قطاع غزة

عناصر قوّات الأمن أردوا بنيرانهم الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) أثناء مظاهرة عند حدود غزّة، وكان يقف على بُعد عشرات الأمتار من الشريط الحدوديّ

28 تشرين الأول/أكتوبر 2021، حُدّث في 28 تشرين الأول/أكتوبر 2021

الصورة
شبان يحملون المصاب عمر أبو النيل وينقلونه لتلقي العلاج بعدما أطلق الجنود الرصاص عليه وأصابوه في رقبته. تصوير: عبد الرحيم الخطيب
الصورة
عمر أبو النيل. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
عمر أبو النيل. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في يوم السبت الموافق 21.8.21 جرت مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة، لإحياء الذكرى الـ52 لإحراق المسجد الأقصى. العائق الذي تعكف إسرائيل على توسيعه في السّنوات الأخيرة مكوّن - وفقاً للتقارير المنشورة - من جدار إسمنتيّ تحت أرضيّ يتغلغل إلى عُمق عشرات الأمتار. أمّا فوق الأرض وفي هذه المنطقة فهو مكوّن من جدار إسمنتيّ ارتفاعه بضعة أمتار ومن فوقه سياج معدنيّ. خلال المظاهرة أشعل بعض المتظاهرين الإطارات ورشقوا الحجارة وعبوات نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجهة الأخرى من الشريط الحدوديّ. بدورهم أطلق عناصر الأمن نحو المتظاهرين قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط والرّصاص الحيّ. وفقاً لمعطيات وزارة الصحّة الفلسطينيّة أصيب جرّاء الرّصاص الحيّ 41 متظاهراً بضمنهم 22 قاصراً، وقد توفّي اثنان من الجرحى متأثرين بجراحهما بعد مرور بضعة أيّام: في 25.8.21 توفّي أسامة دعيج (31 عاماً) من مخيّم جباليا للّاجئين، وكان ناشطاً في الذراع العسكريّة لحركة حماس؛ وفي 28.8.21 توفّي الطفل عمر أبو النيل (13 عاماً) من سكّان مدينة غزّة. بعد مرور يومين توفّي في إسرائيل متأثراً بجراحه شرطيّ حرس الحدود برئيل حداريا شموئيلي (21 عاماً) من "بئير يعقوب"، وكان قد أصيب خلال المظاهرة بجراح جرّاء نيران أطلقها فلسطينيّ وهو في منصّة إطلاق نار نُصبت في الجانب الشرقيّ من الشريط.

في ذلك اليوم جاء الطفل عمر أبو النيل إلى موقع المظاهرة في ساعات العصر وعند السّاعة 17:30 تقريباً تقدّم حتى صار على بُعد نحو مئة متر من الشريط، ووقف يتفرّج على الأحداث. أثناء ذلك أصابه عيار ناريّ في عُنقه فنقله متظاهرون آخرون إلى سيّارة إسعاف نقلته إلى مستشفى الشفاء حيث تلقّى العلاج حتى يوم وفاته في 28.8.21.

بمقتل عمر أبو النيل يصل عدد المتظاهرين الذين قتلتهم إسرائيل في مظاهرات قرب الشريط الحدوديّ منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في آذار 2018 إلى 226 بضمنهم 48 قاصراً آخرهم الطفل عمر أبو النيل. سياسة إطلاق النار التي يطبّقها عناصر قوّات الأمن لا مبرّر لها وهي مخالفة للقانون إذ تسمح بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين غالبيّتهم السّاحقة مدنيّون عُزّل ولا يشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن، خاصّة وأنّ هؤلاء محصّنون جيّداً في الجهة الثانية من الشريط الحدوديّ. رغم ذلك ورغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى بالرصاص الحي، تواصل إسرائيل تطبيق السياسة الفتّاكة عينها، والمتوقّع أنّها سوف توقع المزيد من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيّين.

نحو السّاعة 15:30 جاء إلى المظاهرة أنس الغفري (18 عاماً) وهو جار الطفل عمر أبو النيل، وبعد نحو السّاعة ونصف السّاعة تقدّم في اتّجاه الشريط الحدوديّ حتى صار على مسافة منه تقارب 100 متر، وبعد عشرين دقيقة تقريباً انضمّ إليه عمر أبو النيل:

في إفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 31.8.21، قال أنس الغفري: :

تقدّمت أكثر نحو الشريط وبعد مضيّ عشرين دقيقة جاء عمر أبو النيل ابن جيراننا، ووقف بجانبي. كانت السّاعة 17:30. سألني عمر "لماذا تخاف أن تنزل؟" فصفعته وقلت له "ارجع إلى الوراء" لكنّه لم يرجع بل تقدّم بضعة أمتار في اتّجاه الشريط وهو يأكل المكسرات. فجأة رأيته يقع أرضاً فظننت أنّه تعثّر ولكن بعد ذلك رأيت الشبّان والفتيان متجمّعين حوله وكان ينزف. عندما حملوه رأيت في عنقه أثر مدخل رصاصة ومخرجها.

أخذه الشباب إلى سيّارة الإسعاف وقد رافقته إلى مستشفى الشفاء. في الطريق قدّم له الطاقم الإسعاف الأوّلي وحاولوا إنعاشه. هاتفت عمّ عمر وأخبرته عن إصابته. عندما وصلنا إلى المستشفى أدخلوا عمر إلى قسم العناية المكثّفة وأيضاً حاولوا إنعاشه. بعد ذلك جاءت عائلة عمر. والدُه وقع مغشيّاً عليه عندما رأى ابنه ممدّداً في قسم العناية المكثفة. بقيت في المستشفى حتى السّاعة 22:00 ثمّ غادرت إلى منزلي.

أدناه يحدّث أ. ز. (36 عاماً) عمّا جرى وهو من سكّان مدينة غزّة وكان قد جاء إلى المظاهرة عند الظهر لكي يغطّي الحدث ضمن عمله كمصوّر مستقلّ - من إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 28.9.21

أثناء المظاهرة تقدّم مئات الشبان والفتيان والأطفال نحو الشريط الحدوديّ لكي يرشقوا قوّات الاحتلال بالحجارة. سحبوا شبكة السّياج وأتلفوها ثمّ أشعلوا الإطارات. أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع وأردفوه برصاص تحذيريّ أطلقوه في الهواء. عندما اشتدّ رشق الحجارة أطلق الجنود الرّصاص الحيّ نحو المتظاهرين. رأيت متظاهرين اثنين مصابين بجراح جرّاء الرّصاص وآخرين مختنقين جرّاء استنشاق الغاز.

بينما كنت واقفاً أصوّر المتظاهرين رأيت قبالتي فتىً يقع أرضاً وكان يبعد عنّي 30-40 متراً باتجاه الشريط وكان يبعد عن الشريط نحو 100 متر. حمله الشبّان وأخذوه إلى سيّارة الإسعاف. لم أصوّره لأنّني كنت تحت وقع الصّدمة. كان مصاباً في العُنق وينزف بغزارة. لحقت الشبّان الذين حملوه لكي أستفهم عن حالته وبعد ذلك نقل إلى المستشفى.

عدت إلى المظاهرة لوقت قصير وفي هذه الأثناء رأيت صديقي عاصم شحادة يُصاب بشظية في الجهة اليمنى من فكّه ويقع أرضاً. بينما كنت أصوّره سمعت إطلاق رصاص من جانبنا في اتّجاه الشريط. كان الصّوت يشبه إطلاق نار من مسدّس. بعد ذلك غادرت المكان.

في 31.8.21 أدلت والدة عمر، إيمان أبو النيل (40 عاماً) بإفادة أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد، حدّثت فيها عن ابنها وعن فترة علاجه في المستشفى:

الصورة
إيمان أبو النيل تحمل بعضا من متعلقات نجلها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 31.8.21
إيمان أبو النيل تحمل بعضا من متعلقات نجلها. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 31.8.21

كنت في المنزل عندما سمعت أنّ عمر أصيب أثناء وجوده في المظاهرة. كنت أعتقد أنّه ذهب عند العصر إلى النادي إذ لم يسبق له أن شارك في مظاهرات قرب الجدار. صعدت إلى منزل سلفتي وهناك تهاويت ووقعت أرضاً وأنا أصرخ. احتضنتني سلفتي وابنتها ثمّ أعانتاني على العودة إلى منزلي. استبدلت ملابسي وتوجّهت إلى منزل والديّ ومن هناك إلى مستشفى الشفاء.

عندما وصلت إلى المستشفى سألت في الاستعلامات عن عمر فقيل لي إنّه أصيب في رجله ويخضع الآن لعمليّة جراحيّة بسيطة. صعدت إلى طابق غرف العمليّات فوجدت هناك زوجي (حسن أبو النيل) وقد احمرّت عيناه واغرورقت بالدّموع. لم يستطع التفوّه بشيء عن حالة عمر فأدركت فوراً أنّ عمر لم يصب في رجله. قال لي زوجي إن عمر أصيب في كتفه فقلت له إنّ إصابته أخطر من ذلك. أحسست أنّني لن تحمّل أيّة أنباء سيّئة فانهمكت أدعو الله أن يمنحني الصّبر والعزيمة. وقفت أنتظر على درج غرفة العمليّات لا أكلّم أحداً. من شدّة الصّدمة لم أستطع حتى أن أبكي.

نحو السّاعة 22:00 أخرجوا عمر من غرفة العمليّات ونقلوه إلى قسم العناية المكثّفة وكان لا يزال في غيبوبة من أثر البنج. خرج طبيب من غرفة العمليّات وجهه متكدّر ولا يشي بأيّ أمل. طلبت من زوجي أن يُخبر أولادنا أنّ عمر في حالة خطيرة جدّاً لكي لا يصعقهم نبأ وفاته فجأة. ذهبت إلى المنزل على أمل أن أعود في الغد إلى المستشفى فأجد عمر وقد تحسّن.

عندما وصلت في اليوم التالي إلى المستشفى كانت السّاعة قرابة 12:00. وجدت عمر على حاله لا يزال في غيبوبة. قال لي الأطبّاء إنّه قد يستفيق خلال يومين. أمضينا الوقت في توتّر شديد وكلّما رنّ جرس الهاتف كنّا نخشى أن نتلقّى نبأ استشهاد عمر.

في التاسعة من صباح يوم الثلاثاء الموافق 24.8.21 اتّصلوا بي من المستشفى وقالوا إنّهم سوف يُجرون لعمر صورة C.T. والأمر يتطلّب وجودي هناك. ظننت أنّني سوف أسمع أنباء طيّبة عن حالته وأنّه أفاق من غيبوبته. لكنّهم وجدوا أثناء الفحص أنّ جريان الدم إلى الدّماغ قد توقّف أي أنّ عمر في حالة موت سريريّ. تهاويت أرضاً وأنا أدعو الله وأبتهل.

في يوم السّبت الموافق 28.8.21 نحو السّاعة الواحدة بعد منتصف اللّيل أبلغونا أنّ عمر قد استُشهد. عدت إلى المستشفى لكي أودّعه. بعد أن فصلوا جسده عن الأجهزة احتضنته وقبّلته ولامست كلّ جسده الصّغير وأنا أبكي. لم تدمع لي عين ولكنّ قلبي كان يبكي. عدت إلى المنزل وقد فارقت عمر إلى الأبد.

كان عمر العامود الذي يسند المنزل. بوفاته أصبح البيت بلا روح لأنّ عمر كان روح البيت. عمر كان الغالي المدلّل. كنّا قريبين جدّاً. كان قد ترفّع إلى الصفّ التاسع ولم يُكمل يومه الرّابع فيه بعد. هو لا يزال حيّاً في قلبي يعيش معنا وروحه لا تفارقني ولو للحظة واحدة. عندما نجلس لتناول الطعام أنظر إلى المقعد الذي كان يجلس عليه عمر فأقول لنفسي إنّه معنا. ابنتي ملك (6 سنوات) تسألني إلى أين ذهب عمر فأقول لها إنّه ذهب إلى الجنّة.

مواد مقترحة

غياب المساءلة والمحاسبة

على خلفيّة التحقيق الجاري في محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي، تقرير جديد تُصدره بتسيلم والمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان يُظهر أنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في أدائها خلال مظاهرات العودة في غزّة:

״لا تُريد ولا تَقدر״ طمس إسرائيل لحقائق التحقيق في مظاهرات العودة المركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يُصدران اليوم تقريراً مشتركاً يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000. لقد سارعت إسرائيل إلى التصريح بأنّها تحقّق في المظاهرات وذلك بسبب الإجراءات التي باشرتها ضدّها محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي - ذلك أنّ أحد المبادئ التي توجّه عمل هذه المحكمة هو مبدأ التكامُل، والذي يقتضي تدخّل المحكمة فقط إذا كانت الدّولة "لا تُريد أو لا تقدر" على إجراء التحقيق بنفسها. في حال أجرت الدّولة بنفسها تحقيقاً في الأحداث تمتنع المحكمة عن التدخّل. غير أنّه لكي تمتنع المحكمة عن التدخّل لا يكفي مجرّد التصريح بأنّه يجري تحقيق أيّاً كان، بل ينبغي أن يجري تحقيق حقيقيّ وفعّال يطال المسؤولين عن وضع السياسة وتطبيقها ويؤدّي إلى اتّخاذ إجراءات ضدّ من يتحمّلون المسؤوليّة. التحقيقات التي أجرتها إسرائيل بخُصوص المظاهرات لم تستوف هذه المطالب: هذه التحقيقات - التي أدارها الجيش وحده - لم تنظر أبداً في تعليمات إطلاق النار المخالفة للقانون التي صدرت لقوّات الأمن ولا السّياسة التي جرى تطبيقها خلال المظاهرات، وإنّما هي تركّزت فقط في الجنود ذوي الرّتب الدّنيا وفقط في السّؤال هل تصرّف هؤلاء خلافاً للتعليمات نفسها - المخالفة للقانون. علاوة على ذلك فقد نظرت محكمة العدل العليا أثناء فترة المظاهرات في التماسات حول عدم قانونيّة تعليمات إطلاق النار، لكنّ قُضاة المحكمة رفضوا تلك الالتماسات وأتاحوا للجيش أن يواصل تطبيق السّياسة نفسها. هنا ينبغي التنويه أنّ القُضاة لم يصدّقوا التعليمات التي طُبّقت فعليّاً على أرض الواقع - فهذه لم تُطرح أمامهم - وإنّما فقط التعليمات التي زعمت الدّولة أمام المحكمة أنّ الجيش يعمل وفقاً لها. لقد تجاهل القُضاة الهوّة السّحيقة والصّارخة التي تفصل بين مزاعم الدّولة في شأن هذه التعليمات وبين نتائج تطبيقها في الواقع: إلى حين النظر في الالتماسات كان قد وقع في صفوف المتظاهرين عشرات القتلى ونحو ألفي جريح. جهاز إنفاذ القانون العسكريّ يتصعّب حتى في أداء المهمّة المقتضبة التي انتُدب للقيام بها - أي التحقيق فقط في "أحداث استثنائيّة". لقد قرّر الجيش بشكل تعسّفيّ ودون تقديم أيّ تفسير أن يحقّق فقط في الأحداث التي أسفرت عن مقتل فلسطينيّين على يد عناصر قوّات الأمن لكنّه لم يحقّق بتاتاً في الأحداث التي أوقعت آلاف الجرحى، وبضمنهم من أصيبوا بجُروح بليغة أبقتهم مشلولين أو أدّت إلى بتر أطرافهم. عدد مصابي المظاهرات لا يستوعبه عقل: لقد جُرح خلال المظاهرات 13,457 فلسطينيّاً، ومن بين هؤلاء بلغ عدد المصابين بالرّصاص الحيّ 8,079 وعدد المصابين بالرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط 2,424 وعدد من جُرحوا جرّاء إصابتهم مباشرة بقنابل الغاز 2,954. وهناك من بين الجرحى 155 أسفرت إصابتهم عن بتر أطراف. جميع هذه الأحداث لم يتمّ التحقيق فيها. وفقاً لمعطيات أرسلها الناطق بلسان الجيش الإسرائيليّ إلى بتسيلم، فإنه حتى 25.4.21 تم تحويل 234 حالة متعلقة بمقتل فلسطينيين إلى جهاز قيادة الأركان للتحقيق في الأحداث الاستثنائيّة لينظر فيها. وبضمن هذه المعطيات أحداث مقتل فلسطينيّين آخرين خلال الفترة التي جرت فيها المظاهرات. أنجز الجهاز فحص 143 حالة وحوّلها إلى النيابة العسكريّة لتنظر فيها، وارتأى المدّعي العامّ العسكريّ أن تباشر وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق في 33 منها كما أنّه أوعز بإجراء تحقيق في ثلاثة أحداث أخرى لم يعالجها الجهاز. هناك أربع شكاوى انتهى التحقيق فيها بإغلاق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. في الحالات الـ 95 التي أنهى الجهاز معالجتها قرّر المدّعي العامّ العسكريّ عدم فتح تحقيق جنائيّ وأغلق الملفّ دون اتّخاذ أيّة إجراءات. أما بقيّة الشكاوى التي تلقّاها الجهاز ما زالت قيد المعالجة. هناك تحقيق واحد فقط يتعلّق بالمظاهرات - بخُصوص مقتل الفتى عثمان حلّس (14 عاماً) - انتهى بتقديم لائحة اتّهام ضدّ الجنديّ المتورّط، وقد أدين هذا في صفقة ادّعاء بتهمة سلوكيّة بسيطة هي "تجاوُز الصّلاحيّات على نحوٍ يعرّض حياة أو صحّة أحدهم للخطر"، وحُكم عليه بتنفيذ أعمال خدمات لمّدة شهر. السياسيّون والمستشار القضائيّ للحكومة وقُضاة المحكمة العُليا والمدّعي العامّ العسكريّ وكبار الضبّاط الآخرين في الجيش هُم المسؤولون عن وضع سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون وعن تطبيقها - وهُم الذين يُفترض أن يتمّ التحقيق معهم وأن يتحمّلوا مسؤوليّة النتائج الفتّاكة التي أسفر عنها تطبيق هذه السياسة. التحقيقات التي تُجريها إسرائيل هدفها ذرّ الرّماد في العُيون إذ تظنّ أنّها بذلك تستطيع أن تجنّب المسؤولين محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي. لكنّ هذه التحقيقات تثبت العكس: إنّ إسرائيل لا تُريد ولا تقدر على التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوّات أمنها خلال مظاهرات العودة في قطاع غزّة. بالنظر إلى ذلك، العمل على مساءلة ومحاسبة المتورّطين في هذه الانتهاكات يقع الآن على عاتق محكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

غياب المساءلة والمحاسبة

لا تُريد ولا تَقدر

تقرير مشترك للمركز الفلسطينيّ لحقوق الإنسان ((PCHR وبتسيلم يحلّل التحقيقات، إن جاز نعتُها كذلك، التي أجرتها إسرائيل إثرَ مظاهرات العودة التي انطلقت في قطاع غزّة ابتداءً من آذار 2018 واستمرّت نحو السّنة ونصف السّنة. يُظهر التقرير كيف عملت إسرائيل على طمس الحقائق وحماية المسؤولين من عسكريين ورجال سياسة عوضاً عن اتّخاذ إجراءات ضدّ من وضعوا ومن طبّقوا سياسة إطلاق النّار المخالفة للقانون والتي تسبّبت بمقتل أكثر من 200 فلسطينيّ وجرح نحو 8,000.

2 كانون الأول/ديسمبر 2021

ירי גז בהפגנה ממזרח לעיר עזה. צילום: מוחמד סבאח, בצלם, 27.4.18

سياسة إطلاق النار

وسائل تفريق المظاهرات تتحوّل في أيدي عناصر قوّات الأمن إلى سلاح قاتل

منذ انطلقت "مظاهرات العودة" في 30.3.18 وحتى نهاية حزيران 2019 قتلت قوّات الأمن 216 فلسطينيًّا من بينهم 43 قاصرًا إضافة إلى جرح الآلاف معظمهم جرّاء إصابتهم بأعيرة ناريّة. ولكن حتى وسائل تفريق المظاهرات التي تستخدمها قوّات الأمن قد تحوّلت في أيدي عناصر قوّات الأمن إلى سلاح فتّاك ومنها قنابل الغاز المسيل للدموع التي لم تعدّ أبدًا لكي تصيب أجساد البشر. سبعة متظاهرين على الأقلّ قُتلوا عقب إصابتهم بقنابل غاز في رؤوسهم أو وجوههم ومن بينهم 4 قاصرين. وفقاً لقاعدة البيانات بإدارة "أوتشا" ( OCHA - مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في هيئة الأمم المتحدة) حتى يوم 28.6.19 أنّ عدد من وصلوا لتلقّي العلاج في مستشفيات قطاع غزة قد تجاوز 1,600 متظاهرا أصابتهم قنابل الغاز في أجسادهم وأكثر من ثلثهم أصيب في الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2019. قنابل الغاز المسيل للدّموع هي وسائل لتفريق المظاهرات ويبلغ مداها ما بين مئة متر وبضعة مئات من المترات في حالة إبعاد المدى. لم تعدّ هذه القنابل لتكون سلاحًا فتّاكًا وتعليمات إطلاق النّار - على الأقل تلك المصرّح بها كما تعليمات الاستخدام تمنع إطلاقها بتصويب مباشر نحو البشر لأنّه من الواضح أنّ مثل هذه الإصابة ستكون بليغة. خلال الأشهر الماضية جمع باحثو بتسيلم الميدانيّون في قطاع غزة إفادات من متظاهرين أصيبوا بقنابل الغاز ومن شهود عيان على هذه الإصابات. يتبيّن من هذه الإفادات أنّ عناصر قوّات الأمن يطلقون - خلافًا لتعليمات إطلاق النار - قنابل الغاز بتصويب مباشر نحو المتظاهرين وأنّهم يفعلون ذلك بشكل روتينيّ. كما تبيّن الإفادات أنّ الإطلاق يتمّ من مواقع أعلى من الشريط الحدودي (من على سواتر ترابيّة أو أسقف الجيبات العسكريّة) أو عبر فتحات الشريط نفسه. لقد سبق لبتسيلم أن وثّقت إطلاق قنابل الغاز بتصويب مباشر في الضفة الغربيّة والذي أدّى إلى إصابات بليغة وقتل شخصين على الأقلّ. إطلاق قنابل الغاز بتصويب مباشر لا يحدث كاستثناء ولا هو مقطوع السّياق وإنّما هو جزء من سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون والأخلاق التي تطبّقها إسرائيل منذ أكثر من سنة قرب الشريط الحدودي في قطاع غزة. هذه السياسة التي قُتل جرّاءها حتى اليوم أكثر من 200 متظاهر إضافة إلى آلاف الجرحى، هي سياسة مخالفة للقانون والأخلاق وتلوح من فوقها راية سوداء. رغم نتائجه الفتّاكة والمعلومة سلفًا يتواصل منذ أكثر من سنة استخدام الذّخيرة على هذا النحو الفتّاك - سواء كانت أعيرة ناريّة أو غيرها - نحو متظاهرين معظمهم عزّل ولا يشكّلون خطرًا على حياة عناصر قوّات الأمن المحصّنين والمتواجدين في الجهة الأخرى من الشريط. إنّه مثال آخر على استهتار السلطات الإسرائيليّة وعدم اكتراثها بحياة الفلسطينيّين وسلامة أجسادهم. إصابة محمد فسيفس (23 عامًا) في الرأس - 31.5.19: في يوم الجمعة الموافق 31.5.19 نحو الساعة 15:00 وصل محمد فسيفس البالغ من العمر23 عامًا وهو من سكّان عبسان الكبيرة وعاطل عن العمل، إلى مظاهرة جرت قرب الشريط الحدوديّ شمال بلدة خزاعة. عند السّاعة 15:30 تقريبًا تقدّم فسيفس مع مجموعة من الشبّان حتّى أصبحوا على بُعد بضعة عشرات من الأمتار من الشريط. بعضهم كان يرفع أعلام فلسطين ومن ضمنهم حنان أبو طيبة ( 30 عامًا) من سكّان بني سهيلا ومتزوّجة وأمّ لأربعة أولاد، التي أدلت بإفادتها في 19.6.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة قائلة: فلسطين ومن ضمنهم حنان أبو طيبة ( 30 عامًا) من سكّان بني سهيلا ومتزوّجة وأمّ لأربعة أولاد، التي أدلت بإفادتها في 19.6.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة قائلة: كان محمد فسيفس معنا. كنّا نهتف الشّعارات وعندها أطلق الجنود علينا قنابل غاز مسيل للدّموع من قاذفة مركّبة فوق أحد الجيبات العسكريّة. تساقطت قنابل الغاز قربنا فعدنا إلى الوراء. بعد ذلك تقدّمنا مجدّدًا ووقفنا حيث كنّا فأطلق الجنود نحونا الرّصاص الإسفنجيّ. أصيب محمد فسيفس في كتفه وصدره ورجله. جاء مسعفون ونقلوه من المكان وقدّموا له العلاج في الميدان. بعد مضيّ عشر دقائق عاد محمد ووقف معنا وكنّا نبعد عن الشريط بضعة عشرات من الأمتار. كان من حولنا عدد من الشبّان والشابّات. نحو السّاعة 16:30 رأيت مجنّدة تقف عند الشريط. أطلقت نحونا ثلاث أو أربع قنابل غاز مسيل للدموع عبر فتحات الشريط. كنت أقف أمام محمد وتفصلني عنه بضعة أمتار. نظرت إلى الخلف ورأيته يقع أرضًا بعد أن أصابته قنبلة غاز في رأسه. تقدّمت منه. كان ينزف بشدّة من رأسه وجمجمته مهشّمة. صرخت منادية المسعفين وأشرت لهم ملوّحة بالعلم الذي كنت أرفعه. جاء عدد من المسعفين والشبّان. تمّ تضميد رأس محمد وحمله إلى سيّارة الإسعاف على نقّالة. أدلى محمد فسيفس بإفادته في 19.6.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة قائلًا: أفقت بعد مضيّ ستّة أيّام فوجدت نفسي في قسم العناية المكثّفة في المستشفى الأوروبي. رأيت أبي إلى جانبي. سألني إن كنت أعرفه فأجبته بنعم. في اليوم التالي نقلوني من العناية المكثّفة إلى قسم جراحة الأعصاب. قال لي الأطبّاء إنّه من المحتمل أن أبقى مشلولًا في النصف الأيمن من جسمي. ذُهلت عندما سمعت ذلك وخفت كثيرًا غير أنّني تمكّنت في اليوم التالي من تحريك جسمي وأطرافي. غمرتني السّعادة رغم الأوجاع التي عانيتها جرّاء الإصابة. بعد بضعة أيّام خرجت من المستشفى. لا زلت أتناول الدّواء وأذهب للمراجعة في المستشفى. لديّ 13 غرزة في الجهة اليمنى من رأسي. أحيانًا أشعر وكأنّ رأسي سينفجر من شدّة الألم وعندها أتناول مسكّنات الأوجاع. وأحيانًا يصيبني دوار فأجلس فورًا حتّى ولو على الأرض. أخشى أن ترافقني هذه الأعراض لمدّة طويلة. إصابة المسعف المتطوّع محمد أبو جزر (21 عامًا) في الفك - 8.3.19: في يوم الجمعة الموافق 8.3.19 نحو السّاعة 15:30 وصل المسعف المتطوّع محمد أبو جزر البالغ من العمر21 عامًا وهو من سكّان خان يونس إلى مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. عندما كان في طريقه لإسعاف مصاب على بعد بضعة عشرات من الأمتار من الشريط أصابته قنبلة غاز مسيل للدّموع في فكّه. في إفادة أدلى بها محمد يوم 10.3.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، قال: في ذلك اليوم عندما وصلت كان في المكان عدد قليل من المشاركين. عادة يرتفع العدد بعد السّاعة 16:00. بضعة عشرات من المتظاهرين تقدّموا إلى مسافة 30 مترًا من السّلك اللولبيّ الشائك. كنت أقف مع مجموعة مسعفين من طواقم مختلفة على بُعد نحو 25 مترًا خلف المتظاهرين وجمعينا كنّا نرتدي زيّ المسعفين الرّسميّ. نحن نتعمّد الحفاظ على مسافة بيننا وبين المتظاهرين لئلّا يصيبنا الرّصاص والغاز الذي يطلقونه على المتظاهرين. نحو السّاعة 16:00 أصيب أحد المتظاهرين القريبين من السّلك اللولبيّ الشائك بعيار ناريّ في إحدى رجليه. المسعفون الذين كانوا في الموقع نادوني لأنّ معي نقّالة. في طريقنا إلى حيث سيّارات الإسعاف في شارع جكر رأيت شخصًا أصيب في رأسه من قنبلة غاز وكان على بُعد نحو 20 مترًا منّي. تركت المصاب الأوّل واتّجهت إليه مع النقّالة برفقة مسعفيْن آخريْن. عندما صرت على بُعد عدّة أمتار منه أطلق جنود قنابل الغاز نحونا. أحسست بقنبلة غاز ترتطم بفكّي. تركت النقّالة ووضعت يدي على فكّي. شعرت بآلام شديدة في الفكّ وأيضًا في الرأس وأصابني دوار. أمسكني المسعفان اللّذان كان خلفي لئلّا أقع أرضًا وساعداني على الابتعاد من هناك ركضًا بعيدًا عن الغاز. كنت على وشك الإغماء. بعد أن أخرجوني من هناك أغمي عليّ. صحوت في مستشفى ناصر في خان يونس. قال لي الأطبّاء إنّ لديّ كسور في الفكّ. عالجوني وقدّموا لي مسكّنات للأوجاع وفي السّاعة 19:30 خرجت من المستشفى. لا زال فكّي يؤلمني وخاصّة أثناء تناول الطّعام كما أعاني من أوجاع في الرأس ودُوار. من متابعة أجراها باحث بتسيلم الميداني تبيّن أنّ محمد أبو جزر وبعد مضيّ خمسة أشهر تقريبًا على إصابته لا يزال يعاني أوجاعًا في الرأس ويستعين بمسكّنات الأوجاع. عمر النجّار (26 عامًا) من سكّان بني سهيلا. متزوّج وأب لولدين وهو مسعف متطوّع كان مع محمد أبو جزر عندما أصيب وقد أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة في 4.4.19، قائلًا: قرب السّاعة 16:00 تقدّم بضعة عشرات من الأشخاص حتى صاروا على بُعد نحو 30 مترًا من السّلك اللولبيّ الشائك وكانوا يهتفون الشعارات. البعض منهم رشق الحجارة نحو الجنود الذين يعتلون سواتر ترابيّة مرتفعة في الجهة الأخرى من الشريط. وكان خلف الشريط عدد من الجيبات العسكريّة - اثنان منها كانا يطلقان قنابل الغاز المسيل للدّموع. أطلّ أحد الجنود من سقف أحد الجيبين وأخذ يطلق قنابل الغاز على النّاس. كنّا نقف خلف المتظاهرين على بُعد نحو 30 مترًا غربي موقع وقوفهم. أصيب أحد الشبّان القريبين من السّلك اللولبيّ الشائك بعيار ناريّ في رجله. تقدّمنا لمساعدته أنا ومحمد ومسعف ثالث. قدّمنا له العلاج الأوّلي وتمّ حمله على نقّالة. في طريقنا لجهة الغرب رأينا مصابًا كان بين الأشخاص الذي اقتربوا من الشريط. أصابته مباشرة - في عينه اليسرى على ما أعتقد - قنبلة غاز أطلقها الجنديّ الذي أطلّ من سقف الجيب. وقع الشابّ أرضًا. كنّا قريبين منه أنا ومحمد الذي كان يحمل نقّالة. عندما تقدّمنا نحو الشابّ أطلق الجنديّ الذي كان يقف فوق الجيب قنبلة غاز أخرى وأصاب محمد. وقع محمد وأمسكته. كان يضع يده على خدّه. أخذ الدّخان ينبعث من القنبلة فقط بعد أن أصابته ووقع على الأرض. أسعفت محمد وهو مستلقٍ على الأرض. كان يتألّم كثيرًا. بعد ذلك جاء مسعفون آخرون وحملوه على نقّالة إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة في شارع جكر. كان لا يزال في حالة وعي تامّ. بعد ذلك عدت أنا إلى الميدان وبقيت هناك حتى السّاعة 19:00 تقريبًا. معظم الإصابات التي شاهدتها في ذلك اليوم كانت إصابات مباشرة جرّاء إطلاق قنابل الغاز وكان آخرون قد أصيبوا جرّاء استنشاق الغاز. مقتل بسّام صافي (22 عامًا) وإصابة المصّور منيب أبو حطب (23 عامًا) في البطن - 22.2.19: في يوم الجمعة الموافق 22.2.19 أصيب شخصان بقنابل غاز مسيل للدموع أطلقها جنود نحو المتظاهرين خلال مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. أحدهما بسّام صافي ابالغ من العمر 22 عامًا من سكّان مخيّم خان يونس للّاجئين. أصيب بسّام نحو السّاعة 17:00 بقنبلة غاز استقرّت في وجهه. في شريط فيديو نشرته مواقع التواصل الاجتماعي يظهر بسّام مستلقيًا أرضًا والدّخان ينبعث من رأسه في منطقة قريبة من شارع جكر على بُعد 150 - 200 متر من الشريط. تمّ نقله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوب خانيونس حيث أجريت له عمليّة جراحيّة لإخراج القنبلة. ظلّ بسّام في غيبوبة طوال رقوده في المستشفى إلى أن توفّي متأثّرًا بجراحه في 11.3.19. في 1.3.19 استمع باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة إلى إفادة مهنّد النجّار (19 عامًا) من سكّان خان يونس وهو طالب جامعيّ يدرس علوم الحاسوب. حدّث مهنّد عمّا جرى في ذلك اليوم، قائلًا: في الجهة الأخرى من الشريط كانت 4 - 5 جيبات عسكريّة. اثنان منها يطلقان نحو المتظاهرين دفعات ثقيلة من قنابل الغاز المسيل للدّموع. وكان عدد من الجنود يطلقون قنابل الغاز من قاذفات محمولة. أنا أعرف من تجربتي في المظاهرات أنّ قنابل الغاز التي يطلقها الجنود بواسطة القاذفات المحمولة تصل إلى مسافات بعيدة جدًّا وأحيانًا تسقط في منطقة خيام العودة. القنابل التي تطلق من الجيبات مداها محدود واندفاعها أبطأ ولذلك يتمكّن المتظاهرون من تجنّبها. في ذلك اليوم أطلق الجنود ذخيرة حيّة أيضًا وأصابوا عددًا من الأشخاص. شاهدت أيضًا كثيرين أصيبوا جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع. بين السّاعات 17:00-16:30 كنت أقف في منطقة شارع جكر وأتناول المكسرات. كان خلفي على بُعد بضعة أمتار منّي شابّ عرفت لاحقًا أنّ اسمه بسّام صافي. كان واقفًا ولم يفعل أيّ شيء. أطلق الجنود الذين يعتلون السّواتر عددًا من قنابل الغاز المسيل للدّموع وأصابت إحداها بسّام في رأسه. عندما نظرت إلى الخلف رأيته ملقًى أرضًا على ظهره وغاز كثير ينبعث من رأسه. ركضت نحوه لكي أساعده لكنّ بدني قد اقشعرّ من المشهد الذي رأيته وأرعبني الغاز المنبعث من رأسه ولم أقو على الاقتراب. أخرجت هاتفي وأخذت أوثّق بالفيديو ما يجري. بعد أن خفّت كثافة الغاز اقترب من المصاب مواطنون ومسعفون أعتقد أنّهم من الهلال الأحمر. وضعوه على نقّالة وحملوه إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة في شارع جكر. منيب أبو حطب (23 عامًا) من سكّان خان يونس ويعمل مصوّرًا صحفيًّا. وصل منيب إلى منطقة المظاهرة نحو السّاعة 15:00. في إفادته التي أدلى بها في 27.2.19 أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة، قال: في يوم الجمعة الموافق 22.2.19 قرابة السّاعة 17:00 شاهدت جنديًّا يطلق قنبلة غاز نحو المتظاهرين. بعد ذلك رأيت المتظاهرين يركضون نحو أحد المصابين. ركضت أنا أيضًا لأنّني كنت بعيدًا عنهم. عندما وصلت رأيت شابًّا ملقًى على الأرض على بُعد نحو 200 متر من الشريط ودخان كثيف ينبعث من رأسه. حاول الشبّان وقف الغاز وتقديم الإسعاف الأوّلي له. فيما بعد تبيّن لي أنّه بسّام صافي الذي حُمل إلى سيّارة الإسعاف. بعد مضيّ بضعة دقائق تقدّمت نحو الشريط لكي ألتقط صورًا للمظاهرة والمتظاهرين. وصلت إلى بُعد نحو 100 متر من السّلك اللّولبيّ الشائك وكان أكثر من مئة متظاهر على مسافة تراوحت بين 50 - 100 متر منه. كانت معي كاميرتان. ترجّل أحد الجنود من جيب عسكريّ وصوّب قاذفة قنابل الغاز نحوي ثمّ أطلق قنبلة أصابتني في بطني في الجهة اليمنى فوقعت على ظهري. كانت الكاميرا معلّقة من جهة ظهري ووقعت عليها فتألمت كثيرًا حتّى أنّني صرخت من الألم. أحسست كأنّ شيئًا يحترق داخل جسمي. تعرّقت كثيرًا وشعرت بدُوار. عندما وقعت وصرخت تقدّم لإسعافي عدّة مسعفين وشبّان. ضمّدوا جرحي وحملوني على نقّالة إلى سيّارة إسعاف متوقّفة في شارع جكر ومن هناك نُقلت في سيّارة الإسعاف إلى الخيمة الطبّية حيث فحصني عدّة أطبّاء ثمّ نقلت إلى المستشفى الأوروبيّ. وصلت إلى المستشفى أعاني حروقا وانتفاخا في مكان الإصابة. بعد عدّة أيّام خرجت من المستشفى. ضمن عملي كمصوّر صحفيّ في "مظاهرات العودة" لاحظت في الفترة الأخيرة أنّ جنود الاحتلال يصوّبون قاذفات الغاز في معظم الأحيان مباشرة نحو المتظاهرين بقصد إصابتهم وليس بقصد تفريقهم. إصابة جبريل الكفارنة (14 عامًا) في الرأس - 22.2.19: في يوم الجمعة الموافق 22.2.19 وصل الفتى جبريل الكفارنة (14 عامًا) - تلميذ في الصفّ التاسع من سكّان بيت حانون - للمشاركة في مظاهرة جرت شرق مخيّم جباليا للّاجئين. نحو السّاعة 16:00 أصابته قنبلة غاز مسيل للدّموع مباشرة في رأسه فأغمي عليه. نُقل جبريل إلى المستشفى الإندونيسي قرب المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزّة. من بين المتواجدين في المكان أحمد الزعانين (27 عامًا) من سكّان بيت حانون وهو متزوّج وأب لولدين ويعمل فنّي كهرباء. أدلى الزعانين بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 5.3.19 محدّثًا عن إصابة جبريل الكفارنة: كنت أقف على بُعد نحو 200 متر من الشريط ولم أتقدّم أكثر بسبب كثافة قنابل الغاز المسيل للدّموع والأعيرة الناريّة التي أطلقها الجنود الإسرائيليّون نحو المتظاهرين. رأيت هناك جبريل الكفارنة وهو فتًى أعرفه من بيت حانون. بين السّاعة 15:30 والـ 16:00 رأيت ابن عمّي يُصاب برصاصتين في رجله اليسرى ويقع أرضًا وفي اللّحظة نفسها رأيت قنبلة غاز تصيب مباشرة رأس جبريل الكفارنة وترتدّ إلى الخلف. كان جبريل يبعد عنّي مترًا واحدًا أو مترًا ونصف المتر. هو أيضًا وقع. لم أعلم إلى من ينبغي عليّ الذهاب لمساعدته أوّلًا جبريل أم ابن عمّي. جميع المتظاهرين فرّوا من المكان بسبب قنابل الغاز. تقدّمت سريعًا من جبريل الذي كان ملقًى أرضًا مغمًى عليه والدّماء تغطّي رأسه ووجهه. حملته وأخذته إلى سيّارة إسعاف كانت تبعد عنه بضعة أمتار. عدت فورًا لكي أسعف ابن عمّي وحملته هو أيضًا إلى نفس سيّارة الإسعاف. صعدت إلى سيّارة الإسعاف لمرافقة جبريل. كان مغمًى عليه والمسعفون عاكفون على إسعافه داخل السيّارة. ضمّدوا رأسه وزوّدوه بالأوكسجين. وصلنا إلى الخيمة الطبّية ولكنّهم لم يستقبلوه بسبب خطورة إصابته. وضعوه في سيّارة إسعاف نقلته إلى المستشفى الإندونيسي شماليّ غزة ورافقته بنفسي. عندما وصلنا قرّروا تحويله إلى مستشفى الشفاء نظرًا لخطورة حالته فرافقته إلى هناك أيضًا. في مستشفى الشفاء أفاق جبريل لكنّه لم يكن في كامل وعيه. أجروا له صور مقطعية (CT)وأدخلوه إلى غرفة العمليّات وعندما جاء أفراد أسرته غادرت. أدلى المصاب جبريل الكفارنة بإفادته في 3.3.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد، قائلًا: كنت على بُعد نحو 200 متر من الشريط جالسًا على الأرض وأنظر شرقًا إلى المتظاهرين. كان السّاعة تقريبًا الرّابعة بعد الظهر. فجأة أحسست بدوار وضربة قويّة من جسم ما ارتطم برأسي. فقدت الوعي وعندما صحوت وجدت نفسي في قسم الجراحة في مستشفى الشفاء وحولي أفراد أسرتي. قالوا لي إنّ قنبلة غاز مسيل للدّموع أصابت رأسي وإنّني خضعت لعمليّة جراحيّة استغرقت 3 ساعات. كان لديّ كسر في الجمجمة. أحدثت القنبلة ثغرة في رأسي عمقها عدّة سنتيمترات. كانت إصابتي خطيرة وقد رقدت للعلاج في مستشفى الشفاء طيلة أسبوع تقريبًا. كانت حالتي صعبة - تشنّجات وأوجاع ودُوار وضيق تنفّس كما فقدت السيطرة على خروجي وكنت أتقيّأ عدّة مرّات في اليوم. لم أكن قادرًا على الوقوف ولا على تناول الطّعام. كنت آكل اللّبن أو أشرب العصير. لكنّ الأطبّاء عالجوني وتحسّن وضعي. خرجت من المستشفى في يوم الخميس الموافق 28.2.19 ومنذ ذلك الحين ووضعي يستمرّ في التحسّن. ما زلت لا أستطيع المشي ولكنّني آكل أفضل من ذي قبل ونوبات الدّوار قلّت. أتناول مسكّنات الأوجاع بسبب آلام الصداع. لا أستطيع النوم بسبب الآلام. أقضي معظم اللّيل مستيقظًا. حياتي الآن مشلولة بسبب الإصابة. لا أستطيع الخروج من المنزل واللّقاء مع أصحابي. قبل الإصابة كنت أركب الدرّاجة يوميًا وأزور عمّي وأصدقائي أو أجلب أغراضًا للمنزل. الآن لا يمكنني أن أركب الدرّاجة بتاتًا ولا أن ألعب كرة القدم مع أصدقائي في الحي. أتحسّر أحيانًا عندما أسمع صوت أصحابي يلعبون في الخارج. أتمنّى أن يكتب الله لي الشفاء العاجل لأعود وألعب معهم. جدّة جبريل أميرة الكفارنة (61 عامًا) هي التي ربّته واعتنت به بعد طلاق والديه. أدلت أميرة بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 3.4.19 محدّثة عن اليوم الذي أصيب فيه حفيدها وعن فترة رقوده للعلاج في المستشفى: عندما وصلت إلى المستشفى كان جبريل في غرفة العمليّات وكان والده وأعمامه قد وصلوا قبلي. أخذوا يهدّئون من روعي ويصبّرونني وكانوا يسندونني لئلّا أتهاوى حيث أعاني من مرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم كما أنّ لديّ مشاكل في الغدّة الدرقيّة وفي القلب. قال لي الأطبّاء إنّ وضع جبريل صعب ولذلك عندما خرج من غرفة العمليّات اطمأنّ قلبي قليلًا. بكيت كثيرًا وعانقته وقبّلته. لقد احترق قلبي عليه. كان جبريل لا يزال تحت تأثير المخدّر ولم يتكلّم أبدًا. بقيت إلى جانبه حتى منتصف اللّيل ولم أشأ العودة إلى المنزل وتركه هناك ولكنّ أولادي أخذوني إلى المنزل. خرجت من المستشفى وأنا أبكي. رقد جبريل في المستشفى طيلة أسبوع وكنت أذهب إليه كلّ يوم منذ السّاعة 6:00 صباحًا لكي أطمئنّ أنّ كلّ شيء على ما يرام. عندما أفاق من الغيبوبة بعد يومين تقريبًا كنت إلى جانبه. تعانقنا وبكينا. قال لي "لا تبكي يا أمّي ها أنا قربك وبخير كما ترين". قضيت ذاك الأسبوع أبكي عليه. كنت إذا نظرت إلى ملابسه أبكي وإذا رأيت درّاجته أبكي. بكيت طوال الوقت ورَجَوْتُ الله أن يشفيه ويعيده إلى بيته سليمًا معافى. عندما خرج جبريل من المستشفى وعاد إلى المنزل لم أصدّق أنّني أراه بصحّة جيّدة وفي البيت أمام عينيّ. من شدّة فرحي أخذت أغنّي وأصفق. كانت سعادتي لا حدود لها. من بعد الإصابة اعتنيت به أكثر من ذي قبل ودلّلته طوال الوقت. في اللّيالي كنت أنام إلى جانبه. لم أتركه حتى للحظة واحدة لأنّني خفت أن يصيبه شيء لا سمح الله. الحمد لله الذي أرجع لي جبريل ليملأ البيت سعادة وفرحًا. من متابعة أجرتها باحثة بتسيلم الميدانيّة تبيّن أنّ جبريل الكفارنة وبعد مضيّ خمسة أشهر على إصابته لا يزال يعاني آلامًا شديدة وكثيرة وأنّه منذ إصابته أصبح قلقًا ويميل إلى ردود الفعل العصبيّة. إصابة صهيب عماد (12 عامًا) في الساق - 1.2.19: في يوم الجمعة الموافق 1.2.19 نحو السّاعة 13:30 حضر الفتى صهيب عماد (12 عامًا) وهو تلميذ في الصفّ السّابع من مخيّم جباليا للّاجئين ليشارك في مظاهرة جرت شرقيّ المخيّم. خلال المظاهرة رشق الحجارة بواسطة مقلاع نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط. في إفادته التي أدلى بها يوم 7.3.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح حدّث صهيب عماد كيف أصيب: قرب السّاعة الواحدة والنصف توجّهت إلى ساحة مسجد الخلفاء في المخيّم وصعدت إلى حافلة تقلّ المتظاهرين إلى موقع المظاهرة في أرض أبو صفيّة شرق المخيّم. كان عددنا تقريبًا 40 متظاهرًا. وبعد نصف ساعة أخذ يصل مزيد من المتظاهرين. تقدّمت في اتّجاه الشريط مع بعض المتظاهرين وأخذنا نرشق الحجارة. أنا أستخدم مقلاعًا وكنت أصوّب نحو جيب للجيش الإسرائيلي كان يقف وراء الشريط. لاحقًا ذهبت مع عدد من المتظاهرين إلى الجزء الجنوبيّ من أرض أبو صفيّة. وقفنا أمام بوّابة الشريط وأخذنا نرشق الحجارة نحو جيب إسرائيليّ وساتر يقف خلفه جنود في الجهة الأخرى من الشريط. عند السّاعة 16:30 تقريبًا عندما أردنا العودة إلى الوراء والذهاب إلى البيت اقترب جيب إطلاق الغاز المسيل للدّموع وترجّل منه جنديّ صوّب نحونا سلاحه وأطلق علينا قنبلة غاز. استلقيت على الأرض على بُعد بضعة أمتار من الشريط ومعي تقريبًا سبعة متظاهرين آخرين. أحسست بقنبلة غاز تصيبني في ساقي اليمنى. حملني الشباب فورًا وكان الغاز ينبعث من رجلي لكنّهم وضعوني بعد لحظة لأنّهم استنشقوا الغاز المسيل للدموع. أخذوا يسحبونني من طاقيّة بلوزتي لكي يُبعدوني عن الشريط ويقدّموا لي الإسعاف. بعد أن أبعدوني عدّة أمتار جاء مسعفون وحملوني على نقّالة. أحسست بحرق في رجلي. أخذني المسعفون إلى الخيمة الطبّية حيث تلقّيت الإسعاف الأوّلي ثمّ نُقلت إلى مستشفى العودة في المخيّم. هناك أجريت لي عمليّة جراحيّة لإخراج القنبلة التي كانت منغرزة في رجلي اليمنى. كان في رجلي حفرة فوق الرّكبة في الموقع الذي أصابته القنبلة وكنت أعاني أوجاعًا شديدة. ما زلت أرقد في المنزل وأعاني جرّاء الإصابة بقنبلة الغاز. حياة عماد والدة الطفل صهيب عماد وهي ربّة منزل في تبلغ من العمر 29 عامًا وأمّ لثلاثة أولاد، أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 9.4.19، قائلة: عندما وصلت إلى المستشفى كان صهيب يرقد في سرير ويعاني أوجاعًا شديدة. أدخلوه إلى غرفة العمليّات وعندما خرج قال لنا الأطبّاء إنّ حالته خطيرة جدًّا وإنّهم قطعوا العضلات الأماميّة في رجله. ذُهلت عندما سمعت أنّ قنبلة الغاز كانت مغروزة في فخذه. بعد مضيّ يومين نقلوه إلى عيادة "أطبّاء بلا حدود" في المستشفى بسبب وضعه الحرج. بقي هناك مدّة أسبوعين تقريبًا وخضع خلالهما لعدّة عمليّات جراحيّة. بقي والده معه هناك طوال الوقت وكنت أنا آتي في السّادسة صباحًا وأبقى حتى منتصف اللّيل. كنت منهكة وحزينة وأدعو له بالشّفاء. لم أتمكّن من الاعتناء بإخوته الأصغر منه أو بالمنزل. كنت مشغولة فقط به. في كلّ يوم كان أولادي يسألونني هل سأكون في البيت لدى عودتهم من المدرسة فأقول لهم إنّني سأكون عند صهيب في المستشفى. منذ إصابته لا يستطيع صهيب المشي بدون عكّازين أو التنقّل سوى في كرسي عجلات. كما أنّه لا يذهب إلى المدرسة ويقضي معظم وقته في السّرير وإذا خرج ليستنشق الهواء يعود بعد قليل ويقول إنّه انزعج لأنّ الجميع ينظرون إليه بسبب العكازين. صهيب كان يحبّ ركوب الدرّاجة ولكنّه لا يستطيع ذلك الآن. أنا ألاحظ كم هو حزين ومكتئب عندما يرى بقيّة الأولاد يلعبون. كذلك مرّت فترة كان يعاني فيها من الكوابيس فيصرخ في اللّيالي ولذلك صرت أنام إلى جانبه وأحضنه. أريد له أن يعود إلى المدرسة وأن ينهي الفصل الدراسي مثل أصدقائه وزملائه وأن يمشي على رجليه من جديد ويعود ليمارس حياة طبيعيّة. من متابعة أجرتها باحثة بتسيلم الميدانيّة تبيّن أنّ صهيب عماد بعد مضيّ نصف سنة تقريبًا على إصابته قد تحسّن وضعه فهو قادر على المشي لمسافات قصيرة لكنّه لا يزال يحتاج العلاج الطبيعيّ كما ستُجرى له عمليّتان جراحيّتان في ساقه.

6 آب/أغسطس 2019