نشرت وسائل الإعلام في صباح يوم الاثنين الموافق 25.5.20أنّ فلسطينيّين حاولا طعن جنود في الضفة الغربيّة لكنّ صحيفة "هآرتس" نشرت في اليوم نفسه تقريراً يفنّد مزاعم الجيش يقول إنّ الجنود أطلقوا النّار على أفراد عائلة فلسطينيّة وهي منهمكة في حصاد محصول البرسيم في أرضها.
التحقيق الذي أجرته بتسيلم أظهر نتائج مماثلة: نحو التاسعة من صباح ذلك اليوم أي ثاني أيّام عيد الفطر وصل ثمانية من أفراد عائلة أبو عليا (سبعة بالغين وفتىً في الـ14 من عمره) من قرية المغيّر لكي يحصدوا محصول أرضهم الواقعة شمال غرب القرية. تبلغ مساحة الأرض نحو 40 دونم وتقع في جوار قرية ترمسعيّا.
نحو السّاعة 10:00 وصلت إلى المكان سيّارة جيب بيضاء يقودها مستوطن. دخل المستوطن بسيّارته إلى الحقل وتوقّف على بُعد نحو ثلاثين متراً من أفراد العائلة. ترجّل المستوطن وترجّل معه ثلاثة جنود وأخذوا يتقدّمون نحو أفراد العائلة وهُم يوجّهون سلاحهم نحوهم. أمر الجنود أفراد الأسرة بأن يركعوا فلم يكن من هؤلاء إزاء الذّعر الذي انتابهم سوى الانصياع. ألقوا مناجلهم وركعوا. عندما حاول عماد أبو عليا (39 عاماً) أن يستفهم ماذا يريد الجنود رشّ أحدهم غاز الفلفل على وجهه وفوراً بعد ذلك أخذ هذا الجنديّ وجنديّ آخر يطلقان النيران عشوائيّاً فأصابوا اثنين من أفراد العائلة: أصيب عماد في فخذه الأيسر وأصيب مراد في خاصرته.
الصورة
مراد أبو عليا ملفى على الأرض وهو مصاب. تصوير العائلة مشكورة
رفض الجنود إسعاف المصابين وفوق ذلك منعوا أفراد الأسرة من استدعاء سيّارة إسعاف. بعد مضيّ ربع السّاعة طلبوا من أفراد الأسرة بطاقات هويّاتهم لكنّ أحداً منهم لم يجلب معه هويّته سوى عماد الذي كان ملقىً وجراحه تنزف. ناول أحد أفراد العائلة بطاقة هويّة عماد إلى الجنود وفقط عندئذٍ سمح لهم هؤلاء بمغادرة المكان فأسرعوا إلى نقل المصابين في سيّارة الأسرة إلى مستشفىً في رام الله حيث أجريت لعماد عمليّة جراحيّة. أمّا مراد فقد غادر المستشفى في اليوم نفسه إذ لم تسبّب له الرّصاصة التي أصابته أضراراً كبيرة. بعد العمليّة الجراحيّة رقد عماد لمدّة يومين في المستشفى ثمّ غادر هو أيضاً إلى منزله.
نشرت صحيفة "هآرتس" مقتطفات من التحقيق الأوّلي الذي أجراه الجيش. وفقاً لهذا التحقيق كانت بداية الحادثة أن استُدعي الجيش على يد مركّز أمن إحدى المستوطنات القريبة بعد أن "تلقّى بلاغاً عن عُنف كلاميّ ورشق حجارة من جانب فلسطينيّين نحو مستوطنين". التحقيق الذي أجرته بتسيلم بيّن أنّ المستوطن المذكور لم يكتف باستدعاء الجنود بل أقلّهم بنفسه إلى الحقل حيث على ما يبدو جرت الحادثة وفقاً لروايته. ولكنّ المكان الذي وصلوا إليه لم يكن فيه سوى عائلة تحصد محصول أرضها ولا علم لها بأيّة مواجهة حدثت في المكان إذا حدثت فعلاً مواجهة كهذه. رغم ذلك انقضّ الجنود على أفراد العائلة يصرخون ويطلقون النيران دون سابق إنذار فأصابوا اثنين منهم ورفضوا حتى تقديم الإسعاف لهما.
الصورة
أحد الجنود يصوّب سلاحه نحو أفراد العائلة الذين يغادرون بسيارتهم. تصوير العائلة مشكورة
تعاوُن الجيش مع المستوطنين ليس أمراً جديداً وقد نشرت بتسيلم العديد من التقارير عن هذه الممارسات. في كثير من الحالات ينفّذ المستوطنون اعتداءاتهم العنيفة بحضور الجنود وأحياناً بالتعاوُن معهم وفي أحيان أخرى يحمي الجنود المستوطنين مقدّمين لهم الغطاء أثناء تنفيذ اعتداءاتهم، وفي جميع الأحيان يمتنع الجيش عن إنفاذ القانون بحقّ المستوطنين المعتدين - سوى في حالات استثنائيّة جدّاً. تتيح هذه السياسة للمستوطنين مواصلة المسّ بالفلسطينيّين دون عائق أو رادع وهُم يعلمون تمام العِلم انّ الدولة تحميهم. جرّاء ذلك يستنكف الفلسطينيّون عن الوصول إلى أراضيهم خوفاً من عُنف المستوطنين والنتيجة هي تجريد الفلسطينيّين في شتّى أنحاء الضفة الغربيّة من المزيد والمزيد من أراضيهم ونقلها لأيدي المستوطنين.
أدناه إفادة معتصم أبو عليا (20 عاماً) وهو ابن أخ المصابين عماد ومراد أبو عليا - أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد واصفاً ما حدث في صبيحة ذلك اليوم:
خرج من السيّارة مستوطن وثلاثة جنود. كان الجنود غاضبين بل في حالة هيستيريا تقريباً. لم نفهم السّبب لأنّنا لم نسمع عن أيّة حادثة جرت في المنطقة. مشط اثنان من الجنود سلاحهما فوراً. بقي المستوطن قرب السيّارة فيما تقدّم الجنود نحونا وهم يصرخون بالعبريّة والعربيّة ويأمروننا أن نركع. كنّا مرعوبين جدّاً فألقينا المناجل من أيدينا ونفّذنا الأمر.
تقدّم عمّي عماد من الجنود وهو يجادلهم فرشّ أحدهم غاز الفلفل على وجهه مباشرة ممّا اضطرّه إلى التراجُع. بعد ذلك أطلق الجنديّ نفسه وجنديّ آخر بضع رصاصات متواصلة في الهواء وفي جميع الاتّجاهات. شعرنا أنّنا نتعرّض لعمليّة إعدام. أصيب عمّي عماد وعمّي مراد ووقعا أرضاً.
الصورة
عماد أبو عليا في المستشفى. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 25.5.20
جميعنا كنّا مضطربين للغاية ولم نكن متأكّدين من أصيب منّا ومدى خطورة إصابته. كنّا مستلقين على الأرض ودويّ الرّصاص المتطاير في الجوّ يلعلع ويصيب الأرض من حولنا. كنّا نستصرخ الجنود "حُبّاً بالله، أوقفوا إطلاق الرّصاص، لقد قتلتمونا. نحن لم نفعل شيئاً!".
عندما توقّف إطلاق النّيران تبيّن لنا أنّه لم يُصب سوى عمّي عماد وعمّي مراد. توسّلنا إلى الجنود أن يقدّموا لهما الإسعاف الأوّلي. كنّا نصرخ نحوهم "إسعاف! إسعاف!" ولكنّهم لم يفعلوا شيئاً سوى أن واصلوا الصّراخ علينا ومنعونا حتى من الاقتراب من المصابين. كان عمّاي ملقيين أرضاً يتأوّهان من الألم ودماؤهما تنزف دون أن يتلقّيا أيّ إسعاف. خفنا أن يموتا جرّاء النزيف. واصلنا البكاء والتوسّل لكنّ الجنود كانوا يقولون طوال الوقت بالعبريّة والعربيّة "لا توجد سيّارة إسعاف".
بعد أن مضت ربع ساعة طلبوا بطاقات هويّاتنا ولكنّ أحداً منّا سوى عمّي عماد المصاب لم يجلب معه بطاقة هويّة. سمح لنا الجنود أن نقترب منه ونأخذ بطاقته من جيبه. أخذناها وناولناهم إيّاها. فقط عندئذٍ سمحوا لنا بإدخال المصابين إلى سيّارتنا ومغادرة المكان.
أدناه إفادة مُراد أبو عليا (33 عاماً) أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد واصفاً ما جرى:
الصورة
مراد أبو عليا في المستشفى. تصوير: إياد حداد، بتسيلم 25.5.20
فورَ أن ترجّل الجنود من الجيب أخذوا يصرخون علينا ويأمروننا أن نجلس على الأرض دون حراك. مشطوا سلاحهم ووجّهوه نحونا. كانوا يتصرّفون كالمجانين. ألقينا المناجل على الأرض. حاول أخي عماد أن يسألهم ما الذي يجري ولماذا يتصرّفون معنا هكذا ويهدّدوننا لكنّ أحد الجنود رشّ عليه غاز الفلفل. فجأة أخذ الجنود يطلقون الرّصاص في كلّ اتّجاه على الأرض وفي الهواء.
مباشرة شعرت أنّني أصبت. استلقيت سريعاً لكيلا أصاب مرّة أخرى. نظرت نحو أخي عماد فوجدته قد أصيب أيضاً. كانت إصابته في الفخذ وكان يصرخ من الألم. الجميع كانوا مستلقين على الأرض ويصرخون. كان الوضع جنونيّاً ومخيفاً وكأنّنا في فيلم رُعب. بعد أن توقّفت النيران حاولنا أن نتمالك أنفسنا وأن نتفحّص من أصيب منّا وأين أصيب. كان الجميع مذعورين جدّاً. تبيّن أنّه لم يُصب أحد سوانا أنا وأخي. حاول أولاد إخوتي الاقتراب منّا عدّة مرّات لكي يسعفونا ولكنّ الجنود كانوا يهدّدونهم بالسّلاح ويأمرونهم بالابتعاد. رفضوا السّماح بتقديم الإسعاف لنا.
كان الجميع يبكون يستصرخون الجنود ويتوسّلون إليهم أن يقدّموا لنا الإسعاف الأولي أو يتركوننا نغادر لكيلا نبقى هناك ننزف حتى الموت لكنّ الجنود كانوا يقولون طوال الوقت بالعربيّة والعبريّة "لا توجد سيّارة إسعاف، لا توجد سيّارة إسعاف، انتظروا هنا، نحن سنجلب سيّارة إسعاف". أمرونا أن ننتظر دون حراك حتى وصول الضبّاط المسؤولين برفقة سيّارة الإسعاف. كنّا على قناعة أنّهم يريدون أن نظلّ ننزف دماً إلى أن نموت أمام أنظار أولادنا وأفراد عائلتنا.
بقينا هكذا في حالة عجز تامّ أكثر من رُبع السّاعة. لم يسمحوا لأحد حتى أن يستدعي سيّارة إسعاف وكلّ من حاول التحدّث إلى الجنود أو أن يطلب منهم شيئاً كان يتلقّى الصّرخات فوراً: "اصمت! سأطلق عليك النّار، سأقتلك!". كانوا يصرخون كالمجانين.
الصورة
أحد الجنود يصوّر أفراد العائلة وهم يغادرون بسيارتهم. تصوير العائلة مشكورة
بعد مضيّ رُبع ساعة تقريباً قال لنا الجنود إنّهُم سيتركوننا نغادر إذا سلّمناهم بطاقات هُويّاتنا. تبيّن أنّ عماد كان الوحيد الذي جلب معه بطاقة هُويّته. قال لنا عماد إنّ بطاقته في جيبه لكنّ وضعه كان سيّئاً لدرجة أنّه لم يكن قادراً على إخراجها من جيبه. تمكّن أبناء إخوتي من إخراج البطاقة من جيبه الخلفيّ وناولوها للجنود.
حدث أيضاً أن صوّرنا أحد الجنود ونحن مستلقين هناك. لا نعرف لأيّ غرض. على كلّ حال بعد أن أخذوا بطاقة هُويّة عماد سمحوا بنقل المصابين في سيّارتنا وهي سيّارة تجاريّة. حملنا أبناء إخوتي وأدخلونا إلى السيّارة. أجلسوا عماد قرب السّائق وأجلسوني في المقعد الخلفيّ والبقيّة صعدوا جميعاً إلى القسم الخلفيّ من السيّارة.
يُبيِّن التقرير الأكثر شمولية الذي يصدر عن بتسيلم حتى الآن، حول السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن إسرائيل تشغّل بصورة متزامنة خمسَ آلياتٍ تعزّز إحداها الأخرى، بغية تفكيك الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، بهدف ترسيخ وجود وسيادة يهوديّين- إسرائيليّين دائمين ومتواصلين فيه.منذ نهاية العام 2022، ومنذ تشرين الأول 2023 بصورة أخصّ وأشدّ، بدأت مرحلة جديدة في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقد صعّدت إسرائيل بشكل متطرف سياسةً ممتدة منذ سنوات طويلة تقوم على السيطرة والعنف والسلب وأخذت تطبّقها بصورة علنية واضحة، أكثر عنفًا وأسرع وتيرةً. كما تجري مأسسة هذه الخطوات بدرجة متزايدة، في إطار السياسة الحكومية وممارساتها.في أوج هذا التصعيد اليومي، تنشر بتسيلم تقرير "مشروع المَحْو"، الذي يزيد عدد صفحاته عن 200 صفحة ويستند إلى تحليل نحو 2,000 إفادة أدلى بها فلسطينيون من الضفة الغربية، وإلى عمل ميداني إضافي وإلى عقود من التوثيق. يتتبع التقرير التسارع والتوسع اللذين حصلا خلال السنوات الأخيرة في السياسات والممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ سنوات عديدة."ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة"، كما قالت المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك. "يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معًا لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع".هكذا يعمل مشروع المحويحدّد التقرير خمس آليات مترابطة تدفع إسرائيل بواسطتها هذا المشروع قدمًا في أنحاء الضفة الغربية:العنف وبثّ الرعب: تستخدم إسرائيل قوات الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة لبث الرعب وفرض العنف والإكراه. منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى 31 آب 2026، قتلت إسرائيل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلًا.التطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز: تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية وهدم المنازل وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودي في هذه المناطق. حتى اليوم هجّرت إسرائيل 75 تجمّعًا فلسطينيًا واستولت البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية. كما هجّرت إسرائيل قسرًا نحو 33,000 فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.تقييد الحركة والتنقّل: تجزّئ إسرائيل الحيّز الفلسطيني بواسطة الحواجز والبوابات وسَدّات الطرق. حتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نحو 925 عائقًا للحركة في أنحاء الضفة الغربية.الخنق الاقتصادي: تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها. فقد ارتفعت نسبة البطالة من 13,1% في العام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024، في ظل الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل في إسرائيل واحتجاز مبالغ متزايدة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.التدمير الاجتماعي والسياسي: تجرّم إسرائيل محاولات التنظُّم السياسي وتقتحم مكاتب منظمات المجتمع المدني وتحظر نشاطها، وتقمع الاحتجاجات وتعتقل الناشطين والطلاب والصحفيين. منذ تشرين الأول 2023، اعتقلت إسرائيل ما لا يقل عن 60 صحفيًا فلسطينيًا من الضفة الغربية.الإطار السياسي: يحدد التقرير "خطة الحسم" التي وضعها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 بوصفها وثيقة أساسية لفهم التصعيد الراهن. وتسعى الاستراتيجية الواردة فيها، المسماة "الحسم بواسطة الاستيطان"، إلى جعل السيادة اليهودية أمرًا لا رجعة فيه، من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين، بحيث لا يتبقى أمام الفلسطينيين سوى ثلاثة خيارات: الخضوع أمام الفوقية اليهودية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسميًا قطّ بوصفها سياسة حكومية، إلا أن سموتريتش يتولى اليوم صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، وتتجلى بعض المبادئ المركزية في المنطق الذي تقوم عليه الخطة في سياسات الدولة وممارساتها، بصورة متزايدة باستمرار.مشروع ممتد منذ عقود: بدأ مشروع المحو قبل سنوات عديدة من خطة سموتريتش من العام 2017 ومن تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها. ترى بتسيلم أن الهجوم الإسرائيلي الراهن على حياة الفلسطينيين هو جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، يُنفَّذ بواسطة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، تجسّد هذا المنطق في أشدّ صوره تطرفًا، في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل؛ أما في الضفة الغربية، فقد سرّعت الحكومة الحالية تنفيذ المشروع وجعلت آلياته أكثر وضوحًا.المسؤولية الدولية: تدعو بتسيلم الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التوقف عن التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بوصفها أحداثًا منفصلة، ثم التوقف عن إتاحة المجال لها وتمكينها من مواصلة جرائمها، وحماية الفلسطينيين والعمل على إنهاء نظام الأبارتهايد والحكم العسكري الإسرائيليين. ذلك أن المستقبل العادل يستوجب نظامًا سياسيًا يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لجميع البشر الذين يعيشون في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الإحقاق الكامل للحقوق الفردية والجماعية وضمان المشاركة السياسية المتساوية.تقول المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك: "يظل الفلسطينيون عرضة لعنف آخذ في التصاعد، بينما تمضي إسرائيل قدمًا في مشروع المحو الذي تنفّذه في الضفة الغربية. لا يمكن للحكومات أن تدين هذه الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنح إسرائيل حصانة تتيح لها مواصلة ارتكابها. ويتعين عليها، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي، من أجل وقف جرائم إسرائيل وتعطيل منظومة العنف والهدم التي تفكك الحياة الفلسطينية".التقرير الكامل، الملخص، الخرائط والرسوم البيانية متاحة لوسائل الإعلام، مع حظر النشر حتى الموعد المحدد.
منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.