جنديّ يطلق النار ويقتل شابًّا معاقًا كان يُتابع عن بُعد مواجهاتٍ بجانب حاجز "بيت إيل" (DCO)
31 تموز/يوليو 2023
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 قرابة الساعة 2:30 قبل الفجر تجمّع شبّان بجوار مفرق "سيتي إنْ" في البيرة للاحتجاج على اقتحام الجيش لمخيّم جنين للاجئين. ونحو الساعة 3:00 قبل الفجر تقدّم نحو عشرين شابًّا إلى الشارع المؤدّي إلى الحاجز. ردّدوا هتافات احتجاجيّة وأحرقوا إطارات مطاطيّة وألقوا حجارة عن بُعد 150-200 متر على الجنود المتواجدين في الحاجز، والذين لم يردّوا في هذه المرحلة. على الشارع الواقع جنوبيّ الحاجز كانت تقف سيّارة جيب عسكريّة وبجانبها بضعة جنود آخرين.
وصل شبّان آخرون، من بينهم محمّد حسنين (21 عامًا) الذي كان يعانى من إعاقة جسمانية من جرّاء إطلاق القوّات الإسرائيليّة النار عليه في العام 2019، إلى المنطقة بسيّاراتهم وتابعوا المواجهات عن بُعد. ركنَ حسنين سيّارته بجوار ميدان البيرة الرئيسيّ (ميدان البالوع)، على بُعد نحو 400 متر من الحاجز، وانتقل إلى سيّارة صديقه الذي ركنَ سيّارته خلفه. في تلك الأثناء انضمّ شبّان إضافيّون إلى المواجهات.
في الساعة 3:30 حضرت سيّارة جيب عسكريّة أخرى وتوقّفتْ على طريق ترابيّة تقع على بُعد نحو مائتي متر شماليّ الشارع الذي كانت تدور فيه المواجهات مع الشبّان، بين سياج مستوطنة "بيت إيل" والحاجز. نزل بعض الجنود من سيّارة الجيب ورقدَ قسمٌ منهم في وضعيّة قنص. بدأ الجنود الذين كانوا في الحاجز بمطاردة الشبّان الذين هربوا إلى الاتّجاه الثاني ثمّ سُمِع صوت إطلاق نار. من غير الواضح ما إذا كانت الرصاصات قد أطلقت من قبَل الجنود الذين كانوا يطاردون الشبّان أم من قبَل هؤلاء الذين كانوا بجوار سياج المستوطنة.
في تلك المرحلة بدأ الشبّان بالفرار وحاول بعضهم، ممن كانوا يجلسون في سيّاراتهم، الابتعاد والفرار من هناك هم أيضًا. حاول حسنين الرجوع إلى سيّارته لكن ما أن وصل إليها وفتَح بابها حتى أصيب برصاصة في رأسه وسقط أرضًا. تمّ نقله إلى المستشفى وهناك أقرَّتْ وفاته.
قال المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ إنّ "القوّة استخدمت وسائل لتفريق المظاهرات وأطلقت النار في الهواء. لاحقًا، بُلِّغ عن مقتل فلسطينيّ". غير أنّ "إطلاق النار في الهواء" لا يمكن أن يتسبّب بقتل إنسان وبيان الجيش هذا جاء للتستُّر على إطلاق النار المنفلت من قِبل الجنود الذين كانوا يقفون على بُعْد مسافة كبيرة من راشقي الحجارة ومن المكان الذي كان يقف فيه حسنين ولم تكن حياتهم معرّضة لأيّ خطر.
جمعَ باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد إفادتين من صديقَيْ حسنين في 5.7.23:
ج. ر. قال:
قرابة الساعة 3:00 عدنا إلى ميدان "سيتي إنْ" وركنّا السيّارتين على نفس الشارع الذي توقّفنا فيه سابقًا والذي يؤدّي إلى حاجز الـ DCO. كان الميدان قد امتلأ بالناس وبالسيّارات. رأيتُ نحو عشرين شابًّا يسيرون باتّجاه الحاجز الذي يقع على بُعد نحو 400 متر عن المكان الذي كنّا فيه. ركنّا نحن السيّارتين على الرصيف بحيث كانت مقدّمتا السيّارتين متّجهتين نحو الميدان لكي نكون جاهزين للفرار باتّجاه رام الله إذا أصبح الوضع خطيرًا. ركن محمّد سيّارته أمامي. نزل من سيّارته ودخل إلى سيّارتي. خرج شقيقاه وصديق لهما كانا مسافرَين معه من السيّارة وذهبا إلى الميدان لكي يروا ما يحدث هناك. أنا ومحمّد بقينا في سيّارتي. تحدّثنا وتابعنا ما كان يحدث في الخارج. كان خلفنا شبّان يتظاهرون ويخبطون على حاويات القمامة لجرّ الجنود الذين في سيّارات الجيب إليهم ولمواجهتهم.
نحو الساعة 3:30 وقف أحد شقيقَيْ محمّد بجانب سيّارتي وتحدّث معي. في تلك اللحظات سمعنا المتظاهرين يصرخون بأنّ الجنود يطاردونهم. بدأ الجميع يركضون نحو الميدان. كانت السيّارات تسير في الاتّجاه نفسه أيضًا وتعثّرنا نحن ولم نتمكّن من الخروج بالسيّارة من هناك بسبب الازدحام. في تلك اللحظة بدأ إطلاق النيران الحيّة. نزل محمّد من سيّارتي وتوجّه نحو سيّارته وهو يعرج ثمّ تبعَه شقيقه. كانت المسافة بين سيّارتَينا مترين فقط. ما إنْ وصل إلى الباب وفتحه حتّى استؤنِف إطلاق النار. سمعتُ ما يقرب من عشر طلقات ناريّة. كنتُ داخل السيّارة ولذا لم أرَ من أين جاء إطلاق النار، من اتّجاه الجنود الذين كانوا يطاردون الشبّان أم من القنّاصة الذين يتواجدون عادةً على التلّة التي خارج "بيت إيل"، على بُعد 150-200 متر من شَمالنا نحن.
رأيتُ محمّد يسقط. في البداية لم أدرك على الإطلاق أنّه أصيب ولكن بعد ذلك سمعتُ صراخًا. خرجتُ على الفور من السيّارة وركضت نحوه. كان الشبّان قد حملوه ورأيتُ بقعة دم كبيرة على الشارع. نقلوه إلى سيّارة أخذته إلى مركز فلسطين الطبّيّ في رام الله. سافرتُ أنا وصديقي خلفهم. بعد عشرين- ثلاثين دقيقة أُعلِن رسميًّا عن استشهاده. لقد فقدتُ أحد أقرب أصدقائي. صديق الطفولة. ما زلتُ مصدومًا، لا أصدّق أنّه رحل. تمر الذكريات في رأسي باستمرار مثل فيلم رعب.
م. أ. قال:
بعد اقتحام الجيش لمخيّم جنين رأيتُ في الشبكات تقارير كثيرة عن جرحى وقتلى. رأيتُ أنّه تمّ التخطيط لمسيرة احتجاجيّة في ميدان "سيتي إنْ"، في الساعة 2:30 قبل الفجر. في الساعة 2:45 جاءني صديق ليأخذني في جولة في سيّارة شقيقه، محمّد. كان في السيّارة شقيق آخر لهما. سافرنا إلى ميدان "سيتي إنْ" وهناك التقينا بصديق لمحمّد كان في سيّارته مع شابّ آخر. سافرنا واحدًا تلو الآخر حتّى رام الله وهناك تجوّلنا واشترينا مشروبات وشوكولاتة ثمّ عدنا إلى ميدان "سيتي إنْ". كانت الساعة نحو 3:30. كان هناك الكثير من الأشخاص في السيّارات وكذلك شبّان كانوا يتظاهرون ويحرقون الإطارات المطاطيّة على الشارع المؤدّي إلى حاجز DCO.
توقّفنا في بداية شارع الـ DCO بحيث كانت مقدّمة السيّارة تتّجه نحو رام الله. ركَنَ صديق محمّد سيّارته خلفنا. ذهبتُ مع أحد أخَوَيْ محمّد إلى البقالة التي في محطّة الوقود واشترينا بعض الأشياء وبدأنا العودة باتّجاه السيّارة. رأينا سيّارة جيب للجيش قرب التلّة، خارج سياج مستوطنة "بيت إيل"، على بُعد 100-150 مترًا عنّا. نزل منها ثلاثة أو أربعة جنود واستلقوا على التلّة في وضعيّة قنص. في تلك اللحظة سمعنا صراخ شبّان وظننتُ أنّ الجنود يطاردونهم. بسبب العتمة والفوضى كان من الصعب فهم ما يجري.
فجأةً، بدأ إطلاق نار. لا أعرف كم رصاصة أطلِقتْ. سار صديقي أمامي وصوَّر ثمّ سمعتُه يصرخ: "أخوي، أخوي!". سألتُه ما الذي حدث ثمّ رأيتُ محمّد مستلقيًا مصابًا بجانب سيّارته. كانت هناك بقعة كبيرة من الدم على الأرض. فهمتُ فورًا أنّه أصيب في رأسه. أخذه الشبّان بسيّارة إلى مركز فلسطين الطبّيّ وسافرنا نحن وراءهم إلى هناك. انتظرنا عشرين- ثلاثين دقيقة ثمّ أعلنوا أنّه قد استشهد.