سياسة إطلاق النار

بتسيلم يستأنف قرار عدم تقديم لائحة اتهام جراء إصابة عران كوهن بعيار معدني مغلف بالمطاط في مظاهرة في بلعين يوم 14/3/2008

في يوم 3/3/2013 قدّمت منظمة بتسيلم، بواسطة المحامية جابي لسكي، استئنافًا إلى المُدّعي العسكري العام، بخصوص قرار النيابة العسكرية للشؤون الميدانية عدم تقديم لائحة اتهام جراء إصابة عران كوهن بعيار معدني مغلف بالمطاط أثناء مظاهرة جرت في بلعين يوم 14/3/2008.

ففي يوم 14/3/2008، وأثناء تلك المظاهرة ضد جدار الفصل، أطلق ضابط عيار معدني مغلفة بالمطاط من مسافة قريبة جدًا على كوهن، الذي كان وقتها في الثامنة عشرة من عمره. وقد وثّق الحادثة على شريطيْ فيديو مصوّران، الأول فلسطينيّ والثانية إسرائيلية، ويبدو في هذيْن الشريطيْن بوضوح كيف أنّ المتظاهر لم يقم بأيّ فعل يمكن أن يشكّل خطرًا على الجنود. كما أنّ المسافة بين الضابط الذي أطلق العيار وبين المتظاهر لم تزدْ عن أمتار معدودة. ويأتي هذا رغم أنّ أوامر الجيش تمنع إطلاق العيارات المعدنية المغلفة بالمطاط من مسافة لا تقلّ عن خمسين مترًا، لأنه يمكن أن يكون فتاكًا. وقد نُقل المتظاهر إلى مستشفى "أساف هروفيه" حيث أجريت له هناك عملية جراحية لإخراج العيار الناري من وركه.

بتاريخ 1/1/2012 أبلغت النيابة العسكرية للشؤون الميدانية بتسيلم بخصوص إغلاق ملف التحقيق. في أعقاب ذلك توجّهت بتسيلم إلى النيابة وطالبت بمعرفة المسوّغات من وراء إغلاق الملف، إلا أنّ النيابة رفضت الإفصاح عنها.

كما طالبت بتسيلم، باسم عران كون، بالحصول على جميع مواد التحقيق. وبعد نقل هذه المواد إليها قامت بتسيلم بفحصها، وبعد مراسلات متواصلة مع النيابة بخصوص الحصول على مواد تحقيق إضافية وتسويغ لإغلاق الملف، قدمت بتسيلم هذا الاستئناف.

وتشدّد المحامية لَسكي في الالتماس على أنّ مواد التحقيق الموجودة في الملف، والتي تشمل شريطي فيديو صُوّرا في المظاهرة واللذين قدّمتهما بتسيلم للمحققين، تحوي أدلة قاطعة بأنّ الضابط أطلق على كوهن عيار معدني مغلف بالمطاط متعمّدًا ومن مسافة قصيرة، فخلّف إصابة في رجله، وكل ذلك خلافًا لأوامر إطلاق النار. ولذلك، فإنّ قرار إغلاق الملف هو قرار غير معقول بالمرة ويجب إلغاؤه. أضفْ إلى ذلك، بحسب ما قالت المحامية لسكي، أنّ التحقيق فشل فشلاً ذريعًا في فحص مسائل أكبر من هذه المسألة. فموادّ التحقيق لم تحوِ أيّ تطرّق للسؤال حول منح تصريح بإطلاق العيار المغلف بالمطاط وضرورة هذا في تلك المظاهرة، وحول مسألة تدريب وتأهيل القوّات ومعرفتها بشأن أوامر إطلاق النار، ولا حتى لمسألة أنّ المصاب عران كوهن لم يحظَ بأيّ عناية طبية، خلافًا للتعليمات.

وفي أثناء استكمال التحقيق في الملف، توجّهت نيابة الشؤون الميدانية إلى بتسيلم وطلبت تنسيق الإدلاء بشهادة أحد المُصوريْن، عماد برناط، وشدّدت على أنّ الشريط الذي صوّره برناط "يوثق عن قرب حادثة إطلاق النار، كما أنّ زاوية التصوير فيه تسمح بإجراء مراقبة أفضل وأوضح"، ولذلك فإنّ شهادته ضرورية جدًا للتحقيق. وقد رفض برناط الإدلاء بشهادته أمام الشرطة العسكرية المحققة. ورغم رفض النيابة الإدلاء بمسوّغاتها من وراء إغلاق الملف، فإنّ هناك شكًا بأنّ النيابة استغلت رفض برناط الإدلاء بشهادته لتبرير هذا الرفض، من ضمن سائر الأمور الأخرى. وحتى قبل إغلاق الملف شدّدت بتسيلم أمام النيابة بأنّ شريط الفيديو الذي صوّرته لي لوريان، والتي أدلت بشهادتها أمام الشرطة العسكرية المحققة، هو كافٍ.

توثيق الحادثة بالفيديو على يد لي لوريان
 

وقالت المحامية لسكي في الاستئناف إنّ امتناع برناط عن الإدلاء بشهادته لا يلغي شريط الفيديو الذي صوّره كدليل. وحقيقة وجود شريط آخر وأنّ الشهود والمشتبه بهم تعرفوا على الحادثة وعلى أنفسهم وعلى أصحابهم في الشريط، تكفي كي يكون الشريط دليلا وافيًا.


توثيق الحادثة بالفيديو على يد عماد برناط

 

ويشكل امتناع النيابة العسكرية عن تقديم لائحة اتهام بخصوص إصابة عران كوهن -وهي حالة توجد فيها أدلة قاطعة على إطلاق العيار المغلف بالمطاط بشكل غير قانونيّ- رسالة خطيرة جدًا إلى قوات الأمن، مفادها أنّ النيابة العسكرية لا تنوي استنفاد القانون مع من ينتهك هذه الأوامر، وبهذا يشكل خطرًا غير مبرّر على أجساد وحيوات المواطنين.

خلفية:

يدأت المظاهرات ضد الجدار الفاصل في بلعين في عام 2005، مع بدء الأشغال لإقامة الجدار على أراضي القرية. وكانت المحكمة العليا قضت في شهر أيلول 2007 بوجوب تغيير مسار الجدار بحيث يقلص المسّ بسكان القرية، إلا أنّ هذا القرار لم يُنفذ إلا في حزيران 2011.

في يوم الجمعة، 14/3/2008/ جرت في بلعين المظاهرة الأسبوعية ضدّ الجدار، شارك فيها المتظاهر الإسرائيليّ عران كوهن، وهو في الثامنة عشرة من عمره آنذاك.

وفي أثناء المظاهرة أطلق ضابط برتبة ملازم عيار معدني مغلف بالمطاط، من مسافة قصيرة جدًا على كوهن، الذي لم يكن مُسلحًا ولم يُلقِ الحجارة ولم يشكّل خطرًا على حياة قوات الأمن ولم يقم بأيّ فعل يبرّر استخدام القوة ضدّه. كما أنّ أحدًا من الجنود لم يقدّم لكوهن أيّ مساعدة طبية، وقد نقله أصدقاؤه من المكان إلى مستشفى "أساف هروفيه"، حيث أجريت له هناك عملية جراحية لإخراج لُبّ العيار المعدنيّ من وركه.
وفي أعقاب توجّه بتسيلم بدأت الشرطة العسكرية المحققة تحقيقًا جنائيًا يتعلق بظروف إطلاق العيار على كوهن، إلا أنّ بتسيلم علمت يوم 1/1/2012 بإغلاق ملف التحقيق.

وقد حذّرت بتسيلم أكثر من مرة بأنّ أفراد قوات الأمن يستخدمون في أحيان متقاربة العيارات المعدنية المغلفة بالمطاط، خلافًا للتوجيهات والنُظم. ومنذ عام 2000 قُتل جراء الإصابة بهذا النوع من الذخيرة 18 فلسطينيًا، منهم 12 قاصرًا. وفي أعقاب الخطر الذي تسببه هذه الوسيلة ووفقًا لتوصيات لجنة أور، فقد مُنع استخدام العيارات المعدنية المغلفة بالمطاط في داخل إسرائيل. أما في الاراضي المحتلة فتواصل قوات الأمن استخدام هذا النوع من الذخيرة.

وردًا على رسالة بعثتها بتسيلم في يوم 31/8/2008 إلى المستشار القضائي للحكومة آنذاك، ميني مزوز، مطالبة بفرض تطبيق أوامر إطلاق النار المتعلقة بالعيار المعدنيّ المغلف بالمطاط واستنفاد القانون في الحالات التي انتهكت فيها قوات الأمن هذه الأوامر، أجاب نائب المدعي العام (للمهمات الخاصة) شاي نيتسان، في يوم 29/2/2012، بأنّه "وردنا أنّ الجيش عمومًا، والنيابة العسكرية خصوصًا، ينظران بخطورة بالغة إلى أيّ خرق لأوامر إطلاق النار، ولذلك فإنّ أيّ ادّعاء يصل النيابة العسكرية والذي يتضح منه اشتباه بأنّ جنودًا من الجيش الإسرائيلي استخدموا الذخيرة المطاطية خلافًا لأوامر إطلاق النار، بما في ذلك أثناء محاربتهم لأعمال الشغب، يُفحص بجدية بالغة وبحرص تامّ. كما وردنا أنّ النيابة العسكرية تصدر أمرًا، في الحالات الملائمة، بفتح تحقيق لدى الشرطة العسكرية المحققة، وفي الحالات التي تتوفر فيها أدلة على ارتكاب مخالفة- فإنّ النيابة العسكرية تعمل من أجل استنفاد القانون مع المسؤولين عن ذلك". إلا أنّ قرار النيابة العسكرية في حالتنا هذه يُجسّد جيدًا كيف أنّ التصريحات هذه لا تمتّ بأيّ صلة مع الواقع.

مواد مقترحة

מפגינים בבילעין. צילום: שרית מיכאלי, בצלם, 1.4.22

سياسة إطلاق النار

خلال مظاهرة في بلعين: جنود يُطلقون رصاص "توتو" على شابٍّ دون أيّ مبرّر ويُصيبونه بجراح

في يوم الجمعة الموافق 1.4.22 نحو السّاعة 13:30، خرجت من قرية بلعين الواقعة غربيّ رام الله مسيرة لإحياء ذكرى "يوم الأرض" التي كانت قد حلّت قبل ذلك بيومين. شارك في المسيرة نحو 150 شخصاً من الفلسطينيّين والناشطين الإسرائيليّين والأجانب، ساروا نحو كيلومترٍ واحد ثم توقّفوا على بُعد نحو مائة متر من جدار الفصل. رفع المتظاهرون أعلام فلسطين وهتفوا شعارات ضدّ الاحتلال. في الجانب الآخر من الجدار وقف ثلاثة جنود على الأقلّ في نقطة ملاصقة للجدار، مرتفعة ومحصّنة. بعد نحو عشر دقائق تقدّم باتّجاه الجدار قرابة عشرة من الشبان والشابات، بضمنهم عهد تميمي (21 عاماً) وابن عمّها أسامة تميمي (26 عاماً). توقّف الشباب على بُعد مترين من الجدار وأخذوا يشتمون الجنود وبعضهم أيضاً رشق حجارة نحو الجنود والجدار. الجنود المتواجدون في النقطة المحصّنة ألقوا نحو الشباب قنابل غاز مسيل للدّموع وقنابل صوت. خرج جيب عسكريّ من إحدى بوّابات الجدار وأطلق جنود من داخله عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع. هربت عهد تميمي من الغاز المنبعث من القنابل فسارت في طريق الدوريّات التفقّديّة الموازية للجدار على بعد نحو 10 أمتار عنه. بعد أن أطلق الجنود رصاصة قطرها 0.22 بوصة ("توتو")، هرع أسامة تميمي نحو ابنة عمّه، عهد. في هذه المرحلة أطلق أحد الجنود المتواجدين في النقطة المذكورة رصاصتي "توتو" أخريين فأصابت كلتاهما أسامة، إحداهما في كفّ قدمه والثانية في ذراعه. تلقّى أسامة الإسعاف الأوّليّ من مسعفين كانوا ينتظرون في الموقع ثمّ أخلي في سيّارة خاصّة إلى سيّارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر فنقلته هذه إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله وهناك تبيّن أنّ الرّصاصتين قد اخترقتا جسده وخرجتا من الجانب الآخر. بعد بضع ساعات تلقّى خلالها العلاج غادر المستشفى كي يستريح ويتعافى في المنزل. يجسد إطلاق الجنود للرّصاص في هذه الحالة سياسة إطلاق النار التي تتّبعها إسرائيل في المناطق المحتلّة، والتي يتم في إطارها استخدام الذخيرة الحيّة ـ وبضمنها رصاص "توتو" ـ ليس فقط كوسيلة أخيرة فقط وفي غياب أية وسيلة أخرى وفي حال تعرّض حياة الجنود للخطر. بدلاً من ذلك، تستخدم إسرائيل النيران الحية في الواقع ضدّ متظاهرين لا يشكّلون خطراً على حياة أحد أيضاً. وبالرغم من كونها غير قانونية، إلا أن هذه السياسة ـ التي تقوم أساساً على استهتار إسرائيل الفظ بحياة الفلسطينيّين وبأجسامهم وبسلامتهم ـ تحظى بدعم شامل من قبَل المسؤولين السياسيّين والضبّاط الكبار في الجيش. بالنظر إلى ذلك، لا عجبَ أنّ تمرّ هذه الحادثة أيضاً دون مساءلة ومحاسبة أحد جرّاء إطلاق الرّصاص. عن إطلاق النيران خلال المظاهرة تحدّثت عهد تميمي (21 عاماً، من سكّان النبي صالح) في إفادة أدلت بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد يوم 1.4.22: وصلنا إلى منطقة جدار الفصل عند السّاعة 14:00 ورأينا أنّ الجنود ينتظروننا خلف الجدار. شاهدت ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة فوق الجدار. اثنان منهم كانا مسلّحين بقاذفات قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المطّاطيّ وكان يتوسّطهما قنّاص مسلّح ببندقيّة من النوع المخصّص لإطلاق رصاص "توتو". بعد وصولنا إلى هناك بنحو عشر دقائق تقدّمتُ ضمن مجموعة من عشرة متظاهرين حتى وصلنا إلى مسافة مترين عن الجدار. وكان هدفنا استفزاز الجنود. بعض الشباب رشقوا الحجارة. سمعت أحد الجنود يناديني باسمي. لا أعرف كيف عرفني. قال لي: "تميمي، اذهبي من هنا". كان الشباب يصرخون ويشتمون الجنود بينما أطلق الجنود بدورهم بضع قنابل صوتية كي يُخيفونا ويُبعدونا من هناك. بعد ذلك أطلقوا بعض قنابل الغاز المسيل للدّموع سقطت بعيداً عنّا. ابتعدنا بسبب رائحة الغاز. في تلك اللّحظات دخل جيب عسكريّ عبر بوّابة في الجدار وأطلق الجنود الذين كانوا على متنه صلية كبيرة من عشرات قنابل الغاز المسيل للدّموع دُفعة واحدة. انتشر الغاز على مساحة كبيرة حتى وصل إلى جُموع المتظاهرين الذين كانوا على مسافة أكثر من 100 متر من الجدار. حاولت الابتعاد عن الغاز فسرت في الطريق الترابيّ الذي يمر بجانب الجدار. وفجأة حين كنت على بُعد نحو عشرة أمتار من الجنود أطلق القنّاص رصاصة "توتو". ذُعرت وتوتّرت ولم أعرف ماذا أفعل. كان الشباب والصحفيّون يصرخون بي "اهربي، اهربي، إنّه يُطلق الرصاص عليك". ركض نحوي ابن عمّي، أسامة تميمي، وحاول أن يُبعدني عن مرمى الرّصاص. حين كان كلانا يحاول الابتعاد تجدّد إطلاق رصاص "توتو". سمعت عدّة طلقات لكن من الصّعب أن أحدّد بالضّبط، لأنّ الصّليل الذي يصدر لدى إطلاقه خافت. أصابت إحدى الرّصاصات أسامة في كفّ قدمه فوقع أرضاً ثمّ أصابته رصاصة ثانية في ذراعه اليمنى. نهض أسامة بسُرعة ثمّ واصلنا الفرار من هناك. ركضنا حتى ابتعدنا نحو 30 متراً وعندئذٍ وقع أسامة ولم يعُد قادراً على النهوض ومواصلة الرّكض. تقدّم عدد من المسعفين وقدّموا له الإسعاف الأوّليّ ثمّ أخلي في سيّارة مدنيّة إلى مستشفىً في رام الله. بعد إطلاق الرّصاص انتهت المظاهرة وغادر الجميع. لاحقاً، ذهبنا لزيارة أسامة في المستشفى وهناك علمنا أنّ إصابته تستدعي إبقاءه هناك للعلاج. الرّصاصتان اللّتان أصابتاه دخلتا وخرجتا. بعد إتمام معالجته غادر إلى المنزل. لقد نجا بأعجوبة بفضل العناية الإلهيّة. أنا ما زلت مصدومة حتى الآن ممّا جرى. عن إصابته هذه، قال أسامة تميمي (26 عاماً، من سكّان النبي صالح) ما يلي في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 3.4.22: وصلت المسيرة إلى المكان المُبتغى نحو السّاعة 14:00 حيث توقّف جميع المتظاهرين على بُعد 100 متر من الجدار. ألقى عدد من المسؤولين خطابات ضدّ الاحتلال والاستيطان. كان ثلاثة جنود يقفون في نقطة محصّنة في الجانب الآخر من الجدار وهُم يوجّهون بنادقهم نحو المتظاهرين. بعد نحو عشر دقائق على بدء الخطابات انضممت إلى مجموعة من الشباب تقدّمت نحو الجدار وكانت تعدّ نحو عشرة أشخاص. أنا وبعض الشباب كنّا نشتم الجنود ونصرخ عليهم لكي نُثير غضبهم. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وألقوا قنابل الصوت بهدف تفريقنا. كان عدد من الشباب يرشقون الحجارة نحو الجنود في النقطة المحصّنة وعندئذٍ ألقى الجنود نحونا عدّة قنابل غاز مُسيل للدّموع فابتعدنا قليلاً. عندما تلاشى الغاز اقتربنا مجدّداً من الجدار فألقى الجنود عدداً كبيراً من قنابل الغاز المسيل للدّموع. تراجع قسم من الشباب ولاذوا بالفرار بسبب رائحة الغاز. فررت مع أربعة شبان آخرين باتّجاه الجدار لأنّ الرّيح كانت تهبّ وتحمل الغاز بعيداً عن الجدار. التصقنا بالجدار لأنّنا ظننّا أنّ هذا الموقع في زاوية لا تتيح للجنود إطلاق الرّصاص نحونا. رأيت ابنة عمّي عهد تقف في الطريق الترابيّ المحيط بالجدار وسمعت طلقة "توتو" واحدة ثمّ رأيت عهد تلوذ بالفرار. ركضت نحوها لأنّني ظننتُها قد أصيبت. كانت على بُعد 5 أمتار منّي. عندما وصلت إليها قالت لي إنّها لم تُصب. حاولنا الابتعاد معاً عن الطريق الترابيّ وعن مرمى رصاص الجنود لأنّنا ظنّنا أنّهم يصوّبون نحونا. كانت المسافة بيننا وبين الجنود 20 متراً على الأكثر. فجأة شعرت بأنّني قد أصبت في كعب قدمي اليسرى برصاصة "توتو" أطلقها أحد الجنود. تعثّرت ووقعت أرضاً. في هذه الأثناء أطلق الجنديّ رصاصة "توتو" أخرى اخترقت ذراعي اليمنى من الخلف وخرجت من الأمام. نهضت وتمكّنت من الرّكض بضع عشرات أخرى من الأمتار ثمّ وقعت ثانية. ركض نحوي طاقم مسعفين وقدّموا لي الإسعاف الأوّليّ وضمّدوا جراحي ثمّ أخذني شخص ما إلى سيّارة مدنيّة كانت قريبة وانطلقت بي السيّارة في اتّجاه رام الله. في الطريق، قرب بيتونيا، نقلوني إلى سيّارة إسعاف أخذتني بدورها إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله. هناك، أدخلوني إلى قسم الطوارئ وأجروا لي فحوصات وصور أشعّة. كذلك تلقّيت محلولاً وريديّاً وحقناً لتسكين الأوجاع. أظهرت الصّور أنّ الرّصاصتين لم تسبّبا كُسوراً وأنّهما دخلتا وخرجتا دون أن تستقرّا في جسمي. بعد ساعتين غادرت المستشفى على أن أواصل الاستراحة في المنزل.

29 أيار/مايو 2022

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021