بعد لحظات رأيت عشرات الجنود يتقدّمون في الشارع قادمين من جهة الشمال إلى المكان الذي تواجد فيه الفتية الذين أشعلوا الإطارات. فتح أحد الجنود بوّابة المحطّة الحديديّة ودخل ثمّ لحقه ثلاثة جنود وتقدّموا جميعًا نحو صُنبور المياه. خرجت من المكتب وقلت للجنود إنّ الصّنبور معطّل فطلبوا منّي أن أناولهم عبوات إطفاء الحريق فناولت أحدهم واحدة. أخذ جنديّ آخر عبوة إطفاء أخرى وذهبوا لكي يطفئوا الإطارات المشتعلة وحاوية النفايات القريبة التي كان الفتية في هذه الأثناء قد أضرموا النار فيها أيضًا.
بعد مضيّ لحظات عدّة رأيت سيّارة فضّية اللّون تتقدّم نحو المحطّة. وقف بعض الجنود على جزيرة في الشارع وبعضهم عند بوّابة محطّة الوقود. رأيت الجنود يطلقون النار على السيّارة في لحظة دخولها إلى المحطّة. لم أفهم ما الذي يجري. رأيت السيّارة تصطدم بعامود المحطّة وتتوقّف ولكن الجنود واصلوا إطلاق النار عليها. أصابت الرصاصات أماكن مختلفة في المحطّة. كان إطلاق النار كثيفًا ومتتاليًا بسرعة ممّا أخافني كثيرًا. أصابت إحدى الرّصاصات زجاج المكتب فانبطحت أرضًا خلف الزجاج. أحسست شيئًا ما يصيب ذراعي اليمنى ولكن لم يخطر في ذهني أنّها رصاصة. عندما رأيت ثقبًا في كمّ معطفي وأحسست رطوبة تحت الكُمّ فهمت أنّني حقًا أصبت جرّاء إطلاق النار. فجأة توقّف إطلاق النار تمامًا.
حين نهضت رأيت جنودًا حول السيّارة التي كانوا يطلقون عليها النيران. رأيت امرأة خلف مقعد السّائق وكان رأسها مائلًا. اعتقدت أنّها مصابة بجروح بليغة أو ربّما قُتلت. كذلك رأيت مسعفين فلسطينيّين يهرعون نحو السيّارة. لقد فتحوا أبوابها وأخرجوا منها السيّدة ثمّ وضعوها على نقّالة ولكن قبل أن يأخذوها أو يقدّموا لها الإسعاف في المكان دخلت إلى المحطة سيّارة أخرى ونزل منها مسعفون عسكريّون حملوا المرأة إلى نقّالتهم وأدخلوها إلى سيّارة إسعاف عسكريّة ثمّ غادروا المكان بسرعة.
وهي أرملة وأمّ لستّة أبناء من مدينة الخليل، 6.11.15
إفادة إيهاب بدوي (20 عامًا) من سكّان ترقوميا
سجّل الإفادة موسى أبو هشهش في 7.11.15
نحو الواحدة والنصف من ظهيرة يوم أمس الجمعة الموافق 6.11.15 حين كنت في عملي في محطّة الوقود مع صديقي محمود رأيت أولادًا يشعلون إطارات في الشارع قبالة المحطة. كان ذلك إشارة إلى أنّ مواجهات سوف تندلع في المكان فأغلقت أبواب المحطّة الحديديّة الخارجيّة كعادتنا في مثل هذه الحالات. دخلت إلى مكتب المحطّة وأخذت أتابع ما يحدث عبر النوافذ.
زعم الجيش الإسرائيلي في حينه أنّ والدتي التي كانت تبلغ الـ73 من عمرها آنذاك حاولت دهس جنود في الشارع. لقد أطلقوا عليها عشرات الرّصاصات عندما كانت تهمّ بدخول محطّة الوقود. أكثر من عشرين رصاصة أصابتها في جميع أنحاء جسمها. نشر الجيش في حينه شريط فيديو تظهر فيه والدتي وهي تقود السيّارة ولكنّ أحدًا لم يصدّق ما زعمه الجيش من أنّها حاولت دهس الجنود. أنا أيضًا لم أصدّق أنّ والدتي كانت تنوي ذلك. إنّها امرأة مسنّة ولم تكن سائقة ماهرة. كما أنّها لم تكن منتسبة لأيّ حزب سياسيّ وكانت شخصيّة معروفة في الخليل حيث كانت ناشطة في جمعيّة نساء الخليل وعدد من اللّجان الخيريّة.
كنت مقرّبًا كثيرًا من والدتي خاصّة بعد وفاة والدي في عام 1988 جرّاء غاز مسيل للدّموع أطلقه الجيش في بداية الانتفاضة الأولى. كنت آتي لزيارتها كلّ صباح لكي أتناول معها الفطور ونشرب القهوة سويّة. كذلك كنت أزورها في ساعات المساء وهي بدورها كانت تأتي إلى دكّاني وتساعدني في البيع. ذات مرّة حين كنت معتقلًا حلّت مكاني في الدكّان واشتغلت في البيع. لقد كانت شريكة في أصغر تفاصيل حياتنا. لسنا فقط من يذكرها طوال الوقت. الكثير من أصدقائها يأتون إلى دكّاني أو إلى منزلي فنتحدّث عنها ونتذكّرها. لقد كان موتها خسارة كبيرة لنا ولأصدقائها ولمدينة الخليل بأسرها.
قدّمنا شكوى بواسطة محامية ولكن لم يحدث شيء. لقد يئسنا مع مرور الوقت وتوقّفنا حتى عن متابعة الشكوى والاستفسار عمّا استجدّ فيها. جميعنا في الأسرة أدركنا أنّه لا فائدة من ذلك وأنّ الجيش لن يحاسب الجنود الذين قتلوا والدتي. جاءت إلينا في حينه وسائل إعلام إسرائيليّة وقد وعد الصحفيّون بأن يثيروا اهتمامًا بالقضيّة. لقد كانوا مصدومين من تلك الحادثة ولكنّ هذا لم يساعد في شيء. بالطّبع والدتي ليست الوحيدة التي قُتلت دون مبرّر. هناك عشرات الأبرياء في الخليل قُتلوا وقدّمت أسرهم شكاوى لم تتمخّض عن شيء.
لقد مرّت أربع سنوات على استشهاد والدتي وما زلنا نشعر بالحزن لفقدانها. كلّ ما أردته بعد مقتلها وبعد أن فقدت الأمل في محاسبة الجنود أن يعيدوا لنا سيّارة والدتي التي كانت تقودها حين قُتلت. اتّصلت بمديريّة التنسيق والارتباط الفلسطينيّة وبعد مضيّ سنة قالوا لي إنّ هناك حجز على السيّارة. كانت والدتي قد طلبت أن نبيع سيّارتها بعد وفاتها ونتبرّع بثمنها للمستشفى الأهلي في الخليل.
ابن ثروت - أيّوب شعراوي البالغ من العمر 52 عامًا وهو أب لخمسة أبناء، تحدّث في هذه السّنة إلى باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش عن حياته منذ مقتل والدته:
بعد أن قُتلت والدتي عاشت الأسرة في فراغ كبير. أكثر من تأثّر بذلك أخي الصّغير الذي كان يسكن معها في منزلها هو وأسرته. لا يمكن تقبّل فقدانها خاصّة وأنّها قُتلت دون سبب وبصورة وحشيّة كهذه. أحد أشقّائي أسمى ابنته ثروت على اسم والدتي وكلّما رأيت ثروت الصغيرة أتذكّر والدتي. أحيانًا حين يطرق أحدهم الباب يُهيّأ إليّ أنّ والدتي على وشك الدخول إلى المنزل.
تمّ إغلاق الملفّ بعد النظر في نتائج التحقيق الميداني وإثر غياب شبهة تنفيذ مخالفة جنائيّة.
أعلاه رسالة مؤرّخة في 17.5.16 وصلت إلى بتسيلم من الجنرال احتياط أدورام ريجلر وكيل النيابة لشؤون العمليّات