إفادة ريما جودة (50 عاماً) أمّ لأربعة كانت تقيم مع أسرتها في البُرج، حول فُقدان منزلها
15 كانون الأول/ديسمبر 2021
انتقلنا للسّكن في بُرج الجلاء قبل أربع سنوات تقريباً. اقتنينا شقّة في الطابق الثامن مساحتها 180 متراً مربّعاً لقاء 80,000 دولار. قمنا بتأثيث جميع غرف النوم والصالونين.
في يوم قصف البُرج كنّا جميعنا في المنزل - أنا وزوجي والأولاد. كنت في المطبخ منهمكة في إعداد طعام الغداء وفجأة سمعت صُراخاً في بيت الدّرج. كان الجميع يقولون إنّ البرج سيُقصف وعلى السكّان الخروج من منازلهم خلال عشر دقائق. توتّرت كثيراً.
ساعدت أولادي في جمع كتبهم وبعض الملابس والأغراض الأخرى. لممت الوثائق الشخصيّة والنقود التي كانت في حقيبتي. أخذنا جميع الحقائب. أمسكت بيد ابني محمد (14 عاماً) وابني كريم (9 سنوات) وهبطنا الدّرج مع زوجي وابنتينا نور (18 عاماً) وسميّة (16 عاماً). كلّنا كنّا مرعوبين جدّاً. سميّة كانت تبكي وتصرخ "اخرجوا من البرج! اخرجوا من البُرج بسُرعة!". محمد كان يقول لي "أنا خائف جدّاً يا أمّي". رُعب عظيم.
أثناء هبوطنا الدّرج رأيت جميع السكّان مذعورين وبعضهم خرج في ملابس المنزل. أنا أيضاً لم يكن لديّ وقت لاستبدال ملابسي لأنّنا أسرعنا في الخروج إلى الشارع. كان جميع الأطفال في البُرج يصرخون ويبكون. عندما وقفنا جميعاً في الخارج رأيت أشخاصاً حُفاة وبضمنهم نساء وأطفال صغار.
بعد مضيّ خمس دقائق على خروجنا أطلقوا على البناية صاروخًا تحذيريًا. أنا وزوجي والأولاد كنّا على بُعد 500 متر من البُرج واقفين وننظر إليه يُقصف أمام أعيننا. بعد مضيّ عشر دقائق أخرى استهدفوا البُرج بأربعة صواريخ أطلقتها طائرة حربيّة. رأيت البُرج ينهار أمام ناظريّ. كان الشعور مروّعاً. فجأة اختفى البُرج! بكيت بكاءً مريراً. أنا وزوجي والأولاد انتابنا الذهول. لم نستوعب ما جرى فقد كان أمراً لا يصدّق!
أطفال صغار ونساء ورجال - كلّهم واقفون في الخارج، في الشوارع. كان ذلك أشبه بمشاهد يوم القيامة. تجلسين في منزلك مطمئنّة آمنة وفجأة يُقصف ويُهدم تماماً ويتحوّل إلى كومة حجارة ورمل. كلّ أثاث منزلك تبتلعه الأنقاض، كلّ الذكريات الجميلة من الأيّام السّعيدة التي عشناها في المنزل تتلاشى فجأة وكأنّها لم تكن. شعرت وكأنّ هذا كلّه يجري في الحُلم.
في اللّحظات التي تلت القصف لم يكن ممكناً الاقتراب من البُرج بسبب الدّخان الذي تصاعد. المكان مليء بالأنقاض والرّكام وكلّنا قد لفّنا شعور بالإحباط واليأس في ذلك اليوم. كانت وجوه السكّان شاحبة.
بعد ذكل ذهبنا سيراً على الأقدام إلى منزل والديّ في غرب مدينة غزّة، في حيّ النصر، وكنّا نمشي ونبكي طوال الطّريق. كنت مصعوقة ولا أقدر على تمييز حالتي فقد ألمّت بي عاصفة من المشاعر. كنت أنظر نحو زوجي والأولاد، أتحدّث معهم فلا يجيبون. كانوا مصدومين. عندما وصلنا إلى منزل والديّ أصابتني حالة أشبه بانهيار عصبيّ. ما كان منّي سوى أن ارتميت على والدي ووالدي وإخوتي وأخذت أبكي وأبكي. كانت دُموعي تنهمر دون توقّف.
بعد ذلك ظهر تفجير البُرج في نشرة الأخبار. كنّا نشاهد ونبكي. حاولت عائلتي أن تهدّئني وتخفّف عنّي. لقد خرجت من منزلي وتركت كلّ شيء فيه - ملابسنا، أثاثنا وكلّ ما نملكه دُفن تحت الأنقاض.
أولادي يستذكرون المنزل طوال الوقت - غرفهم وألعابهم واجتماعنا حول مائدة الطعام والمناسبات السّعيدة وكيف كنّا نزيّن المنزل مع اقترابها. ملابس العيد بقيت في المنزل. جميع الهدايا التي تلقّتها ابنتي نور في حفل تخرّجها موجودة الآن تحت الرّكام. كنّا نربّي عصافير في قفص وهذه أيضاً تركناها وراءنا. حاول ابني محمد أن يأخذها معه ولكن مع اضطرابنا تحت وقع الصّدمة تركناها وخرجنا. العصافير أيضاً دفنتها الأنقاض. محمد يسأل عن عصافيره طوال الوقت.
كان منزلنا في مركز المدينة ممّا أتاح لأولادي أن يخرجوا للتنزّه وقضاء الوقت مع أصدقائهم من أبناء الجيران. بعد القصف جميعهم تفرّقوا وذهب كلّ إلى جهة.
نحن نقيم الآن في شقة استأجرناها بدون أثاث مقابل 250 دولار شهريّاً ولا نملك المال لشراء أثاث. علينا أن نبدأ كلّ شيء من الصّفر - أن نشتري أدوات مطبخ وأثاثاً لغرف الأولاد. نحن الآن مشرّدون وربّما سوف نضطرّ إلى التنقّل من شقّة مستأجرة إلى أخرى. لا أتوقّف عن تذكّر كلّ زاوية من منزلنا. دماغي مرهق ومشوّش وقد أصبحت أنسى كثيراً.
أحاول أن أصبّر نفسي وأدير شؤون منزلي الجديد والتأقلم مع الوضع الجديد. لكي أقوّي معنويّات أولادي أذكّرهم دائماً كم نحن محظوظون لأنّ أسرتنا ظلّت مجتمعة وخرجنا سالمين. أقول لهُم إنّ كلّ شيء آخر يمكن تعويضه وإنّنا ذات يوم سنعود بإذن الله إلى منزل خاصّ بنا.
سجل الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 12.7.21