في تلال جنوب الخليل: إسرائيل تستغل الحرب في غزة لتهجير السكان الفلسطينيين
13 تشرين الثاني/نوفمبر 2023
منذ بدء الحرب في غزة، كثّفت إسرائيل بصورة كبيرة من مساعيها الرامية إلى تهجير سكان تجمعات الرعاة الفلسطينيين في تلال جنوب الخليل من منازلهم وأراضيهم، بمن فيهم الذين يسكنون في "منطقة إطلاق النار 918". وفي إطار تلك المساعي، يتعرض هؤلاء السكان إلى عنف يومي، استثنائيّ في مدى حدّته وكثافته، من قبل المستوطنين الذين يعملون بدعم الدولة وبرعاية الجيش والشرطة.
هذه الممارسات يتم تنفيذها بشكل متواصل، في النهار وفي الليل، إذ يقتحم مستوطنون مسلحون منازل السكان ويهاجمونهم، يقلبون أغراضهم ويبعثرونها ويأخذون هواتفهم الخلوية لمنعهم من توثيق الاعتداءات. كما يقوم المستوطنون بتخريب أنظمة الكهرباء الشمسية وخزانات المياه، يُحرقون المباني ويسرقون المواشي. بل إن المستوطنين في بعض الحالات، كما في خربة سوسيا، هددوا السكان بأنهم سيقتلونهم إذا لم يرحلوا خلال وقت قصير.
منذ سنوات عديدة تسعى إسرائيل إلى الاستيلاء على هذه المنطقة وتهجير سكانها الفلسطينيين منها، من خلال جعل حياتهم لا تُطاق إلى درجة الرحيل عن منازلهم وأراضيهم، وكأنّ الأمر باختيارهم الحرّ. وهذه الاستراتيجية تُنفذ وفق مستويين اثنين: الأول، المستوى الرسمي ـ الذي يشمل فرض تقييدات وقيود مشددة جداً على البناء والتطوير، بما في ذلك توصيل شبكات البنى التحتية؛ والثاني، المستوى غير الرسمي ـ الذي يشمل أعمال العنف المنهجية والمتواصلة من قبل المستوطنين ضد السكان الفلسطينيين، بما في ذلك طرد الرعاة الفلسطينيين، منع الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر المياه وتقليص مناطق الرعي المتاحة لهم.
في أيار 2022، قررت المحكمة العليا الإسرائيلية إن إسرائيل مخولة صلاحية الإعلان عن جزء كبير من منطقة تلال جنوب الخليل كـ "منطقة إطلاق نار" وتهجير نحو ألف من السكان الفلسطينيين الذين يسكنون فيها منذ أجيال، قبل احتلال إسرائيل الضفة الغربية في 1967 بكثير. القرار، الذي صدر بعد 22 سنة من تقديم الالتماس الأول بهذا الشأن، وهي السنوات التي جمّدت إسرائيل خلالها حياة السكان ومنعتهم من أية إمكانية لبناء منازل للسكن أو مبانٍ عامة أو مدّ شبكات مياه، كهرباء وطرقات.
منذ صدور ذلك القرار، وبشكل أكثر كثافة منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو في أوائل 2023، صعّدت إسرائيل مساعيها التهجيرية، في المستويين الرسمي وغير الرسمي. فقد فرض الجيش قيوداً شديدة القسوة على حرية تنقل السكان، زيادة على تلك القائمة في تلك المنطقة أصلاً، ونصب حواجز جديدة وأغلق طرقات بمكعبات اسمنتية وبأكوام من التراب وصادر سيارات سكان المنطقة أو الأشخاص الذين يعملون فيها.
في المقابل، شرع الجيش في إجراء تدريبات عسكرية في المنطقة، بما في ذلك بالذخيرة الحية، قريباً جداً من منازل السكان. وفي موازاة ذلك، تصاعد أيضاً عنف المستوطنين ضد سكان تلال جنوب الخليل، بقصد زعزعة القاعدة الاقتصادية التي تقوم عليها حياة السكان في تلك التجمعات.
جميع هذه الممارسات تتم في العلن وبتخويل تام. فالجيش ليس فقط مطّلعاً على هذه الممارسات ويختار عدم التدخل فيها والجنود غالباً ما يرافقون المستوطنين ويحرسونهم خلال ممارساتهم تلك، بل إن الجنود كثيراً ما يشاركون في هذه الاعتداءات وأعمال العنف بأنفسهم. بعض المستوطنين الذين يشاركون في هذه الأحداث تم تجنيدهم في الاحتياط خلال الحرب الحالية وهم ينفذون هذه الأعمال نفسها في إطار خدمتهم العسكرية. أما الشرطة، فكما عهدناها دائماً، لا تكلف نفسها حتى عناء التحقيق في الأحداث وفي الاعتداءات على الفلسطينيين، بل إنها لا تجمع أية إفادات ولا توثيق الأضرار. وبدلاً من ذلك، يقوم أفراد الشرطة بتهديد الفلسطينيين الذين يقدمون شكاوى. حتى اليوم، لم تقم الشرطة باعتقال أي من المسؤولين عن هذه الاعتداءات، رغم أن بعضهم معروف جيداً لسكان المنطقة ورغم أن بعض تلك الاعتداءات قد تم توثيقه.
هذا الواقع ليس جديداً، بل هو استمرار مباشر للسياسة التي تنفذها إسرائيل منذ سنوات عديدة، والرامية إلى تهجير السكان الفلسطينيين لكي يكون بإمكانها الاستيلاء على المنطقة واستغلالها لأغراضها هي. أما الآن، تحت ستار الحرب في غزة ومن خلال استغلال حقيقة أن الاهتمام الجماهيري منصب في أغلبه هناك، فقد قررت إسرائيل تكثيف مساعيها ويبدو، حتى الآن، أنها تنجح في ذلك:
منذ يوم 7.10.23 تم فعلياً تهجير خمسة تجمعات في منطقة تلال جنوب الخليل: خربة الرذيم، خربة زنوتا، اعنيزان، عتيرية ومقتل مسلم. في بعضها، هرب السكان قبل أن يتمكنوا من تخليص كل ممتلكاتهم التي قام المستوطنون بسرقتها وتدميرها. وقد فقد سكان هذه التجمعات مصادر رزقهم ـ حقول المراعي والحقول التي كانوا يزرعون فيها الغذاء لقطعان المواشي، إضافة إلى آبار المياه التي استخدموها، المعدات الزراعية، الخيام، الألواح الشمسية والهواتف الخلوية. التجمع السادس، الودادي، كان قد تم تهجيره قبل يوم 7.10.23. أما التجمعات الفلسطينية الأخرى في المنطقة ـ خربة سوسيا، مغاير العبيد، المفقرة، الركيز، أم الخير، سدة الثعلة، خربة الطوبا، خربة اصفي التحتا، خربة خلة الضبع، خربة جنبا، خربة لصيفر، قواويس وخربة صارورة ـ فلا تزال تحت خطر التهجير القسري المماثل.
لم يبق للفلسطينيين من يحميهم ويدافع عنهم. كل محاولاتهم للدفاع عن أنفسهم تُقابَل بالعنف والاعتقالات، بل وبالرصاص الحي. في هذه الظروف، يبدو أن المسألة لم تعد سوى مسألة وقت فقط حتى تنجح إسرائيل نهائياً في الاستيلاء على المنطقة كلها. حتى أن الجيش والشرطة يحاولان كل الوقت طرد النشطاء الإسرائيليين والدوليين، الذين يمكثون بالمنطقة لمساندة الفلسطينيين ويمتلكون توثيقاً واسعاً، لممارسات المستوطنين، من هذه المنطقة. ويبدو أن إسرائيل قد تخلت في هذه المرحلة، نهائياً، عن مجرد التظاهر بأنها تريد وتحاول حماية الفلسطينيين في تلال جنوب الخليل وقد استقر قرارها نهائياً على تنفيذ جريمة الحرب المتمثلة في نقل السكان بصورة قسرية.