ديمقراطيّة على الطراز الإسرائيليّ
1 حزيران/يونيو 2015

مجموعة من النساء تصوت للانتخابات الكنيست في مستوطنة "ايتمار". تصوير: امير كوهين، رويتريز. 17/3/2015.
نُشر يوم أمس، وفي الصفحة الأولى لصحيفة نيويورك تايمز، مقالة كتبها مدير عام بتسيلم، حجاي إلعاد. قمنا بترجمة المضامين الرئيسة في المقالة، والتي أثارت موجة كبيرة من الردود:
الاحتلال يقترب حثيثًا صوب عامه الخمسين، واحتمال وضع حدّ له تحت سلطة الحكومة الجديدة ضعيف. وتشهد على ذلك أيضًا أقوال نتنياهو عشيّة الانتخابات، بأنّه في حال فوزه لن تقوم دولة فلسطينيّة. في الوقت نفسه، وإلى جانب القلق القائم بسبب مواصلة الغبن والظلم، فإنّ هذا الواقع يطرح فرصًا جديدة لا يجب التغاضي عنها: الحكومة الجديدة تطرح وضوحًا استثنائيًّا يزيد من جلاء الصورة ويساعد على تحدّي مسلكيّات إسرائيل في الأراضي المحتلّة، وعلى استمراريّة الاحتلال. ورُغم السنوات التي مضت واتّضاح نوايا إسرائيل بعيدة الأمد والمتعلّقة بالأراضي المحتلّة، تواصل الدولة التشبّث بتعريف الوضع من الناحية القانونيّة على أنّه "مؤقّت"، وذلك بغية سلب وانتهاك حقوق الفلسطينيّين. ولكن إذا لم يكن الاحتلال مؤقتًا، فماذا مع الحقّ الديمقراطيّ الأبسط والأوضح، الحقّ بالمشاركة في انتخاب المؤسّسات التي تتحكّم بحياتك؟
في آب 1970، بين مداولة مطروحة على جدول البحث تتعلّق بإصلاحات في الضرائب البلديّة العامّة وبين استعراض قدّمه وزير الرفاه يوسف بورج حول نشاطات وزارته، ناقشت الهيئة العامّة للكنيست التعديل رقم 2 على قانون الانتخابات للكنيست. وسعى مقترح التعديل للتأكيد مجدّدًا بأنّ الإسرائيليّين "الذين يعيشون في الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيليّ" يحقّ لهم التصويت للكنيست في أماكن سكنهم. ويأتي ذلك خلافًا للمبدأ القائل بأنّ التصويت للكنيست –باستثناء الدبلوماسيّين وما شابه- لا يجري إلّا داخل حدود الدولة. وبما أنّ "المناطق المُدارَة" لم تُضمّ إلى إسرائيل يومًا، فإنّها تقع خارج حدود الدولة. في المداولة التي جرت وقتها في الهيئة العامة للكنيست، ادّعى عضو الكنيست أوري أفنيري أنّ هذا التعديل غير ضروريّ لأنّه سيكون غير لازم بعد فترة وجيزة: فعشيّة النقاش في الهيئة العامّة اتخذت الحكومة والكنيست قرارًا "ذا دلالات تاريخيّة"، على حدّ قوله- بالاستجابة لمبادرة سلام أمريكيّة، "ومحصّلة هذا القرار هي –وهذا ما يأمله كلّ من صوّت لصالحه- القضاء على ما يُسمّى "المناطق المُدارة" خلال فترة وجيزة، سنة، سنة ونصف السنة، سنتين على الأكثر، وسيجري انسحاب الجيش الإسرائيليّ إلى حدود دولة إسرائيل."
وقد مرّ من وقتها أكثر من سنتيْن بكثير، ولا أقلّ من ذلك عدد "مبادرات السلام" التي أطلقتها الولايات المتحدة وغيرها، إلّا أنّ ما تقادم بالذات لم يكن القانون الذي صدّقته الكنيست قبل زهاء 45 عامًا، بل كون الانتخابات للكنيست –وفق ما تنصّ عليه أحكام قانون أساس: الكنيست- "عامّة، وقطريّة، ومباشرة، ومتكافئة، وسرّيّة ونسبيّة". صحيح أنّ طريقة الانتخابات الديمقراطيّة في إسرائيل حظيت بالكثير من التوصيفات، لكن كيف يمكن نعت انتخابات ما بأنّها "عامّة" في حين لا يستطيع ملايين الناس الخاضعون لسيطرة الدولة المستمرّة منذ نحو خمسين عامًا، المشاركة في انتخاب المؤسّسات التي تحكمهم؟
ومن الناحية الفعليّة، لم تجرِ في إسرائيل إلّا ستّ عمليّات انتخابيّة للدورات الستّ الأولى للكنيست كانتخابات "عامّة"، وذلك في الفترة التي كان يخضع فيها مواطنو الدولة الفلسطينيّون لنظام عسكريّ داخل الخطّ الأخضر، ومع ذلك كانوا يتمتّعون بحقّ التصويت. وحتّى التحذير الذي أطلقه نتنياهو يوم الانتخابات من "المصوّتين العرب الذين يتحرّكون بكميّات هائلة نحو الصناديق"، والمعتقد اللا ديمقراطيّ المقلق الذي يتضمنّه، يصغران أمام الوضع السائد في الأراضي المحتلّة. إسرائيل تمنع الفلسطينيّين سكان الأراضي المحتلّة من حقّ المشاركة في الانتخابات، بادّعاء أنّ الحديث يدور عن سكّان خاضعين للاحتلال، ولذلك فليس من المفترض بطبيعة الحال أن يصوّتوا لمؤسّسات قوّة الاحتلال. لكن هذه الأمور تكون مقبولة طالما كنّا نتحدّث عن وضعيّة مؤقتة. وفي حالتنا هذه، إذ يتواصل الاحتلال منذ زهاء نصف قرن، فإنّ ادّعاء الوضعيّة المؤقّتة قد فرغ من أيّ مضمون منذ وقت طويل. فهذا الواقع الذي نتحدّث عنه ليس واقعًا مؤقتًا.
تمنح اتفاقيّات أوسلو لسكان الأراضي المحتلّة –ظاهريًّا- حقّ انتخاب مؤسّسات السلطة الفلسطينيّة، إلّا أنّنا نتحدّث هنا عن حقّ محدود جدًّا. فالأمر لا ينحصر في أنّ سكان الأراضي المحتلة لم يمارسوا هذا الحقّ في السنوات العشرين الماضية إلّا مرّتيْن فقط، بل في أنّ صلاحيّات مؤسّسات السلطة مقلّصة جدًّا وهي متعلقة فعليًّا بإسرائيل بشكل كبير.
كانت انتخابات الكنيست السابعة (1969) الانتخابات الأولى التي سمحت فيها إسرائيل للمستوطنين بالتصويت في أماكن سكنهم، متجاهلة الفلسطينيّين سكّان المناطق ذاتها. وجرى ذلك استنادًا إلى أمر الساعة الذي سُنّ في الكنيست، قبل إدخال التعديل على قانون الانتخابات. وبعد تصديق التعديل رقم 2 على القانون أضحت هذه المسألة أمرًا روتينيًّا. وقد صوّت المستوطنون 14 مرّة في أماكن سكناهم للانتخابات للكنيست، وما زال العدّ جاريًا. وقد طرأ ارتفاع تدريجيّ على عدد المصوّتين الإسرائيليّين الذين يعيشون في أراض ليست معرّفة كإسرائيل، من بضع مئات إلى مئات الآلاف. وقد ظلّت مسألة واحدة ثابتة: ملايين الرعايا الذين لا يحقّ لهم المشاركة في الانتخابات، فيما يقوم جيرانهم مواطنو الدولة المحتلّة بتقرير مصير دولتهم، أسوة بتقرير مصير الرعايا معدومي الحقوق.
تسطع كذبة "وقتيّة" الاحتلال في كلّ مستوطنة وبؤرة استيطانيّة، ومن خلال كلّ عمليّة تسجيل في سجلّ السكّان الفلسطينيّ الذي تديره إسرائيل، ومن كلّ ثانية تضيع في الطريق إلى يوبيل الخمسين للاحتلال. لا يمكن التهرّب من مدلولات استثمارات إسرائيل بعيدة الأمد في الأراضي المحتلّة، ومن تأسيس البنية الماديّة والقضائيّة لسيطرة بعيدة المدى على الأراضي، من خلال سلب سكّانها بشكل متواصل: سرقة الأراضي، ومنع التطوير، واستخدام القوّة العسكريّة ضدّ المدنيّين بشكل دائم، والأجهزة القانونيّة المنفصلة، وبيروقراطيّة التصاريح التي تسيطر على جميع مناحي الحياة: تشييد البيت واستصلاح الأراضي والحياة الأُسريّة والإقامة والسفر إلى الخارج. ولكن من بين مجمل هذه المناحي قد يكون أكثرها إذلالاً ومهانة مسألة الانتخابات. فالقوة العسكريّة التي تمارسها إسرائيل على الفلسطينيّين هي نوع واحد من أنواع العنف؛ أمّا التجاهل الفوقيّ لملايين الرعايا من خلال التفاخر بـ "الاحتفاليّة الديمقراطيّة" فهو ببساطة عنف من نوع آخر.
لا يمكن لإسرائيل أن تواصل تباهيها بمظاهر الديمقراطيّة، من خلال عرض سيطرتها على الأراضي المحتلة وكأنها سيطرة "مؤقتة".