إفادة محمد الزعيم (36 عاماً) متزوّج ومن سكّان حيّ النصر في غزّة، حول بوتيك فساتين العرائس الذي كان يملكه في بُرج الجوهرة ودمّره القصف تماماً
15 كانون الأول/ديسمبر 2021
أقيم مع زوجتي في شقّة في حيّ النصر في مدينة غزّة. قبل خمس سنوات استأجرت من والدي محلًا مساحته 300 متر مربّع يقع في الطابق الأوّل من بُرج الجوهرة. فتحت هناك محلّ فساتين عرائس وأسميته "سنتر لاين". كان يعمل لديّ ستّة عاملين وعاملات. معظم مبيعاتنا كانت في فصل الصّيف لأنّه أيضاً موسم الأعراس والمناسبات.
الفساتين في محلّي كانت بعضُها من قطاع غزّة وبعضُها أستورده من تركيّا حيث الأسعار هناك جيّدة كما توجد لديهم تشكيلة كبيرة. كلّ ثلاثة أشهُر كانت تصلني طلبيّة من تركيّا نُدخلها عبر معبر كرم أبو سالم.
قبل قصف البُرج كنت في خضمّ تحضيرات وترتيبات لاستيراد بدلات وفساتين لفترة ما بعد الأعياد. قبل ذلك وفي نيسان 2021 كانت قد وصلتني بضاعة ووضعتها في المخزن. كنّا ننتظر انتهاء شهر رمضان وعيد الفطر لكي نعرض البضاعة الجديدة مع قُدوم فصل الصّيف.
في بداية الحرب أغلقنا المحلّ لأنّ الإسرائيليّين كانوا يقصفون في كلّ مكان. التزمنا بيوتنا وانتظرنا انتهاء الحرب لكي نعود إلى أعمالنا. لم نعُد في النهاية. نحو السّاعة التاسعة من مساء يوم الثلاثاء الموافق 11.5.21 هاتفني صديقي الذي يُقيم قرب بُرج الجوهرة وأخبرني أنّ هناك شائعات تقول بأنّ إسرائيل سوف تقصف البُرج. توتّرت كثيراً وتوجّهت ركضاً إلى دكّاني لكي أحاول إنقاذ جزء من الفساتين والبضاعة المخزنة هناك على الأقلّ. ولكن حين وصلت كانت تتواجد هناك قوّات الدّفاع المدنيّ وكانوا يمنعون اقتراب السكّان وأصحاب المحالّ التجاريّة من البُرج خشية قصفه في أية لحظة. بعد مضيّ دقائق معدودة أطلقت طائرة استطلاع صاروخاً استهدف سطح البُرج وهي إشارة إلى أنّهم سوف يقصفونه. بعثر هذا الصّاروخ كلّ أمل لديّ في إنقاذ البضاعة على الأقلّ. عُدت إلى المنزل وانتظرت أن تهدم قوّات الاحتلال مصدر رزقي الوحيد وتحوّلني إلى عاطل عن العمل يعتمد في معيشته على تلقّي الدعم من الجمعيّات، بعد أن كانت لديّ مصلحة تجاريّة أعتاش منها بكرامة.
عند السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل قصفوا البُرج. أحسستُ وكأنّهم يقصفون جسدي ويفجّرون قلبي. انتابتني أوجاع في كلّ أنحاء جسمي، آلمنى قلبي لدرجة أنّني كنت أتنفس بصعوبة. حاولت أن أهدّئ نفسي. جلست وحدي مصعوقاً ممّا يجري. أخذت أفكّر بالمستقبل، بالمحلّ، بحياتي… كيف سأوفّر لقمة عيشي؟
بقيت مستيقظاً حتى الصّباح ثمّ ذهبت إلى البُرج سيراً على الأقدام. كان هناك أناس قد أتوا لكي يشاهدوا ماذا حلّ بالبُرج وكان أيضاً صحفيّون. لقد أصيب البُرج بعدّة صواريخ. لم يتهاو تماماً ولكن أصابته أضرار جسيمة ولم يعد مناسباً للسّكن أو التجارة. لم أتمكّن من الدّخول إلى الحانوت فقد منعونا من ذلك وبالتالي لم أتمكّن من إنقاذ البضاعة. وقفت هناك مشدوهاً لا أقدر على فعل شيء أو حتى التفكير. فقط وقفت أمام دكّاني. في مرحلة معيّنة أمر عناصر الدّفاع المدني الجميع أن يبتعدوا خشية انهيار البُرج.
كلّ شيء توقّف. كلّ شيء انتهى. لم يبق شيء سوى الخراب والعذاب والأسى الذي خلّفته الحرب والذي سيُلازمنا لسنين قادمة. فقدت بضاعة قيمتها عشرات آلاف الدولارات هذا عدا الأموال التي صرفتها على ترميم الدكّان وتأثيثه.
أنا والعمّال الستّة الذين كانوا أجيرين عندي أصبحنا عاطلين عن العمل، أصبحنا محتاجين. دفعة واحدة فقدت سبع أسَر مصدر رزقها. الوضع في قطاع غزّة كان صعباً حتى قبل الحرب. لا توجد فُرص عمل فنسبة البطالة عالية وأجواء اليأس التي خلقتها الحرب لم تتلاش بعد، بل هي الآن تفاقمت أكثر.
لا يمكن ترميم الدكّان لأنّ الخراب كبير. أنتظر الآن من حكومة حماس أن تدفع التعويضات عن الأضرار التي لحقت بنا ولكنّني لا أعرف متى سأحصل على التعويضات، هذا إذا فعلت. لا أملك المال لإنشاء البوتيك من جديد. هكذا بدون أيّ سبب أو جُرْم ارتكبناه أصبحنا جميعاً عاطلين عن العمل.
سجل الإفادة باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 1.7.21