نحو السّاعة 6:00 صباح ثاني أيّام عيد الفطر الموافق3.5.22، ، كان فايز أبو علي (41 عاماً) وابن أخيه غازي أبو علي (23 عاماً) يسوقان قطيع أغنامهما، ويعدّ 165 رأساً، إلى مرعىً يقع جنوب قرية كفر مالك. بعد أن رعت الأغنام طوال ثلاث ساعات جلس الاثنان ليعدّا شاياً يشربانه. في هذه الأثناء اندفعت نحوهما بسرعة كبيرة سيّارتا "تندر" تقلّان قرابة عشرة مستوطنين.
ذُعر الرّاعيان وفرّا من المكان فطاردهُما مستوطنون في سيّارتهم. انفصل فايز وغازي بحيث اعتلى فايز حماره وواصل غازي الفرار ركضاً. استمرّت الواقعة لمدّة أكثر من ساعة وظلّ المستوطنون خلالها يُطاردون الرّاعيين في سيّارتهم، وفي مرحلة ما انضمّ إلى المُطاردين مستوطنون آخرون يعتلون خيولاً ومسلّحون بالهراوات. أثناء المطاردة، طعن المستوطنون عدداً من الأغنام وسرقوا حماراً و24 غنمة بضمنها 19 غنمة حامل. تمكّن فايز وغازي من الفرار إلى قرية دير جرير المجاورة حيث وصلا إلى هناك منهكَين وصابين بكدمات إذ وقعا عدّة مرّات أثناء فرارهما.
لاحقاً في اليوم نفسه، نحو السّاعة 15:00، حاول خمسة أشخاص من عائلة أبو علي الوصول إلى المرعى لكي يجمعوا الأغنام، لكنّهم اضطرّوا إلى الفرار بعد أن جاءت مجموعة أخرى تعدّ ثلاثين مستوطناً هدّدوهم وتوعّدوا أن يُهاجموهم. لم يدعهُم المستوطنون وشأنهم إلّا بعد أن اقترب منهم جيب عسكريّ. عندما عاد الخمسة إلى سيّارتهم شاهدوا المستوطنين يثقبون إطاراتها ويحطّمون زجاجها، والجنود واقفين على بُعد عشرة أمتار ولا يحرّكون ساكناً - حتى بعد أن طلبوا منهم التدخّل - ثمّ أخذ المستوطنون حمار أحد الرّعاة وحمّلوه على سيّارتهم، والجنود ما زالوا يتفرّجون ولا يحرّكون ساكناً. بعد ذلك غادر المستوطنون والجنود المكان.
وصل إلى المكان ناشطون إسرائيليّون وحاولوا أن يُساعدوا الرّعاة على إعادة الأغنام، بل واستدعوا الشرطة وقام شرطيّ بجولة في البؤرة الاستيطانيّة - لكنّه حين عاد أبلغ أحد الناشطين أنّه لم يتمّ العثور على الأغنام ونصح أن يقدّم أصحابها شكوى في إجراء نظاميّ.
هذه واقعة أخرى تُظهر كيف تسخّر إسرائيل ضمن سياستها عُنف المستوطنين المنهجيّ كوسيلة إضافيّة تهدف لطرد الفلسطينيّين من أراضيهم. لهذا السّبب وقف الجنود جانباً ولم يتدخّلوا للمنع المستوطنين من المسّ بممتلكات الرّعاة وسرقتها، ولذا لم يحاولوا إيقاف ذلك مسبقاً، ولهذا السّبب أيضاً اكتفت الشرطة بالقيام بجولة سطحيّة داخل البؤرة الاستيطانيّة.
استمع باحث بتسيلم الميدانيّ إلى إفادات عدد من أفراد العائلة.
من إفادة فايز أبو علي (41 عاماً)، وهو أب لسبعة من سكّان كفر مالك:
عند السّاعة 9:20 كنت جالساً مع غازي في الناحية الغربيّة المطلّة على الشارع الالتفافيّ نصبّ شاياً أعددناه على نار الموقد. رأينا سيّارتي "تندر" مدنيّتين واحدة حمراء اللّون والثانية بيضاء. جاءت الاثنتان من جهة بؤرة "همرعيه" الاستيطانيّة التي أقيمت على أراضي دير جرير، وتبعد نحو خمسة كيلومترات عن المكان الذي كنّا جالسين فيه. تقدّمت السيّارتان نحونا في الطريق الترابيّة المتفرّعة عن الشارع الالتفافيّ.
في البداية ظننّا أنّ هاتين سيّارتين فلسطينيّتين، ولكن عندما أصبحت السيّارتان على مسافة مئة أو مئتي متر منّا انحرفت كلتاهما نحو الحقول وسارتا عبرها في اتّجاهنا بسُرعة جنونيّة. عندئذٍ استوعبت أنّ هؤلاء مستوطنون، عرفتهم من سوالفهم. كان كلّ "تندر يُقلّ " 4-5 مستوطنين، بعضهم يجلسون في الدّاخل وبعضهم في قسمه الخلفيّ المفتوح.
قلت لغازي "هؤلاء مستوطنون، وهُم قادمون لمهاجمتنا. علينا أن نهرب من هنا بسُرعة". اعتليت حماري ولذت بالفرار. لم يُسعف الوقت غازي ليعتلي حماره فانطلق يفرّ راكضاً. أبقينا أغنامنا هناك لأنّنا أردنا أن ننجو بأنفسنا قبل كلّ شيء. طاردنا المستوطنون في السيّارتين، على الجبل وفي الطرق الترابيّة الوعرة، وهُم يصرخون: "موتوا يا عرب"، "توقّف يا ابن الزانية"، وعبارات من هذا القبيل.
بعد أن ابتعدت عدّة مئات من الأمتار عن المكان الذي كنّا نجلس فيه استدار "التندر" الأحمر لكي يعترض طريقي. غيّرت اتّجاهي لكي أحمي نفسي، وكانت الأغنام تركض خلفي. ولكن عندئذٍ توقّف "التندر" الأبيض أمام القطيع وترجّل منه أربعة أو خمسة مستوطنين. سدّ هؤلاء الطريق أمام الأغنام وأخذوا يدفعونها.
كنت أركض في اتّجاه الوادي وعندما وصلت إلى هناك رأيت على سفح الجبل أربعة مستوطنين يعتلون خيولاً. كانوا على بُعد مئتي متر منّي. هبط هؤلاء في اتّجاهي وأخذوا يُطاردونني، وكان الأربعة يحملون هراوات على أطرافها أنصال. طاردني أحد المستوطنين على حصانه ولكن لم يتمكّن من اللّحاق بي. كانت الأغنام لا تزال تعدو خلفي.
واصلت الفرار من هناك، وكنت بين الفينة والأخرى أنظر إلى الخلف. في مرحلة ما توقّفوا عن مطاردتي - رأيتهم يطعنون عدداً من الأغنام وبعد ذلك استأنفوا مطاردتي. كنت من حين لآخر أترجّل عن الحمار وأنادي القطيع ليتبعني ثمّ أعود لأعتلي الحمار بسُرعة وأواصل الفرار. كنت مرعوباً جدّاً وخائفاً على حياتي. بقيت طوال الوقت في الطريق الوعرة لكي يصعب عليهم الإمساك بي.
وقعت ثلاث أو أربع مرّات وارتطمت بالصّخور، ولكن في كلّ مرّة كنت أتمكّن من النهوض ومواصلة الفرار. في مرحلة ما ترجّلت عن الحمار لكي أفرّ بسُرعة أكبر. كان لديّ شعور بأنّهم عازمون على قتلي.
بعد أكثر من ساعة تمكّنت من الوصول إلى منزل جاد زيدان، وهو أقرب منازل دير جرير إلى البرّية. طلبت منهم أن يساعدوني، وقد كنت مرعوباً ومنهكاً وجسمي كلّه يرتجف. رآني المستوطنون ألتجئ إلى هذا المنزل، وعندئذٍ غادروا مبتعدين عن المكان. قدّم لي أصحاب المنزل ماءً وأسعفوني وهُم يحاولون طمأنتي وتهدئة روعي. حدّثتهم عن غازي ابن أخي وطلبت منهم أن يحاولوا العثور عليه. قلقت عليه كثيراً وخفت أن يكون المستوطنون قد قتلوه.
ظلّ القطيع يعدو خلفي حتى وصلت إلى المنزل المذكور. مجموع القطيع 165، ولكن حين عددت الأغنام وجدت أنّ 24 منها ناقصة وخاصّة الغنمات الحوامل التي كانت تتصعّب في الرّكض فتمكّن المستوطنون من الإمساك بها وطعنها، ثمّ سرقتها على ما يبدو. كان يمكننا أن نُراقب أفعال المستوطنين من منزل جاد. شاهدتهم يتجمّعون معاً في المنطقة التي طعنوا فيها الأغنام من قبل. تجمّع هناك المستوطنون الذين طاردونا في سيّارتي "التندر" وأولئك الذين كانوا يعتلون خيولاً. جاءت إلى المكان الذي تجمّعوا فيه أربع جيبات عسكريّة، وقد منع الجنود أهالي القرية من الاقتراب نحو الأغنام لاستردادها. أثناء وجودي في منزل جاد جاء 5-6 ناشطين إسرائيليّين وحاولوا أن يستردّوا الأغنام والحمار المسروقين، ولكنّهم لم يتمكّنوا من ذلك.
عثر بعض أقاربي على غازي في الوادي وخلّصوه من هناك ثمّ أحضروه إليّ، إلى منزل جاد. هو أيضاً كان مرعوباً جدّاً. بقيت في منزل جاد نحو ساعة وقد تملّكني شعور بالعجز. كان حلقي جافّاً من شدّة الخوف، وكنت أرتجف ورأسي يؤلمني.
نحو السّاعة 11:30 أو 12:00 جاء أحد أقاربي وأخذني إلى المنزل في كفر مالك. أبقيت أغنامي عند أهالي دير جرير وظلّت هناك حتى المساء. عند السّاعة 17:00 أو 18:00 توجّهت إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله حيث عالجوني بمسكّنات الأوجاع ثمّ غادرت في المساء نفسه.
من إفادة غازي أبو علي (23 عاماً) وهو من سكّان كفر مالك:
جاء المستوطنون في سيّارتي "تندر" عبر طريق التفافيّة، من ناحية بؤرة "همرعيه" الاستيطانيّة. أدركنا أنّهم قادمون لمهاجمتنا فلذنا بالفرار. فرّ عمّي فايز على حماره، أمّا حماري فقد كان أبعد قليلاً ولذلك لم أتمكّن من الوصول إليه فلذت بالفرار ركضاً. كنت طوال الوقت أنظر إلى الخلف لكي أرى أين المستوطنين. رأيت الأغنام تعدو خلف عمّي فايز. أنا سلكت طريقاً آخر، ليس بعيداً عنه. كنت أقفز فوق السناسل الحجريّة والصّخور. وقعت عدّة مرّات وقد وأصبت برضوض وكدمات والتوت قدمي، ولكنّني كنت أنهض في كلّ مرّة وأستأنف الرّكض. في مرحلة ما توقّف "التندر" الأبيض قرب الأغنام وحاول أن يسدّ عليها الطريق.
عندما وصلت إلى الوادي، وهو يبعد نحو كيلومتر واحد عن المكان الذي كنّا جالسين فيه، شاهدت أربعة مستوطنين قادمين من أعلى الجبل يعتلون خيولاً ويحملون هراوات مثبّتة عليها أدوات حادّة. كانوا على بُعد 50-100 متر منّي، وقد لاحظت أنّهم ينظرون لجهة فايز والأغنام التي تعدو خلفه. ترجّلوا عن خيولهم وأخذوا يطاردوننا في عُمق الوادي. كان يصعب عليهم اللّحاق بنا بسبب تضاريس المنطقة. رأيتهم يقتربون من القطيع ثمّ يطعنون عدداً من الأغنام، ويبدو أنّها الأغنام الحوامل التي لم تقدر على العدو والفرار منهم.
التقيت في الوادي أحد أقاربي ويُدعى عوض عبد الكريم (27 عاماً). كان مع زوجته يعملان في أرضهما. عندما شاهدا حالتي أخذاني في سيّارتهما إلى منزل ابن عمّي في دير جرير. كنت منهكاً جدّاً وقد أحسست أنّني على وشك الإغماء. بعد أن استرحت قليلاً مسحوا وجهي ببعض الماء وعملوا على تهدئتي. شعرت أنّني قد تحسّنت قليلاً.
غفوت لبُرهة قصيرة ثمّ استيقظت مرعوباً وقد تملّكني القلق على عمّي فايز. خفت أن يكون المستوطنون قد قتلوه. علمت من بعض الأهالي أنّه تمكّن من الفرار والتجأ إلى منزل جاد زيدان في دير جرير فذهبت إلى هناك لأراه. عندما وصلت رأيت عمّي فايز خائفاً جدّاً. أخبرني أهالي دير جرير أنّ معظم أغنامنا قد وصلت بسلام إلى دير جرير، إلى منزل جاد، وأنّ هناك 19 غنمة مفقودة من قطيع عمّي فايز وخمس من قطيعي.
حاول عدد من الأهالي والأقارب وبعض الناشطين الإسرائيليّين استرداد الأغنام وحماري، ولكنّ الجيش لم يسمح لأحد أن يقترب من المستوطنين.
كان نضال أبو علي (34 عاماً) ضمن أهالي كفر مالك الذين خرجوا يحاولون استرداد الأغنام - أدناه بعض ما جاء في إفادته:
نحو السّاعة 11:00 صباحاً كنت في منزلي وقد سمعت أنّ مجموعة من المستوطنين هاجمت قطيع الأغنام الذي ساقه عمّي فايز أبو علي وابن عمّي غازي أبو علي إلى المرعى. سمعت أيضاً أنّهم تمكّنوا من الفرار إلى منزل في دير جرير والنجاة من المستوطنين، وأنّ المستوطنين قد سرقوا وطعنوا عدداً من الأغنام.
ذهبت مع أربعة من أبناء العائلة إلى الشارع الالتفافيّ، إلى منطقة مرتفعة تطلّ على الوادي. على بُعد 100-200 متر رأيت مستوطنين في سيّارتي "تندر" إحداهما حمراء والأخرى بيضاء. عرفت أنّ هؤلاء هم المستوطنين الذين هاجموهما، لأنّني سمعت أن المهاجمين كانوا في سيّارتين كهاتين. عدا عن سيّارتي "التندر" كانت هناك خمس سيّارات أخرى. لم نستطع الوصول إليهم لأنّ ثلاث جيبات عسكريّة كانت بيننا وبينهم، والجنود لم يسمحوا لنا بالاقتراب.
نحو السّاعة 15:00 أعلنوا عبر مكبّرات الصّوت في مسجد القرية أنّ مستوطنين يسرقون الأغنام وناشدوا الأهالي المجيء إلى الموقع ليمنعوا ذلك. تقدّمنا في اتّجاه المستوطنين لكي نحاول استرداد الأغنام. عندما وصلنا إلى الناحية المطلّة على الشارع الالتفافي رأيت جنوداً ومستوطنين واقفين هناك، بعد بُرهة قصيرة تقدّم المستوطنون نحونا في سيّاراتهم. كان الأمر مخيفاً جدّاً لأنّنا لم نعرف إلى أين نهرب والطريق الوحيدة التي كانت أمامنا تقود إلى بؤرتهم الاستيطانيّة. عندئذٍ خرجنا من السيّارة وأخذنا نركض في اتّجاه كفر مالك.
أثناء الرّكض في الجبال والكُروم توقّفنا بين الفينة والأخرى لكي نرى كم نبعد عن المستوطنين ونفهم ماذا يفعلون. شاهدت نحو ثلاثين مستوطناً قد ترجّلوا من السيّارات وفي أيديهم هراوات وأخذوا يصرخون علينا يأمروننا أن نتوقّف. كدت أموت خوفاً. واصلنا الرّكض، وفي أثناء مطاردتنا شاهدت أحد الجيبات العسكريّة يسير خلف المستوطنين وهُم قد أصبحوا على بُعد أمتار منّا. عندما رأى المستوطنون الجيب يتبعهم توقّفوا عن مطاردتنا.
توقّفنا بدورنا، لأنّنا أردنا العودة إلى سيّارتي وقد ابتعدنا عنها نحو مئة متر. عندما اقتربت من السيّارة رأيت مستوطنين متجمّعين حولها، يخبطونها بالهراوات ويحطّمون زجاجها ويطعنون إطاراتها بأمواس كانت معهم. في هذه الأثناء كان الجنود واقفين على بُعد عشرين متراً، ينظرون إلى أفعال المستوطنين دون أن يتدخّلوا. طلبت من أحد الجنود أن يوقفهم ولكنّه لم يكترث. تظاهر بأنّه لا يسمعني.
حمّل المستوطنون أحد حمير فايز وغازي على إحدى سيّاراتهم، أمام أنظار الجنود. وحينذاك أيضاً لم يوقفهم الجنود مع أنّني طلبت من أحدهم أن يفعل ذلك ويأمرهم بإعادة الحمار لنا. غادر المستوطنون والجنود المكان، وبعد ذلك غادرنا نحن رغم أنّ إطارات السيّارة كانت قد أتلفت - لكنّني كنت مجبراً على نقل السيّارة من هناك إذ خشيت أن يُلحق بها المستوطنون المزيد من الأضرار إن هي بقيت هناك.