نهاد دار العيس (19 عاماً) هو القتيل السادس بنيران الجنود منذ بدء احتجاجات أهالي النبي صالح سنة 2009

الصورة
מטע הזיתים והשקדים שבו נורה ניהאד דאר אל-עיס. צילום:  איאד חדאד, בצלם, 22.2.22
الصورة
نهاد دار العيس (برغوثي). الصورة قدمتها العائلة مشكورة
نهاد دار العيس (برغوثي). الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في يوم الثلاثاء الموافق 15.2.22، حوالي السّاعة 14:15، تقدّم نحو ثمانية جنود في اتّجاه قرية النبي صالح من جهة البُرج العسكريّ القائم عند مدخل القرية الشرقيّ.  وصل إلى المنطقة نحو عشرة شبّان وفتية وأخذوا يشتمون الجنود ويرشقونهم بالحجارة عن بُعد نحو مائة متر، فيما تمركز الجنود خلف ساتر ترابيّ. بعد مضيّ عشر دقائق مرّ في المكان الشابّ نهاد دار العيس/ برغوثي (19 عاماً) من قرية كفرعين المجاورة الذي كان في طريقه نحو منزله، فأوقف سيّارته في مكان قريب وانضمّ إلى الفتية والشبّان راشقي الحجارة. أطلق أحد الجنود رصاصة معدنيّة مغلّفة بالمطّاط ولم يُصب أحداً.  

في الوقت نفسه تقدّم نحو الجنود عددٌ من الفتية والشبان وبضمنهم نهاد دار العيس عبر كرْم أشجار غير كثيفة لكي يرشقوهم بالحجارة عن مسافة أقصر. اقترب اثنان من الجنود نحو الشبّان ووقفا على بُعد نحو 40-70 متراً منهم ثمّ أطلق أحد الجنديين رصاصتين أصابت إحداهما نهاد دار العيس من الخلف. أخلي نهاد إلى المستشفى وهناك فارق الحياة بعد وقت قصير.  

الجنود الذين أطلقوا النار نحو نهاد دار العيس أصابوه في خاصرته من الخلف بعد أن تقدّم لكي يرشقهم بالحجارة عن بُعد نحو سبعين متراً – أي من مسافة لا تعرّضهم للخطر. بالنظر إلى ذلك، فإنّ إطلاق الرّصاص نحوه هو غير قانونيّ وغير مبرّر. وكأنّ ذلك لم يكن كافياً للجنود، إذ امتنعوا عن إسعاف المُصاب بل وهدّدوا بسلاحهم كلّ من حاول مساعدته.  

في تغريدة على "تويتر" نشرها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ لم يُذكر أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق ولكن وفقاً لما قالته عائلة دار العيس فقد اتصل بأفراد العائلة مندوبٌ عن وحدة التحقيقات وأبلغهم بأنّه قد بوشر في التحقيق وطلب منهم إرسال تقارير طبّية. رغم ذلك وبناءً على تجربة الماضي، يمكن القول إنّ هذا التحقيق لن يُنصف نهاد دار العيس وعائلته لأنّ الغاية منه ليست كشف حقائق واقعة القتل وإحقاق العدل بشأنها وإنّما طمسُها بالذات وإتاحة استمرار إطلاق النيران القاتلة نحو الفلسطينيّين. 

الصورة
نظرة من النقطة التي وقف فيها نهاد دار العيس نحو المكان الذي أطلق منه الجنود النار. 22.2.22
نظرة من النقطة التي وقف فيها نهاد دار العيس نحو المكان الذي أطلق منه الجنود النار. 22.2.22

نهاد دار العيس هو الفلسطينيّ السّادس الذي يُقتل في مظاهرات ومواجهات النبي صالح منذ أن بدأ أهالي القرية تظاهراتهم الأسبوعيّة في العام 2009 احتجاجاً على استيلاء المستوطنين على أراضي القرية وعلى نبع مجاور. في العام 2017 توقّفت المظاهرات عن الخروج المنتظم بصورة أسبوعية لكنّ قوّات الجيش لا تزال تداهم القرية مراراً وتكراراً بغية تنفيذ اعتقالات أو قمع مظاهرة أو لمجرّد استفزاز الأهالي دون أيّ سبب ظاهر للعيان، وهو ما حدث على ما يبدو يومَ قتل نهاد دار العيس.  

في ذلك اليوم كان أ. ح. (17 عاماً من سكّان القرية) مع عدد آخر من سكان القرية يجلسون في ساحة تقع وسط القرية حين شاهد مركبة عسكريّة تتوقّف قرب البرج الذي نصبه الجيش عند مدخل القرية. ترجّل من المركبة بضعة جنود وبعد نحو رُبع ساعة تقدّم منهم ثمانية في اتّجاه منازل القرية عبر قطعة أرض وكرْم. عندئذٍ نهض أ. ح. ومن معه وتوجهوا نحو الجنود. 

أدناه يحدّث أ. ح. عمّا جرى – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 22.2.22: 

نزلنا لكي نشتبك مع الجنود الذين كانوا متمترسين خلف سواتر ترابيّة على بُعد نحو مائة متر منّا. أخذنا نصرخ نحوهم. كان بعض الشبّان يحملون المقاليع. أطلق أحد الجنود رصاصة "مطّاطيّة" لكنها لم تُصب أحداً منا. بعد عشر دقائق جاء ما يقارب عشرة جنود إضافيّين ووقفوا على الشارع الرئيسيّ للقرية، على بُعد نحو 150 متراً من الأرض التي كان الشبّان والجنود على جانبيها. تقدّمتُ نحوهم مع ثلاثة فتية لمعرفة ما ينوون فعله. بعد أن تقدّمنا نحو أربعين متراً سمعت طلقة رصاص حيّ واحدة من جهة جنود المجموعة الأولى. رجعت لأرى ما الذي يجري وعندئذٍ سمعت طلقة ثانية.  

عندما رجعت شاهدت نهاد دار العيس ملقىً على الأرض جريحاً. جاء عدد من شبّان القرية وتفقّدوا وضعه ثمّ أسعفوه. عندما بحثوا وجدوا ثقباً صغيراً في الجزء الأعلى من فخذه، في منطقة المؤخرة اليمنى. أحد الشبّان، وهو يقيم في الجوار، ذهب إلى منزله لجلب سيّارة لإخلاء نهاد وفي هذه الأثناء لم يقم الجنود بأيّة بمحاولة لإسعافه ولم يقتربوا رغم أنّهم كانوا يقفون على بُعد عشرات الأمتار فقط. بل على العكس من ذلك، كانوا يوجّهون سلاحهم نحونا.  

الصورة
نظرة من النقطة التي أطلق منها الجنود النار نحو الأشجار التي كان نهاد دار العيس واقفاً بينها عند إصابته. تصوير: إياد الحداد، بتسيلم، 22.2.22
نظرة من النقطة التي أطلق منها الجنود النار نحو الأشجار التي كان نهاد دار العيس واقفاً بينها عند إصابته. تصوير: إياد الحداد، بتسيلم، 22.2.22

أدناه يروي ز. ت. (34 عاماً) وهو من سكّان النبي صالح ما رآه. فقد شاهد الأحداث من شرفة منزل شقيقه المطلّ على موقع المواجهات حيث كان هناك يعمل في دهان المنزل – من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 22.2.22:  

شاهدت الجنود متمركزين خلف سواتر ترابيّة على بُعد خمسين متراً من أرض مغروسة بأشجار لوز وزيتون لا تزال صغيرة. في الجانب الآخر من قطعة الأرض، على بُعد نحو 80-100 متر من الجنود تجمّع عدد من الفتية وكانوا يصرخون نحوهم ويشتمونهم. سمعت الجنود يصرخون باللّغة العبريّة: "انصرفوا من هنا" ويشتمون الفتية. حاول بعض الفتية التقدم لرشق الحجارة لكنه كان رشقاً خفيفاً جداً.   

بعد مضيّ نحو عشر دقائق شاهدت شابّاً يوقف سيّارته، هو نهاد دار العيس من قرية كفرعين المجاورة لقريتنا. كان ينتعل ’شبشباً‘، وانضمّ إلى مجموعة الفتية والشبّان. بعد مضيّ بضع دقائق أخرى سمعت طلقة. لم أرَ مَن أطلقها. أظنّ أنها كانت طلقة تحذير.   

مضت دقائق معدودة أخرى فسمعت طلقتي رصاص حيّ متتاليتين. لم ألحظ ما إذا كان قد أصيب أحد جرّاءهما لكن بعد مضيّ وقت قصير صرخت جارتنا قائلة أنّ هناك شخصاً ملقىً على الأرض. نزلنا بسُرعة وتوجّهنا إلى الموقع حيث يبعد عنّا خمسين متراً. شاهدت نهاد ملقىً على الأرض وسط الكرْم دون حراك. كان الجنود لا يزالون واقفين على الشارع من الجهة الجنوبية وينظرون. رغم أنّه كان واضحاً أنّ الفتى قد أصيب إلا أن الجنود لم يقدموا أيّة مساعدة. عندما رأوا أنّنا نتقدّم نحوه وجّهوا أسلحتهم نحونا. 

وصلت إلى نهاد وفتّشت عن موضع الإصابة. بعد أن عثرت على ثُقب صغير في مؤخّرته رفعته بحذر مع شبّان آخرين وسحبناه مبتعدين مسافة خمسين متراً ثمّ أدخلناه إلى سيّارة أخي. انطلق به أخي إلى مستشفىً في رام الله ولم أرافقه لأنّه كان يتوجّب عليّ البقاء في القرية. في هذه الأثناء استدعيتُ سيّارة إسعاف لملاقاته في الطريق. بعد مضيّ ساعة ونصف الساعة أخبرني شقيقي أنّهم يعدّون نهاد لإدخاله إلى غرفة العمليّات وأنّه بحاجة إلى وجبات دم. بدّلتُ ملابسي لكي أذهب وأتبرع بالدّم لكن قبل أن أخرج من المنزل علمت أنّه قد فارق الحياة.