جنود يقتحمون حوش عائلة في الخليل ويحبسون 21 من أفرادها داخل مخزن وبضمنهم 7 قاصرين ثمّ ينهالون على بعضهم ضرباً؛ ستّة أمضوا اللّيلة في المستشفيات وواحد لا يزال رهن الاعتقال
في يوم الأحد الموافق 12.12.21 نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل، طرق جنود باب منزل محمود سلهب (57 عاماً) وزوجته نداء (55 عاماً) وأبنائهم الأربعة. تقيم الأسرة في حيّ خربة قلقس في الخليل. عندما فتح محمود الباب اقتحم المنزل ما يُقارب عشرين جنديّاً وسألوه عن مكان ابنه أنس (24 عاماً) وهو طالب في جامعة الخليل. بعد ذلك احتجز الجنود أنس في غرفته في الطابق الأرضيّ واقتادوا الأب وثلاثة من أبنائه إلى غرفة ملاصقة تُستخدم كمخزن.
في الوقت نفسه كان جنود يطوّقون منازل عائلة سلهب وقام هؤلاء بتجميع أفراد آخرين من العائلة يقيمون في الحوش نفسه واقتيادهم إلى غرفة المخزن حتى أصبح عدد المحبوسين فيها 21 بضمنهم 7 قاصرين. وقف عشرة جنود يحرسون المخزن، وفي هذا الوقت كان المحبوسون داخله يسمعون صُراخ أنس تحت ضربات الجنود في الغرفة الملاصقة. عندما احتجّ إبراهيم (16 عاماً) شقيق أنس انهال عليه الجنود ضرباً. أثناء جدال اندلع إثر ذلك جرّ الجنود ابن عمّه أسامة سلهب (24 عاماً) على أرض المخزن فارتطم رأسه بحوض أسماك فارغ وجُرح نتيجة تحطّم زجاجه. استدعى الجنود سيّارة إسعاف عسكريّة نقلت أسامة سلهب إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السّبع.
الصورة
منازل عائلة سلهب في خربة قلقس. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم، 12.12.21
نحو السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل غادر الجنود المكان وأخذوا معهم أنس وهو مكبّل اليدين ومعصوب العينين. بعد إدخاله إلى الجيب العسكريّ تجوّل الجنود طوال ساعات حتى جلبوه عند السّاعة 8:30 إلى مركز الاعتقال في "عتصيون"، وبعد ذلك أبقوه داخل الجيب حتى السّاعة 12:00 ظهراً. مرّت كلّ هذه السّاعات على أنس سلهب منذ لحظة اعتقاله ولم يتناول خلالها أيّ طعام أو شُربة ماء ولا سُمح له بقضاء حاجته. بعد ذلك أدخلوا أنس لمقابلة ضابط "الشاباك" حذّره هذا خلالها ألّا يُشارك في نشاطات ستنظّمها حماس في ذكرى انطلاقتها. استمرّت "المحادثة" أقلّ من ساعة ثمّ أخلي سبيل أنس إلى منزله مع طلّاب جامعيّين آخرين كان "الشاباك" قد استدعاهُم لمقابلة تحذيريّة مشابهة.
بعد أن غادر الجنود منازل عائلة سلهب تمّ نقل خمسة من أفراد العائلة لتلقّي العلاج في مستشفى عالية في الخليل. تبيّنت لدى ثلاثة منهم كدمات وعانت اثنتان من صدمة هلع. نحو السّاعة 5:00 غادروا المستشفى جميعاً. أسامة سلهب غادر المستشفى في اليوم التالي ثمّ اعتُقل وقُدّمت ضدّه لائحة اتّهام جاء فيها أنّه اعتدى في تلك اللّيلة على جنود.
عشرات الجنود اقتحموا في دُجى اللّيل حوش عائلة في الخليل واقتحموا مساكنها حيث يُقيم نحو 30 شخصاً. بعد أن أفزعوا نوم الجميع اقتادوا معظمهم إلى مخزن وانهالوا على بعض هؤلاء بالضرب. النتيجة: نقل ستّة للعلاج في المستشفيات واعتقال اثنين لا يزال أحدهما رهن الاعتقال. هذه ليست حادثة استثنائيّة وإنّما هي جزء من روتين حياة لا تُطاق يفرضها نظام الأبارتهايد على الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربيّة.
عن ليلة الرّعب هذه تحدّث عدد من أفراد عائلة سهلب في إفادات استمع إليها باحثا بتسيلم الميدانيّان منال الجعبري وموسى أبو هشهش، نوردها فيما يلي:
أحمد سلهب (52 عامًا) أحد الإخوة المقيمين كلّ مع أسرته في حوش العائلة، وهو أب لأربعة. في إفادته التي أدلى بها في يوم الحادثة قال:
الصورة
أحمد سلهب. تصوير موسى أبو هشهش، بتسيلم.
في 12.12.21 عند السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل أيقظني من نومي صُراخ وجلبة آتية من منزل أخي محمود. خرجت بسُرعة وخرج خلفي ابني أسامة. في الخارج التقينا جنوداً فاقتادونا إلى مخزن في الطابق الأرضيّ من منزل محمود. عندما أدخلونا كان في المخزن أخي محمد وابنه نور الدّين (23 عاماً) وأكثر من عشرة جنود بضمنهم ضابط. بعض الجنود ضربوا إبراهيم ابن محمود.
في هذه الأثناء جلب الجنود كلّاً من مريم (20 عاماً) ابنة أخي محمود وصلاح الدّين (19 عاماً) ابن أخي محمد. كذلك جلبوا ابني أمجد (27 عاماً). اندلع جدال بيننا وبين الجنود لأنّهم كانوا يدفعوننا فأمرونا أن نجلس على أرضيّة المخزن دون حراك. في هذا الوقت كانوا يُواصلون الاعتداء على إبراهيم. تطوّر الجدال إلى تدافُع بالأيدي وعندئذٍ انقضّ الجنود على ابني أسامي وانهالوا عليه ركلاً وضرباً بأيديهم وبنادقهم.
تدخّلت وأخي محمد لنخلّص أسامة من بين أيدي الجنود لكنّهم دفعونا وبعضهم ضرب محمد فيما بعضهم يُواصل ضرب أسامة. بعد ذلك جرّوه إلى زاوية المخزن وهُناك وقع عليه حوض الأسماك وتحطّم زُجاجه على رأسه. رأيت أسامة ملقىً على الأرض دون حراك وبدت لي إصابته بليغة حتى أنّني ظننته قد فارق الحياة. جرّ الجنود أسامة إلى الخارج فلحقت بهم. في هذه الأثناء جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان وأدخل المسعفون أسامة إلى إحداهُما وقاموا بإسعافه. قبل أن تنقله سيّارة الإسعاف أمر الضابط بنقل أسامة إلى سيّارة إسعاف عسكريّة ثمّ سمعت جنديّاً يقول إنّهم سوف يأخذونه إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السّبع. كان رأس أسامة ينزف ووجهه مغطّىً بالدّم. بعد نقل أسامة اقتاد الجنود أنس إلى جيب كان متوقّفاً في مكان قريب. أخذوه معهم في الجيب وغادروا.
كنت أعاني من آلام في ظهري وذراعي اليسرى نتيجة لضربات الجنود ولكنّ حالتي لم تستدع العلاج. أخي محمد وإبراهيم ابن أخي وابني أمجد تمّ نقلهم في سيّارتي إسعاف إلى مستشفى عالية الحكوميّ في الخليل. وحيث ظلّت مريم وأسماء من بنات إخوتي - أسماء (17 عاماً) هي ابنة أخي محمد – تحت وقع الصّدمة أقلّهما أحد أقربائنا في سيّارته إلى المستشفى نفسه، وعند السّاعة 6:00 تقريباً عاد الجميع إلى المنزل سويّة. كانت هناك كدمات في جسم كلّ من محمد وأمجد وإبراهيم.
في الصّباح توجّهت إلى محطّة الشرطة في "كريات أربع" بعد أن أخبرني أحد أقربائي والذي ذهب لزيارة ابني أسامة في المستشفى أنّه نُقل إلى هناك. عندما وصلت استمع محقّق إلى إفادتي حول ما جرى وفقط بعد ذلك سمح لي برؤية ابني. كان أسامة جالساً على كرسيّ لا يقدر على الحراك، وكان رأسه ملفوفاً بشاش طبّي وفي وجهه جُرح. أبلغني عناصر الشرطة أنّهم سوف يقتادونه إلى المعتقل في "عتصيون".
إبراهيم سلهب (16 عاماً) هو ابن محمد ونداء وشقيق أنس، وقد أدلى بإفادته في يوم الحادثة فقال:
إبراهيم سلهب في المستشفى. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.
أيقظتني طرقات قويّة على باب منزلنا فنهضت مسرعاً واتّجهت نحو الباب. رأيت والدي يفتح الباب وعدد من الجنود يدخلون وهُم يسألونه عن أخي الكبير أنس. عندما رآني الجنود اقتادوني إلى المخزن في الطابق الأرضيّ من منزلنا. خلال لحظات جلبوا أيضاً عمّي محمد وأولاده، ولاحقاً جلبوا أيضاً عمّي أحمد وأولاده وأفراداً آخرين من العائلة.
أمرني الضابط أن أجلس على الأرض ولكنّني لم أطعه فوراً. سألته لماذا عليّ عن أجلس على الأرض فانقضّ عليّ هو وعشرة جنود وانهالوا عليّ ركلاً وضرباً بأيديهم وبنادقهم ثمّ رموني أرضاً. كنت أصرخ طوال الوقت وأطالبهم أن يتوقّفوا عن ضربي وأسألهم ما الذي فعلته لهُم. كانوا يجيبونني فقط بقولهم "اخرس" ويواصلون ضربي. حاول عمّي محمد أن يخلّصني من بين أيديهم فدفعوه وأجلسوه على الأرض. بعد أن توقّفوا عن ضربي وضرب عمّي انتقل الضابط والجنود إلى ابن عمّي أسامة وهجموا عليه. أوقعوه أرضاً ثمّ جرّوه إلى إحدى زوايا المخزن وفي أثناء ذلك وقع عليه حوض أسماك كان على طاولة صغيرة. غطّى الدّم رأس أسامة ووجهه وظلّ بلا حراك.
جميع من في المخزن أخذوا يصرخون واندلع شجار بالأيدي بين أعمامي والجنود. سحب الجنود أسامة إلى الخارج وخرج معهم عمّي أحمد ومن بعده خرج بقيّة الجنود كلّهم. حين عاد عمّي أحمد قال لنا إنّه تمّ نقل أسامة في سيّارة إسعاف إسرائيليّة إلى مستشفى "سوروكا". كنت منهكاً وكلّ موضع في جسمي يؤلمني من كثرة الضرب. رأيت عمّي محمد يجلس على الأرض ولا يقدر على النهوض. عندئذٍ تنبّهت إلى أنّ الجنود قد اعتقلوا أخي أنس.
جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان وتمّ نقلي فيهما مع ابن عمّي أمجد وعمّي محمد إلى مستشفى عالية الحكوميّ في الخليل. في قسم الطوارئ التقيت أيضاً ابنتي عمّي مريم وأسماء وكانتا تعانيان من صدمة هلع. أجريت لي فحوصات وصور أشعّة وكانت كدمات ظاهرة في كلّ أنحاء جسمي. عدت إلى المنزل وتوجّهت مباشرة إلى سريري. أخي أسامة تلقى العلاج في مستشفى سوروكا ثمّ اقتيد إلى محطّة الشرطة في "كريات أربع" ومن هناك إلى معتقل "عتصيون". أمّا أخي أنس فلا أعلم إلى أين أخذوه.
نسرين سلهب (12 عاماً) هي ابنة محمد وانتصار. في 27.12.21 أدلت نسرين بإفادتها قائلة:
الصورة
نسرين سلهب. تصوير منال الجعبري، بتسيلم، 27.12.21
في تلك اللّيلة كنت أشاهد مسلسلاً على شاشة التلفزيون وكانت أمّي وأخواتي نائمات. فجأة رأيت ضوء كشافات عبر نوافذنا. عندما اقتربت من النافذة رأيت عدداً كبيراً من الجنود حول المنزل. أيقظت والدتي وأسماء بسُرعة. خرجت والدتي من الغرفة وإذ بها تُفاجأ بخمسة جنود يُمسكون بشقيقيّ – نور الدّين (23 عاماً) وصلاح الدّين (19 عاماً). اقتادنا الجنود إلى مخزن عمّي محمود وكان هناك أعمامي وبعضاً من أولادهم. جميعهم كانوا يجلسون على الأرض والجنود يوجّهون أسلحتهم إليهم. أمرنا الجنود أن نجلس نحن أيضاً على الأرض ففعلنا ذلك. جلست قرب مريم ابنة عمّي وقد كانت تبكي.
رأيت جنوداً يجرّون أنس ابن عمّي إلى غرفة أخرى. سمعت صوته وأصوات الجنود وكأنّها جلبة ضرب. أخافتني كثيراً وحشيّة الجنود. عندما احتجّ إبراهيم ابن عمّي وقع جدال بينه وبين الجنود وفوراً أخذوا يضربونه. ثارت ثائرة الجميع وقد رأيت أسامة ابن عمّي يصرخ على الجنود ولم أفهم ماذا قال لهُم لأنّه تحدّث باللّغة العبرية. إثر ذلك نطحه أحد الجنود في جبينه ونشب شجار بين أسامة والجنديّ الذي انضمّ إليه عشرة جنود على الأقل وهاجموا أسامة. ضربوه بأعقاب بنادقهم ثمّ جرّوه فارتطم رأسه بحوض أسماك قديم وتحطّم الحوض فوقه. صرخت وبكيت وأنا أرتجف من الخوف. حاول والدي وأعمامي الدّفاع عن أسامة فهاجمهم الجنود وضربوهم. أنا ومريم وأسماء كنّا نبكي ونصرخ. أخرجنا الجنود من الغرفة وكذلك أخرجوا الأطفال والنساء. اقتادونا إلى منزل عمّي محمود في الطابق الثاني. من الصّرخات التي تناهت إلى مسامعنا فهمنا أنّ الجنود ما زالوا يُواصلون ضرب والدي وأعمامي.
كان عن باب المنزل خمسة جنود وقد منعونا من الخروج. أسماء كانت تبكي لدرجة أنّها لم تقدر على التنفّس. مريم أيضاً كانت تبكي طوال الوقت وأنا كنت أبكي وجمسي يرتجف من الخوف. بقينا على هذه الحال إلى أن غادر الجنود. رأيناهم من الشرفة يقتادون أنس وهو مكبّل اليدين، وشاهدنا نقل أسامة في سيّارة إسعاف إسرائيليّة.
بعد أن غادر الجنود نزلنا إلى المخزن فرأينا والدي ملقىً على الأرض يصرخ من الألم. على أرضيّة الغرفة كانت دماء وعلى الحائط أيضاً. جلست مع أسماء قرب والدي وأخذنا نبكي. جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان ونقل الطاقم والدي وإبراهيم ابن عمّي وأمجد ابن عمّي الآخر إلى المستشفى، ونقل أحد أقربائنا في سيّارته كلّاً من أسماء ومريم لأنّ أسماء كانت لا تقدر على التنفّس ومريم كانت تصرخ وتبكي دون توقّف.
كان الأمر مُرعباً. كان الجنود يتصرّفون بوحشيّة ودون رحمة. لا يمكنني أن أنسى ما شهدته في تلك اللّيلة. أصبحت أوقظ أمّي لترافقني إلى المرحاض لأنّني أخاف الذهاب وحدي في اللّيل خشية أن أجد فجأة جنوداً داخل منزلنا بعد أن دخلوا دون علمي.
الصورة
نقل محمود سلهب للعلاج. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
أدناه ما حدّث به أنس سهلب (24 عاماً) وهو ابن محمود ونداء – أدلى بإفادته في 20.1.22:
أدخلني الجنود إلى الغرفة الملاصقة للمخزن وكانوا طوال الوقت يطلبون منّي هاتفي وكنت أقول لهُم إنّه ليس لي هاتف خاصّ بي. كانوا يدفعونني ويضربونني بأيديهم وببنادقهم. سمعت صُراخ أفراد عائلتي يأتي من المخزن ولكن لم أعرف ما الذي يحدث هناك. بعد مضيّ نحو السّاعة أخرجوني واقتادوني إلى الجيب. في الطريق رأيت أسامة ابن عمّي ملقىً على الأرض في السّاحة قبالة المنزل وسمعت أبناء عمومتي يصرخون يطالبون بتقديم العلاج له. وأيضاً رأيت سيّارت إسعاف في الشارع.
أدخلني الجنود إلى الجيب وعصبوا عينيّ ثمّ سار الجيب متّجهاً إلى مستوطنة "بيت حجاي". في الطريق طلبت مسكّنًا لتخفيف الصّداع لكنّهم لم يعطوني شيئاً، لا ماء للشرب ولا طعام. بعد ذلك سار الجيب إلى مكان آخر ثمّ عاد إلى "بيت حجاي" وفي النهاية اتّجه إلى "عتصيون". وصلنا إلى هناك عند السّاعة 9:00-8:30 لكنّهم أبقوني في داخل الجيب حتى السّاعة 12:00 لم يأتوا خلالها بماء أو طعام ولم يسمحوا لي بالذهاب إلى المرحاض. بعد ذلك أدخلوني إلى غرفة التحقيق وكان هناك مركّز "الشاباك" ويُدعى تيسير. لم يوجّه إليّ أيّة تهمة لكنّه حذّرني من المشاركة في أنشطة حركة حماس. قلت له إنّ الجنود اقتحموا منزلنا وضربوني وأفراد عائلتي فقال إنّ الوحدة التي جاءت إلينا قليلة التجربة وجُنودها لا يعرفون كيف يتصرّفون مع الناس. بعد أقلّ من ساعة أخلوا سبيلي فانتظرت خارج "عتصيون"، وبعد أن أخلوا سبيل طلّاب جامعيّين آخرين كنت قد رأيتُهم في الدّاخل سافرنا معاً إلى الخليل ومن ثمّ كلّ إلى منزله.
كانت في كتفي وظهري كدمات وعانيت من آلام طوال عدّة أيّام.
نحو السّاعة 1:30 فجرَ يوم الثلاثاء الموافق 1.6.21، اقتحم عشرات الجنود ورجال "الشّاباك" منزل عائلة اشتيوي في كفر قدّوم. أيقظت القوّات بداية الشابّ بشّار اشتيوي (29 عاماً) حيث كان يبيت في شرفة المنزل في تلك اللّيلة، وبعد ذلك أيقظوا بقيّة أفراد الأسرة - الوالدة (رشيقة 63 عاماً) والأخوات والإخوة الأربعة الذين كانوا يبيتون في المنزل. عزل الجنود بشّار عن بقيّة أفراد أسرته وحقّقوا معه وسط استخدام العُنف حيث ضربوه مرّات ومرّات، وهو بالكاد مستيقظ من نومه. بعد إجراء تفتيش في جميع أرجاء المنزل استمرّ مدّة ساعة ونصف السّاعة اقتاد الجنود بشّار إلى منزل ابن عمّه عبد الله، وهو يقيم مع والدته في منزل مجاور وهناك أيضاً فتّشوا المنزل وهُم يلقون بأغراض الأسرة أرضاً. خلال التفتيش حقّق الجنود مع بشّار مرّة أخرى في غرفة الضيوف. بعد مضيّ نحو نصف السّاعة اقتادوه مسافة تقارب 400 متر إلى منزل أخيه حكمت (47 عاماً) وهو أب لخمسة. قبل ذلك كان جنود آخرون قد اقتحموا منزل حكمت، وحين دخل الجنود ومعهم بشّار كان التفتيش والتحقيق مع أخيه في ذروتهما: كانت الأغراض ملقاة أرضاً وأثالث الصّالون مقلوب. أدخل الجنود حكمت وزوجته إيمان وأطفالهما الثلاثة إلى غرفة نوم الوالدين وأدخلوا ولديهما طارق (17 عاماً) ومالك (16 عاماً) كلّاً إلى غرفة بعد تكبيله. بعد ذلك أدخل الجنود بشّار إلى الغرفة التي يُحتجز فيها مالك وفي هذا الوقت كان جنود آخرون يحقّقون مع طارق ويضربونه. نحو السّاعة 4:30 فجراً أخذ الجنود بشّار وغادروا القرية. في الصّباح اقتيد بشّار إلى التحقيق في محطّة الشرطة في مستوطنة "أريئيل" ثمّ اعتُقل طوال أسبوعين قبل إخلاء سبيله. في 30.6.21 عاد جنود إلى قرية كفر قدّوم واعتقلوا بشّارة مرّة أخرى، ومعه في هذه المرّة شقيقه محمد أُفرج عن بشار في 9.8.21 وذلك بعد أن أدين في إطار صفقة ادعاء بإلقاء أغراض نحو أشخاص، وحُكم عليه بمدة اعتقال كان قد أنهاها أثناء احتجازه وكذلك مخالفة قدرها ألف شيكل. أخوه ما زال محتجزا. الاقتحامات اللّيليّة لمنازل الفلسطينيّين أصبحت منذ زمن طويل جزءاً من روتين التّرهيب الذي يديره نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة، حيث يدهم جنوده المنازل في دُجى اللّيل ويُفزعون سكّانها من نومهم - بمن فيهم الأطفال والرضع؛ يقتحمون على الناس غرف نومهم؛ يعبثون بأغراضهم الشخصيّة؛ وأحياناً لا يتورّعون عن ضربهم أو ضرب بعضهم؛ ثمّ يغادرون وقد أعاثوا الفوضى ودبّوا الرّعب والصّدمة في قلوبهم. هذه الاقتحامات التي تستبيح الحيّز الذي يُفترض أنّه الأكثر أمناً للإنسان وهو بيته ما هي إلّا وجه واحد من أوجُه تعامُل الدّولة مع الفلسطينيّين كرعايا مجرّدين من الحقوق. ضمن التحقيق الذي أجرته بتسيلم في الاقتحام المذكور استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي إلى إفادات عدد من شهود العيان، نوردها في ما يلي: في إفادته وصف بشّار اشتيوي (29 عاماً) ما حدث في تلك اللّيلة: في 1.6.21 نمت في شرفة منزلنا في الطابق الثاني. نحو السّاعة 1:30 استيقظت لأجد نفسي محاطاً بجنود يقفون حولي. أخذ الجنود يركلونني ويضربونني. سمعت جنديّاً يقول: ها هو بشّار هنا، ها هو بشّار هنا. رفعني أحد الجنود بعُنف ودفعني إلى داخل المنزل ثمّ أخذ فوراً يسألني ما إذا كان لديّ سلاح. أجبته أنّه لا يوجد معي سلاح ورغم ذلك واصل يسألني أين أخبّئه. قلت له: يمكنك أن تفتّش المنزل وإذا وجدت سلاحاً فأنا أتحمّل المسؤوليّة. بعد مضيّ بضع دقائق أنزلني الجنود إلى شقّة في الطابق الأوّل وكبّلوا يديّ. أتحدّث عن شقّة فارغة وهي معدّة ليسكن فيها أخي محمد. الجنديّ الذي حقّق معي، أو ربّما هو ضابط، رأى في الشقّة عصاً كانت للمرحوم والدي. تناول العصا وأخذ يضربني بها وهو يشتمني ويتفوّه ببذاءات مُخجلة ويواصل سؤالي أين أخبّئ السّلاح. في هذه الأثناء كان جنود آخرون يفتّشون كلّ مكان في المنزل في الطابقين ويفحصون الحيطان بواسطة أجهزة خاصّة. بعد مضيّ نحو ساعة ونصف السّاعة قال لي أحد الجنود أنّه سوف يأخذني إلى منزل ابن عمّي، عبد الله اشتيوي. منزله ملاصق لمنزلنا. عندما وصلنا إلى هناك أجلسني الجنود في غرفة الضيوف وفتّشوا كلّ أنحاء المنزل. بعد مضيّ نصف السّاعة اقتادوني وأنا لا أزال مكبّل اليدين إلى منزل أخي حكمت ويبعد مسافة 400 متر عن منزلنا، وفي الطريق كان الجنود يدفعونني طوال الوقت. عندما دخلنا إلى منزل حكمت رأيت جنوداً منهمكين في تفتيش الصّالون. نظرت فوجدت أدوات المطبخ ملقاة على الأرض ومنثورة على الطاولات. رأيت أيضاً طارق ابن أخي ملقىً أرضاً في غرفة الضيوف مكبّل اليدين ومعصوب العينين. أدخلني الجنود إلى غرفة نوم أخي وهناك رأيت مالك ابنه الثاني. في هذا الوقت كانت زوجة أخي والأولاد الصّغار في غرفة الابنة شهد. تحدّثت مع مالك محاولاً أن أقوّي معنويّاته فصرخ عليّ الجنود وأمروني أن أصمت. في تلك اللّحظة دخل جنديّ آخر وقال لي "طارق يقول أنّك تملك سلاحاً". قلت له "لا يوجد معي سلاح، ثمّ إنّني لست بحاجة إلى سلاح" وعندئذٍ انقضّ عليّ الجنود وأشبعوني لكماً في الجزء العلويّ من جسدي. بعد مضيّ نصف السّاعة تقريباً أبلغني ضابط "الشاباك" أنّني معتقل. قال لي أنّني سوف أمضي في السّجن مدّة سنة أو سنة ونصف. أخرجني الجنود من المنزل ويداي مكبّلتان ثمّ اقتادوني سيراً على الأقدام إلى مستوطنة "كدوميم" التي تبعد مسافة كيلومتر واحد تقريباً. في "كدوميم" عصبوا عينيّ وأدخلوني إلى جيب عسكريّ أخذني إلى معسكر للجيش في "شفي شومرون". احتجزوني هناك حتى السّاعة 11:00 صباحاً ثمّ نقلوني إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "أريئيل" حيث حقّق معي محقّق حول حيازة سلاح ولكنّني قلت له أنّني لا أملك سلاحاً وأنّ الجنود قد فتّشوا المنزل ولم يعثروا على شيء. بعد أن انتهى التحقيق، عند العصر، أخذوني إلى المعتقل. وبعد أسبوعين في 15.6.21 أخلوا سبيلي. أدناه تحدّث امتثال اشتيوي (58 عاماً)، أرملة عمّ بشّار عن اقتحام الجنود لمنزلها: في يوم الثلاثاء، نحو السّاعة 3:00 فجراً، أيقظني رنين الهاتف وكان المتّصلون من منزل سلفي. قالوا لنا أنّ جنوداً اقتحموا منزلهم وجزء منهم في السّاحة المشتركة بيننا وبينهم. فوراً وضعت غطاءً على رأسي وجلست في الصّالون مع ابني عبد الله ونحن نتوقّع أن يأتي الجنود إلى منزلنا. بعد مضيّ نصف السّاعة جاء سبعة أو ثمانية جنود. طرقوا الباب وقام عبد الله وفتح لهم. عندما دخلوا كانوا يقتادون بشّار ابن سلفي وأدخلوه إلى غرفة الضيوف. طلبوا من عبد الله بطاقة هُويّته ثمّ أمرونا أن نجلس في الصّالون. دخل بعض الجنود إلى غرفة نومي وأجروا تفتيشاً، وفي هذا الوقت كنت أسمع الجنود يصرخون على بشّار ويهدّدونه. كانوا يسألونه عن سلاح وموادّ تحريضيّة. بعد نصف ساعة خرج الجنود من المنزل وأخذوا معهم بشّار مخلّفين وراءهم فوضى عارمة. في غرفة النّوم كانت الأغراض والملابس مُلقاة على الأرض فبدأت فوراً بإعادة ترتيب كلّ شيء. أدناه تحدّث إيمان اشتيوي (44 عاماً) عن اقتحام الجنود لمنزلها، وهي زوجة حكمت اشتيوي شقيق بشّار: في تلك اللّيلة كنّا جميعنا في المنزل، نائمين - أنا وزوجي (حكمت) وأولادنا الخمسة - طارق (17 عاماً) ومالك (16 عاماً) وشهد (13 عاماً) ومحمود (11 عاماً) ومحمد (9 سنوات). عند السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل استيقظت من نومي فزعة على صوت صُراخ وضربات شاكوش على باب المنزل. قال لي حكمت "هؤلاء جنود". قمت فوراً واستبدلت ملابسي ثمّ ركضت إلى حيث ينام أولادي فوجدتهم مستيقظين وخائفين جدّاً. تقدّم زوجي نحو باب المنزل وهو يقول للجنود أنّه قادم ليفتح لُهم الباب ويطلب منهم أن يتوقّفوا عن الطرْق. لكنّهم استمرّوا في الطرْق والصّراخ حتى فتح لهُم. عندما دخلوا كنّا جميعاً واقفين قبالة المدخل وكان أولادي الصّغار يبكون وهُم في غاية الذّعر. احتضنتهم وحاولت أن أهدّئ من روعهم، وأنا نفسي كنت مرعوبة. أمرني الجنود أن أدخل وزوجي وأولادنا الثلاثة الصّغار إلى غرفة نوم ابنتنا شهد، وأبقوا عندهم ولدينا طارق ومالك. عندما كنت في الغرفة سمعت الجنود يصرخون عليهما، وسمعت طارق يقول لهُم: لا يوجد في حوزتنا مواد تحريضيّة ولا سلاح. وممّا جاء في إفادة طارق اشتيوي (17 عاماً)، وهو ابن أخي بشّار: أبقاني الجنود في الصّالون. كبّلوا يديّ إلى الخلف وعصبوا عينيّ بقطعة قماش وبعد ذلك مباشرة دفعوا بي أرضاً بعُنف وشدّة ثمّ داسوا بأرجلهم كلّ جسدي وحتى رأسي. ضربوني وسألوني هل يوجد سلاح في المنزل. أجبتهم أنّه لا وجد سلاح وأنّنا لسنا بحاجة إلى سلاح. أحد الجنود سألني أيضاً ما إذا كنت أشارك في المسيرة الأسبوعيّة في القرية فقلت له "كلّا". استمرّوا يدوسون جسدي ويضربونني طوال دقائق. بعد ذلك رفعني الجنود ونقلوني إلى غرفة الضّيوف حيث ألقى بي أحدهم بقوّة على الأرض وربض على بطني ثمّ أخذ يوجّه اللّكمات إلى صدري وكتفيّ ورأسي وهو يطالبني أن أعترف بوجود سلاح لدينا وأنّنا نشارك في المسيرة الأسبوعيّة. بعد ذلك قال لي هذا الجنديّ الذي هاجمني أنّهم سيجلبون عمّي بشّار. كان الجنود يصرخون وقد سمعته يجيب على أسئلتهم ويقول أنّه لا يوجد لديه سلاح من أيّ نوع كان. أدناه تحدّث والدة بشّار، رشيقة اشتيوي (68 عاماً) عن اعتقال ولديها في نهاية الشهر: يوم 29.6.21، نحو السّاعة 11:00 ليلاً، وقعت فكُسرت يدي اليمنى. أخذني ولداي عقل وصامد إلى المستشفى في قلقيلية حيث تلقّيت العلاج وعُدنا إلى المنزل نحو السّاعة 2:00. عندما وصلنا إلى المنزل ذهب عقل لينام في منزله مع زوجته وأولاده. وصامد الذي يسكن عندي ذهب أيضاً ونام مباشرة. عند السّاعة 3:00 تقريباً كنّا مستيقظات أنا وبناتي، وفجأة سمعنا طرقاً عنيفاً وقويّاً على باب المنزل فأدركنا أنّهم جنود. قامت حنان بسُرعة وفتحت الباب لكي لا يكسره الجنود. في تلك اللّحظة اندفع إلى داخل المنزل سبعة أو ثمانية جنود وفوراً أيقظوا ولديّ سامر وبشّار. سمعت أحد الجنود يطلب منهما هاتفيهما وسمعت بشّار يقول للجنديّ أنّ هاتفه مصادَر منذ ان اعُتقل في بداية الشهر ولم يعيدوه له. أجرى الجنود تفتيشاً في كلّ أرجاء المنزل فيما كنت أنا وبناتي في غرفة النوم. أولادي أخذهم الجنود إلى غرف أخرى. لم أرهم ولكن سمعت الجنود يصرخون عليهم. بعد مضيّ خمس أو عشر دقائق سمعت الجنود يتحدّثون مع محمد الذي كان يبيت في تلك اللّيلة في الطابق الأوّل. سمعت احد الجود يطلب من محمد أن يناوله هاتفه ومحمد يقول له أنّه لا يوجد معه هاتف. جلب الجنديّ محمد إلى الغرفة التي كنّا فيها وقال له: "لا شكّ أنّك تحبّ والدتك ولا ترضى أن يعبث الجنود في منزلها ويُتلفوا الأثاث". في تلك اللّحظة دخل جنديّان آخران ومعهُما هاتف محمد. طلب أحدهما من محمد أن يفتح قفل الهاتف لكي يفتّش فيه لكنّ محمد قال له أنّ الهاتف ممتلكات شخصيّة وعليه أن يحترم خصوصيّته. عندئذٍ أخرج الجنود محمد من الغرفة ثمّ سمعت صُراخ محمد ويشّار كأنّما تحت وقْع ضربات الجنود. بعد مضيّ ساعة تقريباً غادر الجنود وأخذوا معهم محمد وبشّار. بعد أن غادروا تفقّدنا المنزل فوجدنا أنّهم مزّقوا تنجيد الأثاث وكسروا خشب خمسة أبواب.
قرابة الثامنة من صباح الأحد الموافق 29.11.20 اقتحم جيبان عسكريان مخيم العروب للاجئين. رشق فتيان وشبان الجنود بالحجارة الذين ألقوا نحوهم قنابل الصوت والغاز. كانت مستوطنتان قد أصيبتا قبلئذ إصابات طفيفة جراء رشق حجارة عندما كانتا تسافران في سيارة في شارع قريب من المخيم. كان أحد الجيبين يلاحق الشبان فأصاب محمد مقبل (16 عاما) فوقع ثم نهض واستمر في الركض حتى أمسكه الجنود فضربه أحدهم على فكه فوقع ثانية. ركله جندي آخر على جميع أنحاء جسده عندما كان ملقى على الأرض فقيد الجنود يديه ووضعوه في الجيب وقد استمر أحد الجنود في ضربه في الطريق. أُخذ محمد مقبل وفتيان آخرون ممن اعتقلوا في المخيم في اليوم نفسه إلى مركز شرطة "عتسيون" وقد انتظروا هناك ساعات طويلة وكانوا يحققون معهم على نحو متقطع. تم التحقيق مع مقبل في إطار انتهاك حقوقه الأساسية وفي نهايته جعلوه يوقع على وثيقة باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمها. في نهاية التحقيق نقل الجنود الفتية إلى المطبخ وقال لهم أحدهم إن بإمكانهم المبيت على الأرض ولم يعطوا طعاما وشرابا طيلة هذه الساعات. في الثالثة فجرا أخذ الجنود محمد مقبل إلى مستشفى "هداسا عين كارم" في القدس وهناك قيدوه بالسرير ووقف جنود في باب الغرفة ومنعوا والده في البداية من الدخول إليها. بعد يومين أجريت له عملية جراحية في الفك وفي مساء اليوم التالي الموافق 4.12.20 نُقل إلى سجن "مجيدو". قدم الادعاء العسكري ضده لائحة اتهام في 6.12.20 تحوي بندين إذ تطرق الأول إلى إلقاء زجاجة حارقة في آذار 2020 والثاني لإلقاء حجارة في يوم اعتقاله. طالب الادعاء اعتقال مقبل حتى انتهاء الإجراءات ولكن القاضي رفض ذلك. رُفض كذلك استئناف الادعاء وأُطلق سراحه في 25.12.20 بعد إيداعه كفالة قدرها 3,000 شيكل. في 8.3.21 أدين محمد مقبل في إطار صفقة ادعاء وحُكم عليه بالسجن مدة 26 يوما وذلك بعدما شُطب البند الأول من لائحة الاتهام وهي المدة التي قضاها في السجن كما حُوّل مبلغ الكفالة إلى غرامة. ليست حالة محمد مقبل استثنائية وهي تعكس روتين الحياة العنيف الذي يفرضه الاحتلال على الفتية في الضفة الغربية. تعتقل إسرائيل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم بدءا باعتقالهم مرورا بالتحقيق معهم وفي النهاية الإجراءات القضائية في المحاكم العسكرية للشبيبة. صحيح بأن إسرائيل تتفاخر بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أن هذا أمر شكلي هدفه الحقيقي إضفاء الشرعية على الأضرار الجسيمة التي تلحقها بالقاصرين. تحدّث محمد مقبل عن اعتقاله والفترة التي قضاها في السجن وقوامها 26 يوما في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش: كنت أركض بسرعة فصدم أحد الجيبات العسكرية كتفي ثم وقعت ونهضت وأكملت الركض. دخلت إلى منزل كان بابه مفتوحا وكانت ثلاثة جنود يلاحقونني فأمسكني أحدهم وضربني على فكي من اليسار. تألمت كثيرا إلى درجة أنني سقطت أرضا. هاجمني جندي آخر وشرع يركلني في كافة أنحاء جسدي. كان فمي ينزف. نهضت فأخذوني إلى الشارع وقيدوا يديّ من الخلف وأجلسوني أمام دكان مغلق. بعد عدة دقائق وضعوني في الجيب وعصبوا عينيّ. جلست على أرضية الجيب الذي كان فيه أربعة جنود وضربني أحدهم وركلني وبصق عليّ عدة مرات. سار الجيب قرابة 500 مترا وتوقف في مدخل المخيم بالقرب من البوابة فأنزلني الجنود هناك بجوار البوابة الكهربائية ورأيت من تحت عصبة العينين أربعة معتقلين آخرين ممكن اعتقلهم الجنود سابقا كانوا يقفون في المدخل. دنا مني شخص بلباس عسكري وقال لي إنه الكابتن "كرم". كنت قد سمعت عنه وأعلم أنه ضابط الشاباك المسؤول عن مخيمنا. ضربني على وجهي بمؤخرة بندقيته. لقد أزال عصبة عيني وصورني وكذلك بقية المعتقلين ثم بعد خمس دقائق تقريبا أخذونا جميعا في مركبة عسكرية كبيرة إلى مستوطنة "كرمي تسور". تركونا هناك في الساحة نحو عشرين دقيقة. كان فكي ينزف ويؤلمني بشدة. عندها وضعونا في مركبة عسكرية أخرى ونقلونا إلى مركز شرطة "عتسيون". وصلنا إلى هناك في ساعات الظهر وأنزلنا الجنود إلى الساحة ثم في ساعات ما بعد الظهر بدأوا بالتحقيق معنا واحدا تلو الآخر وقد كنت أنا الثالث. قبل التحقيق كلمني محام وقال إن لي الحق بالتزام الصمت وقال لي لا تخف. حقق معي محقق يدعى يوسف وقد اتهمني بإلقاء زجاجة حارقة على حافة إسرائيلية قبل عدة شهور وكذلك برشق مركبات عسكرية بالحجارة. أنكرت التهمتين وبعد 10 دقائق أخرجني المحقق إلى الساحة فتركوني هناك حتى المساء. أعادوني بعدئذ إلى غرفة التحقيق وحقق معي محقق واحد. لقد صرخ بي وقال إنني أكذب وصار يسألني "هل الجنود وأهالي المخيم الذين رأوك تفعل هذا يكذبون وأنت وحدك الصادق؟". استمريت بالإنكار وسجل المحقق ما قلته وأمرني بالتوقيع على إفادتي وقد قال إنني أوقع على ما قلتُه فوقعت وأخذوا بصماتي وصوروني. قرابة الساعة 21:00 وبعد أن انتهوا من التحقيق مع المعتقلين الأربعة الآخرين أخذنا الجنود إلى مكان مقابل الساحة يبدو كمطبخ فقال أحدهم إن بإمكاننا المبيت على الأرض. جاء في ذلك الوقت طبيب عسكري وأجرى لنا فحص الكورونا وسألنا إن كنا نعاني من أمراض. جلسنا على أرضية المطبخ قرابة ست ساعات ولم يوفروا لنا الأكل والشراب كما لم نتمكن من النوم. كان فكي يؤلمني بشدة. كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طيلة هذا الوقت وكان الوقت يمر ببطء شديد. نحو الثالثة فجرا أخرجني الجنود من المطبخ حيث كانوا قد أخرجوا الآخرين قبلئذ. أخذوني بسيارة صغيرة يرافقني أربعة جنود وجلست في المقعد الخلفي بين اثنين منهم وسافرت السيارة إلى مستشفى "هداسا عين كارم" وقد عرفت ذلك من اللافتة في المدخل. وصلت إلى هناك قرابة الرابعة وأجروا لي هناك فحص الكورونا ثانية ثم أعطوني مسكنات للآلام. رافقني جنديان وكان أحدهما من هاجمني عند الاعتقال. أدخلوني إلى غرفة وقيد أحد الجنديين يدي اليسرى بالسرير. لم أستطع النوم من شدة الألم. في المساء أخذوني لإجراء صور أشعة ثم أعادوني إلى الغرفة التي كان فيها مريض من القدس فقال لي إنه سمع الأطباء يقولون بأنهم سيجرون لي عملية جراحية. جاء والدي بعد الغروب وحاول الدخول إلى الغرفة. لقد نادى عليّ وسألني عن حالي فطرده الجنديان. حاول والدي مرات عدة أن يصل إلى باب الغرفة ليطمئن علي ويقول لي ألّا أقلق. بعد ظهر اليوم التالي الموافق الثلاثاء نقلوني إلى غرفة أخرى وبدلوا الجنديين. سمح الجنود الجدد لوالدي بالدخول إلى الغرفة لبضع دقائق والتحدث إليّ حيث أخبرني بأنه وقع على تصريح بإجراء عملية جراحية لي وقال إنها ستجرى يوم الأربعاء. أخذوني يوم الأربعاء إلى غرفة العمليات وقد بدأت العملية قرابة الساعة 12:00 واستمرت نحو 4 ساعات أعادوني بعدها إلى الغرفة. علمت بأن الأطباء قد ثبتوا فكي من الجهة اليسرى مما منعني من مضغ الطعام وتحريك فكي. قرابة الثامنة مساء يوم الخميس أخذوني بمركبة لنقل المعتقلين إلى سجن "مجيدو" وقد كانت يداي ورجلاي مقيدة. في السجن أدخلوني إلى غرفة مكثت فيها لوحدي أربعة أيام ثم نقلوني إلى غرفة أخرى فيها خمسة معتقلين قاصرين. بقيت في سجن "مجيدو" 18 يوما. كنت أحصل على الحساء ومسكنات الآلام وقد حضرت في هذه المدة ثلاث جلسات للمحكمة عبر الفيديو وقد كان المحامي يمثلني. نقلوني لاحقا إلى سجن "عوفر" وهناك أجريت الجلسة الأخيرة في 24.12.20 والتي حضرتها عبر الفيديو أيضا. استمرت الجلسة مدة فاقت نصف الساعة وسألني القاضي عما أنوي فعله عندما أعود إلى المنزل فأجبته بأنني أود العودة إلى المدرسة. لم أفهم كثيرا مما قاله المترجم بسبب مشاكل تقنية في الإرسال ولم أفهم ماذا قرر القاضي. أعادوني إلى غرفة في "عوفر" وبقيت هناك في الليل. في صباح يوم الجمعة أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي وعندما فعلوا علمت بأنني خرجت مقابل كفالة قدرها 3,000 شيكل. في نفس اليوم الموافق 25.12.20 قبيل الظهر أخذني جيب عسكري إلى حاجز الجيب وكان والدي ينتظرني هناك بسيارة صديقه وذهبنا إلى المنزل. لا أستطيع حتى الآن الأكل بشكل اعتيادي وأتناول السوائل فقط وقال لي طبيب في مستشفى في الخليل إنني أحتاج أسبوعين على الأقل لنزع المثبت المعدني من فكّي. منير مقبل والد محمد (47 عاما) وهو والد لستة أبناء أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 6.12.20 عندما كان محمد ما يزال معتقلا: في ساعات الظهر من اليوم التالي للاعتقال اتصلوا بي من مستشفى "هداسا" وطلبوا مني الذهاب إلى هناك للتوقيع على تصريح لإجراء عملية جراحية لابني محمد. لقد أرسلوا لي دعوة أرسلتها إلى مكتب التنسيق والإرتباط وفي الخامسة تلقيت تصريح دخول. ذهبت رأسا إلى مستشفى "هداسا" وصعدت إلى الطابق السابع ورأيت محمد في إحدى الغرف وحاولت الدخول إليه لكن الجنديين الذين كانا في الغرفة منعاني. وقفت في مدخل الغرفة وسألت محمد عن حاله فقال إنه بخير. حاولت مرارا دخول الغرفة لكن الجنديين لم يسمحا لي بذلك. تمكنت من تصوير محمد والذي كان مقيدا بالسرير. بقيت طيلة الليلة في الرِواق وحاولت أن أغفو على أحد الكراسي هناك لكني لم أستطع. في يوم الثلاثاء نقلوه إلى غرفة أخرى وقد استبدل الجنديين الذين كانا هناك جنديان آخران. سمح لي أحد الجنديين الجديدين بالدخول إلى الغرفة والتحدث معه لبضع دقائق كما تمكنت كذلك من تصويره. كانت يده اليسرى مقيدة بالسرير وقد علمت من أحد المرضى في الغرفة بأن العملية الجراحية ستُجرى في يوم الأربعاء. قرابة الساعة 12:00 من يوم الأربعاء أخذوه إلى غرفة العمليات وقد استمرت العملية 4 ساعات أعادوه بعدها إلى الغرفة وتمكنت من التحدث معه لمدة ربع الساعة تقريبا. شرح لي الأطباء بأنهم وضعوا له مثبتا معدنيا على الفك ولذلك سيكون من الصعب عليه تناول الطعام لمدة طويلة. توقعت أن يظل محمد في المستشفى لاستكمال العلاج لكنني تفاجأت في اليوم التالي أي يوم الخميس في ساعات المساء أن الجنود نقلوه إلى سجن "مجيدو". عدت إلى البيت وقد بقت على اطلاع بالمجريات بواسطة محامي الهيئة الدولية للدفاع عن الطفل. أنا وأمه قلقان جدا لأنهم أعادوه إلى السجن بعد العملية الجراحية مباشرة.
في ساعات الفجر من يومي 25.6.20 و-7.7.20 اقتحم عشرات الجنود منزلين لعائلة أبو هشهش في مخيّم الفوّار للّاجئين بحجّة البحث عن ثلاثة مطلوبين من أفراد العائلة. دخل الجنود إلى المنازل بدون كمّامات واقية. في المنزل الأوّل ضربوا ثلاثة من أفراد الأسرة وفجّروا خزانة كهرباء في مصلحة تجاريّة لأحد أفرادها. في المنزل الثاني حرّضوا كلباً على ثلاثة من أفراد الأسرة وضربوا أحدهم. الجدير بالذكر أنّه لا توجد أيّة شبهة ضدّ الأسرتين نفسيهما ورغم ذلك اتّصل بهما فور انتهاء الاقتحامين شخص من "الشاباك" يطالب بتسليم المطلوبين ويتوعّد إحداهما بصريح العبارة أنّ الجنود سوف يعودون إلى المنزل ويجعلونه "ساحة حرب" إذا لم يسلّم المطلوبون أنفسهم. اقتحام الجيش لمنازل الفلسطينيّين في دُجى اللّيل وإفزاع الأسر من نومها بما في ذلك الأطفال الصّغار والرضّع أصبح منذ زمن بعيد جزءاً من الروتين الذي أنشأه ويديره نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة. هذه الاقتحامات - التي اشتملت في الحالة التي أمامنا على ممارسة العُنف ضدّ أفراد العائلة وترهيبهم وإتلاف ممتلكاتهم - تحدث دون أن يحتاج الجنود إلى أوامر تفتيش أو حتّى تقديم أسباب أيّاً كانت. إنّه فقط مثال آخر على الطريقة التي يستغلّ بها الجيش قوّته حتى في أيّام الوباء العصيبة هذه حيث يعمّ الحجر الصحّي معظم مناطق الضفة الغربيّة وحيث الخوف والقلق لدى السكّان أعلى من أيّ وقت آخر. أدناه وصف للأحداث وأقوال من إفادات سجّلها باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، الذي يصادف أنّه أحد أفراد العائلة الضحيّة: 20، اقتحام منزل سناء ويوسف أبو هشهش نحو الرّابعة من فجر يوم الخميس الموافق 25.6.20 اقتحم ما يقارب 30 جنديّاً مبنًى في وسط مخيّم الفوّار للّاجئين الواقع جنوب غرب الخليل تسكنه عائلة أبو هشهش. يقيم في المبنى سبعة إخوة أربعة منهم متزوّجون يقيمون هناك مع عائلاتهم، ويبلغ مجمل عدد سكّان المبنى 25 شخصاً بضمنهم 12 طفلاً. زعم الجنود أنّهم أتوا للقبض على اثنين من الإخوة - سري (41 عاماً) ومحمد (50 عاماً) وكلاهما كان غائباً عن المنزل في تلك اللّيلة. في البداية اقتحم الجنود منزلاً في الطابق الأرضيّ يسكنه يوسف أبو هشهش (46 عاماً) وزوجته سناء (41 عاماً). أمر الجنود الزوجين وابنتهما جود (8 سنوات) أن يدخلوا إلى غرفة الصّالون. لدى دخول الجنود المنزل فرّ ابناهما وهما ياسين (17 عاماً) وآدم (19 عاماً) فيما بقي الابن إسلام (12 عاماً) نائماً. ابنهما الرابع محمود (20 عاماً) كان يبيت في تلك اللّيلة لدى أعمامه في الطابق الأوّل. تولّى ثلاثة جنود حراسة أفراد الأسرة واقفين عند باب الغرفة شاهرين أسلحتهم فيما صعد بقيّة الجنود إلى الطابق الأوّل حيث يقيم ثلاثة من الإخوة العازبين. حين فتح يعقوب (33 عاماً) باب المنزل عاجله جنديّ بضربة بعقب البندقيّة على أنفه تسبّبت في كسره ثمّ اقتادوه إلى صالون الطابق الأرضيّ مع أخيه إبراهيم (42 عاماً) ومنعوا الأخير من ارتداء ملابس ملائمة. كذلك انتزع أحد الجنود محمد ابن يوسف وسناء من فراشه حيث كان يبيت في منزل أعمامه وجرّه من شعره إلى صالون الطابق الأرضيّ حيث منزل والديه. واصل الجنود إلى الطابق الثاني حيث يقيم ثلاثة إخوة متزوّجين كلّ مع أسرته. أحد المنازل كان خالياً في تلك اللّيلة. في المنزل الثاني سأل الجنود إياد أبو هشهش (54 عاماً) عن مكان شقيقيه سري ومحمد. وفي المنزل الثالث حين قال زياد (58 عاماً) إنّه لا يعرف أين شقيقاه ركله جنديّ وصفعه مرّتين ثمّ اقتاده الجنود بدوره إلى غرفة الصّالون نفسها في منزل سناء ويوسف أبو هشهش. بعد مضيّ نصف السّاعة أمر الجنود أفراد العائلة أن ينتقلوا إلى بيت الدّرج ثمّ فجّروا بموادّ متفجّرة خزانة كهرباء في ورشة حدادة في الطابق الأرضيّ يملكها يوسف أبو هشهش وغادروا. احتاج يعقوب أبو هشهش إلى عمليّة جراحيّة لمعالجة الكسر في أنفه وقد أجريت له في 29.6.20. فورَ خروج الجنود اتّصل بمنزل عائلة أبو هشهش مسؤول من "الشاباك" وتوعّدهم بأنّ الجنود سوف يعودون إليهم إذا لم يسلّم سري ومحمد أبو هشهش نفسيهما إلى الجيش. بعد ذلك وعلى مدار ثلاثة أيّام كان مسؤول "الشاباك" يتّصل بعدد من أفراد الأسرة عدّة مرّات ويكرّر التهديد والوعيد. في اليوم الثالث سلّم سري أبو هشهش نفسه في حاجز الفوّار حيث اعتُقل وخضع للتحقيق لدى "الشّاباك" ومن ثمّ صدر في حقّه أمر اعتقال إداريّ لمدّة ثلاثة أشهر. في الوقت الحاليّ يُمضي سري الاعتقال في سجن "عوفر". أدناه إفادة سناء أبو هشهش (41 عاماً) وهي متزوّجة وأمّ لخمسة أبناء - أدلت بها في 1.7.20 محدّثة عن أحداث ذلك اليوم: في يوم الخميس الموافق 25.6.20 قرب السّاعة 4:00 فجراً استيقظت مذعورة بسبب طرقات على باب المنزل. توجّه زوجي لكي يفتح الباب وفجأة اقتحم منزلنا عشرات الجنود. أحد الجنود وهو الضابط على الأرجح أمرنا أن ندخل غرفة الصّالون وقال للجنود أن يفتّشوا المنزل. أدركت أنّهم يبحثون عن سلفي سري وسلفي محمد اللّذان كانا غائبين عن المنزل في ذلك الوقت. دخلنا إلى الصّالون أنا وزوجي وابنتنا الصّغيرة جود ابنة الـ8 أعوام. فرّ اثنان من أبنائي وهما آدم (19 عاماً) وياسين (17 عاماً) من المنزل حين دخل الجنود فيما واصل ابني إسلام (12 عاماً) – نومه. أمّا ابني محمود (20 عاماً) فلم يبت في المنزل في تلك اللّيلة وإنّما في منزل أعمامه في الطابق الأوّل من البناية نفسها. كانت طفلتي جود خائفة جدّاً. لم يحدث من قبل أن اقتحم جنود منزلنا. كانت تبكي وتتمسّك بي بقوّة. بعد دقائق معدودة دخل سِلفي يعقوب إلى الصّالون. كان مصابًا في أنفه الذي بدا معوجّاً نحو اليمين. بعد عدة دقائق أخرى دخل سِلفي الثاني إبراهيم وكان حافياً وشبه عارٍ حيث ارتدى "بوكسر" فقط. خجلت عندما رأيته في هذه الحال وهو أيضاً شعر بالخجل. عند مدخل الصّالون كان يقف ثلاثة جنود وهُم يوجّهون سلاحهم نحونا. أحدهم قال لنا ممنوع القيام بأيّة حركة وممنوع الكلام. بعد بضع دقائق دخل إلى الصّالون سِلفي زياد ثمّ بعدَه بدقائق دخل ابني محمود. لاحقاً قال لي محمود إنّ الجنود دخلوا إلى الغرفة التي كان نائماً فيها وإنّ أحدهم لكمه ثمّ جرّه من شعره وظلّ يجرّه حتى جلبه إلى الصّالون. احتجزونا طوال نصف ساعة تقريباً ثمّ أمرونا بدخول بيت درج البناية والوقوف هناك. دخل بعض الجنود إلى حظيرة المواشي المجاورة للعمارة حيث توجد هناك أيضاً محددة زوجي. بعد دقائق عدّة سمعت انفجاراً ثمّ غادر الجنود البناية ونحن دخلنا المنزل بدورنا. كنت أهدّئ من روع طفلتي جود وأنا نفسي مصدومة. بعد ذلك توجّهنا إلى المحددة فوجدنا خزانة الكهرباء قد فجّرها الجنود. كانت هذه من أصعب التجارب التي عشتها في حياتي. من جهة صعوبة حبسي وطفلتي في غرفة وحرَجي أمام سِلفي وهو شبه عارٍ ومنظر الجنود وهم يشهرون أسلحتهم في وجوهنا طوال الوقت. ومن جهة ثانية كنت قلقة على ولديّ ياسين وآدم لأنّهما خارج المنزل وخفت أن يكون الجنود قد ضربوهما مثلما ضربوا يعقوب وربّما اعتقلوهما. خشيت أيضاً أن تقع مواجهة بين الجنود وإخوة زوجي فيطلق الجنود الرّصاص عندئذٍ. زوجي يوسف هو المعيل الوحيد للأسرة والآن سيتدهور وضعنا المادّي بعد أن فجّروا له خزانة الكهرباء في المحددة. لقد ألحقوا بالمحلّ أضراراً بآلاف الشواكل فضلًا عن أن العمل لديه ضعيف في الآونة الأخيرة بسبب الكورونا. لقد عاقبوني وعاقبوا أسرتي على أمرٍ لا علاقة لنا به. عاقبونا فقط لأنّنا نقيم في البناية نفسها. عن أحداث ذلك اليوم حدّث يعقوب أبو هشهش في إفادة أدلى بها في 26.6.20: تقريباً عند السّاعة 4:00 فجراً استيقظت على صوت جلبة في بيت درج البناية. فتحت باب غرفتي وإذ بجنديّ يضربني على أنفي بعقب بندقيّته. عندما خرجت من الغرفة شاهدت عدداً كبيراً من الجنود قد اقتحموا البناية وانتشروا داخلها. آلمني أنفي كثيراً وقبل أن أستوعب ما يجري جرّني جنديّان إلى الطابق الأرضي وأدخلوني إلى غرفة الصّالون في منزل أخي يوسف. كان في الغرفة يوسف وسناء زوجته وابنتهما الصغيرة. وقف ثلاثة جنود عند مدخل الغرفة موجّهين أسلحتهم إلينا. بعد دقائق معدودة جلبوا إلى الصالون أخي إبراهيم وكان شبه عارٍ لا يرتدي سوى "بوكسر" ثمّ بعد عدّة دقائق أخرى جلبوا أيضاً أخي زياد ثمّ محمود ابن أخي. وضعت يدي على أنفي وحاولت وقف النزيف وكنت أعاني ألماً شديداً. سناء كانت مذعورة وكذلك ابنتها. كانت الطفلة تمسك بأمّها وتبكي. بعد مضيّ نصف السّاعة تقريباً أخرجنا الجنود إلى بيت الدّرج ودخلوا إلى محددة أخي يوسف. سمعنا انفجاراً. بعد ذلك تبيّن لنا أنّهم قد فجّروا خزانة الكهرباء. قبل أن يغادر الجنود أمرونا أن نُبلغ أخوينا محمد وسَري أنّ عليهما تسليم نفسيهما. في الصّباح ذهبت إلى المستشفى الأهلي في الخليل حيث أجريت لي فحوصات وصور أشعّة تبيّن فيها أنّ هناك كسر في عظمة الأنف. قرّر الأطبّاء أنّني أحتاج عمليّة جراحيّة وتمّ تعيين الموعد في 29.6.20. أدناه إفادة زياد أبو هشهش عن أحداث ذلك اليوم، وهو متزوّج وأب لولدين - أدلى بها في 2.7.20: استيقظت على صوت طرقات قويّة على باب المنزل. فتحت الباب بسرعة وشاهدت أمامي أربعة جنود أخذوا يسألونني عن أخي سَري. قلت لهم إنّني كنت نائماً ولا أعرف أين هو. صفعني أحد الجنود وأخذ يكرر السؤال نفسه. أجبته بأنّني لا أعرف وعندها صفعني مرّة ثانية وركلني في بطني ثمّ أمرني أن أخرج من المنزل بسرعة. في ذلك الوقت لم تكن زوجتي والأولاد في المنزل إذ ذهبت لزيارة والديها. اقتادني الجنود إلى الطابق الأرضيّ وأدخلوني إلى غرفة الصّالون في منزل أخي يوسف وزوجته سناء. في الصّالون كانت أيضاً الطفلة جود ابنة يوسف وسناء وكان أخي يعقوب وقد لاحظت أنّه مصاب في أنفه وأخي إبراهيم الذي كان شبه عارٍ. بعد دقائق معدودة جلبوا أيضاً محمود ابن أخي إلى الصّالون. احتجزونا قرابة نصف السّاعة وفي هذه الأثناء فتّشوا منزل يوسف وحظيرة الأغنام ثمّ أمرونا بالوقوف في بيت الدّرج. بعد دقائق معدودة سمعت صوت انفجار من ناحية محددة يوسف. أتى الجنود يبحثون عن شقيقيّ محمد وسري ولم يكونا في المنزل. سري سلّم نفسه في حاجز الفوّار بعد ثلاثة أيّام تلقّينا خلالها عبر الهاتف تهديدات من مسؤول في "الشاباك" يُدعى نضال. توعّدنا هذا الشخص باقتحام المنزل ثانية وجعله ساحة حرب. 7.7.20، اقتحام منزل أريج وموسى جميل أبو هشهش: في الخامسة والنصف من صباح يوم الثلاثاء الموافق 7.7.20 اقتحم نحو 20 جنديّاً منزل موسى أبو هشهش (51 عاماً) وزوجته أريج (41 عاماً) وأبنائهما الخمسة المتراوحة أعمارهم بين 10 - 20 عاماً. تربط الزوجين قرابة بعيدة بالإخوة أبو هشهش المذكورين أعلاه. أتى الجنود ومعهم كلب وقالوا إنّهم أتوا بهدف اعتقال الابن محمد (19 عاماً) والذي لم يكن في المنزل حينذاك. صعد الجنود إلى الطابق الأوّل وخلعوا الباب الخارجي المؤدّي إلى صالون الاستقبال. في ذلك الوقت كان الابن أيسر (16 عاماً) يجلس في الصّالون فهجم الكلب عليه فوراً ثمّ تركه وخرج من الغرفة ثمّ عاد وانقضّ عليه ثانية. أمسك أيسر الكلب من رأسه وثبّته ومنعه من التحرّك لكنّ أحد الجنود صرخ عليه وأمره أن يترك الكلب. بعد ذلك أوقف أحد الجنود أيسر ووجهه نحو الحائط ويداه مرفوعتان للأعلى. بعض الجنود توجّهوا إلى بقيّة غرف المنزل. هجم الكلب على أريج ودفعها نحو الحائط ثمّ هاجم موسى الأب وأوقعه أرضاً. يُذكر أنّ الأب يعاني صعوبات في النطق والمشي. بعد ذلك هجم الكلب مرّة أخرى على الأب وهو ملقىً أرضاً. بعد أن نهض موسى وجلس على كرسيّ قبالة غرفة نومه أمره جنديّان بالجلوس في غرفة الصّالون وعندما رفض جرّه أحدهما من ذراعه واقتاده إلى الصّالون. بعد ذلك أمر الجنود بقيّة أفراد الأسرة أن يدخلوا غرفة الصّالون. اقتاد الضابط أيسر إلى إحدى غرف النوم وهناك سأله عن مكان أخيه محمد وكلّما أجاب أيسر أنّه لا يعرف كان الضابط يضربه. بعد مضيّ نصف السّاعة غادر الجنود المنزل ثمّ فوراً بعد ذلك اتّصل مسؤول من "الشاباك" بهاتف المنزل (الخطّ الأرضيّ) وتوعّد الأمّ قائلاً إنّ الجنود سوف يقتحمون المنزل ثانية في اليوم نفسه إذا لم يسلّم ابنها نفسه. نحو السّاعة 6:30 من صباح اليوم نفسه ذهب محمد إلى الحاجز وسلّم نفسه ومن هناك اقتيد إلى التحقيق في عسقلان ثمّ إلى منشأة "الشاباك" في المسكوبيّة ومن هناك إلى سجن "عوفر" حيث لا يزال موقوفاً حتى الآن. أدناه إفادة أيسر أبو هشهش حول أحداث ذلك اليوم - أدلى بها في 23.7.20: في ذلك الصّباح كنّا أنا وأخي محمد في الصّالون نلعب "ببجي" بواسطة الهاتف ثمّ طلب أحد أقاربنا من محمد أن يساعده في تفريغ حُمولة سولار في المحطة القريبة من منزلنا فذهب محمد واستبدلت أنا ملابسي استعداداً للنّوم. سمعت جلبة في بيت الدّرج فظننت أنّه محمد. خرجت لكي أفهم منه لماذا عاد بهذه السّرعة ولكنّني فوجئت بجنود يصعدون إلى الطابق الذي نسكنه. أغلقت الباب وجلست على الكنبة وتظاهرت بأنّني منشغل بالهاتف. بعد عدّة دقائق خلع الجنود الباب فانقض عليّ كلب بنّي للحظة ثمّ تركني وخرج من الغرفة ثمّ عاد وهاجمني ثانية. أمسكت بالكلب من رأسه وحاولت إبعاده عنّي وعندئذٍ صرخ عليّ أحد الجنود يأمرني بأن أترك الكلب. خرج الكلب من الغرفة فأمرني الجنديّ نفسه أن أقف ووجهي للحائط وأن أرفع يدي إلى الأعلى. سمعت والدتي تصرخ خارج الغرفة ولم أعرف ما الذي يجري في بقيّة أنحاء المنزل. شاهدت جنديّين أحدهما يُمسك بوالدي ويجرّه نحو الصّالون. بعد عدّة دقائق جلبوا والدتي إلى الصّالون ثمّ بعد دقائق معدودة أخرى جلبوا شقيقتي أثير (21 عاماً) وشقيقتي بتول وهي توأمي وأخي الصغير تميم البالغ من العمر عشر سنوات. كان الجنود يدخلون ويخرجون وقد سمعت جلبة تأتي من أنحاء المنزل. أحد الجنود وهو الضابط في اعتقادي وقف خلفي وصفعني ثلاث مرّات في مؤخرة عنقي. أخذ يسألني عن أخي محمد فأجيبه أنّني لا أعرف أين هو وعندئذٍ أمسكني من خدّيّ وقال لي إنّني أكذب. بعد ذلك تركني وتوجّه نحو والدي وسأله عن محمد لكنّ والدي لم يُجبه. قالت والدتي للضابط إنّه لا يمكن الاتّصال بمحمد في الوقت الحاليّ لأنّ هاتفه قد تعطّل. بعد ذلك أخرجني الضابط من الصّالون واقتادني إلى غرفة شقيقتي وصار يدفن وجهي في فرشة سريرها ويسألني مرّة أخرى عن محمد - أين هو وأين يخبّئ السّلاح وكلّما أجبته بأنّني لا أعلم كان يوجّه لكمة إلى ظهري. بعد أن تكرّر ذلك عدّة مرّات وواصلت أنا الإجابة بأنّني لا أعلم ضربني بعقب بندقيّته على ظهر من أعلى ثمّ رفعني عن السّرير وأعادني إلى غرفة الصّالون وهناك أمرني أن أقف ووجهي إلى الحائط. في هذه الأثناء فتّش الجنود المنزل. وقد سألوا والدتي عن الطابق الأرضيّ. خرج الجنود من الصّالون فظننت أنّهم غادروا المنزل. فتحت الباب لكي أتأكّد وعندئذٍ صرخ عليّ أحد الجنود يأمرني أن أغلق الباب. فورَ أن خرج الجنود حدّثت والدي ووالدتي وعمّي هاني الذي يقيم قربنا بما جرى في غرفة نوم شقيقتي. أدناه أقوال موسى جميل أبو هشهش حول أحداث ذلك اليوم - من إفادة أدلى بها في 23.7.20: استيقظت على صوت صراخ زوجتي وكانت تقف خارج غرفة نومنا. خرجت لأرى ما الأمر وقبل أن أستوعب ما يجري هجم عليّ كلب بنّي اللّون. أوقعني الكلب أرضاً ثمّ ركض نحو المرحاض وعاد يهاجمني مرّة أخرى وأنا ملقىً على الأرض. كنت مصدوماً لا أستوعب ما يحدث. فورَ أن نهضت وجلست على كرسيّ قبالة غرفة نومنا تقدّم منّي جنديّان وأمراني أن أتجه نحو الصّالون لكنّني تجاهلتهما. عندئذٍ جرّني أحدهما من ذراعي إلى الصّالون. سمعت زوجتي تصرخ وتقول لهم: "اتركوه إنّه مريض". حين دخلت إلى الصّالون شاهدت ابني أيسر يقف ووجه نحو الحائط ويداه إلى الأعلى. أجلسني الجنديّ على كرسيّ وبعد دقائق معدودة جلبوا أريج زوجتي إلى الصّالون وبعد ذلك جلبوا ابنتيّ أثير وبتول وابني تميم. شاهدت أحد الجنود وهو ضابط على ما أعتقد يصفع ابني أيسر على مؤخرة عنقه ويسأله أين محمد. حين كان أيسر يجيبه أنّه لا يعرف كان الضابط يُمسكه من طرفي خدّيه ويقول له إنّه يكذب. بعد ذلك أخذ الضابط يسألني عن محمد ويأمرني أن أتّصل به. تدخّلت زوجتي وقالت له إنّه لا يوجد هاتف مع محمد. سألني الضابط عن مرضي فلم أجبه. بعد ذلك رأيته يقتاد أيسر ويخرج به من الغرفة. بعد خمس دقائق تقريباً أعاده وأمره أن يقف مجدّداً ووجهه نحو الحائط ويداه نحو الأعلى. خرج الضابط من الغرفة وقبل ان يخرج أبقى جنديّاً لحراستنا فوقف هذا وهو يُشهر سلاحه نحونا. بعد مضيّ عدّة دقائق عاد الضابط وبقيّة الجنود إلى غرفة الصّالون وسألوا زوجتي ماذا يوجد في الطابق الأرضي ثمّ غادروا وأمرونا أن نبقى جالسين دون حراك. كان اقتحام منزلنا عنيفاً دون أيّ سبب. هجوم الكلب عليّ سبّب لي آلاماً في الذراع طوال أسبوع. أدناه أقوال أريج أبو هشهش - من إفادة أدلت بها في 23.7.20 نحو السّاعة 6:00 غادر الجنود ثمّ بعد ذلك بعشر دقائق تقريباً اتّصل شخص من "الشاباك" اسمه نضال وتحدّث معي بالعربيّة. قال لي إنّه يريد ابني محمد وإنّه يعلم أنّ محمد ليس مجرماً لكنّه مشتبه فيه بعدّة أمور وهو يريد أن يعاقبه بمقتضى القانون. قال إنّ على محمد أن يسلّم نفسه اليوم. لم أجبه بشيء. قال لي إنه سوف يُمهلني عشر دقائق للتفكير في الأمر ويعاود الاتّصال لكي يسمع ماذا قرّرت. بعد مضيّ عشر دقائق اتّصل ثانية فقلت له إنّ محمد سوف يسلّم نفسه. خفت إن لم يحدث ذلك أن يقتحم الجنود المنزل مرّة أخرى ويسبّبوا الذعر لكلّ أفراد الأسرة وخاصّة زوجي المريض. بعد وقت قصير وصل سِلفي هاني ورافق محمد إلى الحاجز الواقع عند مدخل المخيّم. سلّم محمد نفسه للجنود. علمت أنّهم في البداية أخذوه إلى سجن عسقلان ومن هناك إلى المسكوبيّة. وسوف يمثل أمام المحكمة في 16.7.20. هذا الاقتحام كان بالنسبة إليّ تجربة مرعبة لن أنساها طوال حياتي. أكثر ما ذُعرت حين انقضّ الكلب عليّ وعلى زوجي المريض وعلى ابني أيسر.