المغيّر، محافظة رام الله: مئات المستوطنين يهاجمون القرية على مدى يومين. وقتلُ شابٍّ خرج للدفاع عن أحد المنازل بنيران أطلقها المستوطنون أو القوّات الإسرائيليّة

في يوم الجمعة الموافق 12.4.24، وضمن عمليّات البحث عن الفتى بنيامين أحمئير من البؤرة الاستيطانيّة "ملآخي هشالوم" الذي قُتِل بأيدي فلسطينيّ وعُثِر على جثّته في اليوم التالي، تجمّع مئات المستوطنين قرابة الساعة 7:00 على "شارع ألون" (458)، على بُعد نحو كيلومترين عن شمالي- شرق قرية المغيّر. شارك في عمليّات البحث جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود أيضًا مستعينين بنحو 7-10 سيّارات جيب وبمروحيّتين عسكريّتين، كما حلّقت أربع طائرات شراعيّة في الهواء.

الصورة
جهاد أبو عليا. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
جهاد أبو عليا. الصورة قدمتها العائلة مشكورة

في ساعات الصباح تجوّل المستوطنون وأفراد القوّات في أطراف القرى وبساتين الزيتون، وقيل للسكّان بأنّهم يبحثون عن القاصر المفقود. لكن، نحو الساعة 12:00 اقترب عشرات المستوطنين، المسلّحين والملثّمين، من مجمّع من المنازل يقع في الطرف الشماليّ- الشرقيّ من القرية وشرعوا في مهاجمته بالحجارة. تمكّن السكّان الذين هرعوا إلى المكان لحماية المنازل من صدّ المستوطنين الذين غادروا القرية. وفي المقابل، وصل إلى المكان نحو عشرة من عناصر شرطة حرس الحدود مستقلّين أربع سيّارات "جيب" وأطلقوا قنابل الغاز المسيّل للدموع والرصاص الحيّ باتّجاه الشبّان الذين تصدّوا للمستوطنين، فأصابوا أحد الفتية في رِجله.

وحوالي الساعة 14:30 عاد مئات المستوطنين ثانيةً، يرافقهم نحو عشرة من أفراد القوّات الإسرائيليّة، وهاجموا المنازل بالحجارة والزجاجات الحارقة. وحاول السكّان الذين خرجوا من منازلهم صدّ المستوطنين بالحجارة، وتحصّن نحو 30 منهم على سطح منزل تعرّض لهجوم بالحجارة وبالرصاص الحيّ من قبَل مستوطنين كان يحرسهم أفراد من القوّات الإسرائيليّة الذين أطلقوا النيران هم أيضًا. وأصيب جهاد عفيف أبو عليا (25 عامًا) في رأسه من جرّاء النيران التي أطلقها المستوطنون أو القوّات عندما كان متواجدًا على سطح المنزل. وتعرّض الشبّان الذين أخرجوه من المنزل لهجوم من قبَل عناصر شرطة حرس الحدود، لكنّهم تمكّنوا من نقله إلى سيّارة إسعاف كانت تنتظر في المنطقة وأخلتْه إلى مستشفى في رام الله، لكن عندما وصل إليه كان قد فارق الحياة.

وقرابة الساعة 16:30 هاجم مئات المستوطنين أيضًا قرية خربة أبو فلاح المجاورة.

خلال اليومين المذكورين، اقتلع المستوطنون وقطعوا نحو 80 شجرة زيتون وأحرقوا 93 مركبة (منها ثلاث درّاجات ناريّة ونحو 74 سيّارة "مشطوبة" – سيّارات غير مرخّصة تُستخدَم للسفر داخل القرى) و12 منزلًا (عشرة منها احترقت بالكامل واثنان بشكل جزئيّ) وعشرات الدونمات من الأراضي الزراعيّة. كما حطّم المستوطنون نوافذ نحو 16 منزلًا، وسرقوا نحو 150 رأسًا من الأغنام وقتلوا بعضها، وأحرقوا ودمّروا 18 حظيرة أغنام وأقنان دجاج ومباني زراعيّة أخرى (منها 15 دُمِّرت بالكامل وثلاثة بشكل جزئيّ). وأصيب 26 من السكّان بالرصاص الحيّ الذي أطلقه المستوطنون وأفراد القوّات، وجُرِح 15 من السكّان من جرّاء الرصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط الذي أطلقه أفراد القوّات، وأصيب أحد السكّان في رِجله بقنبلة صوتيّة ألقاها أفراد القوّات. وبحسب الجيش، خلال الهجوم على القرية ألقى فلسطينيّون حجارة وزجاجات حارقة باتّجاه ثلاثة جنود فأصيبوا بجروح طفيفة، كما أطلِقت النار على مستوطن فأصيب في رِجله، ولم يتمّ تحديد مَن أطلق النار.

بقي المستوطنون في المنطقة إلى نحو الساعة 19:00 من يوم السبت، ثمّ غادروها برفقة الجنود وعناصر الشرطة.

محمّد الحاج (24 عامًا) قال في إفادته التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 13.4.24:

كنتُ خارج القرية وعندما سمعتُ عن هجوم المستوطنين عدتُ إليها. وصلتُ في الساعة 15:00 وكان الجوّ متوتّرًا، وكان الجميع في حالة استنفار، وحينئذٍ تقريبًا بدأ مئات المستوطنين بمهاجمة أحد الأحياء الشماليّة من القرية. في هذه المنطقة تسكن عدّة عائلات في مجمّع مشترك، وكان هناك نساء وأطفال صغار.

الصورة
محمّد الحاج في المستشفى. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا
محمّد الحاج في المستشفى. الصورة قدمها الشاهد مشكورًا

ذهبتُ إلى هناك مع أشخاص آخرين لحمايتهم، وعندما اقتربنا من منزل أبو جبر رأيتُ مئات المستوطنين، بعضهم ملثّمون وبعضهم مسلّحون ببنادق أو بمسدّسات. كان بعض المستوطنين يرتدون بناطيل عسكريّة وقمصانًا عاديّة وكان لبعضهم خيوط متدلية منها. هاجم المستوطنون المنازل بالعصيّ وبالحجارة ودمّروا وكسّروا أشياء وخرّبوا سيّارات وأشعلوا حرائق. 

كانت هناك قوّة عسكريّة تحميهم وخاضت مواجهات مع عشرات السكّان الذين حضروا للدفاع عن المنازل. أطلق الجنود النيران الحيّة، ورغم ذلك أصرّ السكّان على حماية العائلة وإخلائها، خشية أن يقوم المستوطنون بإحراق أفرادها وهم أحياء داخل المنزل. تمكّنا من إخلائهم، ثمّ بينما كنتُ أرافق إحدى النساء مبتعدًا معها عن منزلها طاردَنا جنود وهم يطلقون النيران الحيّة. أصابوني في فخذي اليسرى من مسافة مائة متر تقريبًا، وتغلغلت الرصاصة إلى الداخل وسبّبتْ لي نوعًا من الشلل، لكنّني تمكّنت بطريقة ما من التقدّم مسافة 10-20 مترًا أخرى.

نقلتني سيّارة إسعاف كانت متواجدة في المنطقة إلى عيادة الدكتور إياد نعسان الخاصّة، وسط القرية. كان هناك مصابان آخران قد وصلا قبلنا: فتى يبلغ من العمر 16 عامًا أصيب برصاصة في الفخذين، وشخص آخر يبلغ من العمر 50 عامًا أصيب بحجر في رأسه.

بعد تلقّي العلاج الأوّليّ تمّ نقلنا معًا إلى مركز "مجمّع فلسطين" الطبّيّ في رام الله، وتبيّن هناك أنّ الرصاصة أصابت العصب، ولذلك رقدتُ في المستشفى للخضوع لمزيد من الفحوصات.

نضال أبو عليا (36 عامًا) قال في إفادته التي أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ إياد حدّاد في 19.4.24:

سمعنا نداءات استغاثة من منزل إحدى العائلات فتوجّهنا على الفور لمساعدتهم. صدّ الجنود معظمنا ولم يتمكّن من الوصول إليهم سوى 15-17 شابًّا منّا. صعدنا إلى سطح المنزل الذي كان يتواجد عليه نحو 10 أفراد من العائلة، من أجل صدّ المستوطنين. كان الجنود يقفون خلف المستوطنين المهاجمين من أجل حراستهم وإحباط أيّ محاولة من السكّان للحضور وللمساعدة.

الصورة
نضال أبو عليا. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم
نضال أبو عليا. تصوير: إياد حدّاد، بتسيلم

كنّا على السطح نحو 25-30 شخصًا، من بينهم جهاد أبو عليا (25 عامًا) الذي قُتِل خلال الأحداث.

هاجمنا المستوطنون من أربع جهات بالحجارة وكذلك بإطلاق النيران الحيّة. حاولنا صدّهم بالحجارة والدفاع عن أنفسنا من خلف سور السقف المبنيّ. أصابت الرصاصات والحجارة نوافذ المبنى وجدرانه. وأصابت رصاصات كثيرة خزّانات المياه الموجودة على السطح، فتدفّقت المياه منها وفاضت علينا بغزارة.

بدأ الأشخاص منّا يُصابون. في البداية أصيب رسمي أبو عليا (55 عامًا) بشظيّة رصاصة في يده وبحجر في رأسه. وبعد ذلك أصيب مؤمن (20 عامًا)، وهو ابن عبد اللطيف، بحجر في رأسه. لقد كان ذلك هجومًا وحشيًّا وعنيفًا بشكل من الصعب وصفه. لم نكن نعرف ما إذا كنّا سنخرج من هناك أحياء. طوال الوقت كنّا نتّصل بكلّ من نستطيع لطلب المساعدة، لكن لم يتمكّن أحد من الحضور لأنّ الجيش حاصر المنطقة ومنع الوصول إليها. في تلك الأثناء تمكّن المستوطنون من اقتحام الساحة الأماميّة للمنزل وإحراق مركبتين كانتا متوقّفتين هناك وسيّارة أخرى كانت متوقّفة في ساحة جانبيّة تابعة لمنزل رسمي.

قرابة الساعة 16:15 اختبأنا أنا وجهاد أبو عليا خلف السور الجنوبيّ للسطح، ثمّ نهض للحظة لكي يرى ما يفعله المستوطنون وبرز رأسه من فوق السور. في تلك اللحظة بالضبط أطلِقت عليه عدّة رصاصات أصابته إحداها في رأسه. تناثرت أجزاء من جمجمته مع كمّيّة كبيرة من الدم وأنسجة الدماغ وسقط على الأرض.

لم أرَ مَن أطلق النار عليه بالضبط، لأنّني كنتُ مختبئًا خلف السور، لكن خلال هذا الحدث، كلّما تمكّنتُ من إلقاء نظرة خاطفة رأيتُ أنّ الذين يحملون الأسلحة ويطلقون النار هم مستوطنون يرتدون بناطيل عسكريّة وقمصانًا بيضاء ذات خيوط متدلية منها - ومعظمهم كانوا ملثَّمين.

اعترتنا حالة من الصدمة إزاء منظر جهاد الذي ينزف، وعندما اقتربنا منه أدركنا أنّ حالته حرجة. أمسك أحد الشباب بعظام فكّيه لإبقائها مفتوحة لكي يستطيع التنفّس. كان حينها فاقدًا الوعي لكنّه كان لا يزال يتنفّس.

حاولنا استدعاء سيّارات إسعاف، لكنّ إطلاق النار علينا تواصل ولم يتمكّن أحد من الحضور. عالجنا جهاد لمدّة 20 دقيقة وقدّمنا ​​له الإسعاف الأوّليّ: لففنا رأسه بوسادة ثمّ بملاءات وأدخلناه إلى منزل العائلة. خاطر بعض الشباب ونزلوا إلى الطابق الأوّل وفتحوا الباب وصرخوا "يوجد هنا جريح! جريح! إسعاف!". لكن، فور فتحهم الباب المؤدّي إلى الدرج الخارجيّ أطلق المستوطنون 3-4 رصاصات عليهم، وأصابت إحداها الحائط المجاور للباب، فتراجع الشباب إلى الداخل.

بعد عشر دقائق أخرى، وبعد أن انتقل المستوطنون إلى مكان آخر في القرية، قرّرنا المخاطرة والخروج مع جهاد. كان الجنود لا يزالون هناك، ورأيتُ أربعة جنود بين الأشجار، على بُعد نحو 100 متر عنّا.

وضعنا جهاد على "حمّالة" من عقدة خشبيّة وبدأنا بالمشي. عندما أصبحنا على بُعد 30 مترًا عن الجنود صوَّبوا أسلحتهم نحونا، فقال لهم أحد منّا بالعبريّة: "معنا جريح"، فسمحوا لنا بالمرور.

بعد نحو 50 مترًا شاهدنا سيّارَتي جيب عسكريّتين، فالتفتنا وواصلنا السير بين أشجار الزيتون حتّى لا يرانا الجنود. واصلنا السير حتّى اقتربنا من منزل عاطف أبو عليا، وهناك شاهدنا سيّارة أحرقها المستوطنون والنار تشتعل فيها. كانت هناك خمس سيّارات جيب عسكريّة وبعض الجنود وعناصر شرطة حرس الحدود. صوَّبوا أسلحتهم نحونا، فقال لهم الشابّ الذي يعرف العبريّة: "معنا جريح! جريح!". ولم يسمحوا بالمرور سوى للـ 4-5 شبّان الذين كانوا يحملون "الحمّالة" مع الجريح، وكنتُ أنا واحدًا منهم.

واصلنا السير حتّى صادفنا عناصر شرطة حرس الحدود، فصوّب بعضهم أسلحتهم نحونا وانقضّوا علينا يضربون بعضًا منّا. ضربونا بقوّة بالغة بأعقاب البنادق، بأيديهم وبأرجلهم. صرختُ على أحدهم بأن يسمح لنا بنقل جهاد إلى سيّارة الإسعاف، فقال لي: "اذهب من هنا وإلّا فسأطلق النار عليك". رفعتُ القميص وقلتُ له "أطلق النار عليّ!". وعندها أطلق عليّ فعلًا رصاصة "مطّاطيّة" أصابتني في بطني وجرحتني، من مسافة نصف متر. كان ذلك مؤلمًا جدًّا وتلوّيتُ وصرخت من شدّة الألم. وقد تورّم موقع الإصابة. في تلك الأثناء تمكّن الشباب الآخرون من إدخال جهاد إلى سيّارة الإسعاف التي انطلقت من هناك. استغرق إخلاء جهاد من المنزل إلى سيّارة الإسعاف ما بين 15-20 دقيقة.

أردتُ أنا والشباب الآخرون العودة إلى منزل العائلة التي كنّا عندها من قبل، لكنّ عناصر الشرطة طاردونا وضربونا وهدّدونا بالسلاح، فهربنا إلى داخل القرية. من هناك تابعتُ عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ الأخبار المتعلّقة بتحرّكات المستوطنين وباعتداءاتهم التي أحدثوا خلالها دمارًا كبيرًا للمنازل والمركبات والمزارع والأغنام، وأطلقوا الرصاص الحيّ وأصابوا عشرات الشباب وغيرهم من السكّان. وقرابة الساعة 18:30 سمعتُ أنّ جهاد توفّي متأثّرًا بجراحه. تغمّده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنّاته. ماذا أقول؟ ليُحاسِب الله، قاضي الحقّ، هؤلاء القتلة البربريين.

Featured image
מתוך תיעוד הווידאו
Hide featured image
On
Video
بعد القتل الإجراميّ للفتى بنيامين أحمئير، إسرائيل تترك عشرات آلاف الفلسطينيين نهشاً لعنف المستوطنين
Geolocation
POINT (35.347387 32.025265)
Incident count
1
Update category
General
During the October 2023 war
On
During olive harvest
Off
Israeli forces present
On
Hide from settler-violence log
Off