في يوم الثلاثاء الموافق 20.12.22، تمّ تعليق الدراسة في جميع مدارس الضفّة الغربيّة إثر وفاة الأسير ناصر أبو حميد في أحد السجون الإسرائيليّة. ونحو الساعة 9:30 خرجت مجموعة تضمّ نحو 13 فتًى من أبناء 15-17 عامًا للتنزّه في الحرش في منطقة خربة نعلان الواقعة على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات شماليّ قرية المزرعة القبليّة.
تمّ توصيل الفتية إلى المكان بحافلة صغيرة عادت إثر ذلك إلى القرية، وبدأوا هم بالتجوّل في المنطقة. تقدّم معظم الفتية كمجموعة بينما تأخّر محمود شريتح (15 عامًا) واثنان من أصدقائه خلفَهم. في مرحلة معيّنة، خرج من بين الأشجار مستوطن وانقضّ على شريتح وضربه بحجر كبير فكسَرَ كاحله. وبينما كان أصدقاء شريتح يحاولون صدّ المستوطن، خرج من بين الأشجار حوالي أربعة مستوطنين آخرين مسلّحين بهراوات وسيف وحَرْبَة ومقلاع.
تمكّن أحد الفتية من الهرب وحاول الثاني تخليص شريتح من أيدي المستوطنين، إلّا أنّهم ضربوه هو أيضًا وأصابوه بحجر في رأسه. فرّ الفتى، الذي كان ينزف من رأسه، باتّجاه القرية وفي الطريق التقط جهاز الهاتف الذي وقع من شريتح واستخدمه لطلب المساعدة. في هذه الأثناء بدأ المستوطنون بجرّ شريتح من المكان، فيما حاول فتية المجموعة التي سارت في المقدّمة إنقاذه من أيديهم بواسطة رشقهم بالحجارة.
بعد نحو ربع ساعة، وصل إلى الحرش سعدي شريتح (47 عامًا)، والد محمود، فترك المستوطنون ابنه للحظة وابتعدوا. حمل شريتح ابنه لإخلائه من المكان لكنّ المستوطنين عادوا عندها وهاجموا الاثنين بالحجارة. في غضون ذلك وصلت إلى المكان أيضًا مجموعة الفتية التي سارت في المقدّمة وحاول أفرادها صدّ المستوطنين عبر رشقهم بالحجارة. تمكّن سعدي شريتح من نقل ابنه إلى سيّارته وفي طريقهما إلى المستشفى أخذا معهما أيضًا صديقه الذي أصيب في رأسه.
في هذه الأثناء، وصل إلى الحرش المزيد من سكّان القرية وعدد من الجنود ووقعت مواجهات في المكان قام خلالها قسم من السكّان برشق الجنود بالحجارة بينما قام الجنود بإطلاق الرصاص "المطّاطيّ" وقنابل الغاز والقنابل الصوتيّة وإطلاق النيران الحيّة في الهواء. استمرّت المواجهات بشكل متقطّع حتّى الساعة 15:00. لم يصبْ أحد باستثناء بعض الأشخاص الذين استنشقوا الغاز المسيِّل للدموع وعولجوا ميدانيًّا.
اعتقل الجنود أربعة من سكّان القرية وكبّلوا أيديهم واقتادوهم إلى ثكنة عسكريّة في مستوطنة "طلمون"، حيث احتُجِزوا حتّى ساعات ما بعد ظهر اليوم التالي ثم نُقلوا بعدها إلى ثكنة عسكريّة محاذية لقرية رنتيس. في الثكنة خَضع الأربعة لفحوصات طبّيّة ثمّ تمّ سجنهم في زنزانة حتّى الساعة 19:00 وبعدها نُقلوا إلى معتقل "عتصيون". في صباح اليوم التالي نُقِل الأربعة إلى المحكمة العسكريّة في معسكر "عوفر" وتمّ تمديد اعتقالهم حتّى 28.12.22 وتمّ الإفراج عنهم لاحقاً بعد إيداع كفالة بقيمة 2,000 ش.ج. عن كلّ واحد منهم.
في يوم 4.1.23 أجريت لمحمود شريتح عمليّة جراحيّة في كاحله في المستشفى الاستشاري. رقد في المستشفى حتّى 7.1.23 وهو بحاجة الآن إلى علاج طبيعيّ. صديقه عولِج وسُرِّح إلى البيت في يوم الحادث.
محقّق بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد سجّل إفادات من السكّان الذين اعتُديَ عليهم في 20.12.2022:
محمود شريتح وصف في إفادته ما حدث في ذلك اليوم:
سار عشرة أصدقاء في المقدِّمة وأنا وصديقان آخران سرنا خلفهم. فجأةً ظهر من بين الأشجار مستوطن نعرفه من المنطقة وصرخ بشيء لم أفهمه بالعبريّة. ضربَني بحجر كبير أصاب كاحلي الأيسر وشعرتُ بأنّه انكسر. سقطتُ على الأرض وبالكاد تمكّنتُ من الزحف. بدأتُ أصرخ لأصدقائي وأطلب المساعدة. حاول الصديقان اللذان كانا معي صدّ المستوطن وسحبي من هناك وعندها خرج من بين الأشجار أربعة مستوطنين آخرين، جميعهم كانوا يحملون هراوات، وبالإضافة إليها كان أحدهم يحمل سيفًا والثاني حَربة والثالث مقلاعًا. بدأ هؤلاء المستوطنون جميعهم بمهاجمتنا. تمكَّن أحد صديقَيّ من الهرب، وهاجم المستوطنون الثاني بهراوة وألقوا عليه حجرًا أصابه في رأسه. بدأ ينزف ثمّ هرب هو أيضًا، وفي الطريق التقط هاتفي الذي سقط منّي.
بقيتُ ملقًى هناك وحدي وقام المستوطنون بضربي وأنا أصرخ وأطلب منهم أن لا يضربوني على رِجلي المصابة. استمرّوا في ضربي على رِجلي بالذات، وفي أثناء ذلك سمعتُ أحدهم يتحدّث عبر الهاتف. لم أفهم ما قاله لكنّني سمعتُ كلمة "شاباك" التي أعرفها.
بعد ذلك بدأوا بجرّي من كتفَيّ. اِلتوَتْ رِجلي بشكل غير طبيعيّ وكان واضحًا أنّها مكسورة. تأوَّهتُ وبكيتُ من الأوجاع، لكنّهم لم يستمعوا إليّ. أخذوا يتناوبون على جرّي من هناك شمالًا، باتّجاه بؤرة "كيريم ريعيم" الاستيطانية التي تبعد كيلومترًا أو اثنين عن الحرش.
المستوطن الأول الذي هاجمني لم يواصل المشاركة في الهجوم. سألني إذا كنتُ من المزرعة وما هو اسم عائلتي، فأجبْتُه.
بعد 15 دقيقة تقريبًا، وبينما كان أصدقائي من القرية يواصلون محاولة تخليصي من أيدي المستوطنين، وصل أبي بسيّارته. اقترب بالسيّارة حتّى مسافة 50 مترًا منّا تقريبًا، ثمّ تقدّم سيرًا على الأقدام لأنّ الطريق كانت وَعِرة. عندما رآه المستوطنون هربوا وتركوني.
سعدي شريتح (47 عامًا)، والد محمود، قال في إفادته:
في الساعة 09:20 اتّصلوا بي من هاتف ابني محمود، وعندما رددتُ كان ذلك صديقه فقال إنّ المستوطنين يهاجمونهم ويحاولون خطف محمود وطلب مساعدة. ذُعرتُ جدًّا وخفتُ أن يقتلوا ابني.
ركبتُ سيّارتي على الفور وتوجّهتُ إلى منطقة خربة نعلان حيث كانوا. وصلتُ إلى هناك خلال 10 دقائق ورأيتُ نحو 5 مستوطنين في العشرينات من العمر يجرّون ابني. شخص واحد منهم فقط كان مكشوف الوجه، وهو شخص نعرفه من المنطقة كان قد اعتدى هنا من قبل على رعاة أغنام عدّة مرّات. كان الأربعة الآخرون ملثّمين. أمسكوا محمود من يديه وكتفيه وجرّوه باتّجاه البؤرة الاستيطانيّة "كيريم ريعيم" الواقعة على بُعد 2-1 كيلومتر من هناك. كانوا يجرّونه على الأرض والأشواك بينما جسده يرتطم بالحجارة وكأنّهم يسحبون كيسًا أو شيئًا من هذا القبيل، دون أيّة رحمة أو إنسانيّة.
تمكّنتُ من الاقتراب بالسيّارة حتّى مسافة 50 مترًا منهم تقريبًا، وعندها لم يكن من الممكن التقدُّم أكثر بالسيّارة. خرجتُ من السيّارة وركضتُ باتّجاه محمود والمستوطنين وأنا أصرخ. هرب المستوطنون وتركوا محمود. عندما اقتربتُ من محمود كان في حالة يُرثى لها: كلّه خدوش وينزف من جبينه وملابسه قذرة. تأوَّه من الأوجاع وقال لي: "ساعدني يا أبي، رِجلي، رِجلي مكسورة، أنا لا أستطيع القيام". فحصتُ رِجله، فكان الكاحل مكسورًا تمامًا وكان الجلد هو الذي يُمسكه فقط. كانت قدمُه تستدير بحرّيّة في أيّ اتّجاه.
حملتُ محمود بين ذراعيّ وبدأتُ أتقدّم باتّجاه السيّارة، وعندها عاد المستوطنون ليهاجموني. كانوا يحملون هراوات ورأيتُ أنّ أحدهم كان يحمل سيفًا أيضًا وآخر كان يحمل قوسًا وسهمًا وآخر يحمل حربة ومقاليع. بدأوا بمهاجمتنا بالحجارة والحمد لله لم يُصبنا أيٌّ منها. عندما حاولوا الاقتراب وضعتُ محمود جانبًا وصددْتُهم بالحجارة. كان هناك أيضًا أصدقاء محمود وحاولوا هم أيضًا صدّهم بالحجارة لكن عن بُعد لأنّهم كانوا يخشون الاقتراب. عندما رأوني أواجه المستوطنين تشجَّعوا واقتربوا لكي يساعدوني.
تركتُ أصدقاء محمود يصدّون المستوطنين، وحملتُه وأخذتُه إلى السيّارة. سافرنا من هناك وفي الطريق رأيتُ صديق محمود وقد كان مصابًا في رأسه. أخذتُه معنا وتوجهت بالاثنين إلى المستشفى الاستشاري في رام الله. عولِج الصديق وسُرِّح في نفس اليوم وبقي محمود راقدًا في المستشفى. في ذلك اليوم قاموا بتثبيت عظمة رِجله اليسرى وخيَّطوا الجرح في جبينه بـ 4-5 غُرز. كما قاموا بتطهير بعض الخدوش التي كانت على جسمه وخصوصًا في أطرافه وعالجوها. بعد ذلك أدخلوه إلى قسم جراحة العظام للعلاج ومن المفروض أن يخضع لعمليّة جراحيّة في يوم الأربعاء، 4.1.23. لا نعرف ما إذا كانت هذه الإصابة ستؤثّر عليه في المستقبل ونخشى أن تؤثّر على قدرته على المشي. كما سيُضطرّ الآن إلى خسارة الكثير من أيام الدراسة.
إياد حنون (52 عامًا)، من سكّان المزرعة القبليّة، كان بين السكّان الذين طُلب منهم التوجُّه إلى مكان الاعتداء. قال في إفادته:
وصلتُ سويّةً مع أربعة أشخاص آخرين من القرية وتمكّنّا من رؤية سعدي شريتح يُخلي ابنه محمود وصديقه المصابَين. على بُعْد 150 مترًا شماليّ متنزه خربة نعلان رأينا ثلاثة مستوطنين يحملون مقاليع وهراوات ويطاردون الفتية من القرية. كانت المسافة بينهم وبين الفتية 30-50 مترًا تقريبًا. عندما رآنا الفتية تشجّعوا وانضمّوا إلينا وحاولنا معًا أن نصدّ المستوطنين الذين بدأوا بالفرار.
بعد دقيقة تقريبًا، وصلتْ بسرعة سيّارة جيب تويوتا بيضاء نحن نعلم أنّها تابعة لحارس البؤرة الاستيطانيّة وسيّارة جيب عسكريّة، من اتّجاه البؤرة الاستيطانيّة. توقّف حارس البؤرة الاستيطانيّة بجانبي للحظة، فتح الباب وصرخ عليّ للتوقّف وألقى في اتّجاهي قنبلة صوتيّة انفجرت على بُعد مترين عنّي. بسبب قوّة الانفجار شعرتُ كما لو أنّ الأرض تهتزّ تحت قدمي وسقطتُ على الأرض. وضعتُ يدَي على رأسي لأنّني شعرت بطنين صاخب في أذنَي.
عبَرَ المستوطن أو الحارس فوق وجهي وسدّ الجيب العسكريّ الذي كان يقف خلفه طريق الفتية والسكّان الذين كانوا معي. احتجز حارس المستوطنة والجنود أربعة فتية أبناء 17 عامًا. بدأنا بالفرار وعندها أمرنا الجنود وحارس المستوطنة بالتوقّف فتوقّف بعض الشبّان. تمكّنتُ أنا من الابتعاد، وقمت سويّةً مع بعض الفتية الآخرين الذين تمكّنوا من الهرب بمراقبة الجنود الذين أجلسوا الشبّان على الأرض وبدأوا بتقييدهم على الفور. في غضون ذلك، عاد المستوطنون الذين فرّوا سابقًا وانضمّوا إلى الجنود.
في الأثناء، وصل المزيد من السكّان الذين حاولوا تحرير المحتجزين ووقعت مشادّة كلاميّة بينهم وبين الجنود. احتجز الجنود اثنين منهم وقيّدوا أيديهما خلف ظهريهما. ثم وصل المزيد من الجنود بثلاث أو أربع سيّارات جيب عسكريّة ومركبات أخرى للمستوطنين. صرخ السكّان على الجنود والمستوطنين، شتموهم ورشقوهم بالحجارة، وأطلق الجنود قنابل الغاز المسيِّل للدموع والرصاص "المطّاطيّ" وألقوا القنابل الصوتيّة كما أطلقوا النيران الحيّة في الهواء. في هذه المرحلة ابتعد المستوطنون باتّجاه البؤرة الاستيطانيّة "كيريم ريعيم".
استمرّت المواجهات بشكل متقطّع حتّى الساعة 15:00. لم يصبْ أحد باستثناء بعض الأشخاص الذين استنشقوا الغاز المسيِّل للدموع وعولجوا ميدانيًّا. في النهاية أطلق الجنود سراح اثنين من المحتجزين وأدخلوا المحتجزين الأربعة الآخرين إلى سيّارة جيب عسكريّة وغادروا المكان. تم احتجاز الأربعة في سجن "عوفر" ويوم 22.12.22 تم تمديد اعتقالهم بمثانية أيام أخرى. محكمة الاستئناف قبلت الاستئناف الذي قدمه محاميهم على فترة الاعتقال وقصرت الفترة لستة أيام وفي يوم 28.12.22 تم الإفراج عنهم بعد إيداع كفالة شخصية بمبلغ 2,000 شيكل عن كل واحد منهم.