في يوم السبت الموافق 3.1.09 نثرت طائرات إسرائيليّة في ساعات المساء مناشير تدعو السكّان إلى إخلاء منازلهم. لقد فعلوا ذلك في غاراتهم السّابقة ولكنّنا لم نغادر المنزل وهكذا قرّرنا البقاء في المنزل في هذه المرّة أيضًا.
في الرّابعة من عصر اليوم التالي - الأحد الموافق 4.1.09 - حين كانت الأسرة كلّها مجتمعة في المنزل بدأ الجيش في قصف منطقتنا. بعد دقائق معدودة سقطت بضعة قذائف على منزلنا واندلعت النيران في المنزل فقتل بعض أفراد الأسرة حرقًا: حماي وطفلته شهد وثلاثة من أبنائه وهم عبد الرحيم وزيد وحمزة. حماتي وأبناؤها يوسف وعمر وعلي أصيبوا بحروق. كذلك أنا وطفلتي فرح التي كنت أحملها أصبنا بحروق من النار التي اشتعلت في كلّ أنحاء المنزل. ثيابي احترقت كما احترق بعض من جلدي وجلد طفلتي. من حسن الحظّ أنّ آية لم تصبها حروق.
مزّقت ملابسي وأخذت أصرخ "إنّي أحترق!". كنت عارية أمام كلّ من في المنزل وألسنة اللّهيب تحرق جسدي. أحسست بأوجاع رهيبة بسبب الحروق وكنت أشمّ رائحة لحمي يحترق. كنت في حالة صعبة جدًّا. بحثت عن أحد أتوارى خلفه وكنت أصرخ طوال الوقت. خلع شقيق زوجي بنطاله وناولني إيّاه لكي أرتديه. ارتديته وبقي الجزء الأعلى من جسمي عاريًا إلى أن جاء زوجي وسترني بمعطفه.
بعد ذلك ركض زوجي نحو الشارع ليستدعي سيّارة إسعاف أو أيًّا كان ليساعده في نقل الجرحى والقتلى. لم يجد سيّارة إسعاف ولا سيّارة إطفاء. جاء أعمامه وأولاد أعمامه الذين يسكنون قربنا وساعدوه. زوجي حملني ونبيلة زوجة عمّه حملت فرح وكانت إحدى عمّات زوجي قد أتت لنجدتنا فحملت هي آية.
أنا وزوجي وفرح وعمر سلفي ونبيلة وابنها علي ومطر ابن عمّ زوجي صعدنا على عربة تراكتور قادها محمد حكمت ابن عمّ زوجي وأخذنا إلى مستشفى كمال عدوان. أخذنا معنا أيضًا جثمان الطفلة شهد ولكنّنا أبقينا في المنزل بقيّة القتلى والجرحى من عائلتنا.
التقينا جنودًا عندما كنّا على بُعد 300 متر من دوّار العطاطرة. أوقف محمد التراكتور وفجأة أخذ الجنود يطلقون علينا النار فقُتل مطر ومحمد حكمت فورًا. علي أصيب بجروح وفرّ مع والدته نبيلة ومعهما عمر. أمر الجنود زوجي أن يخلع ثيابه ففعل. بعد ذلك ارتدى ملابسه وأمرنا الجنود بمغادرة المكان سيرًا على الأقدام. خلّفنا وراءنا القتلى شهد ومطر ومحمد حكمت ومشينا أنا وزوجي وطفلتنا فرح في اتّجاه دوّار العطاطرة حيث توقّف أحد السكّان وأخذنا في سيّارته إلى مستشفى الشفاء. وصلنا المستشفى عند السّاعة 18:00 تقريبًا.
لا زلت أرقد في المستشفى. جسمي محروق كلّه وحتى وجهي. فرح أيضًا أصيبت بحروق من الدرجة الثالثة. زوجي لم يصَب بشيء. حوّلنا المستشفى لتلقّي العلاج في مصر أنا وطفلتي فرح. نقلونا إلى معبر رفح في سيّارة إسعاف لكنّ الجيش أطلق علينا النار في الطريق فأصيب سائق سيّارة الإسعاف بجروح وعاد إلى المستشفى. نحن الآن في انتظار انتهاء تنسيق سفرنا إلى مصر.
في 29.3.09 بعد مضيّ شهرين ونصف على تقديم إفادتها أمام بتسيلم توفّيت غادة أبو حليمة في مستشفًى في مصر متأثّرة بجراحها.
في بيت لاهيا في قطاع غزّة، 4.1.09
إفادة غادة أبو حليمة (21 عامًا) وهي أمّ لطفلتين
سجّل الإفادة محمد صباح في 9.1.09
كنت وزوجي محمّد (24 عامًا) نسكن مع طفلتينا فرح (3 سنوات) وآية (6 أشهر) في حيّ السيفا في بيت لاهيا. وكان يسكن معنا والدا محمد وسبعة من إخوته وأخواته وأصغرهم شهد التي كانت طفلة في سنتها الأولى. كان البيت مكونًا من طابقين وكنّا نسكن في الطابق الثاني أمّا الطّابق الأوّل فكان مخازن مساحتها 250 مترًا. نحن مزارعون ونملك أراضٍ تقع قرب المنزل.
كان ذلك اليوم كارثة بالنسبة إلينا. القذائف كانت من النوع الشديد الاشتعال. كانت جثث أشقّائي ووالدي متفحّمة تمامًا وحروق المصابين كانت بليغة جدًّا جميعها من الدرجتين الثانية والثالثة. كان مرعبًا رؤية أفراد أسرتي على هذا النحو. كنّا نبكي ونصرخ ونستدعي نجدة من الجيران ولكن لا أحد استطاع الوصول إلينا ونجدتنا لأنّ الجيش الإسرائيلي كان على بُعد مئة متر تقريبًا وكان يطلق النار على كلّ من يحاول الاقتراب.
بقيت زوجتي في المستشفى مدّة أسبوع وكانت أيضًا ابنتي وأمّي في المستشفى وكانت إصابات جميعهنّ بليغة. بعد ذلك والحرب لا تزال جارية نُقلت زوجي وابنتي لتلقّي العلاج خارج قطاع غزة في مصر وذهبت أنا معهما. أثناء وجودي في مصر أجرت عائلتي تنسيقًا مع الصّليب الأحمر لترتيبات دفن والدي وأشقّائي. كانت جثثهم متفحّمة. أمّا جثث أبناء عمومتي محمد حكمت ومطر فقد ظلّت مكانها حيث قُتلوا وبقيت هناك أيضًا جثة شقيقتي شهد لأنّه لم يكن ممكنًا نقلها أثناء الأحداث. فقط بعد أسبوعين وصل الصليب الأحمر إلى هناك ونقل جثثهم إلى مستشفى كمال عدوان وكانت في حالة مروّعة. جثّة شقيقتي شهد نهشتها الكلاب وجثث أبناء عمومتي دهستها الدبّابات. في المستشفى في مصر خضعت زوجتي وابنتي لسلسلة من العلاجات وبضمنها عمليّات جراحيّة وتعقيم الحروق وزرع جلد. عانت زوجتي كثيرًا أثناء رقودها في المستشفى. قال لنا الأطبّاء إنّ سلسلة تفاعلات الفوسفور في جسدها قد عطّلت خلايا جسدها. أخذت حالتها تتدهور إلى أن توفّيت في 29.3.09. عدت إلى غزّة مع جثمان زوجتي أمّا ابنتي فقد كانت حالتها صعبة ولهذا نقلواها للعلاج في الولايات المتحدة بعد تدخّل جمعيّة تُعنى بعلاج أطفال فلسطين. بقيت هناك مدّة تسعة أشهر. الآن حالتها آخذة في التحسّن ولكنّها ما زالت تخضع لعلاجات مختلفة. والدتي رقدت قيد العلاج طيلة ثمانية أشهر تقريبًا - في البداية في مستشفى الشفاء ثمّ نُقلت إلى مستشفى في مصر. إضافة إلى ذلك تلقّت كلّ من ابنتي ووالدتي علاجات في مراكز للصحّة النفسيّة بسبب أعراض هلع ما بعد الصّدمة. مشهد الجثث أثّر فيهما كثيرًا وخاصّة والدتي التي فقدت ستّة من أفراد أسرتها وعانت هي نفسها من إصابات بليغة.
لقد توجّهنا إلى منظّمات حقوق الإنسان ورفعنا دعوى ضدّ جيش إسرائيل لأنّه استهدفنا عمدًا بينما كنّا آمنين في منازلنا ولم نشكّل خطرًا على قوّاته بأيّ شكل من الأشكال. لقد ألقوا قذائف الفوسفور الأبيض المحرّمة دوليًّا وقتلوا والدي وأشقّائي وزوجتي وشقيقتي الطفلة شهد. تمّ تقديم الدعوى بواسطة المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة. بعد مضيّ سنة على الحرب استُدعيت والدتي للإدلاء بشهادتها ولاحقًا استدعوني أنا وأخي عمر. لقد كان كلّ هذا عبثًا. مرّت عشر سنوات ولم تتحقّ العدالة التي سعينا إليها. لقد ارتكب الجيش الإسرائيلي متعمّدًا جريمة فظيعة وألحق ظلمًا كبيرًا في حقّ أطفال أبرياء حين قتلهم بقذائف الفوسفور.
أحسّ بأنّ هذه القضيّة قد ماتت وعفا عليها الزمن. إسرائيل فوق القانون ولا أحد يجرؤ على محاسبتها. لقد مرّت علينا عشر سنوات كانت عبارة عن كارثة مستمرّة - لا شيء سوى الحزن والبكاء ولم نشهد خلالها لحظة فرح واحدة. منذ تلك الحرب ومقتل أفراد أسرتي خلالها أحسّ وكأنّي أعيش في كابوس مرعب.
لم أنس ذلك اليوم وتلك الكارثة. أتذكّر والدي طوال الوقت وكذلك أشقّائي وزوجتي. أتذكّر كيف كنت ألاعب إخوتي الصّغار وأتذكّر ضحكاتهم. فقدان والدي كان صعبًا كثيرًا بالنسبة إليّ وأيضًا فقدان زوجتي شريكة حياتي. كان لدينا أمل بأن نمضي حياتنا معًا أنا وزوجتي وبناتنا ولكنّ الأعمار بيد الله. لقد فقدت زوجتي في الوقت الذي كنت أدعو الله أن يشفيها لكي نعود معًا إلى غزّة ونواصل حياتنا. أصعب اللّحظات عليّ كانت عندما سألتني ابنتاي عن والدتهما وخاصّة ابنتي فرح. يؤلمني جدًّا أنّهما لا تتذكّرانها. أنا أحدّثهما عنها ولكنّهما تقولان إنّهما لا تذكران عنها شيئًا.
بعد مرور ما يقارب السّنة على الحرب تزوّجت ثانية ورُزقت بثلاث بنات وابن. الحياة تستمرّ ولكن لا شيء يظل كما كان قبل الحرب. الذكريات الأليمة ترافقني طوال الوقت وخاصّة منظر شقيقتي الطفلة شهد. في لحظة القصف كانت والدتي تُرضعها. ماذا فعلت لكي يقتلوها بهذا الشكل؟ لقد كانت أختنا الوحيدة. أذكر الفرحة العارمة التي غمرتنا حينما علمنا أنّ والدتي أخيرًا ولدت بنتًا. أذكر كيف كانت والدتي سعيدة بها لدرجة أنّها بكت. ليت شهد موجودة الآن معي لكانت لي أخت مثل بقيّة البشر أدلّلها وألاعبها وأشتري لها ثيابًا وألعابًا. كانت شهد أشبه بملاك يمشي على الأرض. كانت جميلة جدًّا وكان وجودها مبعث الفرح في منزلنا. أدعو الله أن يتغمّدها بواسع رحمته وأن يلهمنا الصّبر على ألم فراقها.
بعد الحرب بسنوات تزوّج أخي محمد ولكنّ فرحتنا بقيت منقوصة. قضينا العرس نبكي ولم تخيم على منزلنا أجواء الفرح. أيّام صعبة جدًّا تمرّ علينا في غياب أحبّتنا. رحمهم الله وصبّرنا على فقدانهم.
ما زال لديّ أمل بإثارة قضيّتنا من جديد وطرح الملفّ أمام المحاكم الدوليّة. لقد لحقنا ظلم كبير وأتمنّى أن يقدّموا الجيش الإسرائيلي للمحاكمة ويعاقبوه على الجريمة التي ارتكبها ضدّ أسرتي. ينبغي أيضًا أن تتدخّل منظّمات حقوق الإنسان وتثير الموضوع من جديد لأجل تقديم إسرائيل وقادتها لمحاكمة دوليّة عادلة لكي يدفعوا ثمن أفعالهم وتتحقّق العدالة لأسرتي.
زوج غادة - محمد أبو حليمة البالغ من العمر 34 عامًا وهو أرمل وأب لستّة أبناء ويقيم في بيت لاهيا في قطاع غزّة، تحدّث في هذه السّنة إلى باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد عن يوم الحادثة وعن حياتها من بعدها:
في حرب 2008 - 2009 عندما كنّا في منزلنا في بيت لاهيا قصف الجيش الإسرائيلي المنزل بقذائف الفوسفور الأبيض. كان ذلك في 4.1.09 عند السّاعة 16:00 تقريبًا. نتيجة لذلك القصف استُشهد والدي سعدالله (45 عامًا) وزوجتي غادة (21 عامًا) وإخوتي عبد الرحيم (13 عامًا) وزيد (10 أعوام) وحمزة (7 أعوام) وشهد وكانت طفلة عمرها سنة وشهران وكانت الأخت الوحيدة بين تسعة إخوة. إضافة إلى ذلك أصيبت والدتي صباح - آنذاك في الـ44 من عمرها وابنتي فرح – وكانت آنذاك طفلة في الثالثة من عمرها وأشقّائي عمر ويوسف وعلي وكانت أعمارهم آنذاك 18 و-16 و-4 على التّوالي.
أغلق ملّف التحقيق في 19.7.10.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 1.1.12 وصلت إلى بتسيلم من الرّائد دوريت توفال نائب وكيل النيابة لشؤون العمليّات