كنّا نبحث عن موقع فيه أسماك بواسطة جهاز إلكتروني وعندما عثرنا ابتدأنا عمليّة الصيد. كان ذلك على بُعد نحو 3 كم من الشاطئ في المقطع الواقع بين رفح وخانيونس. يُسمح للصيّادين الوصول إلى مسافة 6 ميل داخل البحر ونحن لم نتجاوز هذه المسافة. قريبًا منّا كانت أربعة قوارب صيد أخرى كبيرة وصغيرة. وطوال هذا الوقت كنّا على مرأى من قاربين إسرائيليّين. كانوا يروننا.
بحلول الساعة 6:30 صباحًا كانت الشمس قد أشرقت بالكامل. سحبت الشباك من البحر مع زملائي وعندها رأينا قارب "دبور" إسرائيلي يقترب منّا. عندما أصبح على بُعد عشرين مترًا تقريبًا أخذ الأشخاص المتواجدين على ذلك القارب يقرأون بصوتٍ عالٍ رقم ترخيص اللّنش خاصّتنا. بعد دقيقة أو دقيقتين ذهبوا ليفحصوا قوارب الصيّادين الآخرين. يحدث هذا طوال الوقت ولذلك لم نكترث للأمر.
انتهينا من سحب الشبكة ووضعناها على متن اللّنش وواصلنا الإبحار والبحث على المزيد من الأسماك. ابتعدت السفينة الإسرائيلية وأصبحت على مسافة 400 أو 500 متر منّا. فجأة سمعت صوت إطلاق رصاص وبدأ اللّنش يهتز بنا فأوقفته. كانت السفينة الإسرائيليّة تتقدّم نحونا والجنود مستمرّين في إطلاق الرّصاص علينا من سلاح أوتوماتيكيّ منصوب على منصّة فوق السفينة. رأيت ثمانية جنود على متن السفينة الإسرائيليّة ثمانية جنود وكانوا جميعًا يرتدون سترات واقية. لم يتحدثوا إلينا على الإطلاق. لم يطلبوا منّا شيئًا ولم يقولوا أيّ شيء حتى أنهم لم يشتمونا فقط أطلقوا الرّصاص علينا.
اتّجهت باللّنش مسرعًا نحو الشاطئ لأنّني خشيت أنّهم يقصدون إغراقنا. في هذه الأثناء كانت السّفينة الإسرائيليّة تواصل الإبحار قريبًا منّا وجنودها مستمرّون في إطلاق النار نحونا في حين لا تفصلها عنّا سوى خمسة أمتار تقريبًا. صرخنا على الجنود ورفعنا أيدينا. قلنا لهم: "لماذا تطلقون الرصاص؟ ارحمونا حبًّا بالله" ولكنّ الجنود لم يتوقّفوا عن إطلاق الرصاص. أصيب أخي سعيد في وجهه وحاول الصيادون الآخرون على متن اللّنش أن يُفهموا الجنود بوقوع إصابة عندنا لكي يتوقّفوا عن إطلاق الرّصاص ولم ينفع ذلك.
في هذه الأثناء أصيب محمود الشريف الذي كان داخل القارب برصاص اخترق القارب. حين تفقّدناه وجدنا أنّ رصاصة سحقت عظم ذراعه وكانت إصابة أخرى في أسفل ظهره. إزاء هذا الوضع أوقفت اللّنش وطلبت من جنود السفينة الإسرائيليّة أن يأخذوا الجرحى. نظر أحدهم إلى الجرحى وقال لي: "اذهب إلى مرسى خانيونس وسأطلب سيارة إسعاف". ربطنا عصبة على شريان محمود الذي أصيب بجروح خطيرة وواصلت الإبحار في اتّجاه خانيونس. في هذه المرحلة كان الجنود قد توقّفوا عن إطلاق النّار علينا. واصلت السفينة الإسرائيليّة الإبحار إلى جانبنا وعندما أصبحنا على مسافة نحو 700 متر من الشاطئ أمرني الجنود بالتوقّف. فجأة قرّروا أنهم يريدون أخذ الجرحى! لكني رفضت التوقّف لأنني لم أرغب في تسليم الجرحى إليهم فقد وصلنا إلى الشاطئ ولم نعد بحاجة إلى مساعدتهم. حاول الجنود أن يعترضوا طريقنا بواسطة سفينتهم وألقوا الحبال علينا لكنني تهرّبت منهم وفي نهاية الأمر يئسوا وابتعدوا عنا. ظلّوا في البحر على بُعد نحو 200 متر من الشاطئ.
اتصلت بشرطة البحرية التابعة للسّلطة الفلسطينية وأخبرتهم بما حدث. طلبت منهم أن يأتوا بحسكة لنقل الجرحى. وصلت سيارة إسعاف ونقلت محمود وسعيد إلى مستشفى ناصر في خانيونس وفي اليوم نفسه نُقل محمود إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة. لاحقًا تقدّمت بشكوى لدى مديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وجاء لتفقّد اللّنش أفراد من الدورية المشتركة - إسرائيليّون وفلسطينيّون.
في بحر خانيونس في قطاع غزّة، 9.4.99
إفادة خالد البردويل (35 عامًا) وهو أب لأربعة أطفال من سكان مخيم خانيونس للاجئين
سجّل الإفادة نجيب أبو رقيّة في 14.4.99
أنا أعمل في مجال الصيد منذ عشرين عامًا. لديّ قارب صيد بالشراكة مع عمي. قارب "لنش" كبير طوله 13 متر له محرّك ديزل. في يوم الجمعة الموافق 9.4.99 خرجنا للصّيد نحو الساعة 15:00 وكنّا 18 صيّادًا. كنت على سطح اللّنش وقد أوصلنا بها خمسة قوارب صغيرة - حسكات وفلوكات مجرورة. في الساعة 3:00 فجرًا أعدنا الحسكات والفلوكات إلى الشاطئ مع خمسة صيّادين والأسماك التي اصطدناها ثمّ أبحرنا ثانية في اللّنش بمن تبقّى من الصيّادين أي 13 صيّادًا.
عملت في البحر لمدّة تسع سنوات دون أيّة مشكلة. في عام 1999 فيما كنت على متن لنش يملكه عمّي إبراهيم وكنّا نصطاد الأسماك كعادتنا أطلق الجنود الرّصاص نحونا فأصابتني شظايا في وجهي. وكان معنا شخص يُدعى محمود الشريف أصيب في كتفه الأيمن ممّا أصابه بشلل. لقد فقد الشعور بيده إلى الأبد ولم يتمكّن من الاستمرار في العمل في مجال الصيد. أمّا أنا فقد تعطّلت عن العمل لمدّة عامين. أصابت الشظايا وجهي وقال الأطباء إنّهم إذا أزالوها فسوف يؤدي ذلك إلى تشوّه وجهي. لهذا السّبب وجهي منتفخ. في البداية عانيت من هذا الأمر لكنّني تمكّنت من التأقلم وتقبّل وضعي بمرور الوقت. رفعنا دعوى ضدّ الجيش لكنّنا لم نحصل على أيّ تعويض كذلك لم يفعل الجيش شيئًا مع الجنود الذين أطلقوا الرّصاص علينا.
بعد مضيّ عامين على إصابتي عدت إلى العمل في مجال الصّيد بسبب الضائقة المالية. هذه هي مهنتي ومصدر رزقي. في عام 2002 بعد عودتي إلى العمل تزوّجت. في ذلك الوقت كان الجيش الإسرائيلي يضايق لصيادين بشكل شبه يوميّ بما في ذلك إطلاق الرّصاص ورشّ مياه البحر - الأمر الذي يضرّ بمحرّكات اللّنشات ومصابيحها ومصادرة الحسكات وتخريبها واعتقال الصيّادين. لم يُرجع الجيش أبدًا القوارب التي صادرها. إضافة إلى ذلك قلّصوا المجال المسموح فيه الصيد إلى ثلاثة أميال فقط وفي هذا العُمق لا يوجد أسماك تقريبًا.
في عام 2007 أغلقت إسرائيل البحر بالكامل تقريبًا عندما فرضت الحصار. كنّا نصطاد القليل جدًّا وبصعوبة كبيرة بحيث لم أتمكّن من إعالة أسرتي المكوّنة من عشرة أفراد. في عام 2008 بدأت العمل أيضًا كمُنقذ في موسم السّباحة أي لمدّة أربعة أشهر في السنة. أعمل في الصّباح ثمّ أعود لأعمل بعد الظهر وأواصل العمل حتى منتصف اللّيل. إضافة إل ذلك أعمل في الصيد عندما يسمح الجيش الإسرائيلي بذلك. أنا أعمل كصيّاد أجير لأنني لا أملك ما يكفي من المال لشراء حسكة ومعدّات صيد. كلّما دخلنا إلى البحر يأخذ الجنود في مطاردتنا فنفرّ عائدين إلى الشاطئ لكي نتجنّب الاعتقال أو تخريب الحسكة. أتمنّى أن أعيش حياة جيّدة وأن أربّي أولادي وأعيل أسرتي.
سعيد البردويل يبلغ من العمر اليوم 44 عامًا وهو أب لثمانية أبناء، تحدّث في هذه السّنة إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد واصفًا حياته كما هي اليوم:
أنا أعمل في مجال صيد الأسماك منذ عام 1990 أي ما يقرب الثلاثين عامًا. في السّنوات الأولى كنت أكسب جيّدًا وتمكّنت من توفير المال. كنت أذهب للعمل مباشرة بعد صلاة الفجر وأستمرّ حتى ساعات المغرب. في تلك الأيام لم يكن الجيش الإسرائيلي يتعرّض لنا تقريبًا. أحيانًا كان الصيادون يُبحرون إلى منطقة يُمنع فيها فكان الجيش يطلق طلقات تحذيريّة في الهواء ولكن لم يحدث أن أطلقوا الرّصاص نحونا. وأيضًا في بعض الحالات كان الجيش يصادر حسكات الصيّادين الذين يدخلون المنطقة الممنوعة. لم يُرجع الجيش تلك الحسكات إلى أصحابها.
[...]
2. في تاريخ 10.4.99 خلال عملية نفّذها سلاح البحرية في منطقة خانيونس تمّ رصْد عدد من القوارب وطلبت القوّات منها أن تعرّف عن نفسها لأنها تجاوزت الموقع الذي سُمح لهم المكوث فيه. أحد القوارب رفض تسليم الرّخص لفحصها وفوق ذلك لاذ بالفرار من المكان. صدر نداء توقّف لهذا القارب ولكنّه رفض الانصياع. كما وتمّ تحذيره مرّتين بإطلاق الرصاص في الهواء وتحذيره مرّتين بإطلاق الرّصاص بالقرب منه وكان هذا كلّه دون جدوى.
3. بعد كلّ هذا أطلقت قوّات البحرية الرّصاص على القارب وإثرَ ذلك على ما يبدو أصيب المواطنان المذكوران في رسالتكم.
4. إزاء هذه الملابسات وُجد أنّه لا داعي لإجراء تحقيق.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 16.9.99 أرسلتها إلى بتسيلم العقيد عينات رون رئيسة النيابة العسكريّة