قطاع غزة

جنود سفينة تابعة لسلاح البحريّة أطلقوا النار على صيّادين وقتلوا صيادًا أثناء محاولته الفرار بقاربه

22 حزيران/يونيو 2017، حُدّث في 15 تموز/يوليو 2019

محمّد بكر(25 عامًا). الصورة قدّمتها العائلة مشكورةيوم الاثنين الموافق 15.5.17، زهاء الساعة 8:30 صباحًا، أطلق جنود النار من سفينة تابعة لسلاح البحريّة الإسرائيليّ وقتلوا محمد بكر، البالغ من العمر 25 عامًا (متزوّج وأب لطفلَين، وهو من سكان مخيّم الشاطئ في قطاع غزة) وذلك أثناء مطاردتهم قارب الصيد خاصّته. من التحقيق الذي أجرته منظمة بتسيلم يتبيّن أنّه عندما شنّ الجنود الهجوم على محمد بكر وعائلته كان هؤلاء يصطادون على بُعد ثلاثة أميال من الشاطئ، أي في المجال الذي يسمح فيه الجيش بممارسة الصّيد، وبدأوا بالفرار بعد أن أطلقت سفينة سلاح البحريّة النار باتجاههم.

في صباح ذلك اليوم، زهاء الساعة 6:00، خرج من ميناء غزّة قاربا صيد (من نوع حسكة)، في كلّ قارب كان أربعة صيادين، وأبحر القاربان باتجاه شمال-غرب، إلى المنطقة المواجهة لبيت لاهيا. توقّف القاربان على بُعد نحو ثلاثة أميال بحريّة من غرب الشاطئ، ونحو كيلومتر واحد من الحدود الشماليّة للمجال الذي تسمح فيه إسرائيل بالصّيد، وألقى الصيادون صنانيرهم في الماء. زهاء الساعة 8:20، شاهد الصيادون سفينة وزورق "دبّور" تابعين للبحرية الإسرائيليّة يقتربان منهم من جهة الشمال. توقّفت السفينة في منطقة الحدود، وتقدّم زورق "الدبّور" بسرعة جنوبًا باتجاه قاربَي الصّيد، فيم الجنود الذين كانوا على متنه أطلقوا باتجاه الصيادين الرصاص المطاطيّ والذخيرة الحيّة. لاذ قاربا الصيد بالفرار جنوبًا وواصل زورق "الدبّور" ملاحقتهما. عندما وصل القاربان أمام شواطئ جباليا اقترب زورق "الدبّور" حتى مسافة 10-20 مترًا من أحدهما. الجنود الذين كانوا على متن السفينة صرخوا على الصيادين يأمرونهم بالتوقف وأطلقوا النار باتجاههم.

في الإفادة التي قدّمها محمد صباح في تاريخ 22.5.17 وصف فادي بكر، البالغ من العمر 32 عامًا، وهو متزوّج وأب لثلاثة أطفال، من سكّان مخيّم الشاطئ، لحظات إطلاق الرصاص وما حدث بعدها

فجأة سمعتُ أخي محمد الذي كان بالقرب من المحرّك، يقول إنّه أصيب جرّاء إطلاق النار عليه. اعتقدتُ انه أصيب برصاصة مطاطية، لكنه قال إنه يشعر بألمٍ شديد في الصدر. كذلك الحسكة توقّفت لأنّ الرصاصة أصابَت المحرّك.

أمسكتُ بأخي ورأيتُ أنه أصيب في الصدر، في منطقة القلب. نادى علينا الجنود للوقوف في مقدّمة الحسكة. قلنا لهم إنّ محمد أصيب ورفعناه إلى الأعلى، حتّى يروا ذلك. عندما رآه الجنود، اقتربوا من الحسكة بزورق "الدبّور"، ونحن بدَورنا حملنا محمّد ونقلناه إليهم. بعد ذلك، توجّه زورق "الدبّور" إلى ميناء أسدود. كان من الواضح أنّ إصابة محمّد خطيرة.

بقينا في المكان لأنّ المحرّك الذي أصيبَ جرّاء إطلاق الرصاص كان معطّلاً. أشرنا بواسطة القميص نحو قارب الحسكة التابع لعمر بكر والذي كان قريبًا منّا. وصل القارب وربط عمر قاربنا به وجرّنا إلى ميناء غزّة. رجعنا بدون أخي محمد الذي خرج معنا صباحًا للعمل وإعالة نفسه وأسرته.

توثيق الحدث في شريط محرّر نشرته وكالة القدس للأنباء.  

عمر بكر، صياد، يبلغ من العمر 48 عامًا، متزوج ولديه ستة أطفال، وهو من سكان مخيم الشاطئ، كان في قارب الحسكة الثاني، على بعد حوالي كيلومتر واحد من قارب الحسكة الذي أصيب فيه محمد بكر.

في الإفادة التي قدّمها لباحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في تاريخ 23.5.17، روى عمر:

رأيت زورق "الدبّور" والجنود يطلقون الرصاص على قارب الحسكة الثاني، الذي كان بجانبهم. بعد مضيّ ثوانٍ توقّف قارب الحسكة ثمّ ابتعد عنه زورق "الدبّور". رأيتُ أحد الصيادين يلوّح بقميص. أبحرت في اتجاههم على الفور. كنت على بعد أقل من كيلومتر واحد.

عندما اقتربت منهم، رأيتُ عمران بكر يصرخ ويلطم على وجهه. أخبرني أنّ الجنود أطلقوا الرصاص على أخيه وأنّهم أخذوه معهم. رأيتُ أيضًا أنّ محرّك الحسكة قد أصيب. فورًا قمتُ بجرّ الحسكة نحو الميناء.

بعد أن نزلوا إلى الشاطئ تمّ استجواب أخوي محمد بكر وابن عمّه، الذي كان برفقته في القارب، طيلة ساعات على أيدي رجال الشرطة البحرية التابعة لحماس. مع الإفراج عنهم علموا أنّه تمّ نقله إلى مستشفى برزيلاي في عسقلان وأنّ الأب تلقى تصريحًا بالدخول إلى إسرائيل لرؤية ابنه المصاب، لكن إلى أن وصله كان قد فارق الحياة.

روى عمر بكر عن مشاعر الصيادين في غزّة:

كصيادين، نحن ندفع حياتنا ثمنًا للعمل في البحر. عندما ننزل البحر، نشعر كما لو أننا ندخل منطقة نار، بسبب ملاحقات البحريّة الإسرائيليّة، وإطلاق النار علينا. إنهم يحاولون منعنا من الصيد، وذلك باستخدام الذخيرة الحية، والاعتقالات، وتخريب الحسكات. أصبحت مهنة الصيد صعبة للغاية، لأن البحرية الإسرائيلية تلاحقنا حتى في المنطقة التي يسمح لنا فيها بالصيد.

من التحقيق الذي أجرته منظّمة بتسيلم يتبيّن أنّ الجنود الذين أطلقوا الرصاص على قارب الصيد وقتلوا محمد بكر فعلوا ذلك دون أيّ مبرر، حين كان بكر يصطاد في منطقة يسمح فيها الجيش بممارسة الصيد، وأساسًا هو لم يشكّل خطرًا على حياتهم. إطلاق الرصاص على الفلسطينيين الذين نزلوا البحر بهدف كسب الرزق، ليس مبرّرًا وليس قانونيًا. إطلاق الرصاص من قبل الجنود على الصيادين هو ظاهرة روتينية، إلى جانب ذلك، فإنّ القيود العديدة التي تفرضها إسرائيل على قطاع الصيد في غزة - تقليص المجال المسموح الصيدفيه، حظر إدخال مواد أساسيّة، إجراء الاعتقالات وفرض القيود على تصدير وتسويق الأسماك - قضى على هذا القطاع في غزة. في عام 2016، ووفق ما جاء في معطيات الصيد التي قدّمتها وزارة الزراعة في غزة لمنظمة بتسيلم، اعتقل الجيش 113 صيادًا، وعشرة صيادين آخرين أصيبوا جراء إطلاق الرصاص من قبل البحرية الإسرائيليّة، كما صادر الجيش 38 قارب حسكة بمحرّكات، وثمانية بدون محرّكات. من معطيات دائرة الصيد يتّضح أنّ الخسائر المباشرة التي لحقت بالصيادين عام 2016 جرّاء إطلاق الرصاص على القوارب ومصادرة مراكب ومعدّات للصيد، بلغت ما يقارب نصف مليون دولار.

طالما واصلت إسرائيل هذه السياسة، سيبقى، للأسف، نزول الصيادين الأبرياء إلى البحر من أجل إعالة أسرهم مغامرة قد تكلّفهم حياتهم. بعضهم يعود سالمًا، آخرون يجري اعتقالهم أو يصابون أو يُقتلون. أمّا في إسرائيل فلن يحاسَب أحد لأنّ الإجراءات تطمس الحقائق وتمنح غطاءً قانونيًّا لهذه الاعتداءات المستمرّة.

* في 30.6.17 نشرت وسائل الإعلام أنّ محاميًا من النيابة ينظر في ملفّ التحقيق.

مواد مقترحة

מזח דייגים בעיר עזה. צילום: מוחמד סבאח, בצלם

قطاع غزة

الغوص في أعماق اليأس: معاناة عائلات الصيّادين وبائعي الأسماك في قطاع غزّة جرّاء سياسات إسرائيل

في 12.8.20 قلّصت إسرائيل مساحة الصّيد في جنوب قطاع غزّة من 15 ميلاً بحريّاً إلى 8 بحجّة إطلاق بالونات حارقة من قطاع غزّة وفقاً لتصريحات رسميّة. في 16.8.20 أغلقت إسرائيل البحر تمامًا أما الصيادين وفي 2.9.20 فتحته لمسافة 15 ميلًا بحريًا. إنّ مبرر الجهات الرسمية لفرض هذه التقييدات هو إطلاق البالونات الحارقة من قطاع غزة. هذه ليست المرة الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة التي تحدّد فيها إسرائيل مسافة الصيد لهذا السبب. هذا الإجراء وهو بمثابة عقاب جماعيّ يضاف إلى ما سبقه من قيود فرضتها إسرائيل على صيّادي الأسماك في القطاع منذ فرضت الحصار في العام 2007: اعتقال الصيّادين ومصادرة مراكبهم ومنع استيراد الموادّ الخام اللّازمة لإصلاح وترميم المراكب - وإطلاق النّار على مراكب الصيّادين بحجّة تخطّي مساحة الصّيد التي تسمح بها. قُتل جرّاء هذه النيران نحو سبعة صيّادين وجُرح المئات حتى الآن. قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزّة انهار منذ زمن جرّاء هذه القيود ونتيجة لذلك لم يبق سوى 4,000 يعملون في الصّيد اليوم (بينما كان في قطاع غزّة 10,000 صيّاد قبل عشرين عاماً) وهؤلاء يعملون في ظروف خطيرة وقاهرة فرضتها عليهم إسرائيل، بالكاد يتمكّنون من إعالة أسرهم التي تدهور مستوى معيشتها إلى درجة الفقر المدقع. أدناه إفادات نساء وأمّهات صيّادين وبائعي أسماك من قطاع غزة يصفن مرارة العيش في هذا الواقع المطبوع بتقلّبات الحاضر وغموض المستقبل - استمعت إليها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. تصف النساء في إفاداتهنّ قلقهنّ الدّائم على أمن وسلامة أعزّائهنّ في عرض البحر ويفصّلن تبعات القيود التي تفرضها إسرائيل على سبُل كسب الرّزق والمصاعب الاقتصاديّة التي يواجهنها في تدبير احتياجات الأسرة - وهي مصاعب من المتوقّع أن تتفاقم جرّاء الآثار الاقتصاديّة لوباء الكورونا. أدناه إفادة انتصار الصّعيدي (52 عاماً) من مخيّم الشاطئ للاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أبناء - أدلت بها في 5.8.20 محدّثة عن المصاعب الاقتصاديّة والمآسي التي حلّت بها وبأسرتها: تزوّجت من مروان في 1984 وكان صيّاداً من قبل. هذه مهنته الوحيدة. كذلك أبنائي وأعمامهم يعملون في الصّيد. في البداية كان وضعنا الاقتصاديّ ممتازاً والعمل في الصّيد لم يكن محفوفاً بالمخاطر. في تلك الأيّام لم يكن الجيش يطلق النّار على الصيّادين ولم يعتقلهم ولم يصادر مراكبهم ومعدّاتهم. مساحة الصّيد كانت واسعة ولهذا كان الصيّادون يعودون بصيد وفير. كان مدخول زوجي عالياً إذ كان يكسب 2,000 – 3,000 شيكل في الأسبوع. لم ينقصنا شيء ولم يثر قلقي شيء. كان زوجي يعمل على حسكة خاصّة به ومنذ كان ولدانا خضر والسيّد صغيرين كان يأخذهما معه إلى البحر ويعلّمهما مهنة الصّيد ومع ذلك كنت مرتاحة ولم أخشَ على حياتهم. لكنّ الوضع تغيّر منذ الحصار. مع تقليص مساحة الصّيد تدهور وضعنا كثيراً. صار الصيّادون يخاطرون بحياتهم لكي يجلبوا لقمة العيش لأسرهم وصرت أخاف كثيراً على زوجي وأبنائي - ربّما يطلقون عليهم النّار وقد يعتقلوهم أو يصادروا معدّاتهم إلخ. كلّما سمعت عن إطلاق نار على الصيّادين في البحر أمضي السّاعات في قلق شديد إلى أن أرى أبنائي وأطمئنّ أنّهم بخير ولكي يهدأ قلبي أذهب إلى الميناء وأنتظرهم هناك وحين أراهم يهبطون من المركب سالمين أعود إلى المنزل". في العام 2012 توقّف زوجي عن العمل في الصّيد بسبب مشاكل في ظهره ومنذ ذلك الحين أصبح ابنانا المعيلان الوحيدان للعائلة. هما متزوّجان ولكلّ منهما أولاد وأسرة وجميعنا نعيش في بيت واحد. لقد اضطررت إلى بيع مصاغي بسبب الأوضاع الاقتصاديّة القاسية التي انتابتنا وفوق ذلك استدنت المال من الأقارب وما زلنا مدينين حتى اليوم لأنّنا لم نتمكّن من تسديد الدّين. في العام 2017 اعتقلوا خضر ولم نعرف عنه شيئاً إلّا بعد مرور عشرة أيّام إذ تبيّن أنّه رهن الاعتقال. جلبوه إلى محاكمة وحكموا عليه بالسّجن لمدّة سنة وأربعة أشهر. قالوا إنّ السّبب هو تجاوزه مساحة الصّيد المسموحة وأنّه فعل ذلك مرّات ومرّات من قبل ولم يتمكّنوا من القبض عليه سوى الآن. لقد عانيت كثيراً حين كان خضر في الحبس. في البداية كنت أبكي ليلاً نهاراً لم تغمض لي عين في اللّيالي ولم أذق طعم الفرح. وحين كنت أذهب لزيارته في السّجن كنت أبكي وأبكي - في الطّريق إلى السّجن أبكي وأثناء الزيارة أبكي وأبكي في طريق العودة. كانت تلك أيّاماً عصيبة حقّاً. حين اعتقلوا خضر صادروا أيضاً الحسكات ولمّا أعادوها كانت تالفة تماماً وبدون المعدّات - مجرّد خشب. بعد إطلاق سراح خضر وعودته إلى العمل حلّت بنا مصيبة: قبل سنة ونصف تقريباً في 20.2.19 خرج خضر للصّيد وفي اللّيل سمعنا أنّ الجيش الإسرائيليّ يطارد الحسكات وقد أخذ إحداها إلى ميناء أسدود. قال لي ابني السّيد إنّ خضر قد اعتُقل ولكنّ إحساسي كان ينبئني أنّه أصيب. مضت أربعة أيّام ولم أعرف شيئاً عن مصير ابني. أخلي سبيل الصيّادين لكنّ خضر لم يعد معهم. لاحقاً اتّضح أنّه أصيب برصاصة "مطّاطية" في عينه اليمنى وفقد بصره تمامً في كلتي عينيه. كان في مستشفى في إسرائيل ولم أره. رأيته للمرّة الأولى حين أعادوه إلى غزة - إلى مستشفى الشفاء - فأجهشت بالبكاء. منذ أن حدث ذلك أعيش هذه المأساة ويملأ قلبي الحزن على خضر لأنّه أصبح حبيس المنزل بين أربعة جدران عاطلاً عن العمل وعاجزاً عن إعالة أسرته. وضعه الاقتصاديّ سيّء جدّاً، مأساوي حقّاً، فهو لا يتلقّى مخصّصات جرحى أو دعماً من أيّة جهة كانت سوى بعض المتصدّقين الخيّرين يقدّمون له مبالغ صغيرة هنا وهناك. الأدوية وحدها التي يحتاجها تكلّف 150 شيكل شهريّاً. كذلك وضعه النفسيّ متردّ جدّاً. خضر لا يحبّ الخروج من المنزل في حالته هذه. إنّه يبقى حبيساً طوال اليوم وفي اللّيالي لا ينام. تنتابه حالات من العصبيّة. ليته أصيب في أيّ موضع آخر من جسده غير العينين لأنّ فقدان البصر أمرٌ صعب جدّاً وخاصّة بالنسبة إلى شابّ في مثل عمره. هو لا يزال في سنّ الـ32. أنا الأكثر تأثّراً بوضع خضر من بين جميع أفراد العائلة. أعتني به وأعيل أولاده. لم تجلب لنا مهنة الصّيد سوى المصائب والمآسي ووجع القلب. كنوز البحر بقيت في البحر وبقيت أنا مع وجعي على ابني الذي عاد من البحر تاركاً وراءه نور عينيه. ابني السيّد (33 عاماً) يعمل اليوم صيّاداً أجيراً وأحياناً يستأجر مركب صيد ويعمل لحسابه الخاصّ. مدخول العائلة الآن لا يتجاوز 500 شيكل شهريّاً وهذا لا يكفي لاحتياجات عائلتنا الكبيرة. أنا أتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه الاجتماعيّ مبلغ 1,800 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر وهي لا تكفي لتسديد الديون أيضاً. المشكلة هي أنّه لا توجد مجالات عمل أخرى في ظلّ الظروف الاقتصادية الصّعبة السّائدة في قطاع غزّة. حتى أحفادي الأطفال يقلّدون آباءهم أثناء اللّعب، يبنون حسكات صغيرة وآلات لغزل الشبك. يقولون: "نحن ذاهبون إلى العمل" "احترسوا من الجيش والرّصاص" وهكذا. أنظر إليهم وأقول لهم "إيّاكم والعمل في هذه المهنة. بتّ أخاف عليكم أكثر من خوفي على آبائكم!". أتمنّى أن تتحسّن الأوضاع ونعيش أيّاماً أفضل وأدعو من الله أن يعيد لخضر نور عينيه وأن تتحسّن نفسيّته. أدناه إفادة نورا نعمان (22 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين في مدينة غزّة، وهي أمّ لطفلين - أدلت بها محدّثة عن خوفها على زوجها الصيّاد مؤمن (31 عاماً) وعن المصاعب الاقتصاديّة: عندما يتوجّه مؤمن إلى عمله ينتابني الخوف ألّا يعود فلا أهدأ إلّا حين أراه عائداً إلى المنزل. في بداية العام 2018 خرج مؤمن للصيد. مرّت ساعات طويلة ولم يعد. خشيت على سلامته عندما سمعنا من صيّادين أقارب لنا أنّ الجيش اعتقله. بكيت وخفت كثيراً. حينذاك كان شقيقه معتقلاً لدى الجيش الإسرائيليّ أيضاً. خفت ألّا يعود مؤمن إلينا. كان ابني محمّد في ذلك الوقت رضيعاً ابن 7 أشهر فقط. ثلاثة أسابيع مرّت ولم نعرف إلى أين أخذوا مؤمن. طوال تلك الفترة كنت بالكاد أتناول الطعام أو أنام. في النهاية أخلي سبيل مؤمن. عندما رأيته داخلاً إلى المنزل لم أصدّق عينيّ وأجهشت بالبكاء. احتضنته والسّعادة تغمرني. بعد الاعتقال عاد مؤمن إلى عمله في الصّيد رغم المخاطر فهذه مهنته الوحيدة. في الفترة ما بين السّنوات 2013 - 2017 صادر الجيش ثلاثة مراكب له ولعائلته - لم يعيدوا منها حتى اليوم سوى واحداً. في العام الماضي اقتنى إخوة زوجي مركب صيد وصار زوجي يعمل معهم - خمسة إخوة يعملون على مركب واحد. يتلقّى زوجي 150 شيكل في نهاية كلّ أسبوع وهذا مبلغ لا يكفي لأسرة مؤلّفة من 4 أنفار، خاصّة وأنّ أولادنا صغار وهناك احتياجات يوميّة لهم، مثل الفوط الصحّية والحليب. حياتي كلّها قروض واستدانة من العائلة والأصدقاء. تتلقّى حماتي مبلغ 750 شيكل كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر من وزارة الرّفاه توزّعها على أبنائها. وما يكسبه زوجي يذهب كلّه لتسديد الدّيون فهو يستدين أحياناً حين يحتاج إلى شراء شبك ومجاديف وعندما يبيع السّمك يسدّد قسطاً من الدّين. عندما أسمع عن إطلاق نار على الصّيادين أتّصل فوراً بإخوة زوجي لكي أطمئنّ على مؤمن ولكنّني لا أطمئنّ إلّا حين يعود إلى المنزل. قبل خروجه إلى البحر يوصيني مؤمن بنفسي وبأولادنا الصّغار لأنّه مثلي يخشى أن يقتلوه أو يعتقلوه وهذا يوتّرني أكثر فأكثر فأقول له "لا تتحدّث هكذا، ستعود بالسّلامة بإذن الله". "أحياناً أقول لمؤمن ليتك تعمل في مهنة أخرى بسبب مخاطر البحر وخطر الجيش الإسرائيليّ. أطلب منه أن يبحث عن عمل آخر ويتخلّى عن البحر. عندئذٍ يجيبني مؤمن قائلاً إنّ الوضع في القطاع سيّء ولا يوجد عمل آخر غير الصّيد ويطلب منّي أن أتحلّى بالصّبر والأمل بأن نشهد أيّاماً أفضل". أدعو الله أن يُبعد الجيش الإسرائيليّ عن زوجي وعن جميع الصيّادين وأتمنّى أن تتحسّن أوضاعنا لكي نستطيع تأمين مستقبل أولادنا الصّغار ونوفّر لهُم احتياجاتهم. كذلك أدعو الله أن يحفظ زوجي ويحميه فلا يُصاب. أدناه إفادة عُلا الصّعيدي (36 عاماً) من مخيّم الشاطئ في مدينة غزّة، وهي أمّ لثلاثة أولاد - أدلت بها محدّثة عن زوجها الصيّاد ومشقّات مهنته: زوجي أحمد في الـ42 من عمره ويعمل صيّاداً منذ زواجنا قبل 18 عاماً. إنّها مهنة شاقّة ورغم أنّ عائلتي هي عائلة صيادين إلا أنّني لا أحبّ هذه المهنة لأنّها خطيرة جدّاً ولكن بما أنّها مصدر رزقنا الوحيد فنحن مضطرون إلى تقبّلها على مخاطرها. نحن نمرّ الآن بأزمة ماليّة. عندما بدأ الحصار انخفض مدخول زوجي إلى 700 شكيل شهريّاً واليوم لا يتجاوز مدخوله الـ500 شيكل شهريّاً رغم أنّه يشقى في عمله. هذا مبلغ ضئيل جدّاً ولا يكفي لمعيشتنا. في الماضي كنت أتلقّى كلّ ثلاثة أو أربعة أشهر مخصّصات من وزارة الرّفاه بقيمة 1,800 شيكل لكنّهم خفضوا المبلغ بعد أربع سنوات إلى 700 شيكل. هذه المبالغ لا تكفي لمعيشتنا ولا حتى لاحتياجاتنا الأساسيّة اليوميّة أو لملابس العيد لأولادنا. منذ تفشى وباء الكورونا ازداد الوضع سوءاً لأنّ الأزمة الاقتصاديّة في قطاع غزّة تفاقمت والناس يشترون الأسماك بكميّات أقلّ من ذي قبل. كذلك انخفض عدد القادمين إلى القطاع من خارجه ولذلك قلّت المناسبات الكبيرة وبالتالي انخفض الطلب على السّمك. يعمل زوجي على مركب يملكه أخوه. يخرج نحو السّاعة 15:00 ويعود بعد السّاعة 3:00 فجراً. عندما يخرج زوجي للصّيد أدعو الله أن يحفظه ويحميه من الجيش ورصاص الجنود. لا أطمئن إلّا حين يعود إلى المنزل أو يتّصل بي. طالما هو في عرض البحر أظلّ فريسة الخوف والقلق عليه وخاصّة حين أسمع صوت إطلاق الرّصاص نحو الصيّادين. أتوتّر كثيراً وأتّصل به فوراً لكي أتأكّد أنّه بخير. كذلك أولادنا يخافون ويقلقون كثيراً عندما يسمعون صوت الرّصاص. يتساءلون تُرى من الذي اعتُقل من الصيّادين ويتمنّون ألّا يكون والدهم. أنا أحاول أن أهدّئ من روعهم وأقول لهم "صبراً، بابا سوف يعود" وإذا تأخّر زوجي في العودة يذهب ابني أنس (9 سنوات) إلى ميناء غزة وينتظره هناك لشدّة خوفه وقلقه عليه. الصّيد أسوأ مهنة لرجُل بالنسبة للزّوجات. أخشى على زوجي من برد الشتاء القارس وأخاف عليه من مخاطر البحر ولكن أكثر ما يقلقني إطلاق الرّصاص على الصيّادين. اليوم الذي أسمع فيه من الناس عن حادثة إطلاق نار على الصيّادين يمضي عليّ وشعور يرافقني بأنّني سأفقد زوجي في كلّ لحظة وأظلّ أصلّي وأدعو الله أن يعيده إلينا سالماً معافى. "لقد سبق أن اعتقل الجيش زوجي عدّة مرّات وكانت الأخيرة في العام 2018. في العام 2007 ظلّ رهن الاعتقال نصف سنة. كما صادر الجيش لنا مركبين وأربعة محرّكات ولا تزال محتجزة في ميناء أسدود. في معظم الأحيان لا يعيد الجيش المراكب والمحرّكات التي يصادرها". ليت حالنا يتحسّن. أتمنّى أن يعيدوا لنا المراكب المصادرة فيُصبح لزوجي مركب خاصّ به. وحبّذا لو يوسّعوا المساحة المسموح فيها الصّيد. أطلب العيش الكريم وأن نقدر على تأمين مستقبل أولادنا وتوفير احتياجاتهم وتحقيق أمانيهم. وأتمنّى أن يعملوا في مجال آخر غير الصّيد البحريّ لأنّه مهنة شاقّة ومحفوفة بالمخاطر. أدناه إفادة أ.م. (49 عاماً) من مخيّم الشاطئ للّاجئين، وهي أمّ لتسعة أبناء وزوجها يعمل بائع أسماك - أدلت بها محدّثة عن تأثير الوضع على عمل زوجها: تزوّجت في العام 1989. زوجي يعمل في الصّيد وبيع الأسماك منذ أن كان في الـ12 من عمره. كان يعمل مع والده بائع الأسماك ومع أقاربه الصيّادين. لدينا تسعة أبناء تتراوح أعمارهم بين 6 و-29 عاماً ونقيم قرب الشاطئ. كثير من أقاربنا يعملون في الصّيد البحريّ. في السّنوات الأولى بعد زواجنا لم تكن المنافسة كبيرة في تجارة الأسماك وكان صيد الأسماك وفيراً. كان زوجي يخرج إلى سوق الأسماك في الثالثة فجراً فيجلب المنزل كميّات كبيرة من الأسماك من التجّار والصيّادين يغسلها ويرتّبها ثمّ يذهب بها إلى السّوق. عموماً كان ينجح في بيع البضاعة كلّها خلال ساعتين تقريباً ويعود إلى المنزل. كان مدخولنا جيّداً إذ تراوح بين 3,000 و-4,000 شيكل شهريّاً. طوال سنوات كثيرة تمتّعنا بمستوى معيشة عالٍ. اقتنينا منزلاً خاصّاً بنا وكان فيه كلّ ما أحتاجه وحتى أنّني اقتنيت لنفسي مصاغاً ذهبيّاً. ربّينا هنا بناتنا وأبناءنا خلال الفترة التي كانت الأعمال فيها جيّدة فلم ينقصهم شيء. كنّا مرتاحين نعيش في حُبور وسعادة. تغيّرت أحوالنا قبل نحو 13 عاماً عندما فُرض الحصار على قطاع غزة. في أعقاب الحصار خفتت حركة البيع والشراء في الأسواق وقلّصوا مساحة الصّيد وأحياناً منعوا الصّيد تماماً وقلّ السّمك وارتفعت أسعاره بالنسبة للتجّار والمستهلكين. في السّابق كان الناس يشترون في الصّيف - موسم كثرة الأسماك - 4 - 5 كغم أمّا اليوم فيشترون فقط كغم واحداً أو اثنين. أحياناً يعود زوجي إلى البيت ومعه نصف البضاعة أو حتى كلّها. لكي يتفادى كساد البضاعة يبقى لساعات طويلة في السّوق أحياناً حتى العصر أو المغرب ولكن عبثاً. والأنكى أنّ الأسماك الكاسدة تفسد أحياناً لأّنه لا يمكن حفظها في ثلّاجات بسبب مشاكل الكهرباء. منذ الحصار تدهور وضعنا الاقتصاديّ كثيراً. لا يملك زوجي بسطة أو دكّاناً في السّوق وإنّما هو يستأجر مساحة متر أو مترين مقابل عشرة شيكل لليوم الواحد. جميع أولادنا يعملون في بيع الأسماك مع والدهم ولكنّ مدخولهم جميعاً لا يتعدّى الـ1,500 شيكل شهريّاً - ونحن عائلة مؤلّفة من 14 نفراً. اثنان من أبنائنا متزوّجان وأحدهما أب لولدين ولكنّنا نقيم جميعاً في المنزل نفسه. نحن لا نتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه رغم أنّنا عائلة كثيرة الأولاد وذلك لأنّ زوجي ليس أجيراً. لقد بعت جميع مصاغي. في الماضي اقتنيت أرضاً ولكنّني اضطررت لبيع قطعة مساحتها 250 متراً لكي أسدّد الديون وأزوّج أولادي. أحد أبنائي كان طالب جامعة لكنّه أوقف تعليمه لأنّنا لم نتمكّن من دفع القسط الدراسيّ. ومنذ تفشّى وباء الكورونا تدهور الوضع أكثر فأكثر: المطاعم والفنادق تكاد لا تشتري الأسماك لأنّها تُغلق لفترات طويلة وكذلك لا يوجد زوّار من الخارج في غزّة لأنّ المعابر مغلقة. لقد أضرّ هذا بعمل زوجي في السّوق. ينغّصني كثيراً أنّني لا أستطيع توفير احتياجات أبنائي. أنا لم أقدر على شراء ملابس لهم في العيد وفي بداية السنة الدراسيّة فاضطرّوا لاستخدام أغراض السنة الفائتة: الملابس والحقائب وحتى الأحذية. كم يتألّم قلبي لهذا فقد كان بودّي أن أشتري لهم كلّ شيء جديد لكنّ الوضع لا يسمح. كلّما طلبوا شيئاً مثل المشاركة في رحلة أظلّ أماطلهم وقلبي يتقطّع - لأنّني أريد أن أرى السّعادة والفرح في أعينهم. لهذه الأسباب أنا في اكتئاب عميق وأشعر بالاختناق ولكنّني أدرك من ناحية أخرى أنّه لا يوجد عمل آخر لا لزوجي ولا لأبنائي فلا يبقى سوى أن نأمل تحسّن أوضاعنا.

9 أيلول/سبتمبر 2020

ميناء الصيادين في بيت لاهيا. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.2.18

قطاع غزة

معلّقون على الخطّاف: معاناة الصيّادين في قطاع غزة خلال العام 2018 بعد أن قضت إسرائيل تدريجيًّا على قطاع الصّيد

منذ أن صادرت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي حسكتي وأنا عاطل عن العمل ولا أستطيع إعالة أسرتي. الوضع في قطاع غزة صعب للغاية بسبب الحصار ولا توجد فرص عمل أخرى. في قطاع الصّيد كنت أكسب نحو عشرين شيكل في اليوم وهذا مكّنني من شراء الطعام والشراب لعائلتي أمّا الان فقد باتت حياتنا صعبة جدًّا. تامر زيد من سكان بيت لاهيا، 27.8.18 المحنة التي يعانيها تامر زيد ليست حالة استثنائية فهو أحد آلاف الصيّادين في قطاع غزة الذين يعانون نتيجة قضاء إسرائيل تدريجيًّا على قطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزة: في الماضي قبل أن تفرض إسرائيل الحصار على قطاع غزة كانت تسمح بالصيد وصولًا إلى مسافة أقصاها 12 ميلًا بحريًّا (22 كيلومترًا) في عمق البحر. منذ ذلك الحين تواصل إسرائيل تغيير النطاق الذي يُسمح فيه الصّيد عدّة مرّات في السنة حيث بلغ في نهاية العام 2018 تسعة أميال بحريّة (حوالي 16.5 كيلومتر) في المناطق الواقعة جنوبيّ مدينة غزة وستّة أميال بحريّة (حوالي 9.5 كيلومتر) في المناطق الواقعة قبالة مدينة غزة وشمالها. إنّ الحدّ من مساحة الصيد يقلّص كميّة وأنواع الأسماك المتاحة للصيّادين مما يضرّ بمدخولهم. بالإضافة إلى ذلك، تنكّل قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي بالصيّادين بشكل روتينيّ بدعوى أنهم تجاوزوا المساحة المسموحة للصّيد - رغم أنّ الصيّادين مجهّزين بأجهزة ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) ويحرصون على عدم تجاوز المدى المُتاح. في العامين الماضيين قتلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ اثنين من الصيّادين وجرحت عشرات الصيّادين الآخرين بإطلاق الرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. في بعض الحالات يقوم الجنود حتى باعتقال الصيّادين ومصادرة قواربهم (الحسكات). كما وتقيّد إسرائيل تصدير الأسماك وتسويقها وتحظر دخول الموادّ والمعدّات الضروريّة للعمل في الصّيد البحريّ بما في ذلك تلك اللّازمة لإصلاح القوارب والمحرّكات. كل هذا أدّى إلى انهيار قطاع الصّيد البحريّ في القطاع: في عام 2000 كان هناك نحو 10,000 صيّاد مسجّل بينما اليوم هناك نحو 3,700 صيّاد مسجّل - وفعليًّا فقط نصفهم يعملون لأنّ العديد من قوارب الصّيد معطّلة بسبب حظر استيراد المواد الخام والمعدّات اللّازمة لإصلاحها أو لبناء قوارب جديدة بالإضافة إلى مصادرة القوارب من قبل الجيش. نحو 95٪ من الصيّادين يعيشون تحت خط الفقر والتي يبلغ في قطاع غزة 4.6 دولار في اليوم. في عام 2018 قتلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ، الصيّاد إسماعيل أبو ريالة رميًا بالرصاص وأصابت ستة صيّادين آخرين بالرّصاص المعدنيّ المغلف بالمطّاط. بالإضافة إلى ذلك، في هذا العام، اعتقلت قوّات سلاح البحريّة 53 صيّادًا، ثلاثة منهم لم يتمّ إطلاق سراحهم بعد حتى شهر كانون الثاني 2018. خلال ملاحقتها للصيّادين صادرت قوّات سلاح البحريّة في عام 2018 العشرات من قوارب الصيد. كذلك، ونتيجة إطلاق النار من قِبل قوّات سلاح البحريّة جرى تكسير 32 كشاف في قوارب الصيد وثلاثة أجهزة ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GPS) وجهاز إيكو-ساوند الذي يسمح للصيّادين بتحديد مواقع الأسماك. كما وفُقدت في البحر 121 شبكة صيد خلال هذه الملاحقات. إنّ سياسة دولة إسرائيل فيما يتعلق بقطاع الصّيد البحريّ في قطاع غزة تُظهر بوضوح أنّه لا صحّة لادّعائها بأنها لم تعد مسؤولة عن مصير سكّان قطاع غزة وما يحدث في نطاقه. حتى اليوم لا تزال دولة إسرائيل تسيطر على العديد من جوانب حياة سكّان القطاع - احيانًا عن بُعد وأحيانًا أخرى في داخل القطاع - وقد أدّت ممارساتها في القطاع إلى انهيار قطاع الصّيد البحريّ وحال الصيّادين الصعب. أحمد الصعيدي (40 عامًا) متزوج ولديه طفلان وهو من سكّان مخيم الشاطئ للّاجئين في شمال قطاع غزة ويعمل في قطاع الصّيد البحري منذ 15 عامًا. أدلى الصعيدي بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ، محمد صباح، في 16.1.19 محدّثًا عن الصعوبات التي يواجهها في السنوات الأخيرة: منذ أن كنت في الثامنة من عمري تمحورت حياتي كلّها حول الصّيد ومنذ سن الـ-15 أعمل مع إخوتي كصيّاد بدوام كامل. في التسعينيّات كنا ندخل في البحر إلى مسافة 12 ميلاً بحريًّا وهو نطاق الصيد الذي سمحت لنا إسرائيل به. كان في البحر سمك من جميع الأنواع وكنّا نعمل ليلَ نهار. كان العمل جيدًا والرّزق وفيرًا حيث تمكنّا من بيع الكثير من الأسماك. كان مستوى معيشتنا جيّدًا. في عام 2002 تزوّجت وبنيت منزلاً في مخيّم الشاطئ للّاجئين. في العام 2000 وبعد اندلاع الانتفاضة الثانية بدأت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيلي بالتضييق علينا تدريجيًّا. لقد قلّصت مسافة إسرائيل المنطقة المسموحة للصيد إلى أقل من 12 ميلًا بحريًّا. وبعد خطف شليط في العام 2006 أغلقت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ البحر بالكامل لفترات لا تقلّ عن ثلاثة أشهر في كلّ مرة. ثم قاموا بتقليص منطقة الصيد في البداية إلى ستة أميال بحريّة ثم إلى ثلاثة أميال. لم نعد نعرف متى يُسمح لنا بدخول البحر ومتى هو مغلق أمامنا. واصلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ تقييد امكانية إبحارنا رغم أنّه لا علاقة لنا بالمسائل السياسية فنحن مجرد صيّادين نرغب في كسب لقمة العيش. في عام 2012 اعتقلت قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ أخي وثلاثة أقارب آخرين أثناء عملهم على قاربي وصادرت القارب. اضطررت لشراء قارب آخر حتى نتمكن من الاستمرار في العمل. على مرّ السنين عانينا كثيرًا من اعتداءات قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ في الصيف والشتاء، ليلًا ونهارًا. طاردونا وأطلقوا النار علينا أحيانًا. اضطررنا للعمل في ظروف صعبة للغاية وخاطرنا بحياتنا. كنّا نخشى باستمرار أن يطاردونا أو يطلقوا النار علينا أو أن يعتقلونا أو يصادروا قاربنا. علاوة على ذلك، كلّما اندلعت حرب منعتنا إسرائيل بالكامل من دخول البحر. قبل نحو السّنة اعتقلوني أثناء عملي في الصّيد مع ابن أخي وصادروا قاربي. منذ ذلك الحين بدأت حياتي في التدهور. بقيت بدون مصدر رزق لم يعد لي ولعائلتي ما نعتاش منه. ومنذ ذلك الحين أقضي معظم الوقت جالسًا في المنزل أو عند عتبة الباب أراقب الأشخاص الذين يمشون في الشارع وأفكر في حياتي كيف تعطّلت وتوقّفت. وأيضًا تسبّبت البطالة المفروضة عليّ قسرًا بمشاكل بيني وبين زوجتي لأنه لم يعد لدينا المال ولم أعد قادرًا على تلبية احتياجات عائلتي مثل الطعام والملابس ومصاريف بداية العام الدراسي. يمكننا شراء اللحوم والدجاج فقط مرّة واحدة في الشهر بشرط أن أعمل مع صيّادين آخرين، أحيانًا لمدّة يوم وأحيانًا لبضعة أيّام؛ وإذا لم أحصل على عمل نبقى بدون أيّ مدخول. حتى الأسماك التي اعتمدنا عليها في غذائنا طيلة السنين نشتريها في السوق اليوم. نحن مضطرون لشراء السّمك وهذا أيضًا مرّة واحدة فقط في الشهر. لقد أصبحنا عبئًا على المجتمع. أتلقّى معونات من وكالة الغوث للّاجئين "الأونروا" مثل الطعام. لقد أصبحت متسولًا وأشعر بالإهانة حين أمدّ يدي للنّاس. في الماضي لم أكن بحاجة إلى أيّ شخص لكننا اليوم نتوسّل للحصول على المساعدة. وأنا بطبيعة الحال لا أملك أيّة مهنة أخرى غير الصيد. قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ تحتجز قاربي وبذلك قد دفعت بي وبعائلتي إلى حياة الفقر. صديقة السّلطان (65 عامًا) متزوجة وأمّ لتسعة أولاد وهي من سكّان بيت لاهيا ويعمل زوجها وأولادها في قطاع الصّيد البحري. في إفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة، ألفت الكرد، التي أدلت بها في 31.1.19، حدّثت عن الصعوبات التي تواجهها العائلة في حياتها اليوميّة: قبل اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000، كان زوجي غالب السلطان (70 عامًا) يعمل في إسرائيل. بعد أن ألغت إسرائيل تصاريح العمل استخدمنا الأموال التي وفّرناها وبعنا قطعة صيغة لي لكي يتمكّن زوجي من شراء قارب ومعدّات للصّيد البحري. كلفنا هذا أكثر من 2000 دولار. اعتقدنا أنها فكرة جيّدة خاصّة وأنّنا نسكن بالقرب من الشاطئ. منذ ذلك الحين يعمل زوجي وأبنائي في الصّيد البحري. في السنوات الأولى كان العمل جيداً، وكان الدخل يصل أحياناً إلى 300-400 شيكل في اليوم. كان هذا كافياً لنا ولأبنائنا. استمرّ الأمر على هذا النحو لمدّة ستّ سنوات. في ذلك الوقت كان من الممكن إدخال معدّات صيد الأسماك إلى قطاع غزة ولم يقم الجيش بالاعتداء على الصيّادين أو إطلاق النار أو إلقاء القبض عليهم ولم يصادروا معدّاتهم. وكانت المساحة التي يُسمح فيها الصّيد 12 ميلًا بحريًّا. في العام 2007 تغير الوضع حيث فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة. بدأوا في الحدّ من المناطق المسموحة للصيد وتقليصها لستة أميال بحريّة ولاحقًا قلّصوها إلى ثلاثة أميال. كذلك بدأ الجيش الإسرائيلي بمطاردة الصيّادين حتى أثناء تواجدهم ضمن المناطق المسموحة للصيد. عانى زوجي وأولادي من القيود الجديدة ومن مطاردات قوّات سلاح البحريّة الإسرائيليّ لهم أثناء عملهم داخل البحر. في بعض الأحيان كانوا يطلقون النار عليهم فيضطرّون إلى الفرار وترك الشباك في البحر، فينتشلها الجيش من البحر ويصادر كلّ شيء. بسبب هذه الإجراءات وإغلاق المعابر كان هناك نقص في شباك الصيد وبالتالي ارتفع سعرها في الأسواق. وقد قفزت أسعار الشبك من 180 شيكل في عام 2007 إلى 500 شيكل. منذ عام 2007 قام الجيش بمصادرة الكثير من معدّات الصيد من زوجي وأبنائي. كانت المرّة الأولى في عام 2009 عندما أطلقوا النار على زوجي وأولادي وهم في البحر. ثم اعتقلوا زوجي وابني رمضان (43 عامًا) وأطلقوا سراحهم في المساء. لكنّهم صادروا القارب والشباك. بعد أربع سنوات أعادوا لنا القارب ولكن بدون المعدّات وكان مدمّرًا ولا يصلح للاستخدام. في غضون ذلك، أخذ زوجي قروضًا لشراء قارب ومعدّات جديدة وكان القارب الذي تمكّنّا من شرائه أصغر وأبسط من القارب الذي صادره الجيش. في عام 2010 صادر الجيش القارب الجديد أيضًا وفي عام 2012 قام بمصادرة قارب آخر وقد فُقدت الشباك في البحر ولكن في النهاية أعادوا لنا القارب في حالة جيّدة وعاد زوجي إلى العمل. غير أنّه تمكن من اصطياد كميات قليلة من الأسماك في غياب ما يكفي من الشباك. في عام 2016 صادر الجيش القارب الرابع. لا يزال القارب والشباك في قبضة الجيش الإسرائيلي بعد أن تكلّفنا الكثير من المال لشرائهم. مع كلّ مصادرة كان يزداد وضعنا الاقتصادي تدهورًا. أكثر اللّحظات رعبًا في حياتي عندما أسمع أنهم أطلقوا النار على الصيّادين مرّة أخرى. أشعر بالتوتر والقلق وأظلّ متوترة حتى يعود زوجي وأولادي إلى البيت. في شهر تموز 2018 صادروا منّا القارب وكنّا قد اشتريناه مباشرة بعد أن صادروا القارب السّابق في عام 2016 مع شباك الصيد. أطلق الجنود النار على القارب وصادروه. في ذلك اليوم كان ابني محمد (26 عامًا) وحفيدي البالغ من العمر 22 عامًا في البحر. اعتقلهما الجيش عندما كانا على بعد ميلين بحريين من الشاطئ وأفرج عنهما في الصباح. لكنهم لم يعيدوا لنا القارب والشباك. منذ ذلك الحين ليس لدينا نقود لشراء قارب وشباك صيد أخرى. هذه المصادرات المتكرّرة ضعضعت وضعنا المالي بشكل كبير - لم يتبقّ لنا شيء. ما زلنا مدينين أموالًا لقاء الشباك التي اشتريناها في الماضي؛ وحتى لو كان لدينا المال نحن سئمنا من شراء المعدّات ليعود الجيش ويقوم بمصادرتها. زوجي عاطل عن العمل فيما وجد أبناؤنا عملاً كصيّادين أجيرين. في بعض الأحيان يقول لي زوجي أنه يريد شراء قارب آخر لكنه يخشى أن يصادروه. إنّه يقبع في المنزل ولا يتلقى مساعدة من أيّة جهة وحالته النفسية صعبة للغاية. وضعنا الآن صعب جدًّا. أنا التي كنت في السابق أبيع الأسماك في السوق أحتاج اليوم لشرائها وحتى ليس لدي ما يكفي من المال لدفع ثمنها. قبل أن يقوموا بمصادرة القارب الأخير كنّا نكسب ما يقارب خمسين شيكل في اليوم لأننا لا نملك سوى عدد قليل من شباك الصيد. بينما الآن يعمل أبنائي كصيّادين اجيرين ويكسبون أقلّ من 20-30 شيكل في اليوم وهذا لا يكفي لجميع احتياجاتنا.

11 شباط/فبراير 2019

صيادو أسماك في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: صهيب سالم، رويترز، 4 نيسان 2016

قطاع غزة

إسرائيل تقضي على قطاع صيد الأسماك في قطاع غزة

في عام 2000 عمل حوالي 10000 شخص من سكان قطاع غزة في مجال الصّيد. اليوم هناك حوالي 4000 صياد فقط مسجلون في نقابة الصيادين، الذين يُعيلون ما يقرب من خمسين ألف شخص. لكن حتّى هذا المُعطى لا يعكس الواقع، إذ أن نصف الصيادين عاطلون عن العمل بعد أن تعطّلت مراكبهم ولا يمكن تصليحها بسبب النقص في المواد الخام. %95 من الصيادين في القطاع يعيشون تحت خطّ الفقر، والمعرّف كدخلٍ شهريّ أقل من 2293 شيكل للعائلة المكوّنة من خمسة أفراد، والّذين يعتمدون على المساعدات الإنسانيّة في معيشتهم. نسبة المعتمدين على المساعدات الإنسانيّة وسط سكّان غزة هي %80. انكماش قطاع صيد الأسماك في غزة هو نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيل، التي تفرض قيودًا صارمة على الوصول إلى البحر، وتسويق الأسماك في الضفة وإدخال المواد الخام إلى قطاع غزة ومنع تصدير الأسماك إلى إسرائيل، وتسيء معاملة الصيادين: أ‌. الحد من نطاق الصيد المسموح به: في شهر آذار عام 2016، قامت إسرائيل بتوسيع نطاق الصيد الذي تسمح به في قطاع غزّة من ستة إلى تسعة أميال بحريّة وفي شهر حزيران عادت وخفضته إلى ستة أميال (حوالي 11 كم). هذا رغم أنّ إسرائيل كانت قد التزمت في اتفاقيات أوسلو بالسماح بالصيد حتى مسافة 20 ميلا بحريًا، وهو التزام لم تقف به يومًا. نطاق الصيد الذي سمحت به إسرائيل منذ توقيع اتفاقية أوسلو هو لغاية 12 ميلا بحريًا، وعلى مر السنين تمّ تخفيض هذا النطاق أكثر فأكثر، وفي بعض الأحيان وصل إلى 3 أميال بحرية فقط. في الفترات التي وقع فيها قتال مُنع الصيد تمامًا. إشعارات حول التغييرات الحاصلة في المجال المسموح به للصيد تُسلمها مديريّة التنسيق والارتباط لمكتب الثروة السمكية في القطاع. بالإضافة إلى ذلك، يقوم سلاح البحرية الإسرائيلي بتعليم حدود النطاق باستخدام العوامات. الحد من نطاق عمل الصيادين يتسبب في وجود كمية مفرطة من صيد الأسماك في مساحة صغيرة الأمر الذي يضر بتوفر الأسماك ومناطق تكاثر الأسماك. ب‌. النقص في المواد الخام والمعدات وقطع الغيار لإصلاح مراكب الصيد: إسرائيل تحظر إدخال المواد الحيوية لغرض الصيانة المتواصلة لمراكب الصيد، بما في ذلك الألياف الزجاجية (الفيبرجلاس)، والكابلات الفولاذيّة وقطع الغيار، بحجة أن الحديث يدور حول مواد تعرّفها إسرائيل كمواد "ثنائيّة الاستخدام"، أيّ أنّها "معدّة بالأساس للاستخدام المدنيّ وصالحة أيضًا للاستخدام الأمنيّ". خلال عام 2016 عُقدت عدّة لقاءات بين ممثّلي وزارة الزراعة الفلسطينيّة ومديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وبين قائد مديريّة التنسيق والارتباط في غزة، كان آخرها بتاريخ 10.6.16، أعطي فيها لإسرائيل قائمة بالمواد اللازمة للصيادين. حتّى اليوم لم يُصادق على إدخال أيّ من المواد التي ظهرت في القائمة. وفقاً لنقابة الصيادين في غزة فإنّ ما يقارب من مائتي قارب من نوع حسكة وخمسة قوارب بمحركات صغيرة (لانشات) معطّلة اليوم في ظلّ غياب المواد والمعدّات اللازمة لإصلاحها. قارب حسكة مع محرك في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17 ج. الاعتقالات وإطلاق النار خلال عام 2016، جمعت منظمة بتسيلم عشرات الإفادات من صيادين أبلغوا عن إطلاق سفن بحرية إسرائيلية النار باتجاه مراكبهم. أصيب بعضهم وألقي القبض على آخرين. وفقًا للافادات، فإنّ الجنود فرضوا على الصيادين تحت تهديد السلاح خلع ملابسهم والسباحة في البحر حتى سفينة سلاح البحرية، وذلك مع تجاهل الظروف الجوية. من الإفادات التي قدّمها الصيادون ومن معطيات أجهزة GPS لتحديد المواقع، والتي تتواجد بحوزتهم يتبيّن أنّ قسمًا منهم تمّ اعتقاله دون أن يتجاوز المنطقة التي يسمح الجيش فيها بالصّيد. الصيادون الذين جُلبوا إلى سفن سلاح البحرية تمّ اقتيادهم إلى ميناء أشدود حيث تمّ التحقيق معهم وهم مكبّلو الأيدي ومعصوبو العينين، وقد تمّت مصادرة مراكبهم. بعد التحقيق – الّذي ركّز في حالات كثيرة على محاولة الحصول على معلومات عن حماس - أطلق سراح معظم الصيادين إلى بيوتهم، دون مراكب الصيد الخاصة بهم. وقد ذكرت نقابة الصيادين في قطاع غزة أنّه منذ شهر نيسان عام 2016، تعتقل سلطات حماس الصيّادين الذين يعيدهم الجيش إلى حاجز إيريز، وتقوم بالتحقيق معهم واحتجازهم لعدة أيام. وفقًا لمعطيات مكتب الثروة السمكية في وزارة الزراعة في غزة، اعتقل الجيش الإسرائيلي 113 صيادًا في عام 2016. وقد أطلق سراح 107 منهم بعد التحقيق معهم وما يزال ستة منهم رهن الاعتقال. كما أصيب عشرة صيادين آخرين جراء إطلاق سلاح البحريّة الإسرائيلي النار عليهم. وأفيد أيضا من مكتب الثروة السمكية أنّه خلال عام 2016 صادرَ الجيش 28 حسكة بدون محرّكات. حتى تاريخ نشر هذه المقالة أعيدت خمس من هذه القوارب فقط إلى أصحابها وجميعها في شهر نيسان كما أُعيدت خمس حسكات كانت قد صودرت قبل نحو عام. في عام 2015 تمّ اعتقال 73 صيادًا ومصادرة 22 قارب حسكة.* كما وأنّ 14 قارب صيد معطلة حتى اليوم في القطاع بسبب الأضرار التي لحقت بها جراء إطلاق سلاح البحرية النار باتجاهها أو أثناء مصادرتها. بالإضافة إلى ذلك، يتبيّن من معطيات مكتب الثروة السمكيّة أنّ الضرر المباشر الذي لحق بالصيادين في عام 2016 عقب إطلاق النار على القوارب ومصادرتها مع معدات للصيد، يصل إلى قرابة نصف مليون دولار. د. القيود المفروضة على تصدير الأسماك إلى إسرائيل والقيود على تسويقها في الضفة: لغاية فرض الحصار على قطاع غزة عام 2007، كان الصيد قطاعًا مزدهرًا في القطاع، والصيادون، الذين قاموا بتسويق بضاعتهم في الضفة الغربية وتصديرها الى إسرائيل، فقد كسبوا رزقهم بما فيه الكفاية. مع فرض الحصار منعت إسرائيل تصدير الأسماك الى نطاقها وتسويقها في الضفة وبهذا مست بصورة بالغة بأرزاق الصيادين. في عام 2014 بدأت إسرائيل بالسماح بتسويق محدود للأسماك في الضفة الغربية، تحت قيود صارمة تزيد من تكلفة العملية وبالتالي من تكلفة البضاعة. نطاق التصدير إلى الضفة الغربية منخفض اليوم بشكل كبير نسبة إلى ما كان عليه قبل فرض الحصار. سلوك إسرائيل فيما يتعلق بقطاع صيد الأسماك في غزة يوضّح سبب رفض ادعاء إسرائيل أنّه منذ خطة الانفصال عام 2005 لم تعد مسئولة أكثر عن مصير سكان القطاع وما يحث في مجالاته. على الرغم من أن إسرائيل أجلت مستوطناتها وجيشها من قطاع غزة، فقد واصلت السيطرة - عن بعد – في جوانب كثيرة من حياة السكان. مساس إسرائيل الخطير بالصيادين لا مبرر له ويشكّل جزءًا من سياسة الحصار القاسية التي تطبّقها إسرائيل في قطاع غزّة منذ عشر سنوات. صيادون قدّموا إفادات لباحث بتسيلم الميداني، محمد صباح، وصفوا الواقع الصعب الذي وصلوا إليه: محمود سعيد جمعة بكر، 18 عامًا، من سكان مخيم الشاطئ، روى في إفادة أدلى بها بتاريخ 5.9.16: أعمل صيادًا مع والدي وإخوتي على قارب حسكة مع محرك. نخرج كل يوم تقريبًا إلى البحر، قبالة مدينة غزة وشمالها. عادة ما نخرج من البيت في الخامسة صباحًا ونعمل حتى الساعة 12:00 ظهراً، تبعًا للوضع ولكميّة الأسماك. نقوم ببيع الأسماك للتجار. أحيانًا نصيد 20 كغم من الأسماك، وأحيانًا 10 أو 5 كغم، وأحيانًا لا نصيد حتّى سمكة واحدة. يعتمد ذلك على توفر الأسماك، أحوال الطقس وسلوك سلاح البحريّة الإسرائيليّ. يوم الجمعة، الموافق 12.8.16، خرجنا إلى البحر عند الساعة الخامسة صباحًا. خرجتُ مع والدي وإخوتي الأربعة ومع عامل أجير يعمل عندنا. أبحرنا إلى منطقة السودانيّة، والتي تبعد مسافة 2.5 ميلاً بحريًا شمال عرب الحدود الشماليّة للمنطقة المفتوحة للصيد. حتّى الساعة الثامنة صباحًا تمكّنا من صيد ما يقارب 3 كغم من سمك النهاش الأحمر (فريدة). أثناء عملنا اقتربت منا سفينة بحرية إسرائيليّة وبعدها قارب مطاطيّ. حاولنا الفرار. قامت السفينة والقارب بملاحقتنا وإطلاق الرصاص الحيّ والرصاص المطاطي في الهواء. بعد أن ابتعدنا مسافة مائتين متر تقريبًا، أمرنا الجنود بالتوقف وتوقّفنا. أمرونا بخلع ملابسنا والدخول إلى البحر. خلعنا ملابسنا وسبحنا واحدًا تلو الآخر حتى القارب المطاطي الذي أخذنا إلى السفينة. عصب الجنود عيوننا، كبّلوا أيدينا وأجلسونا واحدًا بجانب الآخر. بعد إبحار لمدّة ساعة توقفت السفينة. أزالوا الغطاء عن عيوننا وأمرونا بالنزول. كنا في ميناء أشدود. أعطونا نعالاً وقادونا إلى غرفة وأجلسونا وعصبوا عيوننا من جديد. ثمّ حضر طبيب قاس لي درجة حرارتي وسألني إذا كنتُ مريضًا. أجبت كلاّ. ثم كبلوا أيدينا بقيود معدنية ووضعونا في حافلة صغيرة أرسلتنا إلى حاجز إيريز. عند الحاجز بدّلوا القيود المعدنية بقيود بلاستيكيّة، وأدخلونا واحدًا تلو الآخر إلى غرفة التحقيقات. كنت أنا آخر من دخل. عندما دخلتُ إلى هناك تواجد في الغرفة محقق بدأ يسألني لماذا أنا غاضب. قلت له إني غاضب لأنكم أخذتم الآن قارب الحسكة الذي يشكّل مصدر رزق لنا. بدأ يقول إنّهم أخذوا القارب لأننا تخطينا الحدود فقلت له إنّ ذلك غير صحيح. طلب المحقق أن أشير إلى بيتنا على خريطة موجودة في الكمبيوتر. عندما سألته ماذا يريد من بيتنا قال إنه يريد أن يعرف إذا كنت صيادًا فعلاً أم لا. قلت له إنّه أخذ الحسكة خاصتي، والتي أستخدمها للعمل. طلب مني رقم هاتفي الجوال فقلت له إني لا أملك هاتفًا. واصل المحقق استجوابي عن منزل عمّي ومنازل الجيران. بعد ذلك سألني أين أريد أن أعمل. قلت إني لا أعرف لأنه لا عمل لي غير الصيد وسألني إذا كنت أرغب في العمل داخل إسرائيل. قلت له كلاّ ثمّ بدأ يقول لي إنّهم سيرتبون لي سيارة أو دراجة نارية. قلت له إني لا أريد وأني أرغب في المغادرة. سأل المحقق: ألا تريد أن تخبرني عن منزل شخص ما ينتمي لحماس؟ قلت له إني لا أعرف أي أحد. بعدها ذهبت إلى الغرفة حيث انتظرنا لمدة ساعة تقريبا. قرابة الساعة 2:00 ظهرًا أمرونا بالتوجه إلى قاعة الخروج باتجاه غزة. مشينا إلى أن وصلنا إلى الطرف الثاني من الحاجز الذي تواجد فيه رجال شرطة حماس. قاموا بالتحقيق معنا حول ما حدث في البحر وعند حاجز إيريز. بعدها أخذونا إلى مقر جهاز الأمن الداخلي في غزة، في معسكر الأنصار وهناك أوقفونا. أعطونا نظارات سوداء بدلاً من غطاء العينين حتى لا نرى شيئًا. بعد ذلك سألوني عن اسمي ثمّ قادوني إلى زنزانة بطول 2 متر وعرض 80 سم. لاحقًا أحضروا لنا الطعام والشراب. غداة اليوم التالي، 13.8.2016، أخذني ضابط إلى غرفة وسألني حول ما حدث ثمّ أعادوني ثانية إلى الزنزانة. بقيتُ هناك حتى اليوم التالي صباحًا، وهو يوم الأحد الموافق 14.8.16، ثمّ أخذوني إلى غرفة تحقيق تواجد فيها ضابطان. سألوني مرة أخرى حول ما حدث في البحر وعند حاجز إيريز حتى وصلت إلى حاجز حماس. بعد ذلك أعادوني ثانيةً إلى الزنزانة وبقيت هناك حتى اليوم التالي. يوم الثلاثاء الموافق 16.8.16 نقلوني إلى زنزانة تواجد فيها والدي وأحضروا لنا وجبة طعام. عند الساعة الثالثة بعد الظهر أطلقوا سراحنا. طلب منا الضباط ألا نصل إلى الحدود في البحر وألا نتعرض إلى مخاطر حتى لا يتمّ توقيفنا. بعد ذلك أعطوني استدعاءً لمقابلة في تاريخ 31.8.16 عند الساعة التاسعة صباحًا. وصلت في التاريخ المحدد. أرسلوني إلى غرفة في الطابق الرابع. حضر ضابط وسألني مرة أخرى حول ما حدث في البحر. نظر إلى ورقة كانت أمامه وقارن بين ما سمعه مني وما كان مكتوبًا في الورقة من التحقيق السابق. عندما أنهى التحقيق قال لي: هل جئت من البحر؟ قلت نعم. قال: أنت لا تستسلم وتنزل البحر مرة أخرى! قلتُ له إنّ هذا عملي ولا عمل آخر لي في القطاع. قارب لانش في ميناء الصيادين في غزة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 11.1.17 مصطفى محمد خليل النجار، 29 عامًا، متزوّج وأب لبنتين، من سكان رفح، روى في إفادة أدلى بها بتاريخ 19.7.16: أعمل في الصيد مع والدي وإخوتي منذ سن الرابعة عشرة. نملك ستة أنواع مختلفة من قوارب الحسكة وقارب فلوكة. يوم الاثنين، 18.4.16، الساعة 17:00، خرجت من ميناء رفح مع عاملين أجيرين عندي. من باب التوفير في المصاريف قام قارب لنش كبير بِجَرّ الحسكة التابعة لي إلى داخل البحر. عندما وصلنا إلى مسافة تبعد 8 أميال بحريّة عن الشاطئ انفضضنا عن اللنش. توجهت إلى المنطقة الموجودة قبالة خان يونس للابتعاد عن الحدود مع مصر وحتى لا أكون في منطقة خطرة. عندما وصلتُ إلى مسافة تبعد 9 أميال بحرية عن الشاطئ رمينا الشباك في البحر ثم نمنا في القارب، كان ذلك عند حوالي الساعة 22:00 وحتى 12:00 ليلاً. انتظرنا حتّى سكون الرياح لكَي ننتشل الشباك التي كانت ممتدّة حتى مسافة 2 كم تقريبًا. في تمام الساعة 12:30 وصلت سفينة تابعة للجيش الإسرائيلي من جهة شمال- شرق، وبدأت بإطلاق النار من مسافة كبيرة باتجاهنا. أصبنا بالذعر وشغّلنا محرّك الحسكة وهربنا باتجاه جنوب- شرق. واصلت السفينة ملاحقتنا وإطلاق النار باتجاهنا لمدّة ساعة تقريبًا، وأصيبَت الحسكة بعدّة رصاصات. عندما باشروا بإطلاق النار تجاهي وتجاه الأشخاص الآخرين في القارب، توقفت. توقفت السفينة الإسرائيلية على بعد 200 متر بعيدًا عنّا. أرسلوا لنا قاربًا مطاطيًا وأمرنا الجنود بخلع ملابسنا. بقينا بملابس داخليّة. بعد ذلك كبّلوا أيدينا خلف ظهورنا، أصعدونا إلى القارب المطاطيّ، عصبوا عيوننا، قادونا إلى السفينة وأجلسونا في القسم الأماميّ. كان الطقس باردًا وطلبنا الملابس أو أيّ شيءّ نكتسي به لكنّ الجنود رفضوا أن يعطونا شيئًا. عندما واصلنا في طلبنا قاموا برَكلنا. بعد ذلك ربطوا قارب الحسكة خاصّتي بالسفينة وجرّوه. أبحرنا إلى ميناء أشدود ووصلنا إلى هناك عند الساعة الثامنة صباحًا. أثناء الإبحار سألت ضابطًا تواجد في السفينة عن قارب الحسكة خاصتي فأجابني أنها صودرت. سألته متى سأستعيدها فردّ في غضون أسبوعَين. عندما سألته لماذا فعلوا ذلك أجاب لأنّي خالفتُ القانون. عندما وصلنا إلى ميناء أشدود أعطونا ملابسنا ووضعونا في غرفة كان فيها حوالي سبعة صيادين من غزة ورفح، وكانوا مكبلين بأصفاد معدنية، وتمددوا على الأرض. انضممنا لهم. تركونا على هذه الحال دون طعام أو شراب. في تمام الساعة 12:00 مساء، حضر ضابط وقال لنا إنهم سينقلوننا إلى معبر إيريز حيث سيتم التحقيق معنا هناك. سألنا جميعنا عن مصير قواربنا. قال إنها قد صودرت في ميناء أشدود وأنّ أحدها أصيب في الجزء الأماميّ، وأنّ سلاح البحريّة يحاول أن يجنّبها الغرق. عرفت أنّه قاربي. بعد ذلك وضعونا في حافلة أوصلتنا إلى حاجز إيريز وهناك قام محققو الشاباك بالتحقيق معنا كلّ منا على حدة. طلب مني المحقق تفاصيل شخصيّة وأخذ رقم هاتفي الجوال. قال لي إني تجاوزت نطاق تسعة أميال بحريّة ولهذا أطلقوا النار وصادروا قارب الحسكة خاصتي. قلت له إني لم أتجاوز العوامة التي وضعها الجيش وبقيت في داخل مجال تسعة أميال بحرية. سألته عن الحسكة وقال إنّها في الوقت الحالي لم تغرق وأنها موجودة مع بقيّة القوارب التي تمّت مصادرتها. استمرّ التحقيق معي لمدّة نصف ساعة تقريبًا وانتهى زهاء الساعة الرابعة بعد الظهر. عند الساعة السادسة والنصف أطلقوا سراحنا وعدنا إلى غزّة. في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصلت بوزارة الزراعة ونقابة الصيادين والشرطة البحرية. قالوا لي إنّ قارب الحسكة يتواجد في ميناء أشدود. بعد عشرة أيام تقريبًا عرفتُ من مكتب الثروة السمكية أن قارب الحسكة خاصتي غرق وأن السفينة الإسرائيليّة لم تتمكن من إنقاذه.. مصدر دخلي الأساسي يأتي من الصيد. كان طول قارب الحسكة خاصّتي 7 أمتار، وكان يحتوي على معدات باهظة الثمن. اشتريناه قبل أربع سنوات وتبلغ قيمته الآن 20000 شيكل والمحرك 30000. لكي أشتري القارب بعتُ مجوهرات زوجتي بقيمة 3000 دينار أردنيّ (نحو 15000 شيكل) وأخذت قرضًا بنَفس المبلغ تقريبًا من أقارب ومن معارف. ما زلت أدين المال للتجار. لأنّي لم أمتلك الحسكة ضاع عليّ موسم صيد اللوكوس وسمك النهاش الأحمر. تسبب فقدان قارب الحسكة في مشاكل بيني وبين أفراد الأسرة الآخرين، لأنّه كان مصدر رزقهم. العمال الذين كانوا معي فقدوا في ذلك اليوم عملهم. أشعر بالألم بسبب الحسكة والمحرّك، فقد مرّت أشهر ولم يكن في استطاعتي أن أشتري غيرهما. منذ ما حدث أجلس في البيت بلا عمل. أحمد أبو حمادة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 27.1.17 أحمد جمال لطفي أبو حمادة، 29 عامًا، متزوّج وأب لأربعة أولاد، من سكّان مخيّم الشاطىء، روى في إفادة قدّمها بتاريخ 16.11.16: أعمل صيادًا على حسكة والدي، الذي يمتلك ثلاثة قوارب حسكة أخرى. بدأت العمل في هذه المهنة في سن السابعة عشرة. قواربنا مصنوعة من الألياف الزجاجية، وتحتاج إلى صيانة مستمرة واستبدال قطع مصنوعة من الألياف الزجاجية بسبب أضرار المياه المالحة، اصطدام مع مراكب أخرى في الميناء، أو مجرد اهتراء، وأيضًا بسبب رصاص سلاح البحريّة الإسرائيليّ. قبل عام ونصف تقريبًا اصطدم قارب الحسكة الذي أعمل عليه برصيف الميناء بسبب رياح قوية وانقطع الحبل الذي ربطه بالرصيف. حدثت ثقوب في مقدّمة الحسكة. بالإضافة إلى ذلك، في أحد قوارب الحسكة التي نمتلكها تحطم أحد الجوانب، على ما يبدو عندما ضربه صياد آخر في الوقت الذي رسا في الميناء، لكننا لا نعرف الفاعل. أوقفنا العمل على هذين القاربين تقريبًا بسبب وضعهما، فقد كان علينا طيلة الوقت أن نفرغ المياه منهما وأن نهتمّ بألا يمتلآ ونغرق. حاولنا أن نحصل على الألياف الزجاجيّة لكي نصلحهما لكن كان من الصعب جدًا العثور عليها لأنّ إسرائيل تحظر إدخال هذه المادة منذ سنوات. قبل الحظر، كلّف كيلوغرام واحد من الألياف الزجاجيّة التي وصلت من إسرائيل 16 شيكل. بعد ذلك كان من الممكن الحصول على المادة التي وصلت عن طريق الأنفاق من مصر، لكن في عام 2013 أغلقوا الأنفاق ومنذ ذلك اليوم ونحن نعاني من نقص فيها، ويمكن الحصول على الألياف الزجاجيّة المصنّعة هنا في غزة، وتكلفتها أكبر بكثير. قررت الحصول على المادة رغم ذلك، واشتريت 8 كغم بتكلفة 80 شيكل للكيلوغرام الواحد، وكيلوغرامين من الدهان بسعر خمسين شيكل، وثلاثة أمتار من القماش الخاصّ للتغطية ب- 180 شيكل. كما ودفعت 300 شيكل عن الخشب والعمل. أي أن مجموع عملية ترميم مساحة صغيرة في مقدّمة القارب كلّفتي نحو 1500 شيكل. لم أكن أملك هذا المال واضطررت إلى الاقتراض لأتمكّن من العمل وكسب الرزق. يتطلّب قارب الحسكة الثاني تصليحًا أكبر، بتكلفة قدرها 2500 شيكل، والآن لا إمكانية لنا لاصطلاحه. ولكن يجب علينا أن نفعل ذلك في أقرب وقت، لأني أعمل مع والدي وأخوتي الثلاثة وهذا هو مصدر رزق عائلتنا. والآن بعد أن تعطّل القارب، تدنّى مستوى دخلنا، خصوصًا في الشتاء حيث لا يوجد الكثير من العمل في صيد الأسماك. الحظر المفروض على الألياف الزجاجية يسبب خسائر فادحة للصيادين، لأننا لا نستطيع إصلاح القوارب ومواصلة كسب الرزق، الأمر الذي يزيد من تردّي وضعنا الاقتصادي جميعًا، وهو وضع صعب على أيّ حال. أحمد أبو حمادة قرب قاربه المُعطل. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 26.1.177 * حرى تصحيح المعطيات في شهر حزيران 2018، عقب معلومات جديدة وصلت لبتسيلم.

29 كانون الثاني/يناير 2017