حرية التعبير

الجيش الإسرائيلي قصف العمارتين اللتين تقع فيهما مكاتب قناتي "القدس" و"الأقصى" المتلفزتيْن، 18/11/2012

21 تشرين الثاني/نوفمبر 2012

في يوم 18/11/2012، وقرابة السّاعة 2:00 بعد منتصف الليل، هاجمت طائرة مقاتلة عسكرية مكاتب قناة "القدس" الكائنة في الطابق الحادي عشر والأخير من مبنى شوا-حصري في مدينة غزة. وتوجد في هذا المبنى أيضًا عشرات المكاتب الأخرى التابعة لوكالات الأنباء والقنوات الفضائية. وقرابة السّاعة 7:00 في صباح ذلك اليوم، هاجمت طائراتٌ عمارة الشروق أيضًا، التي توجد في طابقها الخامس عشر والأخير مكاتب قناة "الأقصى" التلفزيونية. وتقع في هذه العمارة أيضًا مكاتب قنوات تلفزيونية ووكالات أنباء من أبو ظبي ودبي والكويت والأردن وروسيا وإسبانيا وقنوات التلفزة سكاي نيوز والعربية وفرنسا 24 بالعربية.

في البيان الصّادر عن الناطق العسكري الإسرائيليّ فور الاعتداء الأول على عمارة الشروق، ورد أنّ الهجوم استهدف "هوائية استخدمتها حركة حماس في عمليات إرهابية ضدّ دولة إسرائيل شماليّ قطاع غزة". وفي بيان آخر صدر بعد البيان الأول أوضح الناطق العسكريّ أنّ الهجمتيْن استهدفتا بنى تحتية إعلامية تابعة لحماس، استخدمتها الحركة لنقل تعليمات ميدانية ولنشر الدعاية.

من الاستقصاء الذي أجرته بتسيلم يتضح أنّ عدة موظفين في قناة القدس كانوا نيامًا في المكاتب في عمارة شوا-حصري، مفترضين أنّ الجيش لن يقصف العمارة. الصاروخ الذي أطلقته الطائرة المقاتلة دخل عبر سقف العمارة وضرب المكاتب. وقد جُرح ستة موظفين على الأقل، اثنان منهم بإصابات بالغة. ونُقل المصابون إلى الطابق التاسع، حيث انتظروا هناك سيارات الإسعاف، فيما نزل الموظفون الآخرون في العمارة إلى طابق المدخل. بعد قرابة ربع ساعة على التفجير الأول، وبعد بدء نقل المصابين إلى سيارة الإسعاف، جرى قصف سقف العمارة مرة ثانية. وفي هذا الهجوم أصيب مصوّر صعد على السقف كي يوثق أضرار التفجير الأول.

وقد جمعت بتسيلم شهادات أيضًا من مُوظفي شركة للإنتاج تقع مكاتبه في الطوابق 9 و13 و14 في عمارة الشروق. ومن شهاداتهم يتضح أنّه بعد قصف عمارة شوا-حصري، قاموا بإخلاء قسم من المعدات في الطوابق المرتفعة، خشية أن يقصف الجيش عمارتهم أيضًا التي تقع في طابقها الـ 15 مكاتب قناة "الأقصى". وقد نزل الموظفون إلى الطابق التاسع ولكنهم عادوا بعد عدة ساعات إلى مكاتبهم في الطابق الـ 14. وقرابة السّاعة 7:00 ضربت عدة صواريخ مكاتب قناة "الأقصى" في الطابق الـ 15 في العمارة، وعبر هذا الطابق دخلت الصواريخ أيضًا إلى مكاتب شركة الإنتاج القائمة في الطابق 14 وسببت أضرارًا جسيمة. وقد أصيب في هذا الهجوم مراسلان كانا يقفان في مدخل عمارة الشروق جراء شظايا وقعت من المبنى. وحتى في هذه الحالة، أُطلق صاروخ آخر باتجاه العمارة، وذلك بعد عدة دقائق من الهجوم الأول. وقد تضرّرت مكاتب أخرى في العمارة جراء قَصفة بالصّواريخ.

بتسيلم غير قادرة على فحص صحّة أم عدم صحّة السّبب من وراء التفجيرات كما عرضها الناطق العسكريّ. إلا أنّ قواعد القانون الإنسانيّ الدولي في هذه المسألة واضحة: منع المسّ المتعمّد بالصحفيين، أو بأيّ مدنيّ آخر، ويجب فعل أقصى ما يُمكن من أجل حمايتهم من نتائج الاقتتال. أضِفْ إلى ذلك أنّ وسائل الإعلام –حتى تلك التابعة للتنظيمات المقاتلة- ليست هدفًا شرعيًا، حتى لو أنها كانت تبثّ الدّعاية. على أيّ حال، عندما يُثار الشكّ في أنّ غاية ما هي هدف عسكريّ أم مدنيّ- فإنّ هذه الغاية تُعتبر هدفًا مدنيًا.

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

اوﺿﺎع ﺣﻘﻮق اﻹﻧﺴﺎن ﻓﻲ اﻷراﺿﻲ اﻟﻤﺤﺘﻠﺔ

تستعرض منظمة “بتسيلم” في التقرير السنوي تشكيلة واسعة من المسائل المتعلقة بانتهاك حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة من طرف السلطات الإسرائيلية إبان عام 2011، وهو العام الـ 44 على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. يتضح من معطيات التقرير انه طرأ ارتفاع حادّ في عام 2011 على عدد الفلسطينيين غير الضالعين في الاقتتال والذين قتلتهم قوات الأمن الإسرائيلية في قطاع غزة. كما طرأ ارتفاع بعدد المواطنين الإسرائيليين الذين قتلهم فلسطينيون في الاراضي المحتلة وإسرائيل، مقارنة مع العام 2010.

21 آذار/مارس 2012

עשן מיתמר מעל חורבות מבנים ברצועת עזה. קלוד קילקוין, רויטרס, 16.12.23

قطاع غزة

بتسيلم تدعو إلى وقف إطلاق النار

الحرب في قطاع غزة مستمرة منذ أكثر من سبعين يوماً. خلال الحرب، تشن إسرائيل هجوماً متحرراً من أية قيود ضد سكان القطاع، بما في ذلك الغارات الجوية والقصف بصورة غير مسبوقة. حتى الآن، ألقت إسرائيل آلاف الأطنان من المتفجرات على آلاف الأهداف في أنحاء القطاع بعد أن أوضح المتحدث الرسمي بلسان الجيش الإسرائيلي أن التركيز هو "أقل على الدقة وأكثر على الأضرار".النتائج واضحة في الميدان: أجزاء واسعة من القطاع لم تعد صالحة لسكن بني البشر. آلاف البيوت قد انهارت، بعضها على ساكنيها، وتهدّمت أعداد كبيرة جداً من الشوارع، المباني العامة والبنى التحتية. وفقاً لمعطيات وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل حتى الآن ما يقارب الـ 19,000 إنسان، نحو 70% منهم من النساء والأطفال، نحو 50,000 أصيبوا بجراح ولا يزال كثيرون مدفونين تحت الأنقاض.تُلزم أحكام القانون الإنساني الدولي بأن يتم تعريف كل واحد من الأهداف التي تم قصفها بأنها هدف عسكري يسهم "مساهمة فعالة" في أنشطة حماس وبأنّ تدميره يمنح إسرائيل "أفضلية عسكرية واضحة". إضافة إلى ذلك، تُلزم هذه الأحكام أيضاً بأنه إذا ما استوفت آلاف الأهداف هذه الشروط، فينبغي للمس اللاحق بحيوات السكان وممتلكاتهم أن يكون تناسبياً. إلا أنه ليس ثمة مجال لملاءمة عمليات القصف الإسرائيلية مع هذه القواعد والأحكام. وكل رأي آخر هو مجرد تفسير لن يكون خاطئاً من ناحية قضائية فحسب، بل غير محتمل من ناحية أخلاقية أيضاً.خلال القتال، تستخدم حماس السكان في قطاع غزة كدروع بشرية، تخبئ الأسلحة في منازلهم، تحفر الأنفاق تحت منازلهم من أجل حماية أعضائها وتطلق النيران على أهداف مدنية في داخل إسرائيل من قلب التجمعات السكانية المدنية. وبذلك، تلحق حماس الضرر بهم وتعرّض حيواتهم للخطر، وسط خرقها لقواعد القانون الإنساني الدولي. تدّعي إسرائيل بأنّه بسبب ذلك، فإنّ أي مسّ من جانبها بحماس سيؤدّي، بالضرورة، وليس بذنْبِها هي، مسّاً بالمدنيين. إلا أن معنى هذا الادعاء هو أن أي عملية تقوم بها إسرائيل، مهما كانت نتائجها مرعبة، تُعتبر شرعية دائماً. هذا ادعاء لا أساس له إطلاقاً، لا قضائياً ولا أخلاقياً: مَن يقتل هو المسؤول وأعمال حماس لا تعفي إسرائيل، ولو بأقل القليل، من مسؤوليتها عن نتائج أفعالها.في موازاة تطبيق سياسة القصف، أغلقت إسرائيل فور بدء الحرب مباشرة جميع المعابر إلى القطاع. وهكذا، أبقت سكانه الذين يزيد تعدادهم عن مليونيّ إنسان بدون وقود وكهرباء، بدون مياه للشرب والاستحمام، بدون غذاء وبدون أدوية. منذ ما قبل الحرب، ونتيجة أيضاً لـ 17 سنة من الحصار، سادت في القطاع أزمة إنسانية عميقة: البنى التحتية للكهرباء، للمياه والصرف الصحي كانت على شفا الانهيار، الجهاز الصحي كان يعمل بصعوبة، معدلات البطالة وصلت إلى 45% ونحو 80% من سكان القطاع كانوا يعتمدون على المساعدات الإنسانية. واستمراراً لذلك، فبعد إغلاق المعابر بوقت قصير نشأت في القطاع كارثة إنسانية لا يتصورها عقل ـ وهي ليست نتيجة جانبية للحرب، بل هي نتيجة مباشرة للسياسة الإسرائيلية.اليوم، هنالك نحو 1,9 مليون مهجَّرين ـ يشكلون حوالي 85% من سكان القطاع ـ يُحشر نحو نصفهم في منطقة رفح. الأغلبية الساحقة منهم موجودون في منشآت تابعة لوكالة غوث اللاجئين (الأونروا) في ظروف لا يمكن تحمّلها: المنشآت مكتظة تماماً ولا تتوفر فيها أدنى الشروط الأساسية، إضافة إلى النقص الحاد والخطير في المياه، في الغذاء، في البطانيات وفي الفرشات، في الخدمات وفي الحمّامات. هذه الظروف تزيد، أضعافاً مضاعفة، خطر انتشار الأمراض والأوبئة، والتي قد انتشرت فعلياً في بعض المواقع.في جميع أنحاء القطاع هنالك نقص في المياه وتفيد تقارير وكالات الأمم المتحدة، أيضاً، بوجود نقص حاد وخطير في الغذاء وبانتشار مجاعة حقيقية بين السكان، وخاصة في شمال القطاع. معظم المستشفيات في القطاع أصبحت في حالة انهيار تام والمستشفيات التي ما زالت قائمة تعمل بصورة جزئية تماماً بينما هي تستوعب ضعفيّ، بل وثلاثة أضعاف، قدرتها الاستيعابية العادية، ناهيك عما تعانيه من نقص في الكهرباء، في المياه، في الأدوية، في التجهيزات والمعدات الطبية الأساسية وفي القوى البشرية المهنية. المساعدات القليلة التي تسمح إسرائيل بإدخالها إلى القطاع هي ليست أكثر من نقطة في بحر وحتى هذه لا إمكانية لإيصالها إلى المحتاجين لها بسبب القصف المتواصل دون توقف، القيود التي تفرضها إسرائيل على حركة الشاحنات والأعداد الكبيرة من الناس الذين تعج بهم الشوارع.الهجوم الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة بدأ في السابع من تشرين الأول، بد أن دخل المئات من نشطاء حماس وسكان آخرين من القطاع إلى داخل الأراضي الإسرائيلية وهم يطلقون النار في كل اتجاه. لقد دخلوا إلى البلدات وبيوت السكان، قتلوا عائلات بأكملها ومشاركين في حفل شبابي، أحرقوا بيوتاً على سكانها، اغتصبوا نساء واعتدوا عليهن جنسياً، اختطفوا ونفذوا أعمالاً فظيعة أخرى. أكثر من 1,200 إنسان قُتلوا في ذلك اليوم وأصي آلاف آخرون بجراح. نحو 250 شخصاً، بينهم أطفال ونساء ومسنون، تم اختطافهم إلى قطاع غزة. بعضهم تم الإفراج عنه منذ ذلك الحين، آخرون ماتوا في الأسر ولا يزال آخرون محتجَزين كرهائن. وطبقاً لإفادات مخطوفين تم الإفراج عنهم فهم محتجَزون في ظروف قاسية ويعانون من نقص في الغذاء والأدوية. ليس هنالك، ولا يمكن أن يكون، أي طريق لتبرير هذه الجرائم. إن محاولات القيام بذلك ـ من خلال الادعاء بشأن "حرب تحرر وطني"، "إنهاء الاستعمار" أو أي سبب آخر ـ يجب رفضها وإدانتها.إسرائيل تبرر الحرب التي تشنها الآن في القطاع على أساس حقها في الدفاع عن النفس، في أعقاب تلك الأحداث. حقاً، على إسرائيل واجب حماية مواطنيها من حماس ـ التي تواصل إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل وتتوعد بشن هجمات إضافية كذلك التي نفذته في 7 تشرين الأول. لكن معنى الحق في الدفاع عن النفس ليس الحق في استخدام العنف غير المحدود وبدون تمييز وهو لا يشرعن تجاهل أحكام القانون الإنساني الدولي وارتكاب جرائم حرب. ومن المؤكد أن إسرائيل لا تستطيع الاستناد إلى حقها هذا لتبرير السياسة التي تلغي أي حماية للسكان المدينين وتقوم على الرأي القائل بأن لا أبرياء في قطاع غزة.منذ بداية الحرب، أبدت حماس وإسرائيل أن ليس في نيّتهما احترام قواعد وأحكام القانون الإنساني الدولي وهما تتجاهلان هذه الأحكام بصورة واضحة تماماً. استمرار القتال في الظروف الحالية سيؤدي، بالضرورة، إلى مئات أخرى من المدنيين القتلى كل يوم. الاكتظاظ الشديد جداً يؤدي إلى أن تسفر أية غارة جوية أو أية عملية عسكرية على الأرض في داخل القطاع عن مقتل كثيرين آخرين. وهذا ما تساهم فيه أيضاً حقيقة أن حماس تنشط من داخل تجمعات المدنيين ولا تكترث بالخطر الذي يخيم عليهم. من الواضح أنه كلما واصلت إسرائيل الدفع بسكان القطاع إلى جنوبه، سوف يزداد خطر إصابة المدنيين بصورة كبيرة، وكذلك سيزداد تفاقم الكارثة الإنسانية.على ضوء هذا كله، لا مناص من الاستنتاج بأن استمرار القتال سوف يؤدي إلى المزيد والمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، المزيد والمزيد من ارتكاب جرائم الحرب، ولذا فإن المطلوب هو وقف الحرب فوراً لمنع مواصلة المس بالمدنيين.على المجتمع الدولي التدخل وحماية السكان المدنيين في كلا الجانبين. حتى التسوية طويلة المدى، ينبغي على المجتمع الدولي مطالبة إسرائيل بوقف العمل العسكري، بالسماح بإدخال المساعدات الإنسانية والبضائع بكميات غير محدودة، بالسماح بإعادة ترميم القطاع وتمكين السكان من العودة إلى مواقع إقامتهم قبل الحرب. كما عليه، أيضاً، مطالبة حماس بالإفراج عن جميع المخطوفين منذ 7 تشرين الأول، بدون أي شرط، ووقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل. كذلك، على المجتمع الدولي ضمان أن يتحمل جميع المسؤولين عن الانتهاكات الخطيرة للقانون الإنساني الدولي المسؤولية عن ذلك.

18 كانون الأول/ديسمبر 2023

זירת ההפצצה בשכונת א-שועג'אעיה בצפון רצועת עזה. צילום: אל-ג'זירה, 2.12.23

قطاع غزة

إسرائيل لا تحارب حماس وإنما المدنيين، وسط تطبيق سياسة قصف إجرامية

في يوم السبت الموافق 2.12.23 قصفت إسرائيل في حي الشجاعية في مدينة غزة. حسب ادعاء الناطق الرسمي بلسان الجيش الإسرائيلي، كان الهدف من هذا القصف قتل وسام فرحات الذي وُصف بأنه "قائد كتيبة الشجاعية في حماس" و"قاد الكتيبة إبان عملية الجرف الصامد"، شارك في تخطيط عمليات و"ساهم في تخطيط الهجوم الوحشي على الأراضي الإسرائيلية في 7 تشرين الأول وأرسل مسلحي النخبة في ذلك اليوم نحو كيبوتس وموقع ناحل عوز العسكري".وفقاً لتقارير أولية، فقد أسفر الهجوم عن تدمير عشرات المباني السكنية وقتل العشرات. ولا يزال المئات مدفونين تحت الأنقاض. بالنظر إلى هذه النتائج، لا يبقى أي شك بشأن عدم قانونية هذا الهجوم: على أي هجوم ـ حتى لو كان لتحقيق هدف عسكري شرعي ـ أن يحقق مبدأ التناسبية، الذي يقضي بوجوب الامتناع عن تنفيذ الهجوم إذا كانت المعلومات المتوفرة تدل على أن الضرر الذي سيلحق بالمواطنين المدنيين من جراء الهجوم سيكون مبالغاً فيه مقارنة بالفائدة العسكرية المتوقع تحقيقها. أي تفسير يقول بأنه من الممكن اعتبار نتائج هذا الهجوم تناسبية من شأنه أن يُفرغ هذه القاعدة من أي مضمون.ثمة ادعاءان مركزيان تستخدمهما إسرائيل لتبرير المس الواسع جداً والإجرامي بالمدنيين نتيجةً لهذه السياسة، وكلاهما لا أساس لهما من الصحة ولا يمتّان بصلة إلى أحكام القانون الإنساني الدولي وإلى غاياته:الادعاء الأول هو أن إسرائيل تبذل كل ما في وسعها لتجنب المس بالمدنيين، لكن حماس تختبئ خلف المواطنين وتستخدمهم دروعاً بشرية، ولذلك فإن أي مسّ إسرائيلي بحماس يستتبع بالضرورة ـ وليس بذنْب إسرائيل ـ مساً بالمواطنين. إلا أن معنى هذا الادعاء هو أن إسرائيل لا تخضع لأية تقييدات وأن أية عملية تقوم بها، مهما كانت نتائجها مرعبة، تُعتب شرعية. صحيح أن حماس تنتهك أحكام القانون الإنساني الدولي، وخاصة واجب التمييز بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، من خلال إطلاقها الصواريخ من بين السكان المدنيين نحو المدنيين الإسرائيليين ومن حيث أن مسلحيها يخبئون الأسلحة في منازل السكان المدنيين ويحفرون الأنفاق تحتهم. إلا أن هذا السلوك لا يعفي إسرائيل من واجبها بشأن العمل بموجب هذه الأحكام. التفسير الإسرائيلي يلغي تماماً القاعدة التي تنص على أن حقيقة انتهاك أحد الأطراف هذه الأحكام لا تعفي الطرف الآخر من واجبه في تطبيقها والالتزام بها.الادعاء الثاني الذي تستخدمه إسرائيل هو أنها تُبلغ كل المدنيين في الأماكن التي تقوم بقصفها بضرورة مغادرة منازلهم والتوجه إلى المناطق التي تعتبرها "مناطق آمنة". في قولها هذا تلمح إسرائيل إلى أنه من جهتها لم يتبق مواطنون مدنيون في هذه الأماكن ولذا فإن بإمكانها العمل هناك دونما حاجة إلى التحذير من مغبة المس بالمدنيين. هذا الادعاء مقطوع عن الواقع. أولاً، هذا الادعاء يتجاهل حقيقة أن مواطنين كثيرين قد ظلوا في منازلهم ـ بعضهم لأنه لا يستطيع الوصول إلى جنوب القطاع لأسباب مختلفة وبعضهم الآخر لأنه اختار عدم المغادرة إلى الجنوب. الافتراض بأن المنطقة أصبحت خالية من المدنيين هو، إذاً، افتراض مغلوط واقعياً. ثانياً، حتى لو كان المواطنون قد غادروا فليس معنى هذا أنه بالإمكان قصف المنطقة بصورة شاملة وبدون تحييد منازلهم، التي هي أهداف مدنية، طالما لن يُثبت خلاف ذلك.منذ بداية الحرب، كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قد أوضح أن إسرائيل سوف تنتقم بشدة، كما سارع الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي إلى التوضيح بأنه في هذه الحرب "سيكون التركيز على كمية الضرر وليس على الدقة". تبدو هذه التصريحات بوضوح تام في سياسة القصف التي تطبقها إسرائيل في القطاع منذ بداية الحرب. هذه السياسة، التي ألقيت في إطارها مئات الأطنان من المتفجرات على قطاع غزة، أسفرت حتى الآن عن قتل مرعب لأكثر من 15,000 إنسان، من بينهم أكثر من 6,000 من الأطفال والأولاد والفتيان ونحو 4,000 من النساء. أحياء سكنية بأكملها انهارت، من بينها أبراج سكنية، والعديد من الشوارع أصبحت خرائب. كما لا يزال كثيرون مدفونين تحت الأنقاض ولا يزال مصيرهم غير معروف. نحو 1,8 مليون إنسان هُجّروا من منازلهم حتى الان وهم محشورون في ظروف غير إنسانية، بدون مياه ولا غذاء ولا أدوية.المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، كريم خان، الذي زار إسرائيل والضفة الغربية في الأيام الأخيرة، أوضح بصورة جلية أن إسرائيل مُلزَمة بالتصرف وفقاُ للقواعد والأحكام التي تسري دائماً على النزاعات المسلحة. وأشار إلى أن القتال في المناطق المأهولة بالسكان بكثافة عالية، والتي زُعم بأن مسلحين يختبئون فيها بصورة غير قانونية بين سكان مدنيين، هو أمر معقد ومركّب في جوهره حقاً، لكن ليس ثمة في هذا ما يبرر تجاهل أحكام القانون الإنساني الدولي. وشدد خان على أن إسرائيل ملزمة بالعمل بموجب المبادئ القانونية الواضحة بشأن التمييز، اتخاذ وسائل الحذر والتناسبية، وذلك "لكي تكون الحماية القانونية ذات معنى وفاعلية تجاه أولئك المحتاجين إليها". وأضاف إنه يجب الانصياع ليس للنص الحرفي للقانون فحسب، وإنما لروحه أيضاً: "القانون الإنساني الدولي والمواد في ميثاق روما ترمي إلى حماية الضعفاء، بل الأضعف".في المقابل، تصر إسرائيل على التشبث بنص القانون فحسب، فتفسره بصورة منزوعة تماماً عن سياقه وأهدافه: فهي تدّعي بأنها تقوم بتحذير السكان المدنيين قبل القصف، لكنها تتجاهل واقع أن ليست لديهم أية إمكانية حقيقية لحماية أنفسهم؛ وهي تدّعي بأنّها تهاجم أهدافاً عسكرية فقط، لكنها تتجاهل قصفها آلاف منازل السكان المدنيين منذ بدء الحرب؛ وهي تدّعي بأنه تطبق مبدأ التناسبية، لكن التفسير الذي تعطيه هي لهذا المبدأ بعيد عن أي تفسير منطقي ومعقول وإن ما تصفه هي بـ "الضرر الجانبي" قد تجسد حتى الآن بآلاف القتلى من الأطفال.منذ انتهاء وقف إطلاق النار، تهدد إسرائيل بتصعيد وتيرة وشدة القتال في جنوب القطاع. وتدّعي بأن استمرار القتال ضروري لتتمكن من حماية مواطنيها. لا خلاف على أن من واجب إسرائيل توفير مثل هذه الحماية، طالما واصلت حماس إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل وبقي قادتها يتعهدون بأن 7.10.23 "لم يكن سوى ترويجة". لكنّ إسرائيل تستند إلى هذا الادعاء لكي تبرر سياسة القصف الإجرامية التي تطبقها في القطاع، والتي تمس أساساً بالسكان المدنيين.في هذه الأثناء، أصبح يتزاحم في جنوب قطاع غزة أكثر من مليونيّ إنسان ليس لديهم أي مكان آخر يتوجهون إليه. الاستمرار في تطبيق سياسة القصف هذه قد يؤدي، على نحو شبه مؤكد، إلى قتل آلاف أخرى من المدنيين. في مثل هذه الظروف، من الواضح أن على إسرائيل التوقف فوراً عن تطبيق هذه السياسة التي تؤدي إلى زرع المزيد والمزيد من الموت، إلى المزيد والمزيد من الفظائع وإلى تعميق الكارثة الإنسانية في القطاع.

5 كانون الأول/ديسمبر 2023