في صباح هذا اليوم تقدّمنا لامتحانات نهاية الفصل. بعد انتهاء الامتحانات تقريبًا في العاشرة صباحًا ذهبت مع مجموعة من 7-10 أولاد لكي نرشق الحجارة. لاحظنا في طريقنا أنّ إحدى بوّابات الجدار مفتوحة ممّا أثار شكوكنا بأنّ الجنود موجودون في الجانب الآخر من الجدار وينصبون لنا كمينًا في قناة قريبة هناك. خشيت أن أتابع الطريق مع أصدقائي فوقفت على بُعد نحو خمسين مترًا لكي أراقب المنطقة. ستّة منّا واصلوا طريقهم نحو الجدار ومن بينهم سمير عوض وفتيين في الثالثة عشرة من عمرهما.
بعد مضيّ عشر دقائق شاهدت أحدهم واسمه حسني يمرّ عبر ثغرة في الجدار الخارجي لكي يفحص إن كان هناك جنود. بعد ذلك عاد. سمير أيضًا حاول الدخول ولكن حينها بالضبط خرج أربعة جنود من خلف الجدران الحجريّة ومن بين الأشجار. طوال هذا الوقت كان يكمنون لنا خارج الجدار على مسافة قريبة.
أخذت أصرخ محذّرًا إيّاهم ولكن كان الأوان قد فات. الجنديّ الأقرب إلى سمير كان يبعد عنه عشرة أمتار على الأكثر. أطلق أحد الجنود طلقتَي رصاص حيّ في الهواء. لم يستخدموا الغاز المسيل للدموع ولا قنابل الصّوت كما يفعلون عادة.
فرّ الفتية في اتّجاه القرية ولكنّ سمير كان لا يزال داخل السّياج ولم يتمكّن من الفرار. لقد حاول القفز عن الجدار ولكن في تلك اللحظة أطلقت طلقة أخرى نحوه وأظنّ أنّها أصابت ساقه. وقع سمير على الأرض ثمّ نهض محاولًا الفرار لكنّ أحد الجنود أمسك به من يده وجنديّ آخر أطلق عليه رصاصتين من مسافة لا تزيد عن عشرة أمتار. أصيب سمير ووقع أرضًا على مرتفع صخريّ صغير يبعد مسافة ثلاثين مترًا عن الجدار. تقدّم الجنود الأربعة منه. رأيت اثنين منهما يجلسان قربه ويمزّقان ملابسه وكان أحدهما يصفعه بشكل خفيف كأنّه يحاول إيقاظه.
أنا والفتية الذين كانوا بقربي صرخنا طلبًا للنّجدة وبعض الفتية ركض لكي ينادي أسرة سمير. أخذ يتوافد أشخاص من أهالي القرية. بعد مضيّ نحو عشر دقائق حاول أحد السكّان التحدّث مع الجنود ويطلب منهم أن يتركوا سمير لكي يُتاح إسعافه لكنّ الجنود أمروه بالابتعاد وهدّدوه بأن يطلقوا عليه النار لكنّه رغم ذلك لم يتحرّك من مكانه. بعد دقائق معدودة وصلت والدة سمير وأخوه وأشخاص آخرون من أهالي القرية.
عندما رأينا كلّ الناس هناك هبطنا نحن أيضًا إلى حيث الجنود. في هذه المرحلة كانوا قد تركوا سمير وانسحبوا وعندها حمله أحد الشبان وأدخله إلى سيّارة نقلته إلى مستشفى في رام الله.
في بدرس في محافظة رام الله، 15.1.13
إفادة قيصر مرار (13 عامًا) من سكّان بدرس
سجّل الإفادة إياد حدّاد في 15.1.13
أنا أتعلّم في مدرسة بدرس الثانويّة للبنين. وحيث أنّ مدرستنا قريبة من جدار الفصل الذي أقيم غربيّ القرية إذ تبعد عنه مسافة مئتي متر تقريبًا فقد اعتاد بعض الأولاد الذهاب بعد انتهاء الدوام المدرسيّ لرشق الحجارة نحو الدوريّات العسكريّة.
لقد تغيّرت حياتنا تمامًا منذ أن قتلوا سمير. انطفأ الحلم ولم يعد هناك مكان للفرح. منذ أن قتلوه تحوّلت حياتنا إلى جحيم. والدته لا تتوقّف عن البكاء والحزن يكتنفنا جميعًا وحتى إذا نسينا أو فرحنا للحظة نذكره فورًا بعد ذلك. نحن - أنا وزوجتي وإخوته - لا نتوقّف عن زيارة قبر سمير. نجلس هناك ونتلو آيات من القرآن وندعو له بالرّحمة. لقد أصبحت هذه الزيارات جزءًا من روتين حياتنا.
أكثر من تأثّر بوفاة سمير ابننا محمد البالغ من العمر الآن 16 عامًا. منذ الحادثة وهو يعاني صدمة قويّة. كلّما ذُكر الجيش يأخذ في تجميع الأحذية من مدخل المنزل وكأنّ عشرات الجنود يهمّون باقتحام المنزل. مزاجه دائمًا سيّء عصبيّ وكثير المخاوف. أحيانًا يستيقظ ليلًا ويهذي.
بعد مضيّ ثلاثة أشهر على مقتل سمير اقتحم الجيش منزلنا لكي يعتقل أخاه عبد. في أعقاب هذا الاقتحام تدهورت حالة محمد كثيرًا. اقتحم الجيش المنزل بطريقة وحشيّة وكان ذلك اليوم عصيبًا. جاؤوا في ساعة متأخّرة من الليل عندما كنّا جميعًا نائمين. كسروا الأبواب واندفعوا إلى داخل المنزل وحطّموا زجاج النوافذ وبعض الأثاث واعتدوا بالضرب علينا جميعًا كما أنّهم ألقوا داخل المنزل قنابل الصوت وأثاروا فينا الذّعر.
فوق هذا كلّه وبعد أن قتلوا ابني ألغت سلطات الاحتلال تصريح العمل خاصّتي. لقد عملت في إسرائيل منذ أن كنت في الـ16 من عمري ولم يحدث أبدًا أن منعوني من الدّخول. كنت أعمل في مجال البناء وكان عملي في إسرائيل مصدر رزقي الوحيد الذي أعلت منه أسرتي. مع إلغاء التصريح أصبحت عاطلًا عن العمل وأصبحت حالتنا بائسة للغاية. لقد ذقنا القلّة والفقر. من سيُطعمهم أولادنا؟ من سيكسوهم؟ لقد مرّت علينا أيّام عصيبة. بعد أن كنّا نعيش في رفاه تدهورنا إلى هاوية الفقر والعوَز.
تدبّرنا أمورنا بشكل ما بمساعدة أموال تلقّيناها من وزارة الرفاه الفلسطينيّة ومخصّصات من وزارة الأسرى التي تُعنى أيضًا بأسر الشهداء. ولكنّها مبالغ لا تكفي لشيء. كذلك تلقّينا الدّعم من الأقارب وفاعلي خير آخرين قدّموا لنا مساعدات نقديّة وعينيّة. كذلك كان لدينا مدخول قليل من عشرين شجرة زيتون وبعض شجيرات الصبّار. في الماضي كانت أشجارنا أكثر ولكن حين أقامت إسرائيل جدار الفصل جرفت جزءًا منها كما فصلت نحو خمسة دونمات من أرضنا عن القرية بحيث لا يمكننا الآن الوصول إليها.
لقد تقلّصت علاقاتنا الاجتماعيّة وأصبحت على نطاق ضيّق جدًّا فأصبحنا لا نحسّ بطعم الحياة ولا نأبه لإقامة علاقات مع النّاس. حتّى عندما نتلقّى دعوات للمشاركة في الأعراس بالكاد نذهب وخاصّة زوجتي. هي تقول دائمًا: "ما لي وللأفراح؟ قلبي محطّم فكيف أذهب إلى عُرس بمثل هذه النفسيّة؟". أنا أتفهّمها. إذا كان العرس يخصّ أناسًا قريبين جدًّا أذهب وحدي أمّا المناسبات الأخرى فلا أحد من أسرتنا يشارك فيها.
لقد جاءوا من بتسيلم في حينه ووثّقوا الحادثة كما كتب عنها الصحفيّ جدعون ليفي ونشرت وسائل إعلام أخرى تقارير عنها ولكن رغم ذلك لم يدفع أيّ جنديّ إسرائيلي ثمنًا جرّاء تورّطه في قتل سمير. لقد قدّموا القتلة إلى محاكمة استمرّت سنوات ولكنّ لم يُتّخذ أيّ قرار وأغلق الملفّ في النهاية دون التوصّل إلى أيّة نتيجة.
لقد رفعنا أيضًا دعوى مدنيّة مع العلم أنّه لن يعوّضنا أيّ مبلغ من المال عن فقدان ابني سمير ولكنّنا كنّا مجبَرين على رفع الدّعوى وقد شجّعني كثيرون على رفع دعوى تعويضات. بعد جهود جهيدة حصلنا على 300 ألف شيكل دفعنا منها أتعاب المحامي واقتطعت منها الضرائب. استخدمت المال في تسديد الديون ومصاريف تعليم ابنتيّ في الجامعة كما اقتنيت سيّارة لكي أستطيع العمل في مجال المواصلات. أردت أن تكون لنا حياة كريمة ولكنّ العمل قليل للأسف ومعظم الوقت أنا عاطل عن العمل.
الحياة تحت وطأة الاحتلال قاسية وصعبة أصلًا ولكن منذ أن قتل الجيش ابني سمير أصبحت أصعب بكثير. في الواقع لو أنّك تفتح قلبي وتنظر داخله وترى روحي فلن تجد يومًا مفرحًا مرّ عليّ منذ ذلك الوقت. أنا أحاول أن أشغل نفسي في مساعدة الناس وأهالي القرية وخاصّة العائلات التي تضرّرت مثلي. لقد انضممت إلى طاقم متطوّعي بتسيلم لكي أوثّق انتهاكات الجيش كلّما اقتحموا القرية كما أنّني أشارك في المسيرات والمظاهرات التي تجري في القرية أو في القرى المجاورة. لقد أصبح توثيق وكشف انتهاكات الاحتلال جزءًا من نمط حياتي. أنا أفعل ذلك وفاءً لروح ابني الشهيد سمير وأرواح الشهداء وجميع ضحايا الظلم من أبناء الشعب الفلسطيني.
والد سمير - أحمد عوض البالغ من العمر 54 عامًا وهو أب لخمسة عشر ابنًا، تحدّث في هذه السّنة إلى باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد عمّا عانته الأسرة منذ الحادثة:
ما الذي يمكنني قوله الآن بعد أن مرّت أكثر من ستّ سنوات منذ أن قتل الجنود ابني سمير. لا أدري كيف مرّت هذه السّنوات لأنّ سمير وإن كان قد غاب عنّا جسدًا فهو لا يزال معنا بروحه. حتى اليوم لم أستوعب بعد أن سمير قد مات. لديّ تسع بنات وستّة أبناء وكان سمير أوسطهم. كان لديّ أمل أن أراه يُنهي تعليمه الجامعيّ لأنّه كان تلميذًا مجتهدًا ويحصّل أعلى العلامات بين إخواته. كنت آمل أن يتزوّج ويقيم أسرة مثل بقيّة أولادي. كنت على ثقة بأنّ مستقبلًا زاهرًا في انتظاره إلى أن قتله الجنود وقتلوا جميع الآمال التي راودتني.
في 30.12.15 قدّمت نيابة منطقة المركز لائحة اتّهام ضدّ جنديّين متورّطين في الحادثة بدعوى"التسرّع والإهمال في استخدام السّلاح".
في 22.9.16 ابتدأت محاكمتهما في محكمة صُلح الرّملة.
في الجلسة التي جرت في 5.6.18 أبلغ المحامي دودي عنبار من نيابة منطقة المركز المحكمة بأنّه تمّ إلغاء لائحة الاتّهام بعد أن تبيّن خلال جمع الأدلّة للملفّ وفي أعقاب إفادات شهود النيابة أنّ أدلّة النيابة قد تهافتت كثيرًا وعلى نحوٍ ما كان لها أن تتوقّعه سلفًا. من هنا نشأت اليوم مجموعة أدلّة مغايرة وإزاء ذلك نرى أنّه لا يوجد لدينا احتمال معقول لإثبات التهمة".