في يوم الأربعاء الموافق 5.10.22 نحو الساعة 14:00، دخلت قوّات الجيش إلى قرية دير الحطب الواقعة شرقيّ مدينة نابلس. وصل الجنود إلى منزل سلمان عمران (39 عامًا) لاعتقاله، وحصل في المكان تبادل لإطلاق النار بين عمران ومسلّحين آخرين وبين الجنود. في حوالي الساعة 17:30 سلّم عمران نفسه للجنود.
نحو الساعة 15:30 دخلت سيّارات جيب عسكريّة إضافيّة إلى القرية ورشقها شبّان بالحجارة. أحدهم، علاء زغل (21 عامًا)، من سكّان مخيّم اللاجئين المجاور عسكر، وُثِّق بالفيديو وهو يرشق الحجارة ثمّ أُطلِقت عليه النار من إحدى سيّارات الجيب فأُصيب في رأسه وأقرّتْ وفاته بعد ذلك بوقت قصير.
في أثناء ذلك، ومن داخل أحد المنازل في شمال القرية، أطلق جنود النار على صحفيَّين اثنين كانا يقفان على سطح أحد المنازل في القرية ويوثقان الجنود الذين كانوا حول منزل عمران وعملية اعتقاله، فأصابوهما بجراح. استمرّ إطلاق النار على الصحفيَّين حتّى بعد أن توقّفا عن التصوير ودخلا إلى المبنى وحاولا الخروج إلى السطح فقط من أجل أخذ المعدّات التي تركاها هناك. وقد أُصيب من جرّاء إطلاق النار من قبَل الجنود ما لا يقلّ عن ثلاثة أشخاص آخرين، أيضاً.
الصورة
ح.أ. (18 عامًا)، من سكّان مخيّم عسكر للاجئين وصديق زغل، وصل سويّةً معه ومع شبّان آخرين إلى دير الحطب بعد سماعه بدخول الجيش إلى القرية. هذا ما قاله لباحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي:
في حوالي الساعة 14:15 التقيتُ بعلاء زغل في الشارع وخرجْنا إلى منطقة تُسمّى تل عسكر، تطلّ على قرية دير الحطب. كان هناك بضعة شبّان وفتيان أرادوا معرفة ما يجري، مثلنا. بين الحين والآخر كنّا نسمع طلقات ناريّة من جهة القرية. قرّرنا أن نذهب إلى مدخل القرية لكي نرى ما يجري عن قرب وانضمّ إلينا بعض الشبّان الآخرين. مَشينا حتّى وصلنا إلى الدوّار المؤدّي إلى القرى الثلاث – سالم، عزموط ودير الحطب. دخل علاء هناك إلى حانوت لشراء الماء.
رأينا أربع سيّارات جيب عسكريّة قادمة إلى القرية. تقدّم إليها بعض الشبّان، بمَن فيهم علاء، وألقوا الحجارة نحوها. حين مرّت سيّارة الجيب الأخيرة سمعْتُ طلقات ناريّة، لا أعرف كم أو من أين أطلقت.
بعد ذلك سمعْتُ صراخًا واستدعاءً لسيّارة إسعاف. بحثتُ عن علاء. رأيتُ شابًّا مُلقى على الأرض يرتدي قميصاً أبيض، مثل الذي كان يرتديه علاء. في أثناء ذلك وصلَتْ سيّارة إسعاف، لكن حتى وصولي إليها كانت قد غادرت مع المصاب. من خلال وصف الشبّان فهمْتُ أنّه علاء. عدتُ إلى المخيّم وبقيتُ قرب بيته. أردتُ أن أخبر أسرته بما حدث، لكنّي لم أتمكّن من حمل نفسي على فعل ذلك. التقيتُ بشابّ وأخبرتُه بما حدث، فقال لي إنّه توجد تقوُّلات عن شهيد لم يَنشروا اسمه بعد.
ذهبنا معًا إلى المستشفى في نابلس. كان علاء في ثلّاجة الموتى. فقد سقط شهيدًا حقًّا. كانت تلك صدمة كبيرة. كنّا قريبَين جدًّا الواحد من الآخر، اعتدْنا أن نذهب معًا إلى العمل وأن نعود منه معًا، وبعد ذلك نلتقي ثانيةً في المساء، نخرج ونسهر. عملْنا كلّ شيء معًا. كان علاء كلّ شيء في حياتي.
بكر عبد الحق (32 عامًا)، صحفيّ من سكّان نابلس، وقف على سطح أحد المنازل في القرية ووثّق دخول الجنود واعتقال عمران. هذا ما قاله لباحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي:
الصورة
بكر عبد الحق. تصوير: سلمى الدبعي, بتسيلم,
في يوم الأربعاء قرابة الساعة 15:30، وصلنا بسيّارة التلفزيون الفلسطينيّ إلى مدخل قرية دير الخطب لتغطية تطويق الجيش لأحد المنازل في القرية. كان هناك بعض الشبّان الذين أشعلوا الإطارات المطاطيّة. حاولنا الوصول إلى المنزل لكنّ ذلك كان صعبًا لأنّ الجيش نشَرَ قنّاصة في المنطقة. قرَّرْنا الصعود إلى سطح مبنى من خمسة طوابق وقمنا بإجراء بثّ مباشر من هناك. بين الحين والآخر كنتُ أسمع طلقات ناريّة من اتّجاه المنزل الذي كان الجنود حوله ومن اتّجاه مخيّم عسكر للاجئين. كنّا بعيدين عن مواقع إطلاق النار. بعد وقت قصير من وصولنا إلى السطح، خلال البثّ، شعرْتُ برصاصة تمرّ بجانبي وتُصيب العمود الذي خلفي. كان المصوِّر شادي جرارعة يقف بجانب العمود. فصرختُ عليه أن يبتعد لأنّهم يستهدفوننا. أنهيتُ البثّ وطلبتُ من الجميع الدخول إلى مطلع الدرج لكي نقرّر ماذا سنفعل. قلتُ لهم إنّ الوضع خطير وإنّهم حدّدونا كهدف. في أثناء تحدُّثي عبر الهاتف مع شبكة التلفزيون رأيتُ فجأةً محمود فوزي، الذي خرج مرّة أخرى إلى السطح، كما يبدو، من دون أن أنتبه. رأيته يأتي وهو يصرخ من الألم. قلتُ للآخرين الذين كانوا معي إنّه أُصيب. بعده مباشرةً دخل لؤي سمحان أيضًا وهو مصاب. عندما رأيتُ أنّهما أصيبا في الذراع هدأ روعي. أخرجْناهما من المبنى وأخذْناهما إلى سيّارات الإسعاف التي كانت تقف قريبًا من هناك.
بقيتُ أنا وشادي جرارعة في المبنى لكن لم نتمكّن من أخذ الكاميرات عن السطح. حاولْنا الخروج عدّة مرّات لكنّهم أطلقوا النار علينا في كلّ مرّة. سخّانات المياه الموجودة على السطح تضرّرتْ من جرّاء إطلاق النار. شعرْنا بأنّنا في خطر حقيقيّ. كان هذا أصعب شيء مرَّ عليّ في حياتي. أطلقوا النار علينا مباشرةً، عشر طلقات ناريّة في الأقلّ.
بعد أربعين دقيقة فقط تمكّنا من سحب معدّاتنا ومعدّات محمود فوزي إلينا بواسطة عصا. أصيبت كاميرا التلفزيون وحامل الكاميرا بطلقات ناريّة وتضرّرت الكاميرا أيضًا بسبب المياه التي تسرّبت من سخّانات المياه على السطح. كما تضرّر حامل الكاميرا الخاصّ بفوزي لكنّ كاميرته ظلّت تعمل.
بعد أن خلّصْنا المعدّات حاولنا الخروج من المنطقة، لكنّهم أطلقوا النار علينا مرّة أخرى. اختبأنا خلف شاحنة كانت تقف عند مدخل المبنى لمدّة عشرين دقيقة تقريبًا، إلى أن ترك الجيش المنطقة. عندها ذهبنا إلى المنزل الذي حاصره الجيش وواصلنا تغطية الأحداث ثمّ عدنا لاحقًا إلى نابلس.
لؤي سمحان (43 عامًا)، مصوِّر تلفزيونيّ من سكّان نابلس، تحدث إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدبعي عن إصابته:
الصورة
لؤي سمحان بعد إصابته. تصوير: سلمى الدبعي, بتسيلم,
بعد ربع ساعة تقريبًا من شروعنا في تصوير المنزل المحاصر بدأ إطلاق نار بالقرب منّا. رأيتُ رصاصة أصابت عمودًا ومرّت رصاصة أخرى بجانب بكر عبد الحق. فهمْنا أنّ الوضع خطير وقرّرنا مغادرة المكان. دخلنا إلى مطلع الدرج لكي نقرّر ماذا سنفعل وقرّرنا المغادرة. قلتُ لزملائي إنّني سأجلب معدّاتي عن السطح فقط – الكاميرا، حامل الكاميرا وجهاز للبثّ المباشر. كانت كاميرا محمود فوزي بجانب كاميرتي.
خرجتُ إلى السطح وعندما كنتُ على بُعد ستّة- سبعة أمتار عن مطلع الدرج، مددتُ يدي اليسرى لكي أسحب الكاميرا فشعرتُ بشيء أصاب يدِي وبانفجار قرْبَ أذني. ظننتُ أنّني أصِبتُ في رأسي وأنّني سأموت. لم أستطع النهوض. حاولتُ الاتّكاء على يدَي لكنّ يدِي ارتعدتْ ونزفتْ ففهمتُ أنّ الإصابة هي في يدِي. سمعتُ صحفيِّين آخرين يصرخون "جرحى، جرحى". بصعوبةٍ تمكّنتُ من الوصول إلى مدخل مطلع الدرج. رأيتُ محمود فوزي وقد أصيبَ في يده أيضًا. تواصل إطلاق النار طوال هذا الوقت.
أخذوني فورًا إلى سيّارة الإسعاف التي كانت في المنطقة. وأخذوا محمود إلى سيّارة إسعاف أخرى. نقلتْني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى الجامعيّ في نابلس وهناك أجروا لي صورًا بالأشعّة السينيّة وحصلتُ على مُسكّنات للألم لأنّني كنت أعاني كثيرًا. أدخلوني إلى عمليّة جراحيّة لأنّ العظمة كانت محطّمة. استمرّت العمليّة الجراحيّة أربع ساعات تقريبًا ركَّبوا لي خلالها غرسة بلاتينيّة. قال لي الطبيب إنّني سأكون بحاجة إلى علاجات لمدّة سنة على الأقلّ لكي تستعيد اليد قدرتها على تأدية وظيفتها بنسبة 70 بالمائة وإلى سنتين أخريين لكي تعود إلى وظيفتها الطبيعيّة. سُرِّحتُ من المستشفى يوم الجمعة في ساعة متأخّرة من بعد الظهر.