضعة أشهر من تجديد الزيارات توفّيت والدتي. كان هذا مصابًا أليمًا للعائلة. كان وضعنا سيئًا للغاية.
منذ تجديد الزيارات سمحوا فقط لولاء زوجة محمد بزيارته. لكنّ ولاء تسكن في الإمارات عند أهلها. عندما تأتي إلى القطاع تقدّم طلبًا لزيارة زوجها في السّجن. قبل سنتين ولدت ابنًا بعد أن حملت من نطفة مهرّبة من السجن. منذ عام 2005 زارته 5-6 مرّات تقريبًا.
في عام 2018 قدّمنا - أنا وشقيقتاي نوال ومها - طلبات لزيارة محمد في السّجن لأنّ زوجته ليست موجودة هنا. وافقوا فقط على طلب مها وقد ذهبت وزارته في شهر حزيران. فرحنا جدًّا بذلك لأنّ هذه الزيارة طمأنتنا عليه. بعد ذلك قدّمنا طلبات أخرى لزيارته ولكنّهم في هذه المرّة رفضونا جميعًا. لم يوافقوا حتى على طلب مها رغم أنّهم سمحوا لها من قبل. أنا لم أره منذ 12 سنة. بدأت أنسى ملامح وجهه. نحن نرسل له نقودًا مع عائلات الأسرى من غزة. حاولت إرسال ملابس أيضًا لكنّهم لم يوافقوا على إدخالها.
أنا أتذكّره طوال الوقت خاصّة في المناسبات العائليّة. توفّيت والدتي ولم تره في آخر 5 سنوات من حياتها. وهي على فراش الموت كانت تناديه "أنا أموت يا محمد أريد أن أراك". كنّا نبكي عليها وعليه. كانت وفاتها صدمة قاسية لنا لأنّها توفّيت وفي قلبها حسرة وشوق لرؤية محمد. نفتقد محمد كثيرًا في المناسبات السعيدة أيضًا. تزوّج أخي محمود في عام 2010. كم وددت لو أنّ محمد كان معنا وشاركنا فرحتنا. قبل خمس سنوات زوّجتُ ابنتي فاطمة وفي هذه المناسبة أيضًا افتقدته كثيرًا.
كان محمد محبوبًا لدى الجميع. أنا أحبّه كثيرًا. كان يأتي لزيارتنا ويلعب مع أولادي ويدلّلهم. كان يحبّ أولادي كثيرًا وهم يحبّون خالهم جدًّا. كم أشتاق لرؤيته. أتمنى أن يكون بخير وعافية. سوف يتحرّر من السّجن ويعود إليّ وللعائلة جميعها إن شاء الله.
مازن العيلة (46 عامًا) متزوّج وأب لستّة أولاد وهو عاطل عن العمل من سكّان مدينة غزّة. لم ير أخاه رامي (40 عامًا) منذ 11 عامًا. والدة وزوجة رامي - المسجون في سجن نفحة - تزورانه مرّة كلّ شهرين. ابنه محمد زاره إلى أن بلغ الـ16 من عمره مؤخّرًا. في إفادة أدلى بها في 24.4.19 أمام باحث بتسيلم الميداني محمد صباح، قال مازن العيلة:
الصورة
مازن العيلة . تصوير: محمد صباح, بتسيلم, 24.4.19
منذ أن اعتُقل رامي في عام 2008 لم نره أنا وأخي وأخواتي الأربع. تذهب والدتي وزوجته لزيارته مرّة كلّ شهرين تقريبًا. وكان ابنه محمد يزوره معهما إلى ما قبل وقت قصير حتى بلغ سنّ الـ16. كلّما قدّمنا بواسطة الصليب الأحمر طلبًا للزيارة أجابنا الطرف الإسرائيلي بأنّ زيارات الإخوة والأخوات ممنوعة.
منذ أن اعتُقل وأنا في انتظار أن أزوره. مرّت 11 سنة ولم أره بتاتًا. كنّا مقرّبين جدًّا وأنا أشتاق له كثيرًا. لم يكن رامي أخي وحسب بل كان صديقي أيضًا. أشتاق للجلوس معه وقضاء الوقت سويّة. أفتقده طوال الوقت. عندما تعود والدتي من زيارة رامي في السّجن تقول لي دائمًا "كان يسأل عنك كلّ الوقت". وهو يقول لها إنّه يشتاق كثيرًا لإخوته ويتمنّى لو يتمكّنوا من زيارته لنلتقي مثلما بقيّة الإخوة في العالم.
وفقاً لمعطيات "نادي الأسير الفلسطينيّ" حتى 7.12.21 تحتجز إسرائيل في سجونها نحو 230 "سجيناً أمنيّاً" من سكّان قطاع غزّة، من بينهم 70 ينتسبون إلى حركة حماس. في بداية العام 2020 وبعد تفشّي وباء الكورونا ألغت إسرائيل زيارات عائلات الأسرى. في منتصف حزيران 2020 عادت وسمحت بزيارة الأسرى ما عدا "السجناء الأمنيّين" ممّن "لا يقيمون في إسرائيل". وقد جاء في إعلان نشرته أنّ زيارة هؤلاء الأسرى سيتمّ فحصُها "لاحقاً وفقاً لفتح معابر الحدود وبتنسيق مع الصّليب الأحمر". وحيث أنّ الأسرى الفلسطينيّين المعرّفين "سجناء أمنيّين" يُمنعون من إجراء محادثات هاتفيّة لم تبق لديهم أيّة إمكانيّة للتواصُل مع عائلاتهم. في كانون الثاني 2020 قدّم "هموكيد" (مركز الدفاع عن الفرد) التماساً إلى محكمة العدل العليا مثّل فيه ثماني منظّمات حقوق إنسان مطالباً بالسّماح للأسرى الفلسطينيّين بإجراء محادثات هاتفيّة مع عائلاتهم. في أعقاب الالتماس سمحت الدولة بمحادثة هاتفيّة واحدة لكلّ "سجين أمنيّ" خلال شهر رمضان. في حزيران 2021 توجّه "هموكيد" إلى سُلطة السّجون مُطالبًا بتجديد زيارات الأسرى سكّان الضفة الغربيّة وقطاع غزّة. بعد مضيّ شهر على ذلك وافقت سلطة السجون على تجديد الزيارات فقط للأسرى سكّان الضفة الغربيّة، وظلّ وضع الأسرى سكّان قطاع غزّة ومنهم بعض السجناء الجنائيين دون أيّ تغيير إذ لا تزال عائلاتهم ممنوعة من زيارتهم حتى اليوم. يعكس هذا الواقع سياسة تطبّقها إسرائيل منذ سنين طويلة. منذ العام 2007 تفرض إسرائيل شتّى القيود على زيارة عائلات الأسرى سكّان قطاع غزّة: طوال فترات معيّنة مُنعت الزيارات تماماً وفي فترات أخرى سُمح بها وفقاً لقيود مشدّدة بضمنها منع الأبناء فوق سنّ الـ16 من زيارة آبائهم الأسرى. في العام 2017 قرّرت الدولة منع الزيارات عن الأسرى المنتسبين لحركة حماس وهو قرّار صدّقت عليه محكمة العدل العُليا. منع الزّيارات عن الأسرى يشكّل عقاباً جماعيّاً للأسرى وعائلاتهم. تتذرّع إسرائيل بحجج أمنيّة كهذه أو تلك لكي تبرّر هذه القيود، لكنّها حجج لا أساس لها ولا يمكنها أن تبرّر فرض هذه القيود الواسعة بحيث يُعزل الأسرى سكّان قطاع غزّة ويذوقون مع عائلاتهم معاناة كبيرة إثر القطيعة المفروضة عليهم طوال أشهر بل وسنوات إذ يمنعون من زيارة أحبائهم المسجونين والتحدث معهم. استمع باحثا بتسيلم الميدانيّان - ألفت الكُرد وخالد العزايزة - إلى إفادات عدد من ذوي الأسرى من سكّان قطاع غزّة الذين لم يُسمح لهُم بزيارة أعزّائهم منذ سنتين: من إفادة إيمان سالم (55 عاماً) وهي زوجة الأسير مجدي سالم (48 عاماً) وهُما أبوان لخمسة أبناء: وُلدت في منطقة رام الله وما زلت أحمل بطاقة هُويّة الضفة الغربيّة. يُقيم والداي اليوم في منطقة بيتونيا في محافظة رام الله. في العام 2014 سافرت لزيارة أهلي في رام الله بدون زوجي وبقيت عندهم طوال سنة. بعد ذلك أراد مجدي أن ينضمّ إلينا. في 24.8.15 توجّه إلى حاجز "إيرز" وهناك احتجزوه ثمّ اعتقلوه بشبهة الانتساب إلى تنظيم الجبهة الشعبيّة. كنت مصدومة لأنّني لم أتوقّع أن يعتقلوه. حُكم عليه بالسّجن لمدّة 9 سنوات وقد أمضى منها حتى الآن ستّ سنوات. بقيت في الضفة الغربيّة طوال سنة تقريباً ثمّ عدت إلى غزّة مع الأولاد. عدّة مرّات قدّمت عبر الصّليب الأحمر طلبات تصريح لزيارة مجدي وكانت إسرائيل ترفضها كلّها. في العام 2017 حصلت على تصريح لي ولابنتي وصال التي كانت آنذاك في الـ14 من عمرها وابني ممدوح الذي كان طفلاً في السّادسة. عندما وصلنا إلى السّجن طلبنا من أحد السجّانين أن يسمح لممدوح بالدّخول إلى الجهة الأخرى من الحاجز الزجاجيّ لكي يعانق والده فسمح بذلك. طوال عناق ممدوح ووالده كنت أبكي لأنّ المشهد كان مؤثراً وصعباً بالنسبة إليّ. كانت تلك الزيارة هي الوحيدة إذ لم يسمحوا لي بعد ذلك بزيارته. في كلّ مرّة كانوا في الصّليب الأحمر يقولون لي إنّ إسرائيل رفضت طلب التصريح. بعد ذلك تفشّى وباء الكورونا فاغتنمت إسرائيل الفرصة ومنعت تماماً زيارات الأسرى سكّان قطاع غزّة بتاتاً بحجّة الوباء. أرسل لزوجي نقوداً وملابس بمساعدة عائلات الأسرى سكّان الضفة الغربيّة. اعتقلوا زوجي وسجنوه عندما كان أولادنا أطفالاً صغار وبحاجة كبيرة إليه. الآن أيضاً يحتاجون كثيراً إلى زيارته، يحتاجون رؤيته - وخاصّة ممدوح الذي يسأل عن والده طوال الوقت ويقول إنّه مشتاق إليه. وصال أيضاً كثيراً ما تعبّر عن شوقها لرؤية والدها. منذ أربع سنوات لا يسمحون لنا بزيارته. أنا مشتاقة لرؤية زوجي وكذلك أبناؤها مشتاقون لأبيهم. ولكن حتى لو سمحت إسرائيل قريباً بزيارة الأسرى من سكّان قطاع غزّة فلن يتمكّن من زيارة مجدي من بين أبنائنا سوى ممدوح لأنّه الوحيد الذي دون سنّ الـ16 عامًا. أتألّم كثيراً لأجله وهو يرى الأولاد الآخرين بصُحبة آبائهم فيبكي لأنّهم حرموه من أن يكبر ووالده إلى جانبه. يقول: "أريد أن أرى أبي، أن أعانقه". نحن لا نستطيع أن نفرح وزوجي بعيد عنّا ولا حتى في الأعياد والمناسبات حيث يشعر الأولاد بغيابه. إنّهم بحاجة شديدة لوُجود أبيهم معهُم. من إفادة إيمان عزّام (17 عاماً) وهي ابنة الأسير جُمعة عزّام (53 عاماً): اعتُقل والدي في4.12.06 ثمّ حُكم عليه بالسّجن لمدّة 20 عاماً. كنت آنذاك في الثانية من عُمري ولا أذكر شيئاً. كنت طفلة. شقيقتي الصّغرى آية التي تبلغ اليوم من العمر 16 عامًا كانت رضيعة تبلغ خمسة أشهر فقط. منذ أن اعتُقل والدي نقلوه من سجن إلى آخر وهو اليوم في سجن النقب. تحدّثني أمّي صباح عزّام (48 عاماً) أنّنا زُرناه معها عدّة مرّات أنا وشقيقتي آية. الزيارة الأخيرة التي أذكُرها كانت وعُمري 10 سنوات. أتذكّر منها بالأساس التفتيش الذي أجراه الجنود على جسدي. لا أتذكّر شكل والدي وإنّما فقط زيّ السّجن الذي كان يرتديه - كان لونه بنّي. أذكُر أيضاً أنّني بكيت عندما رأيته. منعني السجّانون من الدّخول إليه لكي أعانقه. كانوا يسمحون بذلك للأطفال الأصغر سنّاً. لديّ ثلاثة إخوة وأربع أخوات جميعهم أكبر منّي ومتزوجون. أنا وشقيقتي آية تمّت خطوبتنا قبل عدّة أشهُر. منذ أكثر من عشر سنوات يمنعوننا من زيارة أبي. عندما كنت صغيرة كنت أذهب مع والدتي لنُشارك في الاعتصام الدوري عند بوّابة مقرّ الصّليب الأحمر في غزّة. اليوم يذهب أخي فادي (20 عاماً) ويشارك في الاعتصام بشكل دائم. نحن نُطالب أن يسمحوا لنا بزيارة أبي. لقد كبرنا بدون والدي أنا وإخوتي. أخذوه منّا ونحن أطفال صغار. مرّت علينا أيّام صعبة جدّاً بسبب غيابه عنّا. أنا أحتاج إليه في كلّ لحظة. لم يكن موجوداً في أعراس إخوتي وأخواتي - فادي وشادي ويونس وأسماء ونداء تزوّجوا ولم يحضُر أبي أعراسهُم. هذا محزن جدّاً. في شهر آب تخرّجت وحصلت على شهادة التوجيهي ولكنّني لم أشعر بفرح حقيقيّ. أنا أفتقد والدي كثيراً. حتى في حفل خطوبتي الذي جرى قبل عدّة أشهُر كانت فرحتي منقوصة. تمنّيت لو كان أبي إلى جانبي. لا أحد يمكنه أن يحلّ مكانه أو يعوّض غيابه. أصعب الأوقات تمرّ علينا في الأعياد حيث نرى أبناء الحيّ مع آبائهم ونتحسّر لغياب أبي عنّا. أنا أعرف فقط أبي الذي الصّور القديمة ولو رأيته اليوم لن أعرفه. تبقت له ستّ سنوات في سجن وآمل أن تمرّ بسُرعة لكي ألتقيه وأفرح بوُجوده. أمضت والدتي كلّ هذه السّنين وحيدة تماماً وهذا صعب جدّاً. أراها حين تجلس وحدها وتبكي غياب والدي. هي تقول إنّها قد تعبت ولا تستطيع أن تتحمّل أكثر. لماذا يمنعون الزّيارات؟ هذه جريمة بحقّ عائلات الأسرى! من إفادة سُعاد العمور (62 عاماً) والدة الأسير المرحوم سامي العمور الذي توفيّ عن عمر ناهز 39 عاماً أثناء عمليّة جراحيّة محروماً من الزيارة طوال نحو السنتين. في 1.4.08 اقتحم الجيش منزلنا واعتقل ابني الشهيد سامي. كان آنذاك في الـ26 من عمره وحُكم عليه بالسّجن لمدّة 19 عاماً و-11 شهراً. في تلك السّنة اعتقلوا أيضاً ابني حمادة (35 عاماً) وحكموا عليه بالسّجن لمدّة 12 عاماً ونصف العام. أطلقوا سراحه قبل سنة. في السّنوات الأولى منعونا من زيارة ولديّ إثر أسر الجنديّ "جلعاد شليط" فكنّا نتواصل معهُما بالرّسائل بواسطة الصّليب الأحمر. بعد عدّة سنوات سمحت إسرائيل بالزيارات مجدّداً فقمنا بزيارتهما للمرّة الأولى في العام 2013. ذهبت أنا وزوجي فقط إذ منعت إسرائيل الإخوة والأخوات من الزيارة. في البداية كان ولداي مسجونين في سجنين مختلفين - سامي في سجن نفحة وحمادة في سجن رمون - وكنّا في يوم الزيارة نلتقيهما معاً في سجن رمون. في إحدى الزيارات أدخلوني وحدي إلى غرفة ثمّ جلبوا حمادة وهو مكبّل اليدين والرّجلين. رأيته لمدّة دقيقة واحدة فقط وهو مكبّل. عندما رأيته على هذا الحال أجهشت بالبكاء. بعد مضيّ سنة توقّف زوجي عابد العمور (72 عاماً) عن مرافقتي في الزيارات بسبب مشقّة الطريق الطويلة والتفتيش المُنهك فصرت أذهب وحدي. كنّا في كلّ مرّة ننتظر في حاجز "إيرز" ساعات طويلة إلى حين انتهائهم من تفتيش الجميع. في إحدى المرّات منعوني من عُبور الحاجز. في ذلك اليوم سافر جميع ذوي الأسرى للزيارة إلّا أنا حيث اضطُررت للعودة إلى غزّة. ما زلت لا أعرف السّبب حتى اليوم. عندما تفشّى وباء الكورونا في بداية العام 2020 أوقفوا الزيارات بحجّة الخوف من العدوى. طوال سنتين منعتنا إسرائيل من الزيارة بهذه الذريعة. كنت أشارك في اعتصام أسبوعيّ احتجاجاً على منع الزيارات - نقف قرب مقرّ الصّليب الأحمر في غزّة ونطالب بالسّماح بالزيارة. طوال سنتين كنت أتواصل مع ذوي أسرى من الضفة الغربيّة وأودع في حساباتهم البنكية المال اللّازم وأطلب منهم أن يأخذوا معهم ملابس ومصروف كانتينا لابني. في بداية تشرين الثاني 2021 ظهرت عند سامي أعراض قيء وحمّى وكان يتلقّى العلاج في السّجن. بعد ذلك نقلوه إلى سجن عسقلان ولم أعرف السّبب. لم يخطر في ذهني أنّ سامي مريض إلى هذه الدّرجة. في 17.11.21 توفّي سامي أثناء عمليّة جراحيّة أجريت له في مستشفى "سوروكا" في بئر السّبع. علمت بموت ابني عبر وسائل الإعلام! وقع علينا النبأ كالصّاعقة. صرنا نصرخ ونبكي بكاءً مرّاً أنا وزوجي وأبناؤنا. لقد توفّي سامي بعيداً عنّي وبعد أن حُرمت من رؤيته طوال سنتين، ناهيك عن إخوته وأخواته فهؤلاء لم يروه منذ اعتقاله. أبكي ليلاً ونهاراً والحسرة تملأ قلبي على موت سامي بعيداً عنّي وعن والده. لقد سجنوا ابني وتوفّي وهو سجين والآن إسرائيل ترفض أيضاً أن تسلّمنا جثمانه. لا يدعوننا نودّعه ونشيّعه في جنازة لندفنه في قطاع غزّة. قدّمت شكوى إلى الصّليب الأحمر وطالبتهم أن يساعدوني على تسلّم جثمان سامي. إسرائيل حرمتني من رؤيته وهو حيّ وتريد الآن أن تحرمني رؤيته وهو ميت. من إفادة محمد أبو عرام (38 عاماً) أب لخمسة أبناء وهو شقيق الأسير إبراهيم أبو عرام وهو أب لاثنين: ,في 13.3.03 اعتقل الجيش الإسرائيليّ أخي إبراهيم في حاجز أبو هولي شماليّ خانيونس ثمّ حُكم عليه بالسّجن لمدّة 24 عاماً. كانوا ينقّلونه بين السّجون واليوم هو محتجَز في سجن رمون. في البداية كان أبي وأمّي وسناء زوجة إبراهيم (37 عاماً) يزورونه مرّة كلّ أسبوعين. في أعقاب أسر الجندي "جلعاد شليط" منعت إسرائيل زيارات الأسرى سكّان قطاع غزّة طوال خمس سنوات. كانت هذه الفترة صعبة جدّاً على عائلتنا. كنّا قلقين وتقريباً لم نكن نعرف شيئاً عن إبراهيم وأحواله. مرّة كلّ أسبوعين كنت أذهب أنا أو أحد أشقّائي إلى مكتب الصّليب الأحمر في خانيونس أو في غزّة لكي نسأل عن وضع إبراهيم وما إذا كان هناك أيّ تطوّر في شأن زيارات الأسرى. في العام 2013 سمحت لنا إسرائيل بزيارة إبراهيم. في تلك الفترة كانت أمّي تعاني من عدّة أمراض ورغم وضعها الصحّي سافرت مع أبي للزيارة. في نهاية الزيارة أخطأت والدتي الطريق إلى الحافلة فأطلق رجال الأمن النار قريباً منها. كان يمكن أن تصاب بسوء لولا أن تدخّل أهالي الأسرى وأعادوها إلى الحافلة. لاحقاً تبيّن أنّ والدي تعاني مرض الألزهايمر. منذ تلك الحادثة منعت سلطات الاحتلال والدتي من زيارة إبراهيم. والدي أيضاً اضطرّ للتوقّف عن الزيارة بسبب جلطة دماغيّة ألمّت به وأصبح مُقعداً على أثرها. لقد مرّت 8 سنوات دون أن يحظى إبراهيم بزيارة أحد من العائلة. لديه 7 إخوة وأخوات وجميعنا متزوّجون لكنّ إسرائيل لا تسمح لأيّ منّا بزيارته. تقريباً مرّة كلّ شهر آتي مكتب الصّليب الأحمر في خانيونس وأقدّم طلبات زيارة لي ولإخوتي وفي كلّ مرّة يقولون إنّ إسرائيل لا تسمح لإخوة الأسرى بالزيارة. لم يبق لدينا حلّ سوى أن نحوّل لإبراهيم النقود بواسطة عائلات أسرى من الضفة الغربيّة وهذه الإجراءات طويلة ومعقّدة ومنهكة. وحيث أنّه لا أحد منّا يزور إبراهيم ولا يجلب له ملابس فهو يضطرّ إلى شرائها من كنتين السّجن، وأحياناً يتلقّى ملابس كتبرّع من عائلات أسرى الضفة الغربيّة. الآن في فصل الشتاء نشعر بالقلق عليه بشكل خاصّ. نخشى عليه من البرد ونحن نعرف أنّ الملابس في كنتين السّجن باهظة الثمن. أشعر دائماً أنّني أسير مثله بسبب شعوري بالعجز إذ لا أقدر على رؤية إبراهيم وإحضار ملابس ونقود له. بلال ابن إبراهيم (20 عاماً) وشقيقته دنيا (21 عاماً) لم يزورا والدهما سوى وهُما صغيرين. منذ تسع سنوات لم يحظيا برؤيته. والدي يسألني كلّ يوم عن إبراهيم وبسبب وضعه الصحّي ورغبتي في مواساته أضطرّ أن أكذب عليه. أقول له دائماً إنّه بخير رغم أنّني لا أعرف شيئاً عنه. من إفادة خضرة الصعيدي (69 عاماً) وهي والدة الأسير عوض الصعيدي (43 عاماً): عندما اعتقلوا ابني عوض كان في فترة الخُطوبة. اعتقله الجيش الإسرائيليّ في 2.12.04 في حاجز أبو هولي وسط قطاع عزّة، ثمّ حُكم عليه بالسّجن لمدّة 15 عاماً. في العام 2012 تشاجر عوض في السّجن مع أحد السجّانين فحُكم عليه بالسّجن أربع سنوات أخرى. في سنوات سجنه الأولى كنّا نذهب لزيارته في سجن نفحة مرّة كلّ أسبوعين تقريباً. بعد ذلك نقلوه عدّة مرّات من سجن إلى سجن والآن أعادوه إلى سجن نفحة. إسرائيل تمنع منذ البداية زيارة الإخوة والأخوات ومنذ العام 2017 أنا أيضاً لم أر عوض لأنّ إسرائيل منعت زيارة الأسرى سكّان قطاع غزّة المنتسبين إلى حماس، ومنذ أن تفشّى وباء الكورونا تمنع إسرائيل زيارات جميع الأسرى الذين من قطاع غزّة. السّنوات الأخيرة تمضي عليّ وأنا في قلق دائم على ابني. أفكّر فيه طوال الوقت. إسرائيل تستغلّ وباء الكورونا لكي تمنع زيارة الأسرى سكّان قطاع غزّة ولكنّها تسمح بالزيارة لعائلات الأسرى سكّان الضفة الغربيّة. هذا التمييز يفتقر للمنطق والهدف منه فقط إيقاع عقاب جماعيّ على سكّان القطاع. لا علاقة لهذا الأمر بالكورونا. في الفترة التي كان يُسمح بها بالزيارة كانت الزيارات دائماً مشقّة هائلة: في اللّيلة التي تسبق الزيارة لا أستطيع أن أغفو خشية أن أتأخّر وتفوتني الحافلة. كنت أخرج من المنزل عند السّاعة 4:00 فجراً وأنتظر الحافلة في الشارع الرّئيسيّ. كنت أقف هناك في العتمة وعندما تكون أحوال الجوّ عاصفة كنت أقف في البرد القارس وتحت المطر. أمّا العذاب الحقيقيّ فكان يبدأ عند وصولنا إلى حاجز "إيرز" حيث التفتيش وفحص الهُويّات. كانوا يُدخلونني مرّة تلو المرّة في ماكينة المسح والأمر نفسه يتكرّر عند وصولنا إلى سجن نفحة - مرّة أخرى تفتيش وانتظار طويل إلى حين ينتهي السجّانون من تفتيش وفحص أوراق جميع من حضروا للزيارة.
تفيد المعطيات أنّ إسرائيل تحتجز في سجونها (حتى نهاية نيسان 2019) المقامة داخل حدودها السياديّة، 303 أسرى فلسطينيّين من سكّان قطاع غزّة ومن ضمنهم قاصران اثنان. يواجه سكّان القطاع الرّاغبون في زيارة أقربائهم الأسرى داخل إسرائيل مشقّات لا تُحتمل تفرضها عليهم إسرائيل خلافًا لأحكام القانون الدّولي: بين السّنوات 2007 و-2012 منعت إسرائيل هذه الزيارات تمامًا؛ وعندما جدّدت الزيارات - في تمّوز 2012 - وضعت شروطًا مشدّدة بحيث سمحت بالزيارة فقط لوالدي الأسير وزوجته ثمّ أخذت بالتدريج تسمح بالزيارة للأبناء أيضًا مع تقييد ذلك لمن هم تحت سنّ الـ16. منذ 1.7.17 تمنع إسرائيل الزيارة عن الأسرى سكّان القطاع المنتسبين لحركة حماس وعددهم نحو 100 أسير. فُرض هذا المنع في أعقب قرار حكوميّ يجيز فرض قيود على سكّان القطاع، وبضمنها تشديد ظروف الأسر، بدعوى أنّ هذا سوف يشكّل ضغطًا على حماس التي تحتجز لديها كورقة مساومة، خلافًا لأحكام القانون ومبادئ الأخلاق، مواطنين إسرائيليّين هما أبره منغيستو وهشام السيّد وجثماني الجنديّين هدار جولدين وأورون شاؤول. في أعقاب منع الزيارات رفع أربعة أسرى من سكّان قطاع غزّة المنتسبين لحركة حماس التماسًا إلى محكمة العدل العليا في شهر آب 2017. مؤخّرًا، في حزيران 2019 أي بعد مضيّ سنتين على تقديم الالتماس ردّ القاضي نيل هندل الالتماس في قرار حُكم وافق عليه القاضيان عنات بارون ويوسف إلرون. يُفترض أن توفّر المحكمة العليا الحماية لسكّان محرومين من أيّ تمثيل ويعيشون تحت حُكم عسكريّ يديره احتلال أجنبيّ. إلّا أنّ قرارات المحكمة على مرّ السنين - في هذا الالتماس كما في التماسات أخرى قدّمها فلسطينيّون من الأراضي المحتلّة - أضفت مرّة تلو الأخرى طابع الشرعيّة القانونيّة على انتهاك حقوق الفلسطينيّين وضمن ذلك هدم المنازل والاعتقالات المديدة دون محاكمة وطرد تجمّعات سكّانيّة بأكملها والتعذيب أثناء التحقيق وإغلاق الطرق وانتهاك حقوق المشتبه فيهم والحقّ في إجراء منصف. إضافة إلى أنّ القضاة بهذه الممارسات يخلّون بواجبات وظيفتهم هم فوق ذلك يلعبون دورًا رئيسيًّا في ترسيخ وتعزيز نظام الاحتلال. قرار محكمة العدل العليا في القضية 6314/17, نمنم ضدّ حكومة إسرائيل: منذ بداية نصّ القرار يذكر القاضي هندل المبدأ الأعلى الأخلاقيّ - الدستوريّ المرتبط بالموضوع: السّجناء لا يفقدون حقوقهم مع دخولهم إلى السّجن و"عقوبة السّجن الواقعة على أيّ إنسان لا تسلبه في حدّ ذاتها كرامته ولا تحرمه من حقوقه الأساسيّة". ولكنّه يحدّد فورًا بعد ذلك أنّ هذا المبدأ لا يسري في الحالة التي أمامه لأنّ زيارة السّجين - حتى زيارة الأقارب من الدّرجة الأولى- ليست حقًّا وإنّما هي امتياز "منفعة" ومن صلاحيّة السّجن أن يمنحها للسّجين أو يمنعها عنه: قد يرى أحدهم أنّ القطع التامّ لعلاقة السّجين بالعالم الخارجيّ عمومًا وبأسْرته على وجه الخصوص تشكّل انتهاكًا لحقوق دستوريّة تكفل حقّ العلاقة مع العالم خارج جدران السّجن وحقّ الحياة الأسَريّة… ولكن ما دام السّجين يملك أدوات اتّصال أخرى ينتهي منذ المرحلة الأولى النقد الدستوريّ لمنع الزيارات - حيث أنّ هذا الفعل [المنع] لا يرقى إلى المسّ بحقوق دستوريّة، ولا حاجة لفحصه على محكّ فقرة التقييد. وينوّه القاضي هندل مشدّدًا: حقيقة أنّ الأمر عبارة عن تنفيع للأسرى "ليس فيها ترك الأخيرين لتعسّف الإدارة" وقرار إلغائها يجب أن يتمّ وفقًا للقانون وتبعًا لأحكام القانون الإداري وبالتالي أن "يقوم على تعليلات موضوعيّة" وأن "يستوفي شرطَي المعقوليّة والتناسبيّة". يحلّل القاضي هندل أحكام القانون السّارية على زيارات الأسرى ويحدّد أنّ وزير الأمن الدّاخلي مخوّل الإيعاز إلى مصلحة السّجون بمنعها، لاعتبارات موضوعيّة "تشمل، إلى جانب الحفاظ على الإدارة السّليمة في السّجون، اعتبارات عامّة تخصّ الحفاظ على أمن الدولة". وهكذا "حماية أمن الدّولة، بمعناها الواسع، يُنظر إليها إذن كجزء لا يتجزّأ من الإدارة السّليمة في السّجون - ومن الاعتبارات التي ينبغي للمسؤولين أن يأخذوها في الحسبان". الحقّ أنّ القاضي هندل يدرك أنّ منع الزيارات في الحالة المطروحة أمامه هدفه الضغط على حماس وأنّه "لا ينجم عن خوف معيّن من سوء استغلال الزيارات على يد أيّ من السّجناء". لكنّه لا يرى في ذلك أيّة مشكلة، فمنع الزيارة من حيث أنّه ليس عقوبة وإنّما إلغاء امتياز لا يحتاج إلى "ذنْب" يرتكبه السّجين. ويقول، بعد الإقرار بأنّ حماية أمن الدّولة تقع ضمن غايات القانون أنّ "السّؤال المركزيّ على مستوى الصّلاحيّة هو هل يعزّز قرار الوزير هذه الغاية - أيًّا كان التحدّي الأمني الذي جاء القرار ليعالجه". يواصل القاضي محدّدًا أنّه "لا مبرّر للتأويل الذي يُخرج من نطاق الغاية الأمنيّة ذات الصّلة اعتبارات أمنيّة خارجة عن السّجين". لأجل ذلك يجلب اقتباسًا من قرار القاضي حنان ملتسر في شأن منع السّجناء الأمنيّين برمّتهم من الدّراسة في الجامعة المفتوحة ليحدّد من ثمّ أنّ مثل هذا التأويل يمسّ "بقدرة دولة إسرائيل على ’مكافحة الإرهاب بوسيلة إلغاء الامتيازات وضمن ذلك تفعيل ضواغط ضروريّة وشرعيّة ضدّ عمليّات تنفّذ لأجل المساومة تبادر إليها منظمات إرهابيّة لتحرير سجناء أمنيّين منسوبين إليها’ - كما قال زميلي ح. ملتسر، نائب رئيسة المحكمة". قرار الحكومة منع الزيارات عن أسرى حماس ينسجم أيضًا مع أحكام القانون الإداري - يقول القاضي هندل. هو يرى أنّه قرار معقول حيث "ينشأ انطباع أنّ مواقف مهنيّة مختلفة طُرحت أمام وزير الأمن الدّاخلي غير أنّه لا سبب يوجب التدخّل في قراره تبنّي موقف منسّق الأسرى والمفقودين - الذي ينسب إليه المدّعى عليهم ’المعرفة والفهم والأدوات الأكثر مناسبة لتقييم تأثير وقف الزيارات على تنظيم حماس’. وفي غياب أساس للتدخّل في هذا القرار المهنيّ، لم أجد أنّ الموازنة التي اجراها وزير الأمن الدّاخلي تتجاوز نطاق المعقول". ويضيف القاضي هندل أنّ المسّ بالأسرى في كلّ الأحوال "محدود" وشدّته "مقلّصة" - سواء لناحية عددهم أو لناحية الضرر اللّاحق بهم: ينبغي أن نتذكّر أنّ قرار الوزير يمسّ بمجموعة صغيرة جدًّا من الأسرى - نحو 100 شخص من مجمل 6,000 سجين أمنيّ واكثر من 800 سجين لحماس. شدّة الضرر مقلّصة هي أيضًا حيث لم تفقد هذه المجموعة الصغيرة من الأسرى صلتها بالعالم الخارجيّ تمامًا؛ يُسمح لهم التواصل مع عائلاتهم بواسطة الرّسائل وحتى مقابلة رجال دين ومندوبي منظمة الصليب الأحمر الدّولي ومحامين وغيرهم. يتابع القاضي هندل محدّدًا أنّ القرار تناسبيّ أيضًا: على خلفيّة موقف منسّق الأسرى والمفقودين المذكور أعلاه، من السّهل تبيّن أنّ هناك رابط منطقيّ بين قرار الوزير والغاية الجوهريّة منه - الضغط على حماس سعيًا لإعادة المواطنين وجثامين شهداء جيش الدّفاع الإسرائيلي إلى إسرائيل… وفي غياب حقّ مكتسب في الزيارة، ونظرًا إلى وجود وسائل تواصُل بديلة متاحة للسّجناء تقلّل من شدّة المسّ المحتمل بالحقوق العامّة - الحق في العلاقة مع العالم الخارجي والحق في الحياة الأسريّة، يكفي ذلك. لاحقًا يقول: "الفائدة الأمنيّة والإنسانيّة التي يمكن جنيها من سياسة منع الزيارات أي استرداد مواطني إسرائيل (ولنذكرهم بأسمائهم: أبره منغيستو وهشام السيّد) وجثامين شهداء جيش الدّفاع الإسرائيلي المحتجزين لدى حماس تربو على المسّ المحدود بمقدّمي الالتماس". في نهاية القرار يكتب القاضي هندل أنّه "لم يبق إذن سوى التعبير عن الأمل بأن يساعد قرار الوزير - الذي يستوفي في الوقت الحاليّ شرطي المعقوليّة والتناسبيّة كما ذُكر - فعلًا في إعادة مواطني إسرائيل المحتجزين لدى حماس سالمين وأن يتيح جلب الرّاحة الأبديّة لشهداء جيش الدفاع الإسرائيلي، الملازم ثاني هدار غولدين والملازم أوّل أورون شاؤول، عليهما الرّحمة". منع الزيارات يلحق ضررًا فادحًا بالأسرى وعائلاتهم في قرار الحُكم قبل القاضي هندل حجج الدّولة كلّها تقريبًا وحدّد أنّ قرار حرمان أسرى حماس المقيمين في قطاع غزة من زيارة أسرهم جاء وفقًا للقانون وأنّه يلبّي شرطي المعقوليّة والتناسبيّة. لكنّ الكثير من حيثيّات قرار الحكم تثير عددًا من التساؤلات الجدّيّة: أ. الأسرى من سكّان القطاع أصبحوا "ورقة مساومة" ووسيلة لنيل هدف خارج عنهم يتعامل القاضي هندل مع الأسرى على أنّهم "ورقة مساومة" ضمن مفاوضات مع حماس وكأنّه من الشرعيّ استخدامهم كوسيلة لنيْل هدف خارج عنهم. المسّ بهم لا يتمّ بسبب سلوك أو تصرّف بدر عنهم أو عن أفراد عائلاتهم، ولذلك هم لا يملكون وسيلة للتأثير على القرار أو تغييره. بذلك يتجاوز القاضي هندل ما كان متّبعًا حتى حينه في القرارات الصّادرة عن المحكمة. القرارات السّابقة التي تناولت قضايا مشابهة كانت تتأسّس على مخاوف عينيّة تتعلّق بالأسرى أنفسهم - وإن كانت تصريحيًّة فقط وتفتقر إلى مبرّر. في التماس رفعه سجناء أمنيّون مطالبين بإلغاء المنع الجارف للمحادثات الهاتفيّة، ادّعت الدّولة - وقبلت المحكمة حجّتها في ذلك - أنّ المنع ناجم عن الخوف من أنّ السّجناء "يقيمون صِلات هاتفيّة مع جهات معادية، وهذا من شأنه أن يمسّ بأمن الدّولة". وفي التماس رفعه سجناء حين منعتهم مصلحة السّجون من الدّراسة في الجامعة المفتوحة، حدّدت المحكمة أنّ المنع مبرّر لأنّ التنظيمات هي التي تدفع تكاليف الدراسة "مكافأة لهم على المخالفات التي ارتكبوها وأيضًا لتحفيزهم على مواصلة النشاط الأيديولوجي ضدّ الدّولة" وهذا من شأنه أن يشكّل خطرًا على أمن الدّولة. في حالة أخرى رفع عدد من الأسرى التماسًا إلى محكمة العدل العليا مطالبين بالسّماح لهم بلقاء أقربائهم ممّن ليسوا بدرجة قرابة أولى. وهنا أيضًا أشارت المحكمة إلى أنّ هناك احتمالات معقولة لاستخدام هذه الزيارات كوسيلة "لنقل رسائل" تمسّ بأمن الدّولة. من الواضح أنّ تذرّع المحكمة العليا بـ"أمن الدّولة" في مثل هذه الحالات هو الطريقة المريحة لشرعنة المسّ بحقوق الأسرى - أيضًا في غياب الأدلّة على أنّهم قد يشكّلون خطرًا أيًّا كان. لكنّ القاضي هندل في الحالة الأخيرة قد أظهر الزيف حين نزع عن وجه المحكمة حتّى هذا القناع الرّقيق: الدولة والمحكمة على خُطاها يعترفان بملء الفم أنّهما يستخدمان الأسرى وأبناء عائلاتهم كأداة للضغط على حماس. يقارن القاضي هندل قراره مع قرار سابق صدر عن المحكمة العليا كان قد حدّد أنّ احتجاز مدنيّين لبنانيّين رهن الاعتقال الإداري كـ"ورقة مساومة" في إطار المفاوضات لأجل استعادة رون أراد عملٌ مخالف للقانون. هنالك، وفقًا لتصوّره "هوّة شاسعة" بين الحالتين إذ إنّ هذا القرار يتحدّث عن اعتقال لفترة غير معروفة بينما في الحالة التي أمامه "لم يُنتهَك حقّ دستوريّ مكفول، حيث لا حقّ مكتسبًا للأسرى ولأبناء عائلاتهم في الزيارات ومن هنا لا مبرّر للتأويل الذي يُخرج من نطاق الغاية الأمنيّة ذات الصّلة اعتبارات أمن ’خارجة’ عن السّجين". لكنّ أوجه الشبه بين الحالتين تربو على الفرق بينهما: في الحالتين يجري التعامل مع الإنسان كوسيلة لنيْل غاية ما. "هذه ليست نقلة ’كمّية’. إنّها نقلة ’نوعيّة’ - كما جاء على لسان القاضي أهرون براك في القرار الذي تناول المدنيّين اللّبنانيّين. التعامُل الأداتيّ مع الإنسان واستخدامه كورقة مساومة في لعبة أكبر منه - سواءٌ تعلّق الأمر باعتقاله أم بقطع صّلته مع عائلته - يسلبه كرامته كإنسان مستقلّ مسؤول عن مصيره. يهدّد القاضي هندل أنّه لو اتّخذ قرار بأنّ منع الزيارات غير ممكن فعندها سوف "تتضرّر قدرة الدولة على مكافحة الإرهاب بواسطة الحرمان من الامتيازات". غير أنّ المنع "بواسطة الحرمان من الامتيازات" نتيجة مرغوب فيها بالذات: التعامُل مع إنسان كأداة لنيْل غاية لا قدرة له على التأثير فيها أمرٌ باطلٌ من أساسه ومن الحقّ أن تمتنع الدّولة عنه. ب. إلغاء الزيارات انتهاك لحقوق الأسرى يجري حبس السجناء الأمنيّين في ظروف تعزلهم عن العالم وعن عائلاتهم: إنّهم يُمنعون من إجراء محادثات هاتفيّة ومن العطل ومن الانفراد بالزوجـة وكلّها أمور تتيحها الدّولة للسّجناء الآخرين. والحالة هذه، كلّ ما تبقّى لهم - قبل منع الزيارات في 2017 - إمكانيّة لقاء جزء صغير من أبناء العائلة مرّة كلّ عدّة أسابيع لفترة زمنيّة قصيرة ومن خلف حاجز زجاجيّ. يقلّل القاضي هندل من قيمة الانتهاك الناجم عن منع الزيارات دون أن يقدّم تفسيرًا مقنعًا، ويشدّد على أنّه "انتهاك محدود" مستندًا إلى حقيقة أنّ هؤلاء الأسرى "لم يفقدوا تمامًا الصّلة مع العالم الخارجي؛ يُسمح لهم التواصل مع عائلاتهم بواسطة الرّسائل وحتى مقابلة رجال دين ومندوبي منظمة الصليب الأحمر الدّولي ومحامين وغيرهم". من الصّعب أن نتصوّر كيف يعتقد القاضي أنّ إرسال الرّسائل للعائلة أو مقابلة مختلف أصحاب الوظائف قد يشكّلان بديلًا عن لقاء الأحبّة وجهًا لوجه. إسرائيل هي التي اختارت - ضمن خرْق أحكام القانون الدوليّ - احتجاز هؤلاء الأسرى داخل حدودها ومن هنا يقع عليها أن تتيح الزيارات دون أيّة قيود تعسّفيّة من منطلق الإدراك أنّ الحفاظ على العلاقة مع العائلة هو أحد الحقوق الأساسيّة لكلّ إنسان حتى لو كان سجينًا. زيارات العائلات لأبنائها السّجناء تتمّ بشكل روتينيّ لدى عموم السّجناء في إسرائيل وكذلك السّجناء الأمنيّين الذين من الضفة الغربيّة. لا تُمنح الزيارة مكافأة على سلوك جيّد وإنّما كحقّ للسّجناء في الصّلة مع العالم الخارجيّ وحقّهم في مواصلة الحفاظ على حدّ أدنى من العلاقة الأسريّة. حتّى قضاة المحكمة العليا نفسها الذين يقتبس القاضي هندل من قراراتهم اعترفوا بأهمّية الحفاظ على العلاقات الاسريّة بالنسبة للسّجناء - علمًا أنّهم رفضوا في نهاية المطاف اعتباره حقًّا مكتسبًا واكتفوا بالتعامُل معه كـ"مكافأة" أو منفعة يمكن بالتالي سحبها أو إلغاؤها. هكذا، في قرار تناول حقّ السّجناء الأمنيّين في زيارات من أقارب لا تربطهم بهم قرابة من درجة أولى حدّد القاضي دنتسيجر: الحقّ في الحفاظ على الخليّة الأسريّة هو حقّ يفوق في قوّته حقّ التواصُل والعامل مع أطراف أخرى لا تشكّل جزءًا من الخليّة الأسريّة للسّجين وذلك بسبب قوّة الحقّ في الأسرة والقدرة على ممارسة إلى حدّ ما حقّ حرّية التعبير في إطار الحفاظ على العلاقة مع أبناء الأسرة… لا يمكن التقليل من أهمّية مقابلة السّجين وجهًا لوجه مع زوّار فهذا الأمر لا يستوي مع رسالة أو محادثة هاتفيّة من ناحية مستوى العلاقة ونوعيّتها". في القرار نفسه تحدّد القاضية فروكاتشيا ما يلي: يمكن النظر إلى العطل والزيارات الممنوحة للأسرى على أنّها جزء من حقوق الإنسان المكفولة لهم، حتى وهم في السّجن، والتي لا يجبّها بالضرورة سلب حرّيتهم الناجم عن الأسر بموجب العقوبة. الخروج في عطلة أو الزيارة يشكّلان جزءًا من لبنات بناء علاقة الإنسان-السّجين مع العالم ومع محيطه القريب. إنّه يحتاجهما من أصل خلقه. إنّهما جزء من تجربته كإنسان؛ إنّهما جزءٌ من كرامته كإنسان. هما يسهمان إسهامًا هامًّا في رفاهيّته وتأهيله خلال فترة سجنه. جـ. إلغاء الزيارات انتهاك لحقوق عائلات الأسرى يتجاهل القاضي هندل تمامًا المسّ الخطير بأفراد العائلات الذين فُرض عليهم معاناة القطيعة التامّة عن أعزّائهم المحتجزين في سجون إسرائيل داخل حدودها السياسديّة - أي أنّه لا يمكنهم الوصول إليهم دون موافقة صريحة من إسرائيل. ثمّ أنّ يوم الزيارة - حين كانت الزيارات تتمّ - كان جلّه سفر مُضنٍ ولقاء لوقت قصير حيث يخرج الزّائرون من منزلهم قبل طلوع الفجر، يخضعون لتفيشات مهينة قبل الزيارة ولا يعودون إلى منازلهم إلّا وقد حلّ المساء. الزيارة نفسها كانت قصيرة، ولم يُسمح لهم خلالها حتى بمعانقة أحبّائهم. ومع ذلك كانت الزيارات هي سبيل الوصْل الوحيد بين العائلات والأسرى. في الإفادات التي أدلى بها أمام بتسيلم بعض من أبناء الأسر في قطاع غزّة يظهر كم هي شاقّة وغير محتملة القطيعة المفروضة عليهم قسرًا. على سبيل المثال، في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، وصفت آمنة الزّوارعة البالغة من العمر 39 عامًا وهي متزوّجة وأمّ لخمسة أولاد شوقها لزوجها إبراهيم المعتقل منذ نهاية عام 2009: في بداية عام 2013 (بعد تجديد الزيارات) صرت أزور إبراهيم في سجن نفحة. كنت أزوره مرّة كلّ ثلاثة أشهر، وجميع الزيارات كانت صعبة جدًّا بسبب التفتيش ومنع إدخال الملابس والأكل والماء. حتى عندما كان يأتي معي أولادي الصّغار كانوا يمنعون إحضار الأكل والشرب لأجلهم. كانت مدّة الزيارة 45 دقيقة فقط، وهذا لم يكن كافيًا أبدًا. حتّى أنّهم كانوا يمنعون أولادي من الدّخول إلى أبيهم ومعانقته. كانوا فقط يتحدّثون إليه عبر الحاجز الزجاجيّ. أحيانًا، في الدقائق العشر الأخيرة من الزيارة، كانوا يسمحون لمحمد ابني بالدخول والجلوس إلى جانب والده ومعانقته. الصّلة الوحيدة لي مع زوجي هي الرّسائل والصّور التي يرسلها بواسطة الصّليب الأحمر. الأولاد مشتاقون إليه كثيرًا، يريدون سماع صوته ورؤيته. إنّهم يسألونني دائمًا متى يمكنهم الذهاب لزيارة آبيهم في السّجن. ابني فراس، وهو اليوم في الـ16 من عمره، نسي ملامح وجه والده. أحسّ بأنّه لا يعنيه سماع شيء عنه. ليلى الطناني البالغة من العمر 53 عامًا وهي أمّ لسبعة أولاد ووالدة الأسير ممدوح (32 عامًا) المعتقل في إسرائيل منذ شهر آب 2007. في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، وصفت ليلى الصعوبات التي تواجهها جرّاء منع الزيارات: طيلة خمس سنوات تقريبًا لم أتمكّن من زيارة ممدوح. فقط في عام 2012 صرت أزوره. في تلك الفترة كانت الرّسائل التي يرسلها إليّ وسيلة التواصل الوحيدة معه. كانت رسائله تذيب حتى قلبًا من حجر. كنت أبكي شوقًا كلّما قرأتها. لم يكن بمقدوري التحدّث معه عبر الهاتف، والرّسائل لم تكن لتكفي. في عام 2012 سُمح لعائلات الأسرى من قطاع غزّة بزيارة أبنائهم في السّجون الإسرائيليّة. كدت أطير فرحًا لأنّني سأرى ممدوح للمرّة الأولى بعد خمس سنوات. في الزيارة الأولى - إلى سجن ريمون - لم أصدّق أنّني قد وصلت. ذهبت إلى السجن وحدي. عندما رأيت ممدوح أجهشت ببكاء شديد فطلب منّي أن لا أبكي. قلت له هذه دموع فرح، الفرح برؤيته. استمرّت الزيارة 45 دقيقة فقط، أحسست أنّها لا تكفي للجلوس قبالته ومشاهدته. ومع ذلك عدت إلى المنزل سعيدة. واصلت زيارة ممدوح مرّة كلّ ثلاثة أشهر - وحدي، لأنّ الجيش لم يسمح لوالده وإخوته وأخواته بزيارته. في عام 2014 سمحوا أخيرًا لزوجي بزيارته. داومنا على الزيارة إلى أن منعوا زيارة أسرى حماس. في عام 2016، خلال شهر أيلول، قصدنا أنا وزوجي لزيارة ابني ولكن عندما وصلنا إلى حاجز إيرز أخذنا الجيش الإسرائيلي للتحقيق ولم يسمح لنا بالصّعود إلى الحافلة مع بقيّة العائلات. احتجزنا في إيرز طوال اليوم، حتى المساء، ثمّ عدنا إلى المنزل دون أن نذهب لزيارة ممدوح. عندما انطلقت الحافلة من حاجز إيرز دوننا مع بقيّة عائلات الأسرى أحسست أنّ قلبي سافر معهم لشدّة ما تمنّيت لو أنّني في الحافلة. منذ ذلك اليوم لم نتمكّن من زيارة ابني. إنّها فترة صعبة أقضيها في التحسّر والبكاء على ممدوح وعلى حياته التي تذهب هباءً في السّجن. أحسّ أنّ قلبي يحترق فعلًا وأحيانًا أحبس دموعي لئلّا يراني زوجي وأولادي أبكي. في إحدى زياراتي لممدوح سمحت لي إدارة السّجن بالتقاط صورة معه. صرت أصرخ من شدّة الفرح. دخلت إليه وعانقته وبكيت من السّعادة. لقد كانت تلك لحظات لا تُنسى. ليتها تتكرّر. أسعد أبو صلاح البالغ من العمر 56 عامًا وهو أب لـ12 ولدًا اثنان منهم أسيران في سجون إسرائيل وهو نفسه أسير محرّر كان قد أطلق سراحه ضمن صفقة شاليط في تشرين الأوّل عام 2011 - لهذا السّبب تمنعه إسرائيل من زيارة ولديه في السّجن، حتى في الفترة التي كانت تسمح فيها بزيارة أسرى حماس. في إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، قال: أنا أتواصل مع ولديّ عبر الرّسائل. هم يكتبون إليّ، يسألونني كيف حالك، وكيف حال العائلة. لكنّ الرّسائل لا تكفي. أنا أشتاق لولديّ كثيرًا. أريد أن أسمع صوتهما، أن أشاهد شكل وجههما وأحسّ نبرة صوتهما. أتمنّى أن أراهما وقد تحرّرا في القريب العاجل. د. إلغاء الزيارات لا ينجم عن "اعتبارات أمنيّة" بل عن رغبة في الانتقام لا غير لكي يبرّر القاضي هندل إلغاء الزيارات يلجأ إلى "اعتبارات أمنيّة عامّة" من ضمنها "الحاجة الأمنيّة" إلى استرداد المواطنين الإسرائيليّين وجثامين الجنود. لكنّ هذه الاعتبارات لم تردْ مطلقًا في النقاش العامّ الذي جرى خارج جدران المحكمة حول ظروف سجن الأسرى الأمنيّين. عوضًا عن ذلك، ركّز هذا النقاش أساسًا على الرّغبة في الانتقام من حماس التي تمنع زيارة مواطنين إسرائيليّين تحتجزهم كرهائن وفي الرّغبة في مساواة ظروف السّجناء المحتجزين في إسرائيل لتلك التي تفرضها حماس على المواطنين الإسرائيليّين الذين تحتجزهم. مشروع القانون الذي قدّمه عضو الكنيست السّابق أورن حزان - والذي حظي بدعم الحكومة ومرّ في القراءة التمهيديّة - يحدّد أنّه يجب منع زيارات عائلات أسرى حماس. لقد طرح مشروع القانون بصريح العبارة الحاجة إلى إجراء "موازنة" في العلاقة: إذا كانت حماس تمنع الزيارات فنحن أيضًا لن نسمح بها: إذا احتجز تنظيم إرهابيّ أو تنظيم معرّف كإرهابي مواطنًا إسرائيليًّا مخطوفًا أو أسيرًا ومنع عنه زيارة مندوب حكومة إسرائيل أو مندوب أيّة منظمة إنسانيّة متّفق عليها أو زيارة فرد من عائلته، لا تحقّ عندها الزيارة لسجين أمنيّ منتسب لذاك التنظيم الإرهابيّ أو يتماثل معه، ما عدا زيارة محامٍ أو مندوب منظمة الصّليب الأحمر الدوليّ. في فقرة شرح مبرّرات القانون جاء: لقد نشأ وضع لا يُحتمل حيث منظمات الإرهاب، كاستراتيجيّة، تخطف وتحتجز مواطنين إسرائيليّن دون الاكتراث إلى ظروفهم ودون السّماح بزيارتهم، ممّا يمسّ كثيرًا بالمعنويّات والمناعة القوميّة لدولة إسرائيل. وفي المقابل، تسمح دولة إسرائيل بزيارة السّجناء الأمنيّين الأعضاء في منظّمات الإرهاب. جاء مشروع القانون لكي يعالج انعدام التلاؤم بين الظروف التي تحتجز فيها إسرائيل الإرهابيّين الذين يُلحقون بها الأذى، وبين الظروف التي تحتجز فيها منظمات الإرهاب المختطفين الإسرائيليّن: أبره مانغيستو، هدار غولدين وأورون شاؤول. لدى مناقشة مشروع القانون في الكنيست، في تشرين الأوّل 2018، حاول وزير الأمن الدّاخلي، جلعاد أردان، الادّعاء أنّ هدف منع الزيارات "أن نزيد عليهم الضغط"، لكي "يريدوا هم أيضًا أن يعود أسرانا إلى بيتهم". لكنّه سارع إلى التوضيح بأنّ الهدف الحقيقيّ للقانون هو إتاحة وضع حدّ "لعبثيّة انعدام التناظُر بين ظروف مواطني إسرائيل الأسرى لدى حماس بدون محاكمة وظروف المخرّبين هنا، لدينا". تعقيبًا على قرار القاضي هندل في هذا الملفّ سارع الوزير أردان إلى الترحيب بالقرار منوّهًا أنّه "ليس من المنطق ولا من الأخلاق أن نتيح الزيارات العائليّة للمخرّبين حقيرين ما دامت حماس تحتجز جثامين جنودنا ومواطنين إسرائيليّين". وهذا هو مختصر الحكاية كلّها: لا "اعتبارات أمن عامّة" ولا "شرط التناسبيّة" ولا الموازنة بين "منافع" وبين اعتبارات جدّية هي الأمور التي قام عليها قرار منع زيارات العائلات عن أسرى حماس سكّان قطاع غزة. في نهاية الأمر ما أدّى إلى هذا القرار هو "عبثيّة اللّاتناظُر" وبعبارة أقل فذلكة: مجرّد انتقام.
هنالك في سجون إسرائيل أسرى فلسطينيون من سكّان قطاع غزّة أيضًا - بعضهم اعتُقل قبل تنفيذ "خطّة الانفصال" وبعضهم بعد تنفيذها. تفيد معطيات سلطة السجون لشهر تشرين الثاني 2017 أنّه يوجد داخل حدود إسرائيل 358 سجينًا ومعتقلاً من قطاع غزّة، منهم 320 مصنّفون "أمنيّون" و-38 مصنّفون "جنائيّون"، من ضمنهم 12 مسجونون بدعوى دخول إسرائيل دون تصريح، بينهم فتًى دون سنّ الـ18. سجن سكان من الأراضي المحتلّة في سجون داخل إسرائيل يُلزم عائلاتهم بالحصول على تصريح لكي تقوم بزيارتهم. طيلة السنين راكمت إسرائيل مشاقّ لا تُحتمل أمام عائلات الأسرى من قطاع غزّة. في أعقاب تسلّم حماس السلطة، عام 2007، منعت إسرائيل زيارات العائلات كلّيًّا (بدعم من محكمة العدل العليا)، ولم تجدّدها إلّا بعد مضيّ خمس سنوات من المنع، في تمّوز 2011، وحتّى هذا كان جزئيًّا فقط: في المرحلة الأولى سمحت الدولة بالزيارة فقط للوالدين والأزواج. وفق لمعلومات من الصليب الأحمر، تتمّ هذه الزيارات فقط مرّة واحدة كلّ شهرين. في أيار 2013، سمحت إسرائيل بالزيارة للأولاد، فقط إذا كانت سنّهم دون الثامنة بزيارة ابيهم؛ وبعد ذلك أخذت ترفع معيار السنّ تدريجيًّا. وفقًا للصليب الأحمر، تسمح إسرائيل اليوم بالزيارة للأولاد حتى سنّ 16. وما زالت الزيارة ممنوعة كلّيًّا بالنسبة لبقيّة الأقرباء، بما في ذلك الجدّ والجدّة والإخوة والأخوات؛ إلّا في حالة أسير أعزب توفّي والداه - عندها تسمح إسرائيل لإخوته أو أخواته بزيارته، ولكن فقط مرّة واحدة كلّ ستّة أشهر. تختلف شروط زيارة الأسرى والمعتقلين سكّان الضفة الغربية - سواء جرى تصنيفهم "أمنيّون" أو "جنائيّون". هؤلاء يُسمح لهم باستقبال الزوّار مرّة كلّ أسبوعين. وهي مسموحة لجميع أفراد العائلة، بما في ذلك الجدّ والجدّة، الإخوة والأخوات، والأولاد دون قيود على سنّهم. موعد الزّيارة لدى الأسرى والمعتقلين سكّان القطاع في أيام الاثنين، في لفّة بين السجون. معظم الأسرى من قطاع غزة تحبسهم إسرائيل في ثلاثة سجون: نفحة وإشِل (دِكِل) ورامون. الأسرى الذين في سجون أخرى يُجلبون إلى أحد هذه السجون الثلاثة في موعد الزيارة. لأجل الوصول إلى الزّيارة، يضطرّ أفراد الأسرة إلى الخروج من بيوتهم قبل طلوع الفجر، ولا يعودون إليها إلّا في المساء. يُسمح في كلّ زيارة بقدوم ثلاثة فقط من أفراد الأسرة. يُسمح لهم أن يجلبوا للأسير ملابس من نوع محدّد، وفقط بعد التقدّم بطلب إلى إدارة السجن ومصادقتها عليه؛ كما يمكنهم إحضار ثلاث صور. يُسمح للعائلة أيضًا إيداع مبلغ من المال يستخدمه الأسير لشراء حاجيّات من "الكَنتينة". مدّة الزيارة قصيرة، ما بين 45 دقيقة و-60 دقيقة. خلال الزيارة يفصل حاجز زجاجيّ بين الأسير والزوّار، وتتمّ المحادثة بينهم عبر الهاتف. تسمح إسرائيل للأولاد دون سنّ العاشرة بمعانقة والدهم الأسير. منذ حزيران 2017، في أعقاب إضراب الأسرى الأخير، تسمح إسرائيل لأبناء العائلة التقدّم بطلب لالتقاط صورة مشتركة تجمعهم مع الأسير. معظم الأسرى سكّان قطاع غزة مصنّفون "أمنيّون"، وهؤلاء تحرمهم إسرائيل من حقّ المحادثة الهاتفية مع عائلاتهم. هذا المنع - خاصّة على خلفيّة القيود الكاسحة التي تفرضها إسرائيل على زيارة العائلات - يضيف مشقّة إلى المشاقّ التي يتحمّلها أولاد الأسرى، الذين يشبّون دون آبائهم؛ فيقع على زوجات الاسرى عبء تربية الأولاد وحدهنّ؛ ووالدي الاسرى، الذين يعانون فراق أولادهم؛ وإخوتهم وأخواتهم، الذين لا يُسمح لهم أصلاً بالقدوم لزيارتهم. إضافة إلى هذه القيود، منذ تمّوز 2017 تمنع إسرائيل الزّيارة عن مائة أسير ينتسبون إلى حركة "حماس"، وذلك في محاولة معلنةٍ صراحةً للضغط على الحركة لكي يُعيد كلًّا من "أبرا منغيستو" وهشام السيّد ورفات الجنديّين "أورون شاؤول" و"هدار چولدين". زيارة الأسرى من قبَل عائلاهم حقّ لهم وحقّ لأبناء عائلاتهم. إسرائيل هي التي اختارت أن تسجنهم داخل حدودها - خلافًا للقانون الدولي - وعليها أن تتيح هذه الزيارات دون فرض قيود تعسّفية. إنّ الحفاظ على العلاقات الأسَريّة حقّ أساسيّ للسجناء والمعتقلين أيضًا، من حيث هو حقّ لكلّ إنسان. فيما يلي إفادات أدلى بها بعض من أبناء عائلات الأسرى، تحدّثوا فيها عن المشاقّ الكثيرة التي يعانونها جرّاء القيود المفروضة على زيارة أعزّائهم: نجاح شمالي، 60 عامًا، ربّة منزل، من سكّان غزّة، أرملة وأمّ لسبعة، روت في إفادة من يوم 5.12.2017 أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم، ألفت الكرد، عن الصعوبات التي تلاقيها لدى زيارة ابنها: اعتُقل ابني، أحمد شمالي، عام 2008. علمت عن اعتقاله من الصليب الأحمر. يصعب عليّ أنّ أصف لك ماذا شعرت عندما علمت بالأمر. كنت حزينة جدًّا وامتلأ قلبي حسرة. بعد اعتقال ابني أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدم. استمرّت الإجراءات القضائية في حقّ أحمد سنتين، وفي عام 2010 حكمت عليه المحكمة الإسرائيلية بالسجن مدّة 18 سنة. كان هذا موجعًا جدًّا، كنت أبكي ليلاً ونهارًا. أكثر ما آلم قلبي أولاد أحمد الصغار، عُبيدة (اليوم في سنّ الـ12) وعلي (اليوم في سنّ الـ9). حكموا عليه بالسجن لسنوات طويلة جدًّا. في السنوات الأولى، وحتى عام 2012، لم أتمكّن من زيارة أحمد، بسبب سياسة إسرائيل بعد تسلُّم حماس السلطة. تواصلت معه عبر الرسائل التي كنت أرسلها بواسطة الصليب الأحمر. وكنّا أحيانًا نبعث بتحيّات للسجناء عبر برنامج في تلفزيون فلسطين، وأيضًا عبر محطّات راديو محليّة كانت تصل أحيانًا لتغطية اعتصام التضامن مع الأسرى قبالة مكاتب الصليب الأحمر. في عام 2012، في أعقاب إضراب الأسرى في السجون الإسرائيلية، والذي استمرّ 42 يومًا، استجابت إسرائيل لمطالب الأسرى المتعلقة بزيارة العائلات. نحن أيضًا أعلنّا إضرابًا عن الطعام، تضامنًا مع أبنائنا الأسرى. بعد تبليغي عن طريق الصليب الأحمر أنّ إسرائيل سمحت لنا بزيارة ابني، في المرّة الأولى لم أتمكّن من النوم طيلة الليل لكثرة ما انفعلت ولتلهّفي على رؤيته. لم أصدّق أنّني سوف أرى ابني للمرّة الأولى بعد فراق دام أربع سنوات. في الزيارة الأولى لم تسمح إدارة السجون في إسرائيل أن تأتي زوجة أحمد وأولاده للزيارة، ولا سمحوا لنا بجلب أيّ شيء معنا، حتّى ملابس أو أكل. تبدأ رحلة الزيارة في الساعة 5:00 صباحًا، تقريبًا. نتجمّع كلّنا قرب مكاتب الصليب الأحمر، ثمّ نصعد حافلة تقلّنا إلى حاجز “إيرز”. هناك تبدأ المعاناة: في الحاجز يقومون بإجراء تفتيش، وأحيانًا يفتّشون أجسادنا ونحن عاريات تمامًا - أمر مُخجل ومُربك. بعد ذلك نسافر طيلة ساعتين من حاجز “إيرز” إلى سجن نفحة، حيث يوجد ابني. أنتظر بفارغ الصبر انقضاء هاتين الساعتين لنصل وأرى ابني. أثناء الزيارة تنتابني رغبة شديدة في لمس أحمد واحتضانه، ولكنّني لا أستطيع ذلك لأنّ الحاجز الزجاجي يفصل بيننا. عانقته مرّة واحدة، حين سمح لنا قائد السجن بالتقاط صورة مع أحمد داخل السجن. تهاويت عندما احتضنت ولدي. لم أتمالك نفسي، بكيت وبكيت كثيرًا؛ فأنا منذ أربع سنوات لم أحتضنه! يصعب عليّ أن أصف تلك اللحظات - خليط من الحزن والفرح. أحمد لم يتمالك نفسه أيضًا، فرح كثيرًا وبكى كثيرًا. تمنّيت لو تطول تلك اللحظة أكثر وأكثر، ولكنّها استمرّت خمس دقائق فقط. أسعدني جدًّا أنّني استطعت التقاط صورة مع ابني، وكنت أقبّله وأعانقه. من الصعوبات التي أعانيها أيضًا، أنّهم لا يسمحون لنا بزيارته سوى مرّة واحدة كلّ شهرين أو ثلاثة. إنّها مدّة طويلة جدًّا. أودّ لو استطعت زيارته مرّة كلّ أسبوعين، أو مرّة كلّ شهر، وأن تكون مدّة الزيارة أكثر من ساعة لنقضي معًا وقتًا أطول؛ ويا ليتنا نستطيع الجلوس وجهًا لوجه، دون حاجز زجاجيّ يفصل بيننا. بعد زيارتي الأولى لأحمد، سمحت إسرائيل أيضًا لزوجته وللأولاد بزيارته. أحفادي يسألون عن والدهم طيلة الوقت. هم لا يعرفونه في الواقع. حين اعتقلوه كان ابنه الصغير (علي) رضيعًا ابن أربعة أشهر، وابنه الكبير (عبيدة) كان عمره سنتين. في البداية رفض علي الاقتراب من والده. كان يقول "هذا ليس أبي". عندما سمعته يقول ذلك أجهشتُ في البكاء، احترق قلبي على ابني وعلى ولدَيه. في الماضي، كانت إدارة السجن تسمح لحفيديّ، في بعض الزيارات، أن يعانقا والدهما وأن يقبّلاه؛ أمّا اليوم فلا يسمحون لهما سوى بالتحدّث إليه عبر "السمّاعة". في كلّ زيارة يُسمح فقط لثلاثة أشخاص بالمجيء، ولذلك لا نستطيع أن نأخذ معنا سوى واحد من ولدَي أحمد في كلّ زيارة. ومع ذلك، أنا مسرورة جدًّا في الآونة الأخيرة، لأنّني أستطيع زيارة ابني، رغم المشاقّ الكثيرة التي أمرّ بها في حاجز “إيرز” وفي داخل السجن أثناء الزيارة، ورغم الوقت الطويل الذي يمرّ من زيارة إلى أخرى. ها أنا الآن، أنتظر الزيارة القادمة بفارغ الصّبر وبشوق كبير لأحمد. ربّما يحدث ذلك في شهر كانون الثاني. أحوّل لأحمد في كلّ زيارة مبلغ 3000 ش.ج. لـ"كَنتينة" السجن. بالنسبة إليّ، هذا مبلغ كبير، خاصّة وأنّني المعيلة الوحيدة لأسرة ابني - لزوجته وأولاده. الشتاء يقترب، والسجن بارد جدًّا. لكنّ سلطات السجن لا تسمح لنا بإدخال ملابس دافئة وأغطية. مستجدّات: في 9.1.2018 أفادت نجاح شمالي أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، أنّ طلب التصريح الذي قدّمته رُفض - دون أن يبلغها أحد بسبب الرّفض؛ وعليه لم تشارك في زيارة ابنها التي جرت قبل ذلك بيوم واحد. سافرت كنّتها وحفيدها إلى الزيارة دونها. بديعة عنبر، 57 عامًا، أرملة وأمّ لثمانية، من سكّان دير البلح، حدّثت في إفادة أدلت بها يوم 21.12.2017 أمام الباحث الميداني في بتسيلم، خالد العزايزة،عن مصاعب الحفاظ على علاقة مع ابنها السجين: في 31.5.2002 اعتقل الإسرائيليون ابني رامي في حاجز أبو هولي، بين مدينتَي خان يونس ودير البلح. حكموا عليه بالسجن مدّة 18 عامًا. رامي اليوم في الـ38 من عمره؛ متزوّج من فداء، وهي اليوم في الـ36. لقد كانت حاملًا عندما اعتقلوه، ووُلدت ابنته ريم في عام 2003؛ أي أنّها اليوم تبلغ من العمر 14 عامًا. بعد أن اعتُقل رامي، كنت أذهب لزيارته في سجن عسقلان (شيكما). في البداية كنت أسافر وحدي، لأنّ زوجته لم تكن مسجّلة بعد في هويّته. أحيانًا كنت آخذ معي ابنته. كانت الزيارات تتمّ مرّة كلّ أسبوعين. في يوم الزيارة، كنت أنتظر حافلة الصليب الأحمر لتقلّنا إلى حاجز “إيرز”. في الحاجز كانوا يجرون تفتيشات دقيقة، ثمّ نصعد إلى حافلة تقلّنا إلى عسقلان، حيث نمرّ مجدّدًا بإجراءات التفتيش، ثمّ يدخلوننا إلى القاعة التي سنلتقي فيها السجناء. كانت تفصلني عن رامي شبكة، والزيارة كانت مدّتها تقريبًا 45 دقيقة. كانوا يسمحون لنا بإدخال بعض أنواع الطعام، مثال - ملوخية، ليمون، زعتر، ثوم، نعنع؛ كذلك كانوا يسمحون بإدخال الملابس، من جميع الألوان. في مرحلة لاحقة صاروا يسمحون لزوجة رامي بزيارته. أحيانًا كنت آخذ معي أحد ابنَيّ الآخرَين، طارق أو هيثم، لأنّهما كانا حينها قاصرَين، وأيضًا كان يُسمح لإخوة وأخوات السجين بزيارته. استمرّ الوضع على هذا النحو حتى عام 2007، وعندها منعت إسرائيل زيارة السجناء. لم أتمكّن من زيارة ابني طيلة أكثر من ستّ سنوات. لقد كان هذه فترة صعبة جدًّا - لم أعرف عن رامي أيّ شيء. وكان يُمنع إرسال أغراض، مثال الملابس والنقود لـ"الكنتينة" والطعام. خلال تلك السنوات لم يجرِ نشاط لأجل الأسرى دون أن أشارك فيه - مثال الاعتصام الأسبوعي كلّ يوم اثنين أمام مكاتب الصليب الأحمر في غزة. توجّهت أيضًا إلى منظّمات حقوق الإنسان، وإلى مكتب ممثّلية حقوق الإنسان في غزة، التابعة للأمم المتحدة، وإلى جميع المنظّمات العاملة مع الأسرى - لكي أطلب منهم أن يضغطوا على إسرائيل فتسمح مجدّدًا بزيارة الأسرى. في 2012 سمحت إسرائيل مجدّدًا بزيارة الأسرى، ولكن وفق قواعد جديدة: الزيارة فقط مرّة كلّ شهرين، وفقط للوالدين والزوجة، وللأولاد الذين تحت سنّ الثامنة. أمّا إخوة الأسير وأخواته الذين تجاوزوا سنّ الثامنة فلم يُسمح لهم بعد بزيارته حينئذٍ. عندما زرت رامي للمرّة الأولى بعد كلّ سنوات المنع، سافرت وحدي إلى سجن نفحة حيث كان رامي حينئذٍ. ابنته ريم كانت قد تجاوزت الثامنة من عمرها، وعليه فكانت ممنوعة من زيارته. عندما وصلت، اكتشفت أنّهم استبدلوا الحاجز المشبّك بحاجز زجاجيّ، وأنّ المحادثة تتمّ عبر الهاتف. كان اللّقاء مع رامي صعبًا جدًّا، لأنّي وجدت أنّ شكله قد تغيّر كثيرًا في السنوات التي لم نلتقي خلالها. أجهشت في البكاء عندما رأيته. لم يسمحوا لنا بجلب شيء معنا في هذه الزيارة. وهكذا استمرّت الزيارات، مرّة واحدة كلّ شهرين. في نهاية سنة 2016 منعوني من زيارة رامي، وعندما استفسرت لدى الصليب الأحمر قالوا لي أنّني ممنوعة لأسباب أمنيّة. أحسست بظلم كبير وبكيت، لأنّني لم أفعل شيئًا يستدعي المنع أو يبرّره. منذ ذلك الحين أواظب على تقديم طلبات الزيارة لدى مكاتب الصليب الأحمر في غزة، ولكنّهم في كلّ مرّة أنّ طلبي قد رُفض لأسباب أمنيّة. لذلك، تذهب لزيارة رامي زوجته وابنته ريم، حيث يسمحون اليوم للأولاد الأكبر سنًّا بالزيارة. أمّا أنا فأبقى في البيت وأنتظر عودتهما؛ ومن لحظة دخولهما أُمطرهما بملايين الأسئلة عن رامي. لم أتوجّه بشكوى إلى منظّمات حقوق الإنسان، لأنّه طيلة فترة منع الزيارات توجّهت مرّات كثيرة إليهم، لكن بلا فائدة. الآن يسمحون لنا بإرسال ملابس رقيقة لرامي، وبألوان محدّدة - مثال، البُنّي والأسود والأبيض، أمّا الملابس الملوّنة والملابس السميكة فلا يسمحون بإدخالها. قبل شهر نقلوا رامي من سجن نفحة إلى سجن رامون، والآن في الشتاء الجوّ هناك بارد. كذلك، هم يمنعون إدخال أيّ نوع من الطعام، ويسمحون فقط بتحويل نقود لـ"الكنتينة" - أحيانًا 1200 ش.ج. وأحيانًا أكثر. هم يسمحون لنا بشراء السجائر من داخل السجن، نحو ستّين علبة؛ لكنّ ثمن السجائر والملابس هناك أغلى بكثير من ثمنها في غزة. أنا أعتقد أنّهم يمنعون إدخال الملابس والسجائر التي نجلبها معنا فقط لكي يُجبروا الأسرى على شرائها من "الكنتينة"، بأسعار أغلى. في بعض الأحيان نرسل لرامي صورًا للعائلة، لأنّه يسأل دائمًا عن إخوته وأخواته. مسموح إدخال صور قليلة فقط، وهذه تأخذها زوجته معها حين تذهب لزيارته. رامي قلّما يرسل إلينا صورًا، لأنّ ذلك يتطلّب إذنًا من سلطات السجن. رندة المصري، 22 عامًا، من سكّان غزة، حدّثت أدلت بإفادة يوم 14.12.2017 أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، تحدّثت خلالها عن قطيعة دامت 13 عامًا لم ترَ خلالها أخاها الأسير: اعتُقل أخي - نبيل المصري، 35 عامًا - في عام 2004 لدى عبوره حاجز أبو هولي في قطاع غزة، وحُكم عليه بالسجن لمدّة 14 عامًا. في حينه، أبلغنا الصليب الأحمر أنّه يمضي محكوميّته في سجن النقب الصّحراوي ("كتسيعوت"). عندما اعتُقل أخي كنت في التاسعة من عمري، وكان هو في الثانية والعشرين. بكينا كثيرًا عندما سمعنا خبر اعتقاله. والدي ووالدتي كانا في حالة نفسيّة صعبة جدًّا. نبيل كان كلّ شيء في حياتي. كان يلعب معي دائمًا، يأخذني لشراء أشياء ويدلّلني. منذ اعتقاله عام 2004، زرت نبيل مرّتين فقط، خلال عام 2005، وكنت حينها في العاشرة من عمري. منذ ذلك الحين، أي منذ 13 عامًا لم أرَه. يُسمح فقط لوالدي ووالدتي بزيارته في السجن. أنا مواكبة وضعه فقط من خلال زيارات والدينا. من عام 2007 إلى عام 2012 منعت سلطة السجون زيارة العائلات، ولم نعرف عن نبيل شيئًا طيلة تلك السنوات. أمضينا هذه السنوات الخمس بالبكاء والألم والأشواق. أنا نسيت شكل وجه أخي. أراه فقط في الصّور. أفكّر فيه دائمًا وأشتاق إليه كثيرًا. أغبط أبي وأمّي لأنّهما يستطيعان زيارته. والداي يقولان إنّ الزيارات أقصر ممّا ينبغي، وهي لا تكفي للتحدّث عن كلّ شيء ونقل سلاماتنا وأشواقنا جميعًا. كذلك، لا يسمح السجّانون للأهل بالتقاط صورة مع الأسير أو حتّى معانقته. أتمنّى أن تسمح السلطات الإسرائيلية للأسرى في السجون الإسرائيلية بزيارة إخوتهم وأخواتهم لديهم. يؤلمني جدًّا أنّني ممنوعة من زيارة نبيل، وأبكي كثيرًا بسبب ذلك. لا يمكنك أن تتصوّر كم أنا مشتاقة لرؤيته، وكم أتمنّى مرافقة أبي وأمّي في الزيارة القادمة، في شهر كانون الثاني. مادلين الحلولي، 27 عامًا، من سكّان غزة، أدلت يوم 12.12.2017 بإفادة أمام الباحثة الميدانية من بتسيلم، ألفت الكرد، وصفت خلالها كيف تأثّرت العائلة بسجن أخيها وانقطاع الصّلة معه. اعتُقل أخي، مؤيّد الحلولي، في 9.9.2013، حين حاول دخول إسرائيل دون تصريح، وحُكم عليه بالسجن مدّة خمس سنوات وثمانية أشهر؛ ويقضي اليوم محكوميّته في سجن مجيدو، في الحبس الانفرادي. يبلغ مؤيّد اليوم الثلاثين من عمره، وهو يعاني مشاكل نفسيّة منذ إصابته بجراح بليغة جرّاء قصف صاروخيّ عام 2003. أجريت له أربع عمليّات جراحيّة في البطن والرأس، ومنذ ذلك الحين ظهرت لديه مشاكل سلوكيّة، وأخذ يتكلّم وكأنّه منفصل عن الواقع. أخذه والداي للفحص لدى أخصّائيّين نفسيّين، وقرّر هؤلاء أنّه يعاني مشاكل نفسيّة وسلوكيّة. في عام 2013 اختفى مؤيّد. بحثنا عنه طيلة أسبوعين، إلى أن أبلغنا الصليب الأحمر أنّه معتقل رهن التحقيق في سجن عسقلان. عندما علمنا أنّه معتقل أصابتنا الصدمة، أنا وأهلي، خاصّة بسبب وضعه النفسيّ الناجم عن إصابته. أوقفنا له محاميًا فلسطينيًّا من إسرائيل، وكذلك ساعدنا محامٍ من مركز "الميزان" لحقوق الإنسان، لأجل الإفراج عن مؤيّد؛ علمًا أنّه غير مسؤول عن أفعاله، فهو يعاني من "بوست - تراوْما". طلب منّا المحامون التقارير الطبّية التي تثبت وضع مؤيّد النفسي، وكذلك الوصفات الطبية. من جهة ثانية، أوعزت المحكمة الإسرائيلية بإحالته للفحص على يد لجنة طبّية في سجن ريمون، لكنّ هذه اللجنة خرجت بنتيجة أنّ مؤيّد مسؤول عن أفعاله، تبعًا لحالته الذهنيّة. كانت هذه كارثة حلّت بنا. بعد اعتقال مؤيّد، لم يتمكّن والداي من زيارته: طلب التصريح الذي قدّمه والدي رُفض لأنّه سبق أن سُجن لدى إسرائيل، أمّا والدتي فقد أصيبت في أعقاب اعتقال ولدها بجلطة دماغية سبّبت لها الشلل في نصف جسدها الأيسر. الصّلة الوحيدة بيننا وبين مؤيّد كانت بواسطة المحامي، الذي كان يخبرنا عن وضعه. أبلغنا أنّ مؤيّد أجريت له عملية جراحيّة في الأمعاء، بسبب مضاعفات ألمّت به في السجن، ناجمة عن إصابته عام 2003؛ وهذا زاد من قلقنا عليه. بعد اعتقاله بثلاثة أشهر تدهور وضع والدتي وفارقت الحياة. لقد كانت هذه سنة كوارث بالنسبة إلينا. في كانون الثاني 2015، أبلغَنا الصليب الأحمر أنّه قد سُمح لوالدي بزيارة مؤيّد - للمرّة الأولى، بعد مرور سنة ونصف على اعتقاله. فرحنا جدًّا بذلك، فنحن قد اشتقنا إليه كثيرًا. انتظرت عودة والدي بفارغ الصبر لكي أسمع منه كيف حال أخي وأطمئنّ عليه. في زيارته الأولى لدى مؤيّد أخبره والدي عن وفاة والدتي. قال أبي إنّ اللّقاء كان حزينًا وأنّهما بكيا كثيرًا حزنًا على وفاة والدتي. لا تسمح السلطات الإسرائيلية للإخوة والأخوات بالزّيارة، ولذلك لا يمكنني زيارة مؤيّد، وهذا الأمر صعب جدًّا بالنسبة إليّ. أنا لم أرَه منذ أكثر من أربع سنوات. وفوق ذلك، حدث عدّة مرّات أن توجّه والدي إلى السجن لزيارة مؤيّد، لكنّ إدارة السجن لم تسمح له برؤيته؛ نحن لا نعلم ما السبب. قبل سنتين ونصف هاجم مؤيّد سجّانين، ومنذ ذلك الحين يبقونه في العزل أو الحبس الانفرادي. هذا أمر يحزنني جدًّا. توجّهنا إلى إدارة السجن، بواسطة محامٍ، وطلبنا أن يخرجوه من العزل، لكنّ الطلب رُفض. الوضع عمومًا محزن، ولكنّني حزينة بشكل خاصّ، لأنّ أبي يحدّثني أنّه عندما يذهب لزيارة مؤيّد يَحضُر أخي مقيّد اليدين والرّجلين، حتّى أنّه يمسك بصعوبة سمّاعة الهاتف للتحدّث مع أبي. ويصف أبي كم يصعب عليه أن يرى ابنه مقيّدًا طيلة وقت الزيارة، ساعة وربع، وأنّه لا يستطيع لمسه أو معانقته. أتمنّى لو أستطيع على الأقلّ أن أزور أخي مؤيّد، وأكثر من ذلك أتمنّى أن يفرجوا عنه نظرً لوضعه النفسي. كذلك، ليت السلطات الإسرائيلية تسمح له بالتقاط صورة مع أبي أثناء الزيارة، لكي أرى وجهه، فأنا على وشك أن أنسى شكله.