روتين العُنف

جنود اعتدوا على تامر تميمي البالغ من العمر 23 عامًا، مرّتين في نفس اليوم عند الحواجز، نكّلوا به وضربوه إلى أن فقد وعيه واحتاج إلى تلقّي العلاج في المستشفى

جنود يوقفون تامر تميمي ويجبرونه على الركوع على الأرض عند حاجز عطارة، 4.6.17.يوم الأحد، الموافق 4.6.17، عند حوالي الساعة 17:15، وصل تامر تميمي، سائق سيارة أجرة يبلغ من العمر 23 عامًا ومن سكّان قرية النبي صالح، إلى حاجز عطارة، وفي سيارته سبعة ركّاب أقلّهم من رام الله إلى النبي صالح وبيت ريما. عند الحاجز يوجد برج مراقبة معزز بشكل دائم بالجنود ونقاط تفتيش منصوبة على جانبي الشارع وتكون معززة احيانا. في ذلك اليوم تواجد في نقطة التفتيش الموجودة على الشارع المؤدي إلى النبي صالح ثلاثة جنود فحصوا السيارات العابرة من المكان. أمر الجنود التميمي بإيقاف السيارة والنزول منها مع اثنين من الركاب والجلوس على هامش الطريق. وقام الجنود بجمع بطاقات الهوية والهواتف من جميع الركاب. بعد ذلك، انتقل الجنود لفحص المركبات الأخرى التي وصلت إلى الحاجز.

في الإفادة التي قدّمها لباحث يتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في تاريخ 5.6.17، وصف التميمي ما حصل أثناء توقيفه عند الحاجز، وهو وصف تمّ تأكيده عبر الإفادة التي جمعتها منظمة بتسيلم من شاهد عيان. في إفادته روى التميمي قائلاً:

بعد حوالي ساعة أو ساعة ونصف حدث ازدحام مروريّ في منطقة الحاجز. رأيتُ ابن عمّي، سميح تميمي، وهو أيضًا سائق سيارة أجرة بالقرب يتحدّث مع الجنود. لم أسمع كلّ شيء، لأنّهم كانوا على بعد حوالي ثلاثين مترًا منّا. لكنني فهمتُ، من بعض الكلمات التي سمعتها ومن حركات يديه، أنّه يطلب أن يطلقوا سراحي. يبدو أنّهم أمروه بالعودة والجلوس في سيارته. أحد الركاب الذين تواجدوا في سيارة أجرة سميح أراد أن ينزل مع ابنته، التي بدت في العاشرة من العمر تقريبًا، لتقضي حاجتها. يبدو أن الجنديّ رفض السماح له بذلك، صرخ على الأب وأمره بالعودة إلى السيارة. رفض الأب ذلك، وبدآ بالصراخ على بعضهما البعض. عندها، أطلق الجنديّ الرصاص في الهواء لإخافة الأب فعادَ الأخير إلى سيارة الأجرة دون أن تقضي ابنته حاجتها.

بينما كنا ننتظر، طلبت إحدى الراكبات من نفس الجنديّ أن يسمح لها بالردّ على الهاتف، والذي كان على لوحة ساعات السيارة. رفض الجنديّ. سمعتها تتوسل إليه وتشرح له أنّ ابنها يتّصل بها لأمر عاجل. طلبتُ من الجنديّ أن يسمح لها بالرد. أمرني بالسكوت، سبّني قائلاً: "اسكت يا ابن الزانية، يا مَنيَك" وضربني بالبندقيّة في مؤخرة رأسي. اغتظتُ من الجنديّ الذي سبّ أمي، فرددتُ عليه بالسباب. دفعني الجندي ببندقيّته ورددتُ عليه بالمثل.

أمر أحد الجنود جميع الركاب بالمغادرة. أقتاد الجندي تميمي قريبًا من برج المراقبة، حيث قيّد يديه من الخلف بقيود بلاستيكيّة وغطّى عينيه بقطعة قماش. وفق إفادة تميمي اقتاده الجنديّ بعد ذلك عدّة أمتار إلى ساحة البرج، حيث أمره بالجلوس على الأرض. عندما فعل وجلس بدأ الجندي برفقة جنديين آخرين بشتمه، شدّوه بقوة من شعره. تواصل التنكيل لعدّة دقائق قام الجنود خلالها بشدّه من شعره إلى أن اضطرّ إلى ينهض. بعد ذلك ترك الجنود تميمي لعدة دقائق وعندما عادوا أزالوا القيود وأعادوا له بطاقة الهوية والمفاتيح وهاتفه. عاد تميمي إلى سيارة الأجرة ووجد أن غيمة من الغاز المسيل للدموع تملؤه. فتح الأبواب، انتظر حوالي عشر دقائق وغادر المكان قبل تبخّر الغاز بشكل تام.

في تلك الليلة، عند حوالي الساعة 20:00 وصل عمّ تميمي، محمود تميمي، وهو سائق سيارة أجرة يبلغ من العمر 52 عامًا، متزوّج وأب لخمسة أولاد، إلى مدخل قرية النبي صالح، بعد أن سمع أن ابنته البالغة من العمر عشرين عامًا موقوفة عند حاجز مؤقت نصبه الجنود عند مدخل القرية. عندما وصل إلى الحاجز رآى الجنود يوقفون ثلاثة فلسطينيين آخرين. أخذ أحد الجنود، وقد تحدّث بالعربيّة، بطاقات الهويّة التابعة لمحمود وركّابه، وبعد أن رفض محمود المغادرة بدون ابنته أمره بالجلوس بجانب الموقوفين عند الحاجز، أما الركاب فأمرهم بالمغادرة. دار جدال بين محمود والجنديّ. في الإفادة التي قدّمها لباحث بتسيلم الميدانيّ إياد حداد في تاريخ 5.6.17 روى قائلاً:

 حاجز عطارة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 2.8.15
מחסום עטארה. צילום: איאד חדאד, בצלם, 2.8.15.

اتّهمنا الجنديّ: "أنتم، سكّان النبي صالح تتسببون في المشاكل وتلقون الحجارة علينا، ويجب أن نربّيكم. يمكنني أن أطلق النار على بلدتكم وأهدمها على رؤوسكم". أجبته أنّ هذه الأرض أرضنا، أنّنا نملك كامل الحقوق وأنّ لا أحد يمكنه أن يقتلنا أو يهدم بلدتنا. تغيّرت تعابير وجهه وتصرفاته، وبدا كمن أراد أن ينتقم منّا ويلحق بنا الأذى. بدأ يتصرّف معنا بفظاظة وغضب. نادى المؤذّن لصلاة المغرب التي تشير إلى وقت الإفطار. كان معي زجاجة ماء. أفطرتُ عليها وفعل كلّ الموقوفين مثلي.

بعد مضيّ دقائق قليلة وصل تامر تميمي إلى الحاجز الموجود عند مدخل القرية، بعد أن أوقفوه وضربوه عند حاجز عطارة. أمره أحد الجنود بالجلوس بجانب بقيّة الموقوفين وأخذ بطاقته الهوية. بعد مضيّ عدّة دقائق رنّ هاتف تامر تميمي، الذي بقي في سيارة الأجرة. طلب من أحد الجنود أن يردّ، لكنّ الجنديّ رفض. لأنّ الهاتف ظلّ يرنّ، وفكّر تميمي أنّ الحديث يدور حول أقارب قلقين عليه يتّصلون به، توجّه إلى سيارة الأجرة لكيّ يردّ. في إفادته روى محمود تميمي ما حدث بعدها:

سدّ الجنود الثلاثة طريق تامر الذي أصرّ على الردّ على الهاتف. حاولتُ أن أتدخّل لتهدئة النفوس وطلبتُ من تامر أن يلتزم الهدوء. كان تامر متوترًا وعصبيًا. لم يصغِ إلي. تبادلا الكلام، وقام الجنود بدفعه.

ضرب أحد الجنود تامر بقوة على وجهه بعقب بندقيته. سقط تامر على الأرض فاقدًا للوعي. بدأت بالصراخ عليهم. رأيت رغوة تخرج من فم تامر، وهذا قد يشير إلى الموت، خفت أن يصيبه شيء وبدأت أصرخ على الجنود: قتلتوه، قتلتوه، أحضروا الإسعاف بسرعة! يا قتلة! لا ترحمون! يا عنصريين! شعرتُ أنني أشتم وأسبّ دون أن أستوعب ما يحدث. حاولوا تهدئتي.

 تامر تميمي ممدّد على الأرض وهو فاقد لوعيه. 4.6.17
تامر تميمي ممدّد على الأرض وهو فاقد لوعيه. 4.6.17

اتصل محمود تميمي بسيارة إسعاف تابعة لجمعية الهلال الأحمر، ونزل مسعف عسكريّ من برج المراقبة القريب وقام بفحص تامر. بعد مضيّ حوالي ربع ساعة وصلت إلى المكان مركبة عسكريّة ومركبة تابعة لشرطة حرس الحدود وسيارتي إسعاف اسرائيلية، كذلك سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر. نُقل تامر تميمي بسيارة إسعاف إسرائيليّة إلى مستشفى "بيلينسون" في بيتح تكفا، على ما يبدو بسبب حالته، ومكث هناك طيلة الليل. في إفادته روى تامر أنّه صباح اليوم التالي استيقظ في المستشفى وكان هناك جنديّان يحرسانه. تلقّى حقنة ضد التيتانوس ومن ثمّ أخذه الجنديّان في سيارة مدنيّة إلى المفترق المجاور لحاجز رنتيس، حيث أنزلاه هناك. اضطرّ تميمي إلى أن يركب سيارتين عابرتين إلى أن وصل مدخل قرية النبي صالح. في إفادته روى قائلاً:

عند مدخل القرية رأيت الجنود الّذين ضربوني. وقف أحدهم أعلى البرج والثاني أسفله. سمعت الأول ينادي على الثاني قائلاً: "انظر من هنا. انظر من هنا". نظر إليّ الجندي الذي تواجد في الأسفل وشتمني: "تميمي يا منيك، يا شرموط". ضحك وأشار بإصبعه الوسطى. في ذلك الوقت مرّ ابن عمّي، توقف وأخذني إلى المنزل. وصلتُ إلى المنزل منهكًا. بسبب الصوم وفقدان الوعي لم أتناول شيئًا منذ الصباح الفائت ولم أشرب شيئًا، سوى بعض الماء من عمّي محمود ونحن موقوفون عند الحاجز المتواجد عند مدخل النبي صالح. بعد أن أخذت قسطًا من الراحة سافرتُ إلى مستشفى في رام الله لأجري فحوصات طبيّة وأطّلع على حالتي الصحيّة.

في المستشفى في رام الله وجد الأطباء عدوى في الجرح الموجود في خدّي تميمي وكدمات كثيرة على يديه. تلقّى دواء مذادًا للالتهابات وتمّ تسريحه من المستشفى.

 تامر تميمي بجانب سيارته الأجرة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 5.6.17.
تامر تميمي بجانب سيارته الأجرة. تصوير: إياد حداد، بتسيلم، 5.6.17.

مرّ تميمي بعملية تنكيل متواصلة دون أيّ سبب. أوقفه الجنود مرّتين في نفس اليوم، ضربوه وأصابوه إلى أن احتاج لتلقّي العلاج في المستشفى وملؤوا سيارته بالغاز المسيل للدموع. التعسّفية التي يعتقل فيها الجنود الفلسطينيين عند الحاجز، دون سبب ظاهر، ومطالبتهم بالانصياع لأوامرهم وإذلالهم، وتبنّي العنف ضدّهم، هي جزء من الروتين اليومي لسكان الضفة الغربية الفلسطينيين. على مرّ السنين وثقت منظمة بتسيلم العديد من الحوادث المماثلة من العنف والتنكيل والتي لا يمكن أن تحدث لولا معرفة الجنود بأنّهم سيحظون بدعم من القيادة العسكريّة العليا - بما في ذلك النيابة العسكريّة - وفي الحكومة، وأنّهم لن يحاسبوا على أفعالهم.

مواد مقترحة

ראג'ח א-ראזם מעוכב במחסום ג'אבר. התמונה באדיבות ארגון מגיני זכויות אדם

الخليل - مركز المدينة

جنود يعتدون على شاب ويحتجزونه لأنه نقل بضائع في حاجز وسط مدينة الخليل وعلى جيران هبّوا لنجدته

في يوم الأحد الموافق 23.10.22 نحو الساعة 22:00 خرج الشقيقان راجح (24 عاماً) وباسم (21 عاماً) رازم من منزلهما في حي السلايمة في وسط مدينة الخليل لنقل بضائع إلى حانوت العائلة القائم على بعد نحو مئتي متر عن منزلهما. عندما اقترب الشقيقان من حاجز جابر، شاهدا عدداً من الجنود يطاردون شباناً من الحي. خاف باسم وهرب عائداً نحو المنزل بينما واصل راجح التقدم نحو الحانوت. فجأة جاء أحد الجنود ودفعه وأسقطه أرضاً واتكأ بركبته على رقبته وخنقه. ثم حضر جنود آخرون إلى المكان فقيدوا يديّ راجح بقيود بلاستيكية وعصبوا عينيه وأجلسوه بجانب الحاجز. والدا الشابين، اللذان سمعا صوت الجلبة، توجها إلى المكان وحاولا تخليص راجح، لكن الجنود دفعوهما وشتموهما ولم يسمحا لهما بالاقتراب. كما هاجم الجنود بعض الجيران الذين هبوا لنجدة أفراد العائلة، ومن بينهم أحمد جابر (19 عاماً) الذي قيّد الجنود يديه ووالده مِنور جابر (48 عاماً) الذي أخبر الجنود بأنه يعمل في أجهزة الأمن الفلسطينية، وشقيق منور، منذر جابر (56 عاماً) وابنه معتز (36 عاماً). كما احتجز الجنود أيضاً عارف جابر (48 عاماً) الذي حضر لتوثيق الحادثة. بعد حوالي نصف ساعة جاء إلى الحاجز ضابط قام بإخلاء سبيل الجميع باستثناء راجح الذي أبقاه الجنود محتجزاً في الحاجز وهو مقيد اليدين ومعصوب العينين حتى الساعة 12:30 بعد منتصف الليل حيث أخلوا سبيله. وسائل إعلام إسرائيلية نشرت أنه قد تم تعليق نشاط جنديين وضابط في أعقاب الحادثة التي "كانت شاذة بشكل فظ عن قيم الجيش ألإسرائيلي"، على حد تعبير رئيس هيئة أركان الجيش. غير أن هذه الحادثة ليست شاذة وإنما هي جزء من روتين العنف الذي يعرفه جيداً سكان وسط البلد في مدينة الخليل، مثلهم مثل سكان الضفة الغربية الآخرين عموماً. الشيء الوحيد الذي كان شاذاً بالفعل في هذه الحادثة هو حجم النشر الجماهيري عنها. لكن حتى في هذه الحالة - الاعتداء الموثق بما يشمله من شتائم وضرب واعتقال تعسفي - ما هي العقوبة التي اختار الجيش فرضها على الجنود الذين تصرفوا على هذه النحو تجاه الرعايا الفلسطينيين؟ تعليق مشاركتهم في الأنشطة العملياتية. هذا ليس خطأ وهذا ليس عدم فهم الجنود للتعليمات أو عدم فهم رئيس الأركان لمدى خطورة الحادثة. هذه هي السياسة. باحثة بتسيلم الميدانية منال الجعبري استمعت في 25.10.22 إلى إفادات السكان الذين تعرضوا للاعتداء: راجح الرازم (24 عاماً) من سكان حي السلايمة قال في إفادته: في 23.10.22 نحو الساعة 22:00 طلب والدي مني ومن شقيقي باسم أن نأخذ البضاعة إلى الحانوت. ولأنه محظور علينا عبور حاجز جبر بالسيارة، نضطر إلى نقل البضاعة على عربة صغيرة. أنهينا نقل القسم الأول وبينما كنا ننقل القسم المتبقي شاهدنا نحو أربعة جنود بجانب الحاجز يصرخون على شبان في الشارع ويلاحقونهم. فرّ باسم هارباً صوب المنزل بينما واصلت أنا مع البضاعة صوب الحاجز. فجأة انقض عليّ أحد الجنود وأوقعني أرضاً ورقد فوقي وهو يضغط بركبته على عنقي ويخنقني، بينما كان جندي آخر يصوب بندقيته نحوي. سألني الجنود باللغة العربية عن باسم، من هو ولماذا هرب. خشيت أن يلحقوا أذى بشقيقي فقلت لهم إنني لا أعرفه فصرخ الجندي الذي كان يصوب بندقته نحوي وقال شيئاً باللغة العبرية لم أفهمه. قلت له إنني لا أفهم فضربني وصفعني وصرخ عليّ وقال لي: أنت مخرب. الجندي الآخر، الذي واصل الضغط بركبته على رقبتي وخنقي صفعني هو الآخر. بعد ذلك رفعني عن الأرض واقتادني نحو الحاجز وهناك قيد يدي إلى الأمام بقيود بلاستيكية وعصب عينيّ وأجلسني مقابل الحاجز. في الأثناء حضر والداي. سمعتهما يتحدثان مع الجنود. صرخ الجنود عليهما وشتموا والدتي وسمعت صوتاً بدا وكأنهم يهاجمون والدي. في مرحلة ما رفعوني عن الأرض وجرّوني بضع خطوات ثم أجلسوني على الأرض مرة أخرى. سمعت صرخات أشخاص آخرين من الحي وأصوات عراك. أعتقد أن الجنود ضربوا أحد السكان وسمعته يقول لهم بالإنجليزية إنه شرطي. لم أستطع رؤية ما يحدث لأن عينيّ كانتا معصوبتين. أبقوني على هذا الحال حتى الساعة 12:30 تقريباً ثم أخلوا سبيلي فعدت إلى المنزل. في المنزل أخبروني بأن الجنود اعتدوا على مِنور جابر وأفراد عائلته حينما هبوا لنجدتي. ابتسام جابر (37 عاماً) أم لثلاثة، من سكان حي جابر، قالت في إفادتها: في حوالي الساعة 22:30 وبينما كنت أنا وزوجي منور في المنزل، سمعت صرخات من الشارع. خرج منور لاستيضاح الأمر ثم لحق به ابننا أحمد، الذي استيقظ على صوت الصراخ. نظرت عبر النافذة فرأيت راجح الرازم مقيّد اليدين ومعصوب العينين. كان الجنود يُجلسونه على الأرض بجانب حاجز جابر. شاهدت والديه يحاولان تخليصه لكن الجنود دفعوهما وشتموهما. دخل زوجي إلى المنزل للاتصال بمكتب الارتباط الفلسطيني ومساعدة الشاب. وخلال ذلك سمعت صرخات ابني أحمد. خرج منور على الفور إلى الشارع مرة أخرى وهو حافي القدمين. رأيت ثلاثة جنود يقتادون أحمد إلى الحاجز وهم يضربونه. غطوا وجهه بطاقيته التي كان يلبسها وقيدوا يديه إلى الخلف بقيود بلاستيكية وأجلسوه هو أيضاً بجانب الحاجز. بعد ذلك رفعوه وراجح عن الأرض وبدأوا يجرّونهما لكن منور اعترض طريقهم وسألهم لماذا يأخذون أحمد الذي كان نائماً في البيت ولم يفعل أي شيء. رد أحد الجنود بعصبية وعدوانية، قائلا باللغة العربية إن أحمد فلسطيني مخرب. دفع الجنود زوجي وأمروه بالعودة إلى المنزل، لكنه رفض الابتعاد حتى يطلقوا سراح الشبان. انقض أحد الجنود على زوجي وضربه. صرخت عليهم من شرفة المنزل للسماح لزوجي وابني بالرحيل، ولكن أحد الجنود صوب سلاحه نحوي وبدأ يشتمني باللغة العربية وأمرني بالدخول للمنزل بينما استمر جندي آخر في ضرب زوجي ودفعه إلى الحائط وأصيب جسده ورأسه. صرخ منور في وجه الجنود باللغة الإنجليزية، قائلا لهم إنه من قوّات الأمن الفلسطينية، ولكن دون جدوى. في هذه الأثناء، جاء صهري منذر وابنه معتز للمساعدة، لكن الجنود هاجموهم أيضا وقيدوا أيديهما وأجلسوهما على الطريق. أحمد جابر (18 عاماً) من سكان حي جابر، تحدث في إفادته: نزلت سلالم المنزل لأرى ما يجري وقبل أن أصل إلى الشارع هاجمني ثلاثة جنود. أمسك بي أحدهم من كتفي ووضع قبعة الجارزة على وجهي وبدأ يسحبني إلى حاجز جابر، ويشتمني ويركلني. قال لي إنني فلسطيني مخرب. ثم دفعني إلى جدار مبنى. بدأ يتحدث باللغة العبرية ولم أفهم ماذا يريد، ثم سحبني من ساقي وأسقطني أرضا وداس على قدمي، وضرب وجهي بالحائط. سمعت صوت والدي وحاولت رفع رأسي، لكن الجنود لم يسمحوا لي بالكلام. كانوا عدوانيين جدا. لكمني الجندي وضربني على رأسي عدة مرات وركلني. ثم كبّل يديّ خلف ظهري بقيود بلاستيكية وأجلسني عند الحاجز. بعد بضع دقائق أوقفني الجنود وأخذوني أنا وراجح وقادونا سيرا على الأقدام بضع خطوات حتى اعترض والدي طريقهم وسألهم لماذا يعتقلوننا. هاجم الجنود والدي ودفعوه وأمروه بالعودة إلى المنزل، ولكنه رفض الابتعاد وحينها اعتدى الجنود عليه بالضرب. صرخت أمي على الجنود من شرفة المنزل. وجه أحد الجنود سلاحه نحوها وشتمها. دفع جندي آخر والدي إلى الحائط وضرب رأسه به. صرخ والدي في وجه الجنود باللغة الإنجليزية وقال لهم إنه من قوّات الأمن الفلسطيني، لكنهم لم يتوقفوا. في هذه الأثناء جاء عمي منذر وابنه معتز للمساعدة، وهاجمهما الجنود أيضا. قيدوا أيديهما وأجلسوهما بجوار نفس المبنى على جانب الشارع. بعد حوالي نصف ساعة وصل ضابط في الجيش. تحدث إلينا وتركنا جميعا نذهب باستثناء راجح. وصلت سيارة إسعاف فلسطينية وقدم المسعفون الإسعافات الأولية لوالدي. كان يعاني من كدمات في جميع أنحاء جسده. ولم يفرجوا عن راجح إلا حوالي الساعة 12:30 ليلا. في ذلك المساء صعد الجنود إلى سطح منزلنا ومكثوا هناك طوال الليل، مما تسبب في إزعاجنا.

17 تشرين الثاني/نوفمبر 2022

מגדל צבאי שהציב הצבא באחת הכניסות לעיירה סילוואד. צילום: איאד חדאד, בצלם, 27.8.16.

روتين العُنف

روتين الاحتلال: أربعة جنود ينكّلون بسكّان بلدة سلواد طوال ثلاثة أسابيع

تقع بلدة سلواد شمال شرق رام الله ويسكنها نحو 10,000 نسمة. قرب المدخل الرئيسيّ للبلدة يوجد بُرج مراقبة عسكريّ. منذ أواسط تشرين الثاني 2020 وطيلة ثلاثة أسابيع تعرّض سكّان البلدة لتنكيل يوميّ ورُعب حقيقيّ على يد أربعة جنود - يرجّح أنّهم من جنود البُرج - كانوا ينصبون الحواجز عند مداخل البلدة ويفتشون الخارجين منها والدّاخلين إليها، يتجوّلون في شوارع البلدة، يعتدون جسديّاً على السكّان، يلقون قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع، يخرّبون السيّارات، وذات مرّة حتى أطلقوا النار وأصابوا فتىً في الـ16 من عمره. أدناه يصف أ. ن. ما حدث في البلدة خلال هذه الأسابيع، وهو عامل في معامل شركة الجنيدي لتصنيع الألبان في الفرع القريب من البلدة - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ: يلقي الجنود قنابل الصّوت ويطلقون الغاز المسيل للدّموع في ساعات اللّيل ويستخدمون الرّصاص "المطّاطيّ" وحتى الرّصاص الحيّ. إنّهم يضايقون السكّان، يُفزعون الأطفال والناس من نومهم ويُربكون نظام حياتنا. أصبح الوضع سيّئاً إلى درجة لا يمكن وصفها. قبل أن يأتي أولئك الجنود كنت أذهب مع زوجتي إلى البقالة القريبة في ساعات المساء لنشتري حاجيّاتنا أو حليباً للأولاد، أمّا الآن فنحن لا نذهب إلى هناك خوفاً من الجنود وأيضاً لأنّ صاحب البقالة لا يفتح دكّانه في المساء في الفترة الأخيرة. إنّه يغلق باكراً قبل مجيء الجنود وبدء المشاكل. أصبحنا نشعر وكأنّنا تحت منع التجوّل الليليّ أو الحبس المنزليّ. الناس بدأت تحسّ بعدم الأمان وهناك شعور بطغيان الفوضى. طوال ثلاثة أسابيع تعمّد الجنود الأربعة تنغيص عيش سكّان البلدة دون أن يردعهم أو يعيقهم شيء. لم يوقف أيّ من المسؤولين عنهم التنكيل بالسكّان ووفقاً لما تعلّمناه من تجربة الماضي لا يبدو أنّه ستُتّخذ بحقّهم أيّة إجراءات. الحقيقة المؤلمة هي أنّ غياب المساءلة والمحاسبة هدفه حماية الجنود وحماية نظام الاحتلال نفسه لأنّ عُنفهم يخدم نظام الاحتلال ويتيح استمراره إذ لا يمكنه الاستمرار سوى بالعُنف. أدناه عدد من الإفادات التي أدلى بها سكّان من البلدة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد حول حادثتين وقعتا خلال الفترة المذكورة وهُما إصابة الفتى رمزي حامد (16 عاماً) وضرب وإذلال خمسة من عمّال شركة الجنيدي لتصنيع الألبان في طريقهم إلى العمل في البلدة: إصابة رمزي حامد، 28.11.20 نحو الـ 8:30 من مساء السّبت الموافق 28.11.20 كان رمزي حامد وصديقه ع.ع. (كلاهما في الـ16 من عمره) عائدين من مركز قريتهما سلواد إلى منزليهما. في الطريق التقيا فتية حذّروهما من وجود جنود في تتمّة الطريق. واصل الصّديقان السّير وبعد عدّة عشرات من الأمتار أطلق نحوهما الجنود قنبلة غاز مسيل للدّموع وكانوا على بُعد نحو مئة متر منهما. استمرّ رمزي وصديقه يتقدّمان وعندئذٍ ألقى الجنود قنبلتي غاز وبعد ذلك مباشرة أطلق أحدهم طلقتين من الرّصاص الحيّ أصابت إحداهما رمزي في صدره. تراجع رمزي وصديقه فوراً إلى الوراء ثمّ نُقلا إلى عيادة البلدة في سيّارة خاصّة ومن العيادة أخلي رمزي خلال دقائق في سيّارة إسعاف إلى مستشفىً في رام الله حيث رقد رهن العلاج لمدّة أسبوع وغادر المستشفى والرّصاصة لا تزال في جسمه. أدناه يصف رمزي حامد ما حدث في ذلك المساء - من إفادة أدلى بها في 30.11.20: أعمل في صالون حلاقة يقع في مركز البلدة. خلال الأسبوعين الماضيين ومنذ أن بدأ الجنود يقفون عند مدخل البلدة الغربيّ صرت أحرص على إنهاء العمل باكراً - بين السّابعة والثامنة مساءً - إذ أصبح من غير الآمن التواجُد في الخارج. لهذا السّبب انتظرت في يوم السّبت صديقي ع.ع. لكي نعود سويّة إلى منزلينا . خرجنا نحو السّاعة 20:20 ثمّ التقينا في الطريق مجموعة من الأولاد. سألناهم كيف الوضع وماذا يحدث فأجابوا "أولئك الجنود موجودون قرب محطّة الوقود". لم نكترث للأمر لأنّ الأولاد كانوا يجلسون بهدوء ولم نشهد رشق حجارة. قرّرنا مواصلة السّير على أن نقول للجنود إذا اعترضونا أنّنا في طريقنا إلى المنزل وهو قريب. واصلنا السّير بضع عشرات من الأمتار في الشارع متّجهين غرباً، وفجأة رأينا الجنود يتقدّمون نحونا ثمّ يطلقون قنبلة غاز مسيل للدّموع عن بُعد 100 متر تقريباً. بعد ذلك ألقوا قنبلة أعتقد أنّها كانت قنبلة صوت ورغم خوفنا واصلنا السّير - أوّلاً لأنّ أحداثاً كهذه تقع كثيراً في الآونة الأخيرة وثانياً لأنّنا لم نفعل شيئاً والجنود رأوا ذلك بأعينهم. على هذا الأساس تقدّمنا بضع عشرات أخرى من الأمتار. كانوا ثلاثة جنود وجوههم مغطّاة بما يشبه الكمّامة وكان اثنان منهما يحملان بندقيّة والثالث يحمل هراوة. فجأة ودون أيّ سبب إذ لم نفعل شيئاً يثير الشبهة أطلق أحد الجنود طلقتين من رصاص حيّ فأصابتني إحداهما في صدري. في البداية حين أدركت أنّني أصبت أحسست بغثيان ودُوار. وضعت يدي على موضع الإصابة فشعر بالدّم ينزف. قلت لصديقي "أُصِبت! أُصِبت!" وانطلقت فارّاً من المكان لكي لا يُمسك بي الجنود لكنّني وقعت أرضاً بعد عدّة خطوات. أعانني صديقي على النهوض ثمّ واصلنا الرّكض. كنت أركض ببطء وبصعوبة بالغة لكنّي قطعت أكثر من خمسين متراً حتى وصلت إلى الدوّار. هناك أوقف صديقي سيّارة نقلتني إلى عيادة البلدة حيث تلقّيت الإسعاف الأوّليّ ثمّ نُقلت في سيّارة إسعاف إلى مستشفىً في رام الله. مكث رمزي في المستشفى لمدّة أسبوع ثمّ غادر إلى المنزل. يُذكر أنّ الأطبّاء قرّروا في الوقت الحاليّ عدم إجراء عمليّة لإخراج الرّصاصة من صدره نظراً لموضعها الحسّاس. أدناه يحدّث رمزي حامد عن وضعه الحاليّ - من إفادة استمع إليها باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد هاتفيّاً في 20.12.20: أنا اليوم في حالة قلق وتوتّر دائمين حيث أخشى أن تؤدّي أيّة حركة منّي إلى تحرّك الرّصاصة في صدري على نحوٍ يعرّضني للخطر. ثمّ إنّ وجود الرّصاصة داخل جسمي يذكّرني دائماً بلحظة إطلاق النّار عليّ. تلك اللّحظة المروّعة من أصعب الذكريات عندي. كأنّ حياتي أصبحت مرتبطة بهذه الرّصاصة المستقرّة في جسمي. لقد خسرت امتحانات نصف الفصل الأوّل وتراكمت عليّ موادّ دراسيّة كثيرة وينبغي أن أتداركها. لم أذهب إلى المدرسة حتى اليوم ولم أشارك في التعلّم عن بُعد لأنّ وضعي الصحّي والنفسي لا يزال سيّئاً. إضافة إلى ذلك تمنعني الإصابة من استئناف عملي كمساعد حلّاق علماً أنّ والدي عاطل عن العمل وأنا الابن البكر وتقع عليّ مسؤوليّة إعالة أسرتنا. كنت أكسب 50 - 70 شاقلاً في اليوم وهو مدخول متدنٍّ جدّاً لكنّه يقينا ذلّ التسوّل. لا أعرف متى سأتمكّن من العودة إلى عملي. لقد أصبحت لي خبرة سنتين في مهنة الحلاقة وأنا أحبّها رغم أنّها تتطلّب الوقوف المتواصل. المشكلة أنّني أعاني من ضيق تنفّس عقب الإصابة ولا أتحمّل الرّوائح والعطور القويّة التي نتعرّض لها في عملنا. أنا حائر ويائس حيث أتساءل كيف سنُمضي الأشهر العديدة القادمة دون أيّ مدخول. آمل أن يُفرجها ربّ العالمين. الاعتداء على اثنين من عمّال شركة الجنيدي لتصنيع الألبان، 13.11.20 في منتصف ليلة 13.11.20 نصب أربعة جنود حاجزاً عند المدخل الجنوبيّ للبلدة وأخذوا يوقفون ما ينتقونه عشوائيّاً من السيّارات والمارّين. ضمن ذلك أوقف الجنود في حادثتين منفصلتين خمسة من عمّال شركة الجنيدي واعتدوا عليهما جسديّاً - صفعاً وركلاً وضرباً بالهراوات والبنادق - عدا الإهانات وإلحاق أضرار بسيّارة أحدهم. أدناه أقوال أ. ع. (25 عاماً) من سكّان بيت عور التحتا - من إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ: في يوم الجمعة الموافق 13.11.20، في ساعة متأخّرة من اللّيل، سافرت في سيّارة زميل يعمل معي في معامل شركة الجنيدي في سلواد. أنا أعمل هناك منذ ستّة أشهر. عندما وصلنا إلى جسر عين يبرود - سلواد كانت حركة المرور متوقّفة ورأينا أربعة جنود يغلقون المفترق. كان الجنود يقفون قرب جيب عسكريّ ولا يرتدون الكمّامات. لوّح أحدهم بمصباح مشيراً لنا أن نتوقّف واعترضنا اثنان بحيث وقفا قبالة السيّارة. حين توقّفنا أمر أحدهما السّائق، زميلي، أن يفتح النافذة وعندما فتحها أمره أن يفتح أيضاً النافذة الخلفيّة ثمّ سأله بالعبريّة: "من أين أنت؟" فأجابه "من دير جرير". عندئذٍ سأله الجندي إن كان يتحدّث العبريّة ولمّا أجابه بالنفي قال الجنديّ: "كيف تقول أنّك لا تعرف العبريّة؟ عندما سألتك من أين أنت قلت لي اسم قريتك". في هذه المرحلة أمره الجنديّ أن يطفئ المحرّك ويخرج من السيّارة. لم يطلب الجنود بطاقات هويّانا ولا هُم سألونا عن أيّ شيء آخر. خرج زميلي من السيّارة فأوقفه الجنديّان إلى جانبها. كان أحدهما طويل القامة نحيفاً ذا بشرة غامقة وله لحية متوسّطة الطول، وكان الآخر أشقر قصير القامة. أمرني الاثنان أن أدير وجهي ولا ألتفت. بعد ذلك توجّها نحو زميلي وقد سمعته يقول لأحدهما "تكلّم معي بالعربيّة فقط. لا تتكلّم بالعبريّة". سمعت أحد الجنديّين يأمره أن يضع يديه على السيّارة ثمّ أخذ الجنديّ ذي اللّحية المتوسّطة يضربه بين ساقيه ويتحسّسه جسده يفتّشه ويتحدّث معه بالعبريّة. قال له زميلي: "تكلّم معي بالعربيّة. أنا لا أفهم العبريّة". قال له الجنديّ: "كيف إذن فهمت حين سألتك من أين أنت؟ لقد فهمتَ ما قلتُه" فأجابه زميلي: "كانت تلك صُدفة"، لكنّ الجنديّ ظلّ يسأله "هل تتكلّم العبريّة أم لا تتكلّم العبريّة؟". عندئذٍ جلب الجنديّ الأشقر هراوة تلسكوبيّة وفتحها لكي يخيفنا بها ثمّ أمر زميلي أن يعود ويجلس داخل السيّارة وأمرني أن أخرج. حين خرجت أوقفني ووجهي نحو السيّارة رافعاً يديّ إلى الأعلي وأمرني أن أفرج ساقيّ واستمرّ يأمرني بذلك حتى أصبحت لا أقدر على المزيد ثمّ أخذ يضربني على ساقيّ ويتحسّس جسمي. ضمن ذلك تحسّس قلماً في جيبي فسألني "ما هذا؟" وأجبته "هذا قلم". أردت أن أُخرج القلم فسارع يأمرني أن لا أُنزل يديّ فعدت ورفعتهما. بعد ذلك سألني "كم عمرك؟" ولمّا أجبته أخذ يضربني بالهراوة على خاصرتي بقوّة. في هذه المرحلة انضمّ الجنديّ الثاني، ذو اللّحية، وأخذ يركلني بين ساقيّ بكلّ ما أوتي من قوّة وقد آلمتني خصيتاي كثيراً. بعد ذلك ضربني الجنديّ الأشقر ببندقيّته على عنقي من خلف وأوجعني كثيراً. فجأة سألني الجنديّ الأشقر "أين السّلاح؟". أجبته "لا يوجد معي سلاح" فعاود يسألني "أين المسدّس؟". قلت له: "يا بني آدم! من أين لي المسدّس؟ هل ترون هنا كلّ يوم أناساً يحملون مسدّسات؟!". عندئذٍ ضربني مرّة أخرى على خاصرتي اليمنى بالهراوة الحديديّة بقوّة شديدة. أحسست ما يشبه ضربة كهرباء ووقعت أرضاً من شدّة الألم. كنت أتلوّى من الألم ولم أستطع أن أقول كلمة. كان الوقت بعد منتصف اللّيل ولو جادلناهم أو حتى سألناهم لماذا تضربوننا لزادونا تنكيلاً. لهذا صمتّ. أمرني الجنديّ أن أدخل مجدّداً إلى السيّارة ثمّ أمرنا أن نغادر المكان. قدنا السيّارة إلى المعمل وحدّثنا زملاءنا العمّال بما جرى لنا. كذلك اتّصلنا بزملاء لنا كانوا في طريقهم إلى العمل وحذّرناهم ألّا يأتوا من ذلك الطريق. سمعت منهم لاحقاً أنّهم صادفوا جنوداً وحسب الوصف رجّحت أنّهم الجنود أنفسهم. لقد بدأت العمل في هذا المعمل قبل ستّة أشهر وهذه أوّل مرّة أتعرّض فيها لمثل ذلك. لقد آلمتني خاصرتي كثيراً طوال عشرة أيّام بسبب ضرباتهم. أدناه إفادة س. ز. (24 عاماً) وهو من سكّان الخليل ويعمل أيضاً في معمل الجنيدي للألبان في سلواد: في 13.11.20 عند منتصف اللّيل تقريباً، كنت أقود سيّارة الشركة متّجهاً إلى العمل في معمل لشركة ألبان الجنيدي فرع سلواد برفقة زميلين لي (ب.م وشقيقه ش.م.). حين وصلا إلى جسر سلواد - يبرود تحت شارع 60 وعلى بُعد 200 متر فقط من مكان العمل، اعترض طريقنا أربعة جنود مسلّحين ولا يرتدون كمّامات. كان أحدهم طويل القامة نحيفاً ذا بشرة غامقة وله لحية خفيفة والآخر كان أشقر قصير القامة أزرق العينين وذا بُنية متوسّطة؛ ولا أذكر أوصاف الجنديّين الآخرين. أشاروا لنا أن نتوقّف ثمّ تقدّم نحونا الجنديّ الطويل وأوّل ما فعله أن أمر ب. الذي كان يجلس إلى جانبي أن يخرج من السيّارة. حين خرج ب. سأله الجنديّ لماذا يُلقي الحجارة والزّجاجات الحارقة وبالطّبع أجابه ب. بأنّه لا يُلقي شيئاً. عندئذٍ أخذ الجنديّ يركله ويضربه ببندقيّته وب. يصرخ ويكرّر أنّه لم يُلقِ شيئاً. ظلّ ثلاثة من الجنود يضربونه طوال دقائق ثمّ أمروه أن يدخل إلى السيّارة. حين دخل كان منهكاً ومتألّماً وإذ رآه الجنديّ يدخل بصعوبة إلى السيّارة أمسكه من قميصه وعاد يسأله وهو يهزّه لماذا يُلقي الحجارة. أجابه ب..: "أنا أذهب إلى عملي ولا أُلقي أيّة حجارة". تركه الجنديّ وأمر ش. أن يخرج من السيّارة ولمّا خرج تكرّر الأمر نفسه: هُم اتّهموه بإلقاء حجارة وزجاجات حارقة وأنكر هُو ذلك. كانوا يخبطون رأسه بزجاج السيّارة وهو يصرخ، وقد ضربوه مثلما ضربوا ب. استمرّ ذلك 5 - 6 دقائق ثمّ أمروه أن يدخل إلى السيّارة. ثمّ جاء دوري. جاء الجنديّ الطويل إلى ناحيتي وحاول أن يسحبني إلى الخارج عبر النافذة. فتحت الباب فاصطدم الباب برجله. أمرني أن أخرج وحين خرجت أمرني أن أرفع يديّ وأقف منفرج السّاقين ثمّ أخذ يركلني حتى وقعت أرضاً. كنت كلّما وقعت يأمرني أن أنهض ويوجّه إليّ الأسئلة نفسها مجدّداً ويصرخ عليّ ويشتمني. بعد نحو دقيقتين قال لي: "اسمع، أنتم يا سكّان الخليل نريد أن نفعل بكم كذا وكذا" - كلام مُخجل ولن أعود عليه. ثمّ أمرني أن أدخل إلى السيّارة وأغادر المكان. قدت السيّارة وابتعدت قرابة 30 متراً والجنود يركضون خلفنا ويضربون ببنادقهم على السيّارة وزجاجها الخلفيّ. لم ينكسر الزجاج لحُسن الحظّ ولكن تضرّر هيكل السيّارة. سألني الجنديّ "لماذا مشيت؟" فقلت له "أنتم قلتم لي امش". قال لي "خلص. لا تكرّر" ثمّ تركونا. عندما وصلنا إلى المعمل التقينا عمّالاً آخرين حدّثونا أنّ جنوداً اعترضوهم قرب مدخل سلواد الجنوبيّ وضربوهم. وفقاً لوصفهم يبدو أنّهم الجنود أنفسهم.

2 شباط/فبراير 2021

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

مشروع المحو

منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.

14 أيلول/سبتمبر 2026