قطاع غزة

Israeli human rights organizations: Clear and present danger to the lives of tens of thousands of civilians

An Israeli Call for Urgent Humanitarian Action In Gaza

9 Israeli human rights organizations publicly called on the government and army today to stop the disproportionate harm to civilians in the Gaza Strip, in the light of clear and present danger to the lives and well-being of tens of thousands. In a joint letter to Prime Minister Olmert, Defense Minister Barak, Chief of Staff Ashkenazi, GOC Southern Command Galant, and Attorney General Mazuz, the organizations wrote:

Since the beginning of the campaign in Gaza on December 27, a heavy suspicion has arisen of grave violations of international humanitarian law by military forces. After the end of the hostilities, the time will come for the investigation of this matter, and accountability will be demanded of those responsible for the violations. At this point we call your attention to the clear and present danger to the lives and well-being of tens of thousands of civilians.

The level of harm to the civilian population is unprecedented. According to the testimony of residents of the Gaza Strip and media reports, military forces are making wanton use of lethal force which has to date caused the deaths of hundreds of uninvolved civilians and destroyed infrastructure and property on an enormous scale. In addition, Israel is also hitting civilian objects, having defined them as "legitimate military targets" solely by virtue of their being "symbols of government."

Caught in the middle are 1.5 million civilians in extreme humanitarian distress, whose needs are not being adequately met by the limited measures taken by the army. That distress is detailed in the Appendix to this letter. Its main points are as follows:

  1. The fighting is taking place throughout the Gaza Strip, whose border crossings are closed, so that residents have nowhere to flee, neither inside the Gaza Strip nor by leaving it. Many are unable to escape from the battle zone to protect themselves. They are forced to live in fear and terror. The army's demand that they evacuate their homes so as to avoid injury has no basis. Some people who did escape are living as refugees, stripped of all resources.

  2. The health system has collapsed. Hospitals are unable to provide adequate treatment to the injured, nor can patients be evacuated to medical centers outside of the Gaza Strip. This state of affairs is causing the death of injured persons who could have been saved. Nor are chronic patients receiving the treatment they need. Their health is deteriorating, and some have already died.

  3. Areas that were subject to intensive attacks are completely isolated. It is impossible to know the condition of the people who are there, whether they are injured and need treatment and whether they have food, water and medicine. The army is preventing local and international rescue teams from accessing those places and is also refraining from helping them itself, even though it is required to do so by law.

  4. Many of the residents do not have access to electricity or running water, and in many populated areas sewage water is running in the streets. That combination creates severe sanitation problems and increases the risk of an outbreak of epidemics.

This kind of fighting constitutes a blatant violation of the laws of warfare and raises the suspicion, which we ask be investigated, of the commission of war crimes.

The responsibility of the State of Israel in this matter is clear and beyond doubt. The army's complete control of the battle zones and the access roads to them does not allow Israel to transfer that responsibility to other countries. Therefore we call on you to act immediately as follows:

  1. Stop the disproportionate harm to civilians, and stop targeting civilian objects that do not serve any military purpose, even if they meet the definition of "symbols of government."

  2. Open a route for civilians to escape the battle zone, while guaranteeing their ability to return home at the end of the fighting.

  3. Provide appropriate and immediate medical care to all of the injured and ill of the Gaza Strip, either by evacuating them to medical centers outside of the Gaza Strip or by reaching another solution inside the Gaza Strip.

  4. Allow rescue and medical teams to reach battle-torn zones to evacuate the injured and bring supplies to those who remain there. Alternatively, the army must carry out those activities itself.

  5. Secure the proper operation of the electricity, water and sewage systems so that they meet the needs of the population.

Participating organizations:

Adalah - The Legal Center For Arab Minority Rights In Israel, Amnesty International Israel Section, Bimkom - Planners For Planning Rights, B'Tselem - The Israeli Information Center For Human Rights In The Occupied Territories, Gisha - Legal Center For Freedom Of Movement, Hamoked - Center For Defence Of The Individual, Physicians For Human Rights - Israel Public Committee Against Torture In Israel, Yesh Din - Volunteers For Human Rights.

مواد مقترحة

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022

מאי אבו רווידה בביתה. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 10.12.19

سياسة إطلاق النار

لم يعودوا يبصرون: 21 مشاركا في مظاهرات غزة على الأقل فقدوا عيونهم نتيجة إطلاق النار من قبل قوات الأمن وفتى في الـ 16 فقد بصره كليًا

فقدَ 21 متظاهرا على الأقل البصر في عين واحدة خلال العامين الأخيرين عندما كانوا يتظاهرون على مقربة من الشريط الحدودي في غزة كما فقد فتى يبلغ الـ 16 بصره كليًا.* إن المأساة الشخصية لكل واحد منهم تضاف إلى الحصيلة المُرعبة لضحايا المظاهرات: أكثر من 200 قتيل ونحو 8,000 جريح بالذخيرة الحية ونحو 2,400 جريح جراء إصابات الأعيرة المعدنية المغلفة بالمطاط ونحو 3,000 جريح جراء إصابات قنابل الغاز.** ألحقَ الحصار المفروض على قطاع غزة منذ حوالي 13 عاما ضررا بالغا بمستوى الخدمات الطبية المقدمة للسكان. يعاني الجهاز الصحي المتداعي من النقص في الأدوية والأطباء والمعدات والتأهيل الطبي. نتيجة لذلك لا تتوفر الكثير من العلاجات في القطاع. تستغل إسرائيل سيطرتها على المعابر وباستثناء حالات استثنائية للغاية التي تعتبرها "حالات انقاذ حياة" فإنها ترفض بصورة واسعة تمكين سكان القطاع من مغادرته لغرض الحصول على العلاج الطبي خارج الحدود- بما في ذلك الضفة الغربية وشرقي القدس. ولهذا السبب يُضطر الجرحى إلى الاكتفاء بالعلاج المحدود في القطاع أو محاولة الوصول للعلاج في دول أخرى في حال سُمح لهم بالخروج عن طريق معبر رفح وتحمل تكاليف العلاج الباهظة. وهذا كله رغم تواجد مستشفيات على بعد عشرات الكيلومترات فقط يمكن فيها الحصول على العلاج الضروري الذين يحتاجونه. على غرار ما كتبت بتسليم في السابق فإن استعمال وسائل تفريق المظاهرات كوسائل فتاكة- التي قد تقتل أو تسبب إصابات بالغة- هو أحد أوجه سياسة إطلاق النار التي تطبقها إسرائيل منذ حوالي عامين في التعامل مع المظاهرات بالقرب من الشريط الحدودي. إنّ هذه السياسة ليست قانونية وليست أخلاقية وتعبر عن الاستخفاف بحياة وسلامة الفلسطينيين. وما دامت إسرائيل مستمرة في اتباعها- رغم النتائج المهولة المترتبة عليها- سوف يستمر القتل والمس البالغ بالمتظاهرين. إن رحلة العذاب المستمر الذي يضطر الجرحى والمعالجين إلى تكبده في القطاع رغم توفر علاجات أفضل خارج القطاع هو ركيزة مذهلة أخرى للسياسة الإسرائيلية القاسية بخصوص سكان القطاع. * طبقا لمعطيات منظمة الصحة العالمية (WHO). تم تحديث المعطيات أعلاه بتاريخ 27.2.20. ** طبقا لقاعدة البيانات بخصوص حماية المدنيين بإدارة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. وقد قام الباحثون الميدانيون في قطاع غزة بجباية إفادات من متظاهرين فقدوا عيونهم نتيجة إطلاق النار من قبل عناصر قوات الأمن. فيما يلي قصص ثلاثة منهم. مي أبو رويضة (20 عاما) 6.12.19 يوم الجمعة الموافق 6.12.19 قرابة الساعة 14:30 وصلت مي أبو رويضة وهي من سكان مخيم المغازي لللاجئين والبالغة من العمر 20 عاما مع أختيها الاثنتين إلى "مظاهرات العودة" التي تتم بالقرب من الشريط الحدودي شرق مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة. بعد أن أدت الصلاة في الخيام تقدمت مع عدد من صديقاتها مسافة تصل إلى عشرات الأمتار من الشريط الحدودي وكن يرفعن علم فلسطين. قرابة الساعة 15:30 تقدمت أبو رويضة أكثر باتجاه الشريط وعندها أطلق عليها أحد عناصر قوات الأمن رصاصة "مطاطية" أصابتها في عينها. وقد روت في الإفادة التي أدلت بها أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد بتاريخ 10.12.19: أنا أشارك في "مظاهرات العودة" شرقي مخيم البريج للاجئين منذ أن بدأت. يوم الجمعة الموافق 6.12.19 قرابة الساعة 15:30 بعد أن ابتعدت عن صديقاتي ووقفت على مسافة بضع عشرات الأمتار من الشريط، قام أحد الجنود بإطلاق عيار "مطاطي" نحوي وأصابني بعيني اليسرى. وقعتُ على الأرض ووضعت يدي على عيني التي كانت تنزف بشدة وكذلك كان فمي ينزف. كنتُ واثقة بأنني فقدت عيني. صرختُ وحضرت صديقاتي برفقة شاب وقد حملوني وأخذوني إلى مكان يتواجد به المُسعفون الذين قاموا بنقلي إلى سيارة الإسعاف ومن ثم إلى العيادة الميدانية وهناك قام الأطباء بتنظيف الجرح وإرسالي فورا إلى مستشفى شهداء الأقصى. أما صديقتها شيماء أبو يوسف (26 عاما) من سكان مخيم النصيرات للاجئين فقد روت في إفادتها التي أدلت بها أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد بتاريخ 15.12.19: تقدمتُ نحو الشريط مع مي وعدد من الفتيات ورفعنا علم فلسطين وعندها أطلق علينا الجيش قنابل الغاز المسيل للدموع فهربنا إلى الوراء. بعد ذلك عدنا وتقدمنا مسافة مئة متر تقريبا من الشريط. بعد بضع دقائق تقدمت مي عشرات الأمتار نحو الشريط وعندها تماما بدأت بالاستدارة نحو اتجاه مغاير وعندها أطلق الجنود على مي رصاصة "مطاطية" ومن ثم سقطت. ركضتُ نحوها أنا وعدد من الصديقات. كان وجهها مليئا بالدم. قلت: "استشهدت مي!" وبدأت صديقاتنا بالصراخ بصوت عال. وصل أحد الشبان وقام برفع مي وقال إنها لم تمت. نظرت إليها وكانت مصابة بعينها اليمنى. قمنا بنقلها إلى المسعفين الذين كانوا على مسافة عشرين متر منا وبعد ان قدموا الإسعاف الأولي لمي قاموا بنقلها إلى سارة الإسعاف التي نقلتها إلى عيادة ميدانية ومن هناك نقلوا مي إلى مستشفى شهداء الأقصى. ما الذي فعلته مي؟ لقد حاولت رفع علم فلسطين ولم تُشكل خطرا على الجنود. لماذا يستهدفنا الجيش الإسرائيلي مع أننا حضرنا للتظاهر بهدوء؟ انتقلت مي بين عدد من المستشفيات وفي النهاية خضعت لعملية جراحية في مستشفى النصر وتم تنظيف حجرة العين وبعد مرور يومين نٌقلت إلى مستشفى الشفاء لعلاج الكسر في جمجمتها. وقد روت ايضا في إفادتها: عندما خرجت من العملية الجراحية كانت عيني مغطاة. سألت والدي: "ما الذي حصل لعيني؟" ورد والدي "الكل على ما يرام" لأنه لم يرغب بالتسبب لي بصدمة. عندما فحصني الطبيب سألته وعندها قال لي إنني فقدت عيني. أنا حزينة للغاية. فقدت عيني هباء ودون سبب. لم أشكل خطرا بالمطلق على الجيش الإسرائيلي. أحيانا أشعر أن وجهي مشوه. أنظر في المرآة ولا أحب وجهي. لقد حطّم الجيش حياتي ومستقبلي. لقد حطّموا حياتي كامرأة. إنّ ما يهمني الآن هو الخروج من القطاع للحصول على علاج وزراعة عين اصطناعية كي أعود إلى ذاتي وأتخلص من هذه الفجوة في وجهي. محمد أبو ريدة (10 سنوات) 27.12.19 يوم الجمعة الموافق 27.12.19 وصل محمد أبو ريدة وهو في العاشرة من عمره من سكان بلدة خزاعة إلى المظاهرة التي كانت تجري بالقرب من الشريط الحدودي شمالي خزاعة وذلك لجمع المخلفات المعدنية بهدف بيعها. وقد درج إلى جانب أصدقائه على جمع قنابل الغاز التي تطلقها قوات الأمن نحو المتظاهرين وحتى قطع السلك اللولبي الذي يضعه الجيش بالقرب من الشريط الحدودي وهذا بهدف الحصول على بعض الشواكل. في الساعة 16:00 تقريبا عندما كان يقف بالقرب من الشريط الحدودي أصيب محمد أبو ريدة بعينه اليمنى وقد تبيّن في المستشفى بأنه أصيب بقنبلة غاز. وقد روى في الإفادة التي أدلى بها بتاريخ 6.1.20 أمام الباحث الميداني في بتسيلم خالد العزايزة: عندما أصبت بعيني فقدت وعيي وسقطت على الأرض. عندما استيقظت وجدت نفسي في المستشفى الأوروبي. كنت أرى بالعين اليسرى فقط بينما كانت عيني اليمنى مضمدة وكنت أعاني من صداع شديد. في الأيام الأربعة الأولى في المستشفى كنت مصدوما ولم أكن قادرا على مخاطبة أحد. بعد بضعة أيام تراجع الورم من حول عيني لكن لم أتمكن من الإبصار بها مطلقا. قاموا بتبديل الضماد كل يوم عن عيني. خرجت من المستشفى بعد مرور عشرة أيام. أنا الآن في البيت. أنام طيلة الوقت وأتناول الأدوية وقطرات للعين من أنواع عديدة- كل ساعة أو عدة ساعات. أما والدته جيهان أبو ريدة (41 عاما) وهي متزوجة وأم لأربعة أبناء، فقد روت في إفادتها التي أدلت بها بتاريخ 6.1.20 أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد حول حياة ابنها منذ إصابته: يوم الجمعة الموافق 27.12.19 تناولت مع أبنائي الغداء. طلبت من محمد عدم الذهاب إلى الشريط رغم أنه لا يذهب إلى هناك من أجل التظاهر وانما لجمع قطع الحديد وعبوات قنابل الغاز الفارغة. وضعنا المادي سيء وهو يقوم ببيع قطع الحديد بثلاثة شواكل وهكذا يحصل على بعض المصروف الشخصي. ومع هذا فقد ذهب. وقد انتظرت عودته في البيت ليتناول الحلويات التي أعددتها له. في الساعة 16:00 تقريبا قالت لي ابنتي حنان (13 عاما) إن محمد قد أصيب. وقد قال لي الأطباء في المستشفى الأوروبي إن حالة عين محمد حرجة وإنه قد يفقد البصر. عندما رأيته أغمي عليّ فقد كان وجهه مغطى بالدم وخشيت أن يكون على وشك الموت. كان محمد ينزف ويعاني من الألم ولم يكن بمقدور الأطباء فعل شيء له عدا عن إعطائه المضادات الحيوية ومسكنات الألم. وقد قال الأطباء إنه ينبغي لمحمد السفر للعلاج خارج قطاع غزة لإنقاذ عينه. عندما جاء أصدقاؤه لزيارته بكى ولم يتحدث معهم. ابن عمه إبراهيم وهو في العاشرة من عمره أيضا يأتي لزيارته يوميا. وقد سألني طيلة الوقت: "لماذا يرفض محمد التحدث معي؟ لماذا يصمت طيلة الوقت؟ اشتقت إلى سماع صوته". أوجع الاثنان قلبي وبكيتُ كثيرا أنا أيضا. بعد مغادرة محمد للمستشفى وعودته إلى البيت صار هادئا للغاية. قبل الإصابة كان نشيطا جدا وكان الروح الحية في البيت وكان يخرج كل يوم لبيع الخضروات وقطع الحديد والألومنيوم من أجل توفير بعض المال للبيت. بعد خروجه من المستشفى كان يقول لي طيلة الوقت: "أريد الخروج من البيت واللعب مع أصدقائي. أريد أن ألعب كرة القدم والركوب على الدراجة. أشعر بالاختناق. لقد سئمت ومللت". ما يزال محمد يعاني من آلام شديدة في موضع الإصابة ويعاني الصداع والدوخة وهو لا يري مطلقا بعينه اليمنى ويتلقى العالج عن طريق قطرات العيون والمضادات الحيوية. آمل كثيرا أن يحصل على تحويلة لإجراء عملية في مستشفى في شرقي القدس أو الضفة. محمد هو ابني الصغير والمدلل. أنا إلى جانبه طيلة الوقت. أنظر إليه وأشعر بوخز بالقلب حسرة عليه. إنه في العاشرة من عمره ولم يُشكل خطرا على الجيش الإسرائيلي. أدعو الله أن يمنحه الصحة وأن أراه مرة أخرى يلعب ويركض في الحي وأن تعود الابتسامة إلى وجهه. لم يحصل محمد أبو ريدة على تحويلة للعلاج في مستشفى بالضفة وفي منتصف شهر كانون الثاني 2020 سافر مع والديه للعلاج في مصر. سائد مهاني (28 عاما) 27.12.19 يوم الجمعة الموافق 27.12.19 ونحو الساعة 15:00 وصل سائد مهاني (28 عاما) وهو أعزب من سكان مدينة غزة إلى المظاهرة بالقرب من الشريط الحدودي شرق مخيم البريج للاجئين الواقع وسط القطاع. وقد اقترب سائد من الشريط ورشق حجارة نحو الجنود المتمركزين على الجانب الآخر منه. في الساعة 16:30 تقريبا أطلق عليه جندي رصاصة "مطاطية" أصابته في عينه. كان المراسل والمصور الصحفي محمود أبو مسلم حاضرا في المظاهرة في إطار عمله وقد روى في إفادته التي أدلى بها بتاريخ 8.1.20 أمام الباحث الميداني في بتسيلم خالد العزايزة ما يلي: في ذلك اليوم كان يتظاهر في الموقع بضع عشرات فقط لأنه تقرر إلغاء "مظاهرات العودة". يبدو أن الشبان الذين جاءوا لم يعرفوا هذا. وقد وقفوا على مسافة بضع عشرات الأمتار من الشريط. قرابة الساعة 16:00- 16:30 نزل جندي من جيب عسكري وشتمهم وبعد ذلك أطلق عليهم أعيرة "مطاطية". انبطحت على الأرض. سمعت ثلاثة أعيرة تقريبا وعندما وقفت سمعت الشبان يقولون إن أحد الشبان لم ينهض وإنه استشهد. حملوه وأخذوه إلى سيارة إسعاف كانت تقف في شارع جكر. عندما مروا من جانبي رأيت عينه اليسرى تنزف كثيرا. لم يتكلم وصمتنا جميعا لأننا كنا مصدومين من منظر الدم الذي تدفق وغطى وجهه كله. وقد وصف سائد مهاني في إفادته التي أدلى بها بتاريخ 2.1.20 أمام الباحثة الميدانية في بتسيلم ألفت الكرد ما حدث: في الساعة 16:30 تقريبا كنتُ قريبا من الشريط. أطلق عليّ أحد الجنود رصاصة "مطاطية" أصابتني بعيني ووقعت على الأرض. جاء بعض المتظاهرين وقدموا لي المساعدة وأخذوني إلى سيارة اسعاف نقلتني إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح ومن هناك تم تحويلي مباشرة إلى مستشفى ناصر للعيون في مدينة غزة. وقد أخبرني الأطباء أن حالتي خطيرة للغاية وأنه لا مناص من استئصال عيني رغم أنني وعائلتي اعترضنا على هذا. بعد العملية تم تسريحي من المستشفى ومنذ ذلك الحين لا أرغب بالخروج ولا رؤية أحد. لقد أصبت في الماضي ضمن المظاهرات لكن فقدان العين أثر عليّ كثيرا. كنتُ أفضل قطع يدي على فقدان عيني. أنا مُحبط ويائس وأشعر بالشفقة على نفسي. لم يخطر ببالي أبدا أنني سأفقد عيني. أشعر بأن لا مستقبل لي. سأسافر مع أخي إلى مصر وآمل أن أنجح في الحصول هناك على علاج وزرع عين اصطناعية. لغاية 2.2.20 لم تتح الجهات المصرية لسائد الخروج عن طريق معبر رفح لغرض العلاج في مصر.

24 شباط/فبراير 2020

محمد أبو معوّض (15 عاما) الجزء السفلي من جسده مشلول منذ إصابته برصاص جنود بتاريخ 3.5.19. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 26.12.19

سياسة إطلاق النار

يطلقون النار ويمنعون علاج الجرحى: 155 حالة بتر أطراف و-27 حالة شلل خلال سنتين - هكذا تعاقب إسرائيل من يجرؤ على الاحتجاج ضدّ الحصار في قطاع غزّة.

انطلقت في آذار 2018 "مظاهرات العودة" قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة احتجاجًا على الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع ومطالبة بممارسة حقّ العودة. سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون التي تطبّقها إسرائيل في هذه المظاهرات تسمح للجنود بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد وقد سبق أن وثّقتها بتسيلم بتوسّع. لقد أسفرت هذه السّياسة عن نتائج مروّعة: أكثر من 200 متظاهر قُتلوا وجُرح حتى نهاية كانون الثاني 2020 بالرّصاص الحيّ نحو 8,000 متظاهر من بينهم ما يقارب 1,500 قاصر ونحو 150 امرأة. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) حتى نهاية عام 2019 أنّ الأطبّاء اضطرّوا إلى بتر أطراف 155 متظاهرًا تقريبًا من بينهم 30 قاصرًا كما أن هناك 27 متظاهرًا يعانون الشلل نتيجة لإصابات في العامود الفقريّ. لا تنتهي المعاناة عند حدّ الإصابة البليغة بل هي بداية رحلة من العذاب تشمل العلاجات والفحوصات والعمليّات الجراحيّة التي يخضع لها المصابون ثم صعوبات تأقلمهم مع ظروف حياتهم الجديدة. لكنّ مصابي مظاهرات غزّة يشقون في عذابات أكثر تعقيدًا: الحقّ أنّه من الصّعب على أيّ جهاز صحّة الصّمود في ظرف توافُد الجرحى بهذه الأعداد الكبيرة ولكنّ جهاز الصحّة في غزّة حتى قبل مظاهرات العودة كان يعاني نقصًا في الأدوية والأطبّاء والأجهزة نتيجة للحصار المفروض على غزّة والذي يُمنع الاطبّاء جرّاءه حتى من الخروج للاستكمالات المهنيّة. نتيجة لهذا كلّه معظم الجرحى لا يتلقّون العلاج الذي يحتاجونه ممّا يسبّب مضاعفات خطيرة في بعض الحالات ويصبح الأمر أصعب إذا أخذنا بالحسبان النقص في مؤسّسات العلاج التأهيليّ في قطاع غزّة. هناك عدد قليل من الجرحى يحصلون على فرصة تلقّي العلاج خارج قطاع غزّة - في مستشفيات الضفة الغربيّة (بما فيها شرقيّ القدس) لكنّ هذا يحدث فقط في حالات استثنائيّة حصل فيها الجرحى على تصريح دخول إلى إسرائيل - وقد سبق أن أعلنت إسرائيل منذ انطلاق المظاهرات أنّها ستقل في إصدار التصاريح. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية عام 2019 قدّم 604 مصابين في مظاهرات العودة طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل. 17% فقط منها تمت الموافقة عليها فيما رُفض ما نسبته 83% رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. هناك جرحى اضطرّوا إلى تلقّي العلاج في دول أخرى مثل مصر وتركيا وبعضهم على حسابهم الخاصّ. في إفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قال فتحي أبو معوّض من مخيّم جباليا للّاجئين - جدّ الفتى المصاب محمد (15 عامًا): صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي. تحدّث عدد من المصابين في إفاداتهم أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين في قطاع غزّة عن ملابسات إصابتهم ومواجهة صعوبات ما بعد الإصابة في ظروف لا تطاق: محمد الزعيم (26 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 6.4.18: في 6.4.18 في الجمعة الثانية للمظاهرات ذهب محمد الزعيم وهو صاحب حانوت قرطاسيّة إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزة. نحو السّاعة 17:00 أطلق جنود الرّصاص الحيّ على محمد وأصابوه في ساقيه. نُقل محمد إلى الخيمة الطبّية ومن هناك نُقل إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة. بعد أن رقد للعلاج طوال عشرة أيّام تمّ تحويله إلى المستشفى الاستشاري في رام الله فسافر إلى هناك برفقة جدّه وهناك اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه اليسرى. أدناه إفادة محمد الزعيم أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 17.12.19، محدّثًا عن حياته بعد الإصابة: عندما علمت أنّهم قطعوا رجلي انتابتني الصّدمة. أنا شابّ في بداية حياتي، كيف يقطعون رجلي! بعد أن عدت إلى المنزل كان عليّ أن أخضع أيضًا لعمليّة زرع عصب في ساقي اليمنى وزرع عظام وأعصاب في ساقي اليسرى وعلاجات أخرى. طلبت تحويلي للعلاج مرّة أخرى في مستشفى في رام الله ولكنّ الجواب كان دائمًا أنّ طلبي قيد الفحص. كنت يائسًا ومحبطًا من ذلك فرفضت تلقّي العلاج في قطاع غزّة لأنّني خشيت أن يسبّبوا أضرارًا لساقي. في تشرين الأوّل سافرت مع والدي إلى مصر لإجراء عمليّات جراحيّة وتركيب ساق اصطناعيّة يسرى. مكثت هناك تسعة أشهر. دفعت تكاليف السّفر والسّاق الاصطناعيّة من حسابي الخاصّ. الآن أنا أحتاج عمليّة أخرى في ساقي اليسرى. حالتي النفسيّة اليوم صعبة فأنا أمضي يومي نائمًا أو قبالة التلفزيون. لا أريد أن أرى الناس ولا ألتقي كثيرًا بأصدقائي. أحسّ أنّني أصبحت عالة وعبئًا كبيرة على أسرتي وخاصّة والدتي التي تهتمّ بي وقلّما تخرج من المنزل لأنّها مضطرّة إلى البقاء بجانبي. أحيانًا أحسّ بالاختناق وأصاب بنوبات عصبيّة فأكسّر ما تطاله يدي من أغراض المنزل. لا أستطيع اليوم ركوب درّاجتي الناريّة أو لعب كرة القدم التي كنت أحبّها كثيرًا. لقد اقترحوا عليّ المشاركة في مباريات سباحة وكرة قدم تقيمها جمعيّة لتأهيل المعاقين ولكنّني رفضت. لا أريد أن ينظر الناس إليّ بإشفاق. لهذا السّبب لا أخرج كثيرًا من المنزل في ساعات النهار. أنا أستخدم عكّازين عند الخروج ولا أخرج سوى في اللّيل تحت جُنح الظلام. كان لدينا دكّان اضطررنا لإغلاقه لأنّ والدي يعاني من مرض في القلب. ربّما أتّجه للدّراسة ذات يوم ورّبما أتزوّج وأنشيء أسرة. أنا أفكّر في هذا الموضوع. أستصعب النوم من كثرة الأوجاع وأقضي الليل بالتفكير بإصابتي والعلاجات. لا أغفو إلّا بعد تناوُل مسكّنات الأوجاع. في الشتاء تشتدّ الأوجاع بسبب البرد. أحيانًا يصعب عليّ كثيرًا النظر إلى ساقي الاصطناعيّة لأنّ منظرها يُسبّب لي الاكتئاب. لقد دمّرت إسرائيل حياتي جسدّيًا ونفسيًّا. جلال أبو حيّة (39 عامًا) أب لخمسة أبناء من سكّان عبسان الكبيرة، أصيب في 14.5.18: يعمل جلال أبو حيّة في جهاز الدّفاع المدنيّ وقد اعتاد تقديم الإسعاف الأوّلي للمصابين في المظاهرات. في يوم الاثنين الموافق 14.5.18 نحو السّاعة 8:00 وصل جلال إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة عبسان الجديدة. قرب السّاعة 11:00 أطلق جنديّ الرّصاص الحيّ وأصابه في ظهره. نُقل جلال إلى مستشفى ناصر في خان يونس حيث تبيّن أنّ الرّصاصة أصابت عاموده الفقريّ. من هناك تمّ تحويله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس لإخراج الرّصاصة. بعد العمليّة رقد في المستشفى طيلة ثمانيّة أيّام ثمّ نُقل إلى العلاج التأهيليّ في مستشفًى تابع للهلال الأحمر في خان يونس حيث خضع للعلاج طيلة أربعة أسابيع. من هناك عاد جلال إلى منزله مشلولًا في النصف الأسفل من جسده. أدناه إفادة جلال أبو حيّة، أدلى بها في 22.12.18 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة قائلًا: بعد أن خرجت من المستشفى كنت في وضع صعب جدًّا. قال الأطبّاء إنّه يجب تقليبي في الفراش كلّ ساعتين لئلّا تحدث تقرّحات وكانت زوجتي تضطرّ إلى الاستيقاظ مرارًا في اللّيل لكي تقلبني. كانت الجروح تؤلمني كثيرًا. كنت مشلولًا وعبئًا على زوجتي فكانت حالتي النفسيّة متردّية جدًّا. كنت أفكّر دائمًا كيف يمكنني التخفيف عنها فقرّرت بناء سرير يمكنني التقلّب فيه بواسطة رافعات. وفعلًا بنيت السّرير بمساعدة ابني محمد (17 عامًا). استغرق ذلك سبعة أشهر وقد اشتريت جميع القطع وأدوات العمل اللّازمة على حسابي الخاصّ. عندما بدأت باستخدام السّرير اطمأنّيت - لم أعد بحاجة لمساعدة من زوجتي واعتمدت على ساعة منبّه. أعاني أوجاعًا شديدة في الجزء المشلول من جسمي وأتناول المسكّنات وهذه أشتريها من حسابي الخاصّ لأنّ العيادات العامّة لا توفّرها لنا. بعد شهر من استخدام السّرير أخذت أتنقّل بواسطة كرسي متحرك. كنت أمارس سابقًا هواية صنع السّكاكين والشباري وبعد إصابتي قرّرت كسب رزقي من صنع الشباري في المنزل وبيعها. ولأنّني لا أستطيع استخدام منشار الحديد الدّائريّ (القرص) قمت بتصميم أدوات عمل لجلخ الحديد تريحني كثيرًا في العمل وتساعدني إلى صُنع منتجات بنوعيّة جيّدة. وبما أنّني أتصعّب كثيرًا في التحرّك حيث أتنقّل بواسطة كرسيّ متحرك فقد بنيت ممرًّا خاصًّا فوق درجات مدخل المنزل لتسهيل خروجي ودخولي. ولكنّني ما زلت بحاجة لمن يساعدني في دفع الكرسيّ عند صعود الممرّ. أنا لا أخرج كثيرًا من المنزل بسبب صعوبة التنقّل وإذا ما رغبت بزيارة أحد عليّ التأكّد أوّلًا أنّ المبنى خالٍ من الأدّراج. أقلّل من اللّقاءات الاجتماعيّة لكيلا أكون عبئًا على أحد وكذلك لأنّ الانتقال من مكان إلى آخر يسبّب لي أوجاعًا. ما زلت أتلقّى جزءًا من راتبي من جهاز الدّفاع المدنيّ كما أتلقّى مخصّصات من جمعيّة قَطَريّة. قبل الإصابة كنت أعمل أحيانًا في القصارة ولكنّني اليوم لا أستطيع ذلك. حالتي تؤثّر طبعًا على وضع أسرتي الاقتصادي لأنّ مدخولنا أصبح أقلّ. أحمد الخضري (21 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 1.3.19: كان أحمد الخضري عامل بناء. في الثالثة والنصف من عصر يوم الجمعة الموافق 1.3.19 ذهب للمشاركة في مظاهرة أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة. بعد مضيّ ساعة أطلق جنديّ عيارًا ناريًّا أصاب أحمد في ساقه اليمنى فنُقل إلى الخيمة الطبّية ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت له عمليّة جراحيّة. بعد مرور يومين بتر الأطبّاء ساقه من تحت الرّكبة وبعد أسبوع خرج من المستشفى. أدناه إفادة أحمد الخضري، أدلى بها في 16.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد محدّثًا عن حياته منذ إصابته: بعد قطع ساقي مررت بفترة صعبة من الناحية النفسيّة فقد انتابني حزن عميق وشعور بالعجز. كان الناس ينظرون إليّ بإشفاق بسب وضعي وكنت بدوري أنظر إلى الناس الذين يسيرون بشكل طبيعي وأبكي. كانت نفسيّتي محطّمة. قبل قطع ساقي كنت أعمل في البناء وأساعد والدي في إعالة الأسرة ومصروفات المنزل. كذلك كنت أمارس لعبة كرة القدم والسّباحة في البحر. أمّا اليوم فأمشي معتمدًا على العكاكيز ولا أستطيع العمل في البناء. قبل ثمانية أشهر تقريبًا انضممت إلى مجموعة دعم نفسي ونحن نقوم بتدريبات رياضيّة معًا ونخرج في جولات ورحلات. أذهب إلى هناك تقريبًا بشكل يوميّ خلال الأسبوع. أحاول أن أمتلك حياتي من جديد: عدت إلى ممارسة هواياتي ولكنّ الأمر صعب فأنا ألعب كرة القدم ولكن اللّعب بساق مبتورة لا يكون بمستوى من لديه ساقان. حاولت أيضًا السّباحة في البحر ونجحت في ذلك. أنا أتحدّى الإعاقة ولا أريد أن يشفق الناس عليّ. أحاول تدبّر أموري أثناء الاستحمام دون مساعدة وأعدّ الطعام لنفسي. هذا صعب ولكنّني لا أتنازل. أشعر أنّ الأولاد في الشارع والحارة يخافون من منظري بسبب رجلي المقطوعة وهذا يضايقني. عندما رأت شقيقتاي الصّغيرتان – ليان (7 سنوات) ولمى (6 سنوات) - رجلي للمرّة الأولى فرّت كلتاهما خوفًا فتألّمت كثيرًا لهذا. لكنّني رويدًا رويدًا تقرّبت منهما وساعدتهما على تقبّل وضعي وعدم الخوف منّي. أنا شابّ في بداية حياتي وأخشى ألّا أجد شابّة أتزوّجها. أفكّر في ذلك دائمًا. كنت أحبّ العمل والآن لا أستطيع ذلك. في الآونة الأخيرة أذهب إلى المستشفى للتدرّب على استخدام السّاق الاصطناعيّة التي سيقومون بتركيبها في الأسبوع القادم. آمل أن يكون مقاسها ملائمًا وألّا تسبّب لي المشاكل. فكرة تركيب ساق اصطناعيّة صعبة جدًّا عليّ ولكنّني آمل أن أتقبّلها وأن يتوقّف الناس عن التعامُل معي بإشفاق. محمد أبو معوّض (15 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، أصيب في 3.5.19: محمد أبو معوّض تلميذ في مدرسة مهنيّة يتعلّ الخياطة. نحو الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 3.5.19 ذهب محمد ليشارك في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ المخيّم. نحو السّاعة 19:00 أطلق عليه جنديّ النار وأصابه في صدره. من ثمّ نُقل محمد إلى المستشفى الإندونيسي القريب من المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة نظرًا لخطورة وضعه. في مستشفى الشفاء أجريت له عمليّة لإخراج الرّصاصة لكنّه بقي مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. بعد مضيّ عشرة أيّام نُقل محمد لتلقّي العلاج التأهيليّ في مستشفى حمد في مدينة غزّة وبعد شهر غادرة المستشفى إلى منزله. أدناه إفادة الفتى محمد معوّض - أدلى بها في 26.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد واصفًا ما جرى له:: قبل الإصابة كنت أتعلّم الخياطة في مدرسة مهنيّة وكنت أقضي معظم وقتي خارج المنزل: أركب درّاجتي الهوائيّة وألعب كرة القدم مع أصدقائي وأرتاد أماكن ألعاب الحاسوب وأيضًا أذهب إلى السّوق لشراء الحاجيّات لأسرتي. كانت حياتي غنيّة وكنت سعيدًا فيها. الآن أنا ألازم المنزل وسريري الطبّي الخاصّ وأتسلّى طوال الوقت بالهاتف - ألعاب أو مشاهدة أشرطة الفيديو. لا أذهب إلى المدرسة ولا أركب الدرّاجة ولا ألعب مع أصدقائي. هذا كلّه سرقوه منّي. حين أشاهد أولاد المخيّم يلعبون وأسمع أصواتهم وهم فرحين أو يصرخون على بعضهم البعض أتمنّى لو أنّني معهم. ولكنّني أشفق على نفسي ثمّ أغضب وأبكي وآخذ في تكسير أغراض المنزل. نحن عائلة تعيش في ظروف صعبة جدًّا: والدي عاطل عن العمل ونحن أسرة من ثمانية أنفار نسكن بالإيجار في الإسكان الشعبيّ في مخيّم جباليا للّاجئين. كانت لديّ آمال أن أعمل خيّاطًا وأساعد والدي في تربية إخوتي وإعالة الأسرة لكنّني الآن مشلول ولا أقدر على فعل شيء. أعاني من التقرّحات لأنّها تؤلمني كثيرًا. يأتي إلى منزلنا مرّتين في الأسبوع طاقم من جمعيّة طبّية يقوم بتغيير الضمادات وتضميد جراحي من جديد. أعاني كذلك من فقر الدم وأذهب إلى المستشفى الإندونيسيّ حيث أتلقّى وجبات دم. أتمنّى الخضوع لعمليّات جراحيّة خارج قطاع غزّة لكي أتمكّن من المشي من جديد فتعود لي حياتي الطبيعيّة وأعود إلى اللّعب كالسّابق. أدناه إفادة فتحي أبو معوّض جدّ الفتى محمد (62 عامًا) وهو أب لتسعة أبناء، أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 15.1.20 محدّثًا عن وضع حفيده: صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي. خلال رقوده للعلاج في المستشفى كان محمد يسألني دائمًا "هل سأمشي من جديد؟" وكنت أقول له "نعم ولكن هناك علاجات وأدوية يجب أن تأخذها أوّلًا". كنت دائمًا أطمئنه بأنّه سوف يُشفى ولا أستطيع أن أخبره عن حقيقة وضعه. لكنّه كان يقول لي إنّه لا يشعر بالجزء السفلي من جسده عندما كنت أساعده على تحريك جسده في السّرير أو تغيير حفاظه الصحّي لأنّه لا يسيطر على خروجه. أحيانًا كان محمد يحاول النهوض من سريره فيتذكّر فجأة أنّه لا يستطيع ذلك. كم كنت أحزن عندما يحدث له ذلك. كان ينتابني اليأس والحزن فأسرع للخروج من الغرفة وأجهش بالبكاء. بعد مضيّ عشرة أيّام نقلوا محمد إلى مستشفى حمد للعلاج التأهيليّ في مدينة غزة. كنّا نراه فقط في أوقات الزّيارة المحدّدة. كان يتّصل بي أثناء اللّيل ويقول "أنا خائف. لماذا وضعوني في هذا المستشفى؟" فكنت أطمئنه وأهدّئ من روعه قائلًا "هذا لكي تتلقّى العلاج وتشفى يا محمد وتمشي من جديد". لكنّه كان يجيبني "أنت تكذب يا جدّي. لا أحد يريدني ولا أحد يحبّني. لو كنت تحبّني لما تركتني وحيدًا في المستشفى. لقد عافت نفسي. أنا أكره المستشفى". بسبب الأوجاع يعاني محمد منذ إصابته نوبات غضب - يقذف أغراض المنزل ويكسرها. إنّه يبقى في السّرير ولا يخرج إلّا قليلًا على الكرسي المتحرك ليلتقي أصدقاءه من أبناء المخيّم. أرى الحزن في عينيه وهو ينظر إلى أصدقائه يمرحون ويلعبون فيما هو "مقيّد" إلى الكرسي المتحرك. أنا ووالداه لا نفارقه. والدة محمد تعاني مشاكل نفسيّة نتيجة صدمة حرب 2014 وهي تتناول الأدوية لكي تتمكّن من رعاية أسرتها. ابني رمزي عاطل عن العمل ويتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه مبلغ 1,800 شيكل كلّ خمسة أو ستّة أشهر. إنّهم أسرة مؤلّفة من 8 أنفار ويعيشون في ظروف صعبة جدًّا وخاصّة منذ إصابة محمد لأنّه يحتاج إلى أدوية وحفاظات صحيّة وغذاء. في الشتاء يعانون كثيرًا لأنّ المطر يدلف إلى منزلهم عبر السّقف. أدعو الله أن يشفي محمد. إنّه يحتاج الكثير من العناية والعلاجات. هو يريد إجراء عمليّة خارج القطاع ولكن وزارة الصحّة لم توافق على تحويله لأنّهم يعتقدون أنّه لا فائدة تُرجى منها. أنا أقوم بما أستطيع أسانده وأبقى معه وأوفّر له ما أقدر عليه وأهتمّ بإدخال الفرح إلى قلبه. نزيهة قديح (39 عامًا) من سكّان عبسان الكبيرة، أصيبت في 14.5.18: نزيهة قديح تعمل مزارعة. في العاشرة من صباح يوم الاثنين الموافق 14.5.18 وصلت للمشاركة في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة خُزاعة. بعد ستّ ساعات ونحو السّاعة 16:00 أصيبت في ساقها اليمنى جرّاء نيران أطلقها جنديّ ونُقلت إلى الخيمة الطبّية. من هناك نُقلت نزيهة إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس حيث بتر الأطبّاء ساقها. أدناه إفادة نزيهة قديح - أدلت بها في 12.1.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. قالت: بعد أن أنهيت دراستي الثانويّة توجّهت للعمل في أراضي عائلتنا وأيضًا أراضي الجيران. كنت أزرع بعض الخضار وأحرث الأرض وأحصد القمح. ساعدت أسرتي أيضًا في قطف الزيتون كلّ سنة. كنت أحبّ العمل الزراعيّ بحيث أخرج من المنزل في الصّباح وأعود في ساعات المساء. وكان يسرّني أنّني قادرة على إعالة نفسي وأسرتي فوالداي مسنّان وأخي صهيب (34 عامًا) أصيب هو أيضًا في "مظاهرات العودة" وبُترت ساقه. هو متزوّج وأب لأربعة أبناء وابنتان. لقد دُمّرت حياتي منذ الإصابة. أنا الآن عاطلة عن العمل وأبقى في المنزل طوال اليوم. لا أستطيع القيام بأيّ شيء. أقضي معظم وقتي في النّوم. نفسيّتي متعبة وأنا أبكي طوال الوقت. أعاني من الصّداع وساقي تؤلمني. لقد حصلت على ساق اصطناعيّة ولكنّني لا أستخدمها لأنّها تسببّ لي حكّة في رجلي. نعيش أنا ووالديّ المسنّين وحدنا ولكي أنظّف المنزل أزحف على الأرض ممّا يسبّب لي الإنهاك. أحيانًا أقف على رجلي اليسرى عندما أقوم بغسل الأواني ولكن هذا أيضًا متعب. عندما أرى الأصدقاء والجيران ذاهبين إلى أراضيهم أو أهلي ذاهبين لقطف الزيتون أتمنّى أن أرافقهم وأن أحرث الأرض وأزرعها. عندها أبكي بحرقة ويملؤني الحزن. أشتاق للجمعات الحلوة والجوّ البهيج وقت حصاد القمح والشعير في أراضينا. يتحطّم قلبي عندما أرى الصّبايا يمشين في الشارع بالكعب العالي ويرتدين الملابس الجميلة. لا توجد لي علاقات اجتماعيّة. لقد انقطعت عن الناس والأقارب والجيران ولا أشارك في كثير من المناسبات العائليّة. الخروج من المنزل يتعبني وكذلك يؤلمني أن يراني الناس في هذا الحال. لقد اسودّت حياتي وهي تصبح أصعب يومًا بعد يوم. لقد أصبحت بلا مستقبل. أعتقد أنّني الفتاة الوحيدة التي قُطعت ساقها في مظاهرات العودة. أتمنى أن يكون لديّ كرسي متحرك فأنا اليوم لا أستطيع الخروج من المنزل وإعالة نفسي.

30 كانون الثاني/يناير 2020