أوبئة تتفشى، عشرات آلاف الجرحى والمرضى – لكنّ جهاز الصحة في قطاع غزة يكاد لا يعمل، إطلاقاً
1 شباط/فبراير 2024
الجهاز الصحي في قطاع غزة ـ الذي كان يجد صعوبة في تأدية مهامه، حتى قبل الحرب الحالية أيضاً ـ يعيش اليوم حالة كارثية. فبعد أكثر من مائة يوم من القتال، أكثر من ستين ألف جريح وعشرات آلاف المرضى ـ فرص حصول سكان قطاع غزة على العلاج الطبي آخذة في التناقص والجهاز الصحي هناك لم يعد قادراً على تقديم العلاجات الطبية اللازمة لهم، بما فيها العلاجات المُنقِذة للحياة.
الظروف الحالية القائمة اليوم في قطاع غزة، ثمة لنقص العلاجات الطبية إسقاطات جدية على حياة السكان: الأطباء يتحدثون عن مصابين بجروح خطيرة لم يكونوا قادرين على إنقاذ حيواتهم، بينما يفيد آخرون بأن مصابين قد أصبحوا عاجزين جسدياً نتيجة عدم تلقيهم العلاجات التي كانوا بحاجة إليها، والتي كان بإمكانها تجنيبهم حياة الألم والمعاناة. الأوبئة ـ التي كان بالإمكان منعها بسهولة بواسطة علاجات طبية مناسبة ـ تتفشى بسرعة في القطاع وتشكل خطراً على حيوات عشرات الآلاف.
بحسب منظمة الصحة العالمية، من بين المستشفيات الـ 36 التي كانت تعمل في قطاع غزة عشية الحرب، لم يبق اليوم سوى 14 مستشفى فقط ـ سبعة في شمال القطاع وسبعة أخرى في جنوبه ـ تعمل، ولكن بصورة جزئية تماماً؛ جزء فقط من الأقسام تعمل وهنالك نقص حاد في أعضاء الطواقم الطبية، بينما أولئك الذين ما زالوا يعملون يكادون ينهارون تحت ضغط العمل. كما أن هنالك نقصاً في المعدات الطبية وفي الأدوية، في الوقود الحيوي جداً لتشغيل المستشفيات، في المياه وفي الغذاء للمرضى ولأعضاء الطواقم. الاكتظاظ في المستشفيات المذكورة يبلغ أكثر من ضعفيّ قدرتها الاستيعابية ويضطر الأطباء إلى معالجة الجرحى وهم ممددون على الأرض. اثنان من المستشفيات، في خانيونس، يقدمان خدمات أساسية فقط ولأولئك الذين لجأوا إليه ليحتموا فيه، فقط. إضافة إلى ذلك، أكثر من تسعين منشأة صحية وثمانين سيارة إسعاف قد تضررت منذ بدء الحرب.
منظمات الإغاثة تتحدث عن عوائق لا مكن تجاوزها تضعها إسرائيل أمام نقل المعدات الطبية للمستشفيات، وخاصة في شمال قطاع غزة، وعن الصعوبات البالغة في إخلاء المصابين. وهي تتحدث أيضاً، من بين أمور أخرى، عن القصف المتواصل دون توقف، عن تدمير الشوارع والطرقات، عن النقص في الوقود وعن الصعوبات في تنسيق عبور المعدات أو الجرحى.
إن الغياب شبه التام لإمكانية الحصول على العلاج الطبي يصبح أشد خطورة عند الأخذ في الاعتبار الازدياد الدائم والمتواصل في عدد المرضى المصابين بأمراض مُعدية تنجم، بالأساس، عن الظروف التي يعيشها أكثر من مليون إنسان تم تهجيرهم من منازلهم ـ في حالة من الاكتظاظ الشديد، بدون مياه نظيفة للشرب، بدون ما يكفي من الغذاء وبدون شروط صحية أساسية. وقد أفيد حتى الآن عن عشرات آلاف حالات الالتهاب في الجهاز التنفسي والإسهال (وخاصة لدى أطفال في سن ما دون الـ 5 سنوات) واليرقان (الصفار) التي لا تتلقى أي علاج أو دواء. من الواضح أيضاً أن أوضاع الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة ـ مثل السكري، أمراض القلب، ضغط الدم المرتفع، السرطان ـ أو الذين يعانون من اضطرابات نفسية، تتفاقم وتصبح أكثر حدة في مثل هذه الظروف.
تدّعي إسرائيل بأنّ المسؤولية عن هذا الواقع تقع على حركة حماس بصورة حصرية، لأنها تستغل المستشفيات لأغراضها، ومن ضمنها أنها قد أقامت فيها مقرات قيادة وحفرت تحتها أنفاقاً وخبأت في داخلها أسلحة ونشطاؤها يطلقون النار من داخلها ومن حولها. لكن ليس في وسع هذه الادعاءات أن تزيل بصورة شاملة جميع معايير الحماية الخاصة التي يمنحها القانون الإنساني الدولي للمستشفيات، للطواقم الطبية، للجرحى، للمرضى وللمهجّرين. ومن المؤكد أن ليس في وسعها، أيضاً، أن تسمح لإسرائيل بالتنصل التام من واجباتها بموجب هذا القانون، الذي لا يسري فيه مبدأ التبادلية: حقيقة أن طرفاً ما يخرق القواعد والأحكام ليس فيها ما يسمح لطرف آخر أن يتصرف هو أيضاً بما يتناقض مع هذه القواعد والأحكام، وعليه إن ممارسات حماس لا تعفي إسرائيل، إطلاقاً، من مسؤوليتها بشأن المس بالسكان المدنيين.
بالرغم من ذلك، منذ بدء الحرب تنتهك إسرائيل هذه القواعد والأحكام بصورة متواصلة، المرة تلو الأخرى: فهي تتعامل مع المستشفيات ـ التي يرقد فيها مئات المرضى ويلجأ إليها عشرات آلاف المهجَّرين، بمعرفتها التامة بذلك ـ وكأنها أهداف عسكرية مشروعة يُسمح المس بها؛ وهي تطلب الإخلاء الفوري للمستشفيات بينما ليس أمام المرضى الراقدين فيها أو المهجرين المحتمين بها أي مكان آمن يمكنهم التوجه إليه؛ وهي تمنع إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بكميات يمكن أن تلبي احتياجات السكان الآخذة في الازدياد باستمرار، بما في ذلك من المعدات الطبية والأدوية.
إضافة إلى ذلك، تدّعي إسرائيل بأنّها أصبحت تمتلك اليوم سيطرة فاعلة على جزء، على الأقل، من مساحة قطاع غزة. مثل هذه السيطرة تعني أن إسرائيل هي القوة المحتلة في القطاع، في غياب جهة أخرى تحكم هذه المنطقة. وإن كان هذا هو الحال حقاً، فمعنى ذلك أن إسرائيل، بمكانتها هذه، هي التي تتحمل المسؤولية عن الواجبات الفعلية تجاه المواطنين المقيمين هناك، بما في ذلك واجب أن تقوم هي بنفسها بتوفير العلاجات الطبية التي يحتاج إليها السكان. ليس ثمة سيطرة عسكرية فقط، لأن هذه السيطرة مقرونة أيضاً بالمسؤولية عن حياة السكان المدنيين الذين يعيشون في المنطقة الخاضعة للاحتلال.
معايير الحماية الخاصة في القانون الإنساني الدولي ترمي إلى حماية الضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم وضمان حصول كل محتاج على تلك الحماية. رفض احترام معايير الحماية هذه يؤدي إلى الموت، الألم والمعاناة التي لا يمكن وصفها بين آلاف من سكان قطاع غزة. وبكونه كذلك، فهو عير أخلاقي وغير قانوني وهي يُفرغ من مضمونها المبادئ الأخلاقية الأكثر أساسية التي تم إرساؤها في القانون الإنساني الدولي.