رفيدة أبو لبن - من مخيّم الدّهيشة للّاجئين قرب بيت لحم - كانت في الـ13 من عمرها عندما أطلق عليها جنديّ رصاصة اخترقت مؤخّرة عنقها وخرجت من بين عينيها ومن ثمّ فارقت الحياة بعد دقائق معدودة. أطلق الجنديّ الرّصاص عليها وهي عائدة إلى منزلها بعد أن شاركت في جنازة فتًى آخر من المخيّم أرداه الجنود قتيلًا في اليوم السّابق ويُدعى ناصر القصّاص (16 عامًا).
مرّت سنة وبضعة أيّام أخرى. أبلغ الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بتسيلم أنّه "لم تكن علاقة بين موت الطفلة ونشاط الجيش في المنطقة". ثلاثون سنة مرّت منذ وفاة رفيدة. ووالدتها عائشة الآن في الـ70 من عمرها. ثلاثون عامًا لم تنسَ وإلى الأبد لن تنسى الأمّ اليوم الذي قتلوا فيه ابنتها البكر ولا منظر جسدها المسجّى على سرير المستشفى. ثلاثون عامًا ولا زال يعذّبها ويقضّ مضجعها السّؤال لماذا قتل الجندي رفيدة أصلًا. ثلاثون عامًا وحكمة واحدة تلخّصها الأمّ الثّاكلة بالقول: "إن كان حاكمك ظالمك تشكي أمرك لمين؟".
منذ تأسيسها قبل ثلاثين سنة في عام 1989 وبتسيلم تنظر مصعوقة وتصرخ وتوثّق وتطالب وتحقّق وتؤرشف. هنا حالة أخرى هناك ضحيّة أخرى تقع مضافة إلى آلاف قبلها وتضاف إليها آلاف بعدها. آلاف الملفّات بأسماء القتلى والجرحى والاعتداء بالضرب والتنكيل. جميعها مطموسة جيّدًا على يد أجهزة الدّولة - أجهزة مطيعة ومدرّبة جيّدًا بالضّبط للقيام بهذه المهمّة. ملفّات وصناديق تحوي جميع ما تمكّنّا من توثيقه ونحن نعلم بوضوح أنّها تشمل فقط غيضًا من فيض لأنّه أيّ أرشيف هذا الذي يتّسع لقمعٍ يطال ملايين طيلة عشرات السّنين؟
بين أيديكم نبش في الماضي. حادثة واحدة من كلّ سنة منذ عام 1989: قتل وجرح وضرب ارتكبته أيدي الجنود. في كلّ حادثة تجدون إفادات سجلناها فورًا بعد وقوع الحادثة والطريقة التي طُمست بها حقائق الحادثة على يد أحد الأذرع القضائيّة للدولة، ثمّ إفادة سجلناها خلال السّنة الأخيرة من الضحيّة أو من أحد أفراد الأسرة حدّث فيها عن أحلام تهاوت وحياة انهارت في تلك اللحظة ولم تعد إلى سابق مجراها.
العُنف وطمسه سلسلتان تتضافران سويّة لتشكّلا معًا الحمض النووي المكوّن للاحتلال - لأنّه بدون عُنف الدّولة الذي تقوم به أذرع قوّات الأمن لا يمكن قمع شعب والسّيطرة على حياته كما لا يمكن بدون ضمانة الطّمس أن ترضى قوّات الأمن بممارسة العُنف. إنّها صفقة ظلاميّة عُقدت بين السلطة و"الأمن". صفقة لا تقوم للاحتلال قائمة بدونها ولا تدوم سيطرة.
وبطبيعة الحال تحتاج كلّ صفقة قذرة إلى راعٍ لا بدّ من راعٍ يتوسّط هنا ويخفّف هناك ويماطل لكسب الوقت ويصبّ تلالًا من الكلمات بما يضمن في النهاية إغلاق الملفّ. هذه "العربة" في الرّحلة التي نبسطها أمامكم محفوظة للمحامين المدافعين عن العُنف - المحقّقون في وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة ووكلاء النيابة العسكريّة والمستشارون القضائيّون والقضاة العسكريّون وقضاة محكمة العدل العليا.
عندما تفكّرون كيف طوى الثرى جسد الطفلة رفيدة أبو لبن فكّروا بهؤلاء أيضًا. لا تنسوهم عندما يطرق ذاكرتكم ملفّ أغلق وأفسح المجال أمام الملفّ القادم.
status
في الصّفحات التي طويتموها استعرضنا لكم فقط غيضًا من فيض فظائع الاحتلال.
غيضٌ من فيْض لأنّ الندوب التي تخلّفها فظائع الاحتلال في الجسد والنفس تطال كلّ واحدة من الأسر على مرّ السّنين والأجيال. بعد مضيّ أكثر من خمسين عامًا على الاحتلال هل هناك أسرة فلسطينيّة واحدة لم يتعرّض أحد أبنائها أو بناتها للإهانة والإذلال والاعتقال والضّرب والإصابة والقتل؟ ولو حتّى أسرة واحدة ضمن الملايين الخمسة الذين تدوسهم بساطيرنا كلّ يوم! غيضٌ من فيْض لأنّنا وصفنا هنا حالات القتل والإصابة والضرب وطمسها الممنهج. ولكن هذه فقط بعض أوجه عُنف الاحتلال. لن تجدوا بين هذه الصّفحات ذكرًا لهدم المنازل أو تقييد الحركة والتنقّل أو الاعتقال الإداريّ والتعذيب أو نظام التصاريح أو اعتقال الأطفال أو طرد الناس من منازلهم أو عنف المستوطنين بدعم الدّولة أو التدريبات العسكريّة داخل الحقول الزراعيّة أو الجنود "المهذّبين" الذين يقتحمون غرف النوم في دُجى اللّيل أو المحاكم العسكريّة وتلك التي أقيمت منها خصّيصًا لمحاكمة الأطفال أو المستوطنات ونهب الأرض والماء أو التعسّف والتسيّد والاستعلاء الذي تمارسه جميع أجهزة النظام الإسرائيلي المتواطئة جميعًا - من قضاة المحكمة العليا إلى آخر موظّفي الإدارة المدنيّة - من أجل القمع ودوس الحقوق وطمس الحقائق وغذّ السّير قدُمًا في المشروع الإسرائيليّ الكبير مشروع سحق الشعب الفلسطينيّ وجعله حطامًا لتسهيل القمع والسّلب والنّهب والطّرد.
غيضٌ من فيض
منذ خطوتها الأولى في عام 1989 كان اسم بتسيلم "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة" وهو اسم يعكس الطريق التي آمنّا بأنّنا من خلالها سوف نتمكّن من إحداث تغيير: معلومات موثوقة من أرض الواقع تُجبر الإسرائيليّين على النظر إلى الصّورة المروّعة لفظائع الاحتلال ولا تترك لهم فرصة الإشاحة بأنظارهم أو التهرّب بذرائع واهية - عندها سيأتي التغيير.
مرّت ثلاثون سنة شهدنا خلالها كيف "طورّت" أجهزة الإنكار والدّعاية أداءها. كيف يتمّ التفنّن في المماطلة وتُلعن المعلومات الموثوقة وإلى الجحيم أيّتها الحقائق! طالما يجري الحديث عن دولة عظمى إقليميًّا ترسل جيشها المدجج بالسلاح ليقمع وينهب شعبًا مجرّدًا من أيّة حماية وأيّة حقوق تسهل إشاحة النظر. المعلومات الموثوقة التي يتمّ جمعها من أرض الواقع كانت ولا تزال عماد عملنا ولكن بات واضحًا اليوم انّها لا تكفي رغم أنّها مهمّة جدًّا. لذلك إلى جانب التزامنا بمواصلة كشف الفظائع والإصرار على ألّا يُشاح النظر - لهذا نُصدر هذه الكرّاسة - من الواضح اليوم أنّ الخطوات الدوليّة الحاسمة وحدها القادرة على تعديل ميزان القوى وتغيير الواقع وإنهاء الاحتلال.
ندخل الآن العقد الرّابع لعملنا فيما يدخل الاحتلال عقده السّادس. ما قرأتموه هنا ليس سوى غيضٍ من فيض. المستقبل ينطوي على مزيد من أيّام الضرب والقتل والقمع البيروقراطيّ والاعتداءات الجسديّة. أيّام تتصدّر فيها المناطق المحتلّة العناوين وأيّام لا تُذكر فيها بكلمة واحدة. ولكنّ الاحتلال موجود سواء سمعتم عنه أم لفّه الصّمت. موجود كلّ يوم في حياة ملايين الأشخاص: أولئك الذين تُدار حياتهم بالأوامر العسكريّة والرّصاص الحيّ وغموض القادم وهو موجود أيضًا في حياة من يفرضون عليهم ذلك.
في الصّفحات التي قرأتموها غيضٌ من فيض فقط. أمّا المستقبل القادم فيجب أن يسوده واقع مختلف بالنسبة لنا جميعًا – نحن الملايين الـ14 الذين نقيم بين النهر والبحر. مستقبل تسود فيه المساواة بيننا بحيث نتمتّع جميعنا بكامل الحقوق وبالقدرة على تقرير مستقبلنا. واقع لا يكون فيه القانون فأسًا يضرب بها الأسياد ليسحبوا الأرض من تحت أقدام الرّعايا وإنّما أداة جوهر وظيفتها حماية حقوق الإنسان. حقوق الجميع.
هذا المستقبل قادم لا محالة.
وماذا بعد؟
الخضوع للمساءلة والمحاسبة جرّاء المسّ بحقوق الإنسان مركّبٌ جوهريّ في سلطة القانون التي هي حيويّة بالنسبة للضحايا لأنّها تتيح لهم أن يشهدوا إنصافهم عبر معاقبة من آذوهم وانتهكوا حقوقهم. وهي حيويّة أيضًا بالنسبة للمصلحة العامّة حيث أنّ الجهاز الذي يقوم بوظيفته بنجاعة يولّد الرّدع ويمنع بذلك انتهاكات أخرى في المستقبل أو على الأقلّ يقلصها إلى حدّ كبير. لهذا السّبب يُلزم القانون الدوليّ وأجهزة القضاء المحليّة الدول بالتحقيق في شبهات انتهاك حقوق الإنسان ومحاكمة المتورّطين فيها وتعويض الضحايا عن الأضرار التي ألحقت بهم بغير وجه حقّ.
سياسة إسرائيل بخصوص المساءلة والمحاسبة جرّاء إيذاء فلسطينيّين في المناطق التي تحتلّها تختلف جوهريًّا والهدف منها إبقاء الدّولة ومن يعملون نيابة عنها بمنأى عن دفع أيّ ثمن لقاء العُنف الذي مارسوه. ومع ذلك لا تعترف إسرائيل أنّ هذا هو نهجها وعوضًا عن ذلك تزعم بإصرار أنّها تتصرّف وفقًا لأحكام القانون الدوليّ ولأجل ذلك تبذل جهودًا جبّارة لإنشاء صورة زائفة عن جهاز تطبيق قانون يؤدّي وظيفته بنجاعة لا لهدف سوى الحفاظ على صورة "الجيش الأخلاقيّ" وإضفاء الشرعيّة على الاحتلال المستديم في داخل إسرائيل وفي العالم.
كميّة لا تُعقل من الأوراق والوظائف والجلسات والمناقشات والوثائق القضائيّة والميزانيّات جرى توظيفها لخلق هذه الصّورة الزّائفة والحفاظ عليها. غير أنّ هذا كلّه لا ينجح في إخفاء الحقيقة عمّن يسعى لرؤيتها: تحترف إسرائيل طمس الحقائق والتورية والكذب. المتورّطون يفلتون من العقاب والضحايا يُحرمون من حقّهم في التعويض. بالطّبع هناك حالات معدودة تشذّ عن القاعدة بهدف إضفاء الشرعيّة وخلق لحظة عابرة يسود فيها العدل.
الخضوع للمساءلة والمحاسبة ليس مسألة نظريّة: معاقبة المتورّطين في انتهاك حقوق الإنسان وتعويض ضحايا هذا الانتهاك كلاهما معًا يقودان إلى تغييرات في السياسة وتقليل عدد الضحايا. ولكن عندما ينعدم الثمن أيّ ثمن فلا أحد يعنيه وقف الانتهاك. وهكذا فالحصانة التي تمنحها إسرائيل لنفسها وللعاملين نيابة عنها تدلّ كم هي تبخس من قيمة حياة الفلسطينيّين سكّان المناطق المحتلّة وتستهتر بسلامة أجسادهم وممتلكاتهم.
حصانة ضدّ المحاكمة
وظيفة جهاز تطبيق القانون العسكريّ تمّ تعريفها منذ البداية على نحوٍ مقتضَب: التحقيق في أحداث عينيّة والتركيز على المسؤولين في المناصب الدّنيا وشبهة التصرّف "خلافًا للأوامر". إذن وبحُكم التعريف لا يفحص الجهاز مدى قانونيّة التعليمات التي صدرت للجنود ولا يحقّق مع من صاغوا الأوامر ومن صادقوا عليها ولا ينظر في مسؤوليّة من وضعوا السّياسة. وحيث لا يوجد جهاز آخر يحقّق على هذه المستويات العليا يصبح الجميع المسؤولين فيها معفيّين سلفًا من المسؤوليّة.
فحص أداء جهاز تطبيق القانون العسكريّ يبيّن أنّه يفشل حتى في تنفيذ المهمّة المحدودة التي أنيطت به: في كثير من الحالات تقرّر النيابة العسكريّة عدم فتح تحقيق جنائيّ وتعلّل قرارها أحيانًا بـ"عدم وقوع المخالفة " مستندة في استنتاجها هذا إلى أقوال الجنود وفي أحيان أخرى حيث قُتل فلسطينيّون تعلّله بحجّة أنّ ذلك جرى ضمن "عمليات قتاليّة" وهذا الاستثناء الذي يمنح الجنود إعفاءً من التحقيقات الجنائيّة تستخدمه النيابة على نحوٍ جارف يتجاوز بكثير الاستثناء الذي ينصّ عليه القانون الدوليّ.
أمّا إذا حدث وباشرت وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة التحقيق فإنّها تديره بشكل سطحيّ ودون أيّ سعيٍ جدّيّ منها لسَبر غور الحقيقة. يقوم التحقيق على سماع إفادات الجنود بينما إفادات الفلسطينيّين لا تُسمع سوى في بعض الحالات ولا يُبذل أيّ جهد للعثور على أدلّة وبيّنات خارجيّة. ورغم أنّ الإفادات هي ركيزة التحقيق الأساسيّة فإنّ المحقّقين يتعاملون أثناء الاستماع إليها وكأنّهم مراسلون حيث يسجّلون أقوال الجنود بحرفيّتها كلمة فكلمة متجاهلين التناقضات الواردة في أقوالهم أو بين أقوالهم وأقوال المشتكين.
في نهاية التحقيق يتمّ تحويل الملفّ إلى النيابة العسكريّة لكي تقرّر مصيره. ملفّات كثيرة تُغلق بحجّة "عدم وقوع مخالفة" بعد أن ارتأت النيابة قبول رواية الجنود المشتبه فيهم حرفًا بحرف أو بحجّة "عدم وجود أدلّة" - الأدلّة التي لم يُبذل أصلًا أيّ جهد للعثور عليها. إلى ذلك كلّه ينبغي أن نضيف ما يلي: أوّلًا لا يمكن للفلسطينيّين الوصول إلى الجهاز المذكور وتقديم الشكاوى بأنفسهم أمام وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة وإنّما هم يعتمدون في ذلك على منظّمات حقوق الإنسان أو المحامين. ثانيًا معالجة كلّ شكوى تدوم لأشهر طويلة وحتى سنوات وخلال هذه الفترة يكون الجنود المشتكى عليهم قد سُرّحوا من الخدمة وفي هذه الحالة لا يسري عليهم القانون العسكريّ. ثالثًا الجهاز لا يعمل وفق أصول الشفافيّة.
تعكس المعطيات طريقة عمل الجهاز هذه بوضوح: من عام 2000 إلى عام 2015 توجّهت بتسيلم إلى النيابة العسكريّة بخصوص 739 حالة وقع فيها فلسطينيون من سكّان المناطق المحتلّة ضحايا انتهاكات ارتكبها عناصر قوّات الأمن حقّقت فيها بتسيلم. في رُبع من هذه الحالات لم تفتح النيابة العسكريّة ملفّ تحقيق أصلًا. في نصفها تقريبًا أغلق ملفّ التحقيق دون التوصّل إلى شيء وفقط في 25 حالة تمّ تقديم لوائح اتّهام ضدّ الجنود المتورّطين في مخالفات هامشية.
الاستنتاج الوحيد الذي يؤدّي إليه التحليل أعلاه هو أنّ مواصلة التوجّه إلى النيابة العسكريّة ومطالبتها بالتحقيق في انتهاكات ارتكبها عناصر قوّات الأمن ضدّ فلسطينيّين ليس فقط أنّها لا تفيد في جلب المساءلة والمحاسبة بل هي مضرّة فعلًا: إنّها تُصبح تواطؤًا مع جهود إنشاء الصّورة الزّائفة التي يبتغيها الجهاز ليوهم بأنّه جهاز يقوم بمهمّة تطبيق القانون حقًّا وفعلًا وهذا في حدّ ذاته يشكّل شرعنة ليس للجهاز وحسب وإنّما للاحتلال برمّته. هذا هو السّبب الذي لأجله توقّفت بتسيلم في عام 2016 أي بعد مضيّ 25 عامًا عن التوجّه إلى النيابة العسكريّة بطلب إجراء تحقيق.
حصانة ضدّ دفع التعويضات
لقد منحت إسرائيل لنفسها عبر قوانين سنّتها إعفاءً شبه تامّ من دفع تعويضات للفلسطينيّين لقاء أضرار ألحقها بهم عناصر قوّات الأمن. هنا أيضًا رتّبت الدولة إجراءات توحي شكليًّا فقط بأداء سليم بدلًا من أن تتيح لهؤلاء الفلسطينيّين فرصة حقيقيّة لتقديم دعاوى تعويضات عن أضرار لدى المحاكم الإسرائيليّة.
وفقًا لقانون سُنّ عام 1952 الدّولة مسؤولة عن الأضرار التي لحقت بأشخاص جرّاء إهمالها. يُستثنى من ذلك الأضرار التي تقع خلال "عمليّات قتاليّة" وذلك انطلاقًا من فرضيّة - محقة - وهي أنّ الظروف أثناء القتال تتميّز بالضغط وانعدام اليقين.
في التسعينيّات أثناء الانتفاضة الأولى وما بعدها رفع سكّان فلسطينيّون من المناطق المحتلّة آلاف دعاوى التعويضات لدى المحاكم الإسرائيليّة مطالبين بتعويضهم عن أضرار ألحقها بهم عناصر قوّات الأمن الإسرائيليّين ليس خلال "عمليّات قتاليّة". تناولت تلك الدّعاوى أضرارًا نجمت عن إطلاق الجنود النيران بشكل مخالف للقانون تراوحت بين القتل والإصابة وتخريب الممتلكات والاعتداءات الجسديّة الخطيرة وكذلك أضرار نجمت عن التعذيب أثناء التحقيق لدى جهاز الشاباك وعن انفجار مخلّفات ذخيرة تركها الجيش في الميدان وغير ذلك. كانت هذه الدّعاوى مكلفة جدًّا للفلسطينيّين إضافة إلى أنّها استمرّت لسنوات طويلة واجهوا خلالها عقبات بيروقراطيّة كثيرة. لهذه الأسباب اختار فلسطينيّون كثيرون تسوية قضيّتهم بالاتّفاق على مبالغ زهيدة لم تعكس الحجم الحقيقيّ للأضرار التي لحقت بهم.
ولكنّ الدولة في سعيها إلى التهرّب حتى من دفع هذه التعويضات الزّهيدة بدأت في منتصف تسعينيّات القرن الماضي في توسيع الإعفاءات التي سنّتها في قانون أجرت عليه الكنيست عددًا من التعديلات على مرّ السنين. ضمن ذلك وسّعت في عام 2002 تعريف "عمليّة قتاليّة" بحيث يشمل تقريبًا كلّ عمليّة تقوم بها قوّات الأمن في المناطق المحتلّة. إضافة إلى ذلك حدّد القانون عددًا من القواعد الإجرائيّة التي تسري فقط على الدّعاوى التي يقدّمها فلسطينيّون من سكّان المناطق المحتلّة وذلك بهدف عرقلة رفع هذه الدّعاوى.
لقد تبنّت المحاكم التعريف الجديد الموسّع ل"عمليّة قتاليّة"دون أيّ تردّد. مع ذلك فقد لاحظ رئيس المحكمة العليا في حينه القاضي أهرون باراك أنّ هذا التعريف "قد وسّع كثيرًا تأويل القوانين التي ترد فيها هذه العبارة، مقلّصًا على نحوٍ كبير مسؤوليّة قوّات الأمن الناشطة في إطار المواجهة مع الفلسطينيّين "غير أّنه في تتمّة أقواله ارتأى أنّ "هذا التعديل تناسبيّ ولا يثير إشكاليّة دستوريّة".
رفضت الكنيست الاكتفاء بهذا التغيير حيث لا يزال التعريف الجديد يُلزم المحاكم بأن تحسم في كلّ قضيّة تُرفع أمامها. لذلك واصلت الكنيست السّعي لسنّ قانون يمنح الدّولة حصانة جارفة لناحية الأضرار التي يسبّبها عناصر قوّات الأمن في المناطق المحتلّة.
وفعلًا سُن في عام 2005 تعديل للقانون ينصّ على إعفاء واسع غير أنّه تمّ رفع التماس ضدّه وتمّ أيضًا قبول الالتماس حيث قرّر القاضي أهرون باراك أنّ الدّولة قد ذهبت بعيدًا في هذه المرّة وحكم بإلغاء التعديل بعد أن أوضح أنّ الهدف منه "تحقيق غاية غير لائقة وهي إعفاء الدولة من أيّة مسؤوليّة عن الأضرار في مناطق المواجهات". بعد ذلك في عام 2008 طُرح على طاولة الكنيست مشروع قانون بغية تجاوُز محكمة العدل العليا وبعد أربع سنوات سُنّ قانون يقضي بأنه لا يُطلب من الدولة دفع تعويضات عن أضرار لحقت بشخص يسكن في منطقة أعلنت عنها الدّولة أنّها "أرض معادية".
لقد حقّقت هذه التعديلات التشريعيّة الغاية منها: هبط متوسّط الدّعاوى التي رفعها الفلسطينيّون هبوطًا حادًّا من 300 دعوى سنويًّا خلال السّنوات 2002-2006 إلى 18 سنويًّا بين السّنوات 2012-2016. كذلك انخفض متوسّط مبالغ التعويضات الذي اقتُضي أن تدفعها إسرائيل لفلسطينيّين من نحو 21.6 مليون شيكل سنويًّا بين الأعوام 1997-2001 إلى نحو 3.8 مليون شيكل سنويًّا بين الأعوام 2012-2016 أي أقل بنسبة تتجاوز الـ 80%.