توقّفت في محطّة وقود في شارع القسّام وعبّأت أحد إطارات السيّارة هواءً ثمّ اتّجهت يمينًا في شارع عبد الناصر. ربّما قدت مسافة ثلاثة أمتار في الشارع وعندها رأيت جنودًا يقفون قرب بناية الفراونة. في أعلى هذه البناية يوجد دائمًا جنود يرصدون المنطقة. كنت على بُعد ثلاثين مترًا من الجنود الذين كان عددهم يقارب الـ15 وكان على جانب الشارع سيّارتا جيب.
واصلت السّفر وعندما أصبحت على بُعد نحو عشرين مترًا منهم رأيت أحد الجنود يصوّب إليّ سلاحه. أشار لي أحد الجنود أن أتّجه يمنيًا فانعطفت نحو شارع صغير كان في الواقع طريقًا ترابيّة. كنت أقود السيّارة ببطء شديد ربّما بسرعة 20كم في السّاعة فالسيّارة بغيار أوتوماتيكيّ ولا تسرع كثيرًا أثناء القيادة على الرّمل. فور أن انعطفت أخذ الجنود يطلقون النّار. لم يطلبوا منّي التوقّف وأعتقد أنّهم صوّبوا مباشرة نحونا وليس في الهواء لأنّه فور أن بدأ إطلاق النّار سمعت صوت تحطّم زجاج النافذة الخلفيّة. أطلقوا أعيرة كثيرة جدًّا.
قلت للجميع أن يستلقوا. أردت التوقّف لكنّ النيران صارت أكثف وأكثف فواصلت القيادة. رأيت في المرآة أنّ الجنود يركضون خلفنا ويطلقون الرصاص. كانت تفصلهم عنّي أربعة أمتار ربّما عندما بدأوا إطلاق النّار. أخذت زوجتي وشقيقتها تصرخان. رأيت نعيم مرتميًا فوق والدته وأدركت أنّ حالته صعبة. كان ينزف دمًا كثيرًا وغائبًا عن الوعي.
واصلت قيادة السيّارة وبعد وقت ما حين غاب الجنود عن الأنظار نقلنا نعيم ووالدي وزوجتي إلى سيّارة أخرى لكي تأخذ نعيم إلى المستشفى لأنّنا خشينا أن يعيق الجنود سيّارتي. عدت إلى المنزل ولاحقًا - في اليوم نفسه - جاءت الشرطة وحقّقت معي. دفنّاه أمس ليلًا.
من خانيونس في قطاع غزّة في 24.7.92
إفادة كامل أبو آمنة والد نعيم (24 عامًا) وهو أب لطفلين.
سجّل الإفادة يوفال غينبار وسهى عرّاف في 27.7.92
في يوم الجمعة الموافق 24.7.92 عدت من عملي عند السّاعة 12:30 تقريبًا. ابني فادي البالغ من العمر سنتين كان مريضًا وأردت أخذه إلى المستشفى في خانيونس. توجّهنا في سيّارتي (بيجو خمريّة اللّون) التي كنت قد اشتريتها قبل ذلك بثلاثة أيّام. قدت السيّارة وجلس والدي إلى جانبي. في الخلف جلس ابني نعيم وزوجتي أسمهان في الوسط وفي الجهة اليمنى جلست شقيقتها سحر وفي حضنها فادي.
ألقيت بنفسي على ولدي وعانقته. تشبّثت به ورفضت الانفصال عنه. بعد ذلك عدنا به إلى المنزل. اتّصل شخص من الجيش الإسرائيلي بمختار منطقتنا وقال له ألّا يُدفن نعيم لأنّهم يريدون جثمانه ويجب أن نسلّمه للجيش. جاء بعض الأقارب أخذوا جثمان نعيم ودفنوه لكنّ الجيش أخذ الجثمان في اليوم نفسه وقالوا لنا إنّهم لن يعيدوه إلّا إذا سلّم زوجي نفسه وكان قد فرّ من المنزل خشية أن يعتقلوه.
بعد مضيّ أسبوع ذهبت مع زوجي وسلّمنا أنفسنا. حقّقوا معنا طيلة ساعات. عندما دخلت إلى هناك رأيت أمامي جثمان ابني مسجًّى على سرير. هرعتُ إليه لكي أراه وأعانقه لكنّ الجنديّ الذي كان هناك منعني من ذلك قائلًا إنّ ذلك ممكن فقط بعد انتهاء التحقيق. عندما انتهى التحقيق هرعت مجدّدًا لكي أراه لكنّني لم أجده.
لقد أعادوا لنا جثمان ابني لاحقًا وعندها علمت أنّهم احتجزوا الجثمان طوال الوقت في معهد التشريح في إسرائيل. عندما أعادوه رأيت أنّ جسده بدى غريب ومليئًا بالغرز والقطن. كنت في صدمة تامّة. لم أتحمّل ذلك. إنّه ولد صغير فما الذي فعله لجيش إسرائيل لكي يقتلوه ويمثّلوا بجثّته بهذا الشكل الإجراميّ البشع؟ ما زال ذلك المشهد محفورًا في ذاكرتي ولا أستطيع نسيانه.
كان نعيم صغيرًا لكنّ شخصيّته كانت قويّة ولا يهاب شيئًا. كان يقول لي دائمًا "أنا قويّ". في يوم استشهاده طلب منّي أن أعدّ له أكلة يحبّها كثيرًا. لو كان حيًّا اليوم لكان بالتأكيد متزوّجًا وأبًا لأطفال.
طيلة خمس سنوات كنت في حداد على نعيم وأبكيه ليل نهار. حتى اليوم لا نزال أنا وزوجي نرتدي السّواد حدادًا وحزنًا عليه. لم يكن ليخطر في بالي أبدًا أنّني سأعيش دونه وهو الذي كان فرحتي الأولى. عندما قُتل انطفأ قلبي وكلّ شيء بات معتمًا. أحسست أنّني فقدت الأعزّ والأغلى على قلبي في هذا العالم.
منذ وفاة نعيم لم أضع "الماكياج" ولم أخرج في نزهة أو نقاهة. لم أحسّ بالفرح حتى في أعراس بناتي وعرس ابني فادي. لا شيء سوى السّواد. لم أستطع الشعور بفرح حقيقيّ منذ غياب نعيم. من بعد فقدانه لا أفرح في الأعياد أيضًا.
بعد وفاة نعيم قدّمت منظمات حقوق إنسان دعوى باسمنا وحصلنا على تعويضات بمبلغ يقارب 18,000 شيكل مع أنّ أموال الدّنيا كلّها لا تعوّضني عن ابني. كان هدفي من ذلك أن يحاسَب الجيش على قتله.
لقد مرّت 27 سنة. رحمة الله عليه هذا ما نقوله جميعًا. 27 عامًا مضت ولم يغب عن خاطري للحظة. كذلك إخوته وأخواته يصلّون لأجله ويدعون له بالرّحمة علمًا أنّهم لم يعرفوه. ليت نعيم كان معنا هنا.
والدة نعيم - أسمهان أبو آمنة (53 عامًا) وهي أمّ لعشرة أبناء من سكّان خانيونس، تحدّثت في هذه السّنة إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد مفصّلة عن حياتها منذ أن قُتل ابنها:
استُشهد ابني البكر نعيم قبل 27 عامًا في 24.7.92. في ذلك اليوم خرجنا في السيّارة وفجأة أطلق علينا الجيش الإسرائيلي نيرانًا كثيفة. أصيب نعيم جرّاء تلك النيران. أنا لم أفهم ما الذي يجري فقط رأيت نعيم ينزف دمًا وملابسه قد ثقبها الرّصاص. أوصلنا أصدقاؤنا إلى مستشفى ناصر في خانيونس. أخذ جسده يتشنج ونحن في الطريق إلى المستشفى وعندما وصلنا حوّلوه فورًا إلى مستشفى الشفاء في غزة بسبب خطورة وضعه لكنّه توفّي في الطّريق فعادوا به إلى مستشفى ناصر. أجهشت بالبكاء وأخذت أصرخ.
في 24 تمّوز 1992 ورد تقرير في منطقة غزّة عن سيّارة فلسطينيّة من نوع بيجو 404 لونها خمريّ يُشتبه في أنّها من منطقة يهودا والسّامرة وفي داخلها محلّيّون مسلّحون يطلقون النّار في الهواء ونحو منازل وجنود. في أعقاب ذلك استُدعيت قوّات كثيرة لكي تقبض على السيّارة وركّابها وضمن ذلك نُصبت سدّة عند مفرق جلال.
أثناء نشاطهم لاحظ الجنود في المفرق سيّارة بأوصاف مطابقة للوصف أعلاه. طلب الجنود من السّائق باللّغتين العربيّة والعبريّة أن يتوقّف وحتّى أشاروا له بأيديهم أن يتوقّف. أبطأت السيّارة سرعتها حتى كادت تتوقّف وعندها أسرعت فجأة وانعطفت يمينًا [وسُمع] صرير كبح عجلاتها. طارد الجنود السيّارة وأصدروا نداء توقّف ثمّ أطلقوا النار في الهواء ونحو عجلات السيّارة. نتيجة لإطلاق النّار أصيب الطفل نعيم رامل [كامل] أبو آمنة الذي كان في السيّارة.
وفقًا للاستنتاجات التي توصّلت إليها النيابة العسكريّة كان تصرّف الجنود سليمًا ومطابقًا لتعليمات إطلاق النّار العامّة، نظرًا إلى المعلومات أعلاه التي وصلت للجنود تتوافق مع أوصاف السيّارة التي جلس فيها المرحوم ونظرًا إلى حركات مشبوهة صدرت عن المسافر الجالس إلى جانب السّائق وبالأخصّ حقيقة أنّ السيّارة أسرعت بعد نداء الجنود بالتوقّف كلّ ذلك كان من شأنه أن يثير شبهات معقولة لدى الجنود أنّ الجالسين في السيّارة ارتكبوا جرمًا خطيرًا، بمعنى إطلاق نار مخالف للقانون. بناءً عليه صدر القرار بألّا تُتّخذ إجراءات قضائيّة ضدّ من أطلقوا النّار إلى جانب أنّه لا يمكن أن نعرف يقينًا أيُّهم أصاب المرحوم.
مع ذلك تبيّن من تحقيق وحدة التحقيقات الشرطة العسكريّة أنّ الجنود الذين أطلقوا النّار لم يتلقّوا تعليمات إطلاق نار أكثر تشدّدًا كانت مطبّقة آنذاك في تلك المنطقة وتقيّد تنفيذ إجراء اعتقال مشتبه فيه في الحواجز. جرّاء هذا التقاعس أوصى وكيل عامّ النيابة العسكريّة بتوبيخ ضبّاط أربعة تتراوح رتبهم العسكريّة بين نقيب وعقيد.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 20.1.94 أرسلها إلى بتسيلم النقيب أفيتال مرجليت رئيسة شعبة الإعلام لدى الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي.