لعبنا وكنّا مسرورين. نحو السّاعة 16:00 جاء ثلاثة أو أربعة فتية إلى الطريق الواقعة فوقنا قرب منزل عائلة حتاوي وأخذوا يرشقون بالحجارة عناصر الشرطة المتواجدين أسفلهم. كان أولئك الفتية بعيدين عنّا وربّما كانت المسافة بيننا وبينهم خمسين مترًا. أطلق عناصر الشرطة نحوهم قنابل الغاز ولأنّ اتّجاه الرّيح كان معاكسًا لم يصلنا الغاز فواصلنا اللّعب.
بعد السّاعة 18:00 اقترب أولئك الفتية قليلًا في اتّجاهنا ولكنّهم كانوا لا يزالون فوق. من حين لآخر كان عناصر الشرطة يطلقون عليهم من داخل سيّاراتهم قنابل الغاز والرّصاص المطّاطيّ. رأينا أيضًا عددًا من عناصر الشرطة وراء الجدار عند نهاية المقطع المبني وكانوا في وضعيّة قنص.
واصلنا اللّعب فوق التلّة ومحيي ركض نحو طرفها باتّجاه الجدار بحيث أصبح في موقع يمكن لعناصر الشرطة المتواجدين في الأسفل أن يروه. فجأة سمعت طلقة وهي الطلقة التي أصابت محيي. اعتقدت أنّه رصاص إسفنجيّ فأنا أميّزأنواع الرّصاص من صوتها وصوت الطلقة تلك كان خافتًا مقارنة بصوت الرّصاص الحيّ.
عندما أصيب محيي لم يبدر عنه سوى تأوّه. قال "آه" وأخذ يتلوّى هناك. بدا لي وكأنّه يختنق. كان يميل بجسمه إلى الأمام ويداه على صدره وركبتاه مقرفصتان وغير قادر على التنفّس. بعد ذلك انتصب ومشى بضع خطوات ثمّ كبا على بطنه. في البداية ظنّنا أنّه يمازحنا ولكن حين وصل إليه فتية آخرون من أعلى ورفعوا قميصه رأوا أنّه مصاب فعلًا. كان قد أتى إلى المكان شبّان أكبر سنًّا وهؤلاء حملوه إلى سيّارة نقلته إلى المستشفى. لاحقًا سمعنا أنّه فارق الحياة.
من سكّان الرّام في محافظة القدس، 19.7.16
إفادة مهنّد الرحبي (10 أعوام) من سكّان الرّام
سجّل الإفادة إياد حدّاد في 21.7.16
في السّاعة 14:00 من ظهيرة يوم الثلاثاء ذهبت مع فتية آخرين من الحيّ لنلعب قرب منزل عائلة أبو غربية الواقع أسفل منزل عائلة حتاوي وكان معنا محيي ابن صفّنا. ليس لدينا مكان آخر نلعب فيه فنحن نسكن في منطقة مكتظّة ولا يوجد فيها ساحة مخصّصة للّعب. يوجد هناك منزل غير مأهول ومن حوله منطقة يمكن اللّعب فيها. عندما وصلنا إلى هناك كان الوضع هادئًا. قريبًا منّا على بُعد عشرين أو ثلاثين مترًا كانت تجري أعمال في الجدار. رأينا هناك جرّافات وثلاث سيّارات تابعة لشرطة حرس الحدود تحرس العمّال.
كان محيي الدّين أصغر أولادنا وأكثرهم دلالًا. أحبّه الجميع الجيران والعائلة والأصدقاء. حتى الآن لا يزال حيًّا يُرزق في وجداننا. صورته معلّقة في جميع الغرف بحيث تراه أينما نظرت. إنّه هنا معنا دائمًا.
كلّ واحد من أفراد الأسرة يواجه ألم فقدان محيي بطريقة مختلفة بطبيعة الحال. على سبيل المثال شقيقته ملك (16 عامًا) حالتها النفسيّة صعبة جدًّا وتعاني كوابيس ليليّة منذ أن قُتل شقيقها. تستيقظ من نومها مذعورة وتأخذ في مناداته. أنا لا شيء يشغل فكري غير محيي الدّين حتى أنّني كلّما ناديت أحد إخوته أجد نفسي أناديه محيى.
المدرسة التي كان يتعلّم فيها تحيي ذكرى استشهاده سنويًّا في التاريخ نفسه الذي استُشهد فيه. في هذا اليوم يأتي زملاؤه لزيارة والدته ويواسونها. كعائلة نحن نكاد لا نشارك في مناسبات أو حفلات سوى أنّنا شاركنا عدّة مرّات في الإفطار الجماعيّ في شهر رمضان الذي يقام كلّ سنة إحياءًا لذكرى الشهداء وتشارك فيه أسرهم. عندما قُتل محيي الدين كان في الصفّ الرّابع. كان لا يزال طفلًا ولكنّهم لم يدعوه يكبر. كان يحلم أن يتعلّم المحاماة في الجامعة لكي يدافع عن المظلومين. جاء شرطيّ إسرائيليّ قتله ووضع نهاية لحلمه والأمر نفسه ما زال يحدث لكثير من الأطفال الفلسطينيّين.
إسرائيل تدير ظهرها ولا يهمّها أبدًا ما يحدث لأسر الشهداء أو الضحايا حتى وهم أبرياء مثل ابني محيي الدّين الذي كان طفلًا لا يزال. حسب معلوماتي لا يوجد حتى الآن أيّ تقدّم في التحقيق. بعد مضيّ سنة على مقتله استمع الإسرائيليون لإفادات عدد من الشهود ثمّ لم أسمع عن شيء عدا ذلك. لا شكّ لديّ في أنّهم يتملّصون من المسؤوليّة. لو كانوا يريدون حقًّا محاسبة قاتل ابني لاعتقلوه وحاكموه منذ زمن. لقد مرّت أكثر من ثلاث سنوات وهم يزعمون أنّهم لا زالوا يحقّقون. لنا الله. إذا كانت إجراءات ومحاكم إسرائيل لن تُنصفنا فهناك حساب في الآخرة. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم.
والد محيي الدّين - محمد طباخي البالغ من العمر 58 عامًا وهو أب لتسعة أبناء، تحدّث في هذه السّنة إلى باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد عن معاناة الفقد:
كان ابني محيي الدّين في العاشرة من عمره حين قتله عناصر شرطة حرس الحدود حيث أطلق عليه أحدهم الرّصاص. حدث ذلك خلال العطلة الصيفيّة حين كان محيي يلعب مع أصدقائه في الحي قرب جدار الفصل. منذ ذلك اليوم نحن نعيش في ألم وحزن وغمّ. الجميع يفتقده. لا يمكن وصف حياتنا بعد وفاة ذلك الفتى فقد كان موته نقطة انعطاف حادّة في حياة أسرتنا. عندما نتحدّث عن أيّ موضوع نعيّنه تبعًا لليوم الذي قُتل فيه. نقول قبل وفاة محيي أو بعد وفاة محيي وهكذا.
في عام 2016، بعد تجربة استمرّت 25 عامًا ومئات الملفات، قرّرت بتسيلم التوقّف عن التعاون مع أجهزة طمس الحقائق. منذئذ لم نتوجّه إلى السّلطات الإسرائيليّة في طلب للتحقيق في أحداث قُتل أو تضرّر جرّاءها فلسطينيون من سكّان المناطق المحتلة.