في يوم الجُمعة المُوافق 3.1.25، بعد صلاة الجُمعة، جاء نحو خمسين مُزارعاً من بلدة سلواد لكي يحرثوا أراضيهم الواقعة غربيّ البلدة ويعملوا فيها، وذلك بعد أن قامت الإدارة المدنيّة في اليوم السّابق بإخلاء بؤرة رُعاة استيطانيّة أقامها مُستوطنون في بداية كانون الأوّل الماضي على أراضي البلدة في المنطقة نفسها. فقد بعث إخلاء البؤرة الاستيطانيّة الأمل في قلوب المُزارعين بأن يتمكّنوا هذه المرّة من العمل في أراضيهم بأمان، بعد أن اعتدى عليهم مُستوطنون وطردوهم من أراضيهم في المرّات السّابقة.
نحو السّاعة 15:00 لاحظ المُزارعون مركبة عسكريّة وأخرى مدنيّة تتقدّمان نحوهُم، ومن خلفهما قرابة عشرين مُستوطناً كلّهُم ملثّمون وبعضُهم مسلّح بالهراوات والعصيّ وعُبوات رذاذ الفلفل. عندما اقتربت المركبتان من المُزارعين، بدأ الجنود بإطلاق النار في الهواء دون أيّ سبب. في تلك الأثناء وصل إلى المكان نحو عشرين مستوطناً آخرين. أخذ المُزارعون يبتعدون تاركين وراءهم سيّاراتهم وجرّاراتهم الزراعيّة. في الوقت نفسه أخذ المُستوطنون يرشقون المُزارعين بالحجارة ويضربونهم بالهراوات ويُضرمون النار في مركباتهم أمام أنظار الجُنود. بعض المُزارعين لاذوا بالفرار، بينما رشق البعض الآخر المستوطنين المُعتدين بالحجارة في مُحاولة لصدّهم، ثمّ فرّ هؤلاء أيضاً من المكان. بعض المُزارعين الذين لم يتمكّنوا من الفرار قبل وُصول المُستوطنين تعرّضوا للضّرب الشديد بالهراوات الحديديّة والحجارة وتمّ إخلاؤهُم لتلقّي العلاج الطبّي. الجُنود الذين كانوا مُتواجدين هُناك لم يمنعوا الهُجوم ولم يوقفوا أيّاً من المُعتدين، بينما انسحب المُزارعون إلى البلدة مُجبرين، إلى أن غادر المُستوطنون والجُنود.
وقد أفاد مجلس البلدة بأنّ تسعة مُزارعين أصيبوا بجراح جرّاء هذا الهُجوم وتلقّوا العلاج في مجمّع فلسطين الطبّي في مدينة رام الله، كما أضرمت النيران في ثماني سيّارات.
"س. م."، (52 عاماً)، من سُكان سلواد، أدلى بإفادة أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد رُمّانة فقال:
عندما وصلت إلى المكان قال لي بعض الأهالي الذين سبقوني إلى هُناك أنّ مُستوطنين وجُنودًا يتقدمون نحونا من أعلى الجبل الذي أقيمت عليه البؤرة الاستيطانيّة. شاهدت مركبة "جيب" عسكريّة ومركبة مدنيّة فيها مستوطن، ومن خلفهما نحو عشرين مُستوطناً جاءوا راجلين، وكان جميعهُم ملثّمين ومسلّحين بعصيّ وقُضبان حديديّة. عندما أصبحوا على مسافة 20-25 متراً منّي، أخذ الجُنود يُطلقون الرّصاص الحيّ في الهواء دون أيّ إنذار مُسبق، ودون أن يأتي أيّ من الأهالي بأي عمل يُبرّر ذلك. كانوا يُطلقون النار بشكل مُتقطّع بحيث فصلت بضع دقائق بين كل رشقة رصاص وأخرى. إزاء ذلك لاذ الأهالي بالفرار تاركين وراءهُم سيّاراتهم. وحيث أنّني كنت الأقرب إلى المُستوطنين والجُنود فقد وجدتُ نفسي عالقاً بينهم وحيداً. لم أتمكّن من الفرار مثلما فعل الباقون. بقيت في المكان 16-18 سيّارة تعود للأهالي، وكانت متوقّفة في الطريق الترابيّة. في تلك اللّحظة، حين كان الجُنود من حولي، صعد المُستوطنون فوق تلّة صغيرة وأخذوا يرشقون الحجارة صوب الأهالي الفارّين ويُطاردونهم في الوقت نفسه.
في تلك المرحلة جاء عدد آخر من المُستوطنين فأصبح عددهُم بالمُجمل 30-40 مُستوطناً. أخذ بعضُهم يُتلف السيّارات المتوقّفة هُناك، بينما راح آخرون يُطاردون الأهالي ويُهاجمونهُم. في تلك الأثناء كان المُستوطن الذي جاء في المركبة المدنيّة يقود مركبته متنقّلاً بين جماعات المُستوطنين.
بعد أن مضت نحو عشر دقائق على الهُجوم، شاهدت المُستوطنين يُخرجون من حقائب حملوها على ظُهورهم زُجاجات ويرمونها على السيّارات. أضرموا النار في ستّ سيّارات أمام أنظار الجُنود، الذين لم يُحرّكوا ساكناً إزاء ذلك، لكنّهم واصلوا إطلاق الرّصاص نحو الأهالي.
كان هُناك جُنديّ واحد شتم المُستوطنين وطلب منّي أن أظلّ مُلازماً له، وهذا ما فعلته؛ لكنّ الضابط الذي كان داخل الـ"جيب" أمره والجنودَ الآخرين بأن يتقدّموا في اتّجاه الأهالي، وكان هؤلاء على بُعد 100 متر منّي. بقيت في الخلف وحيداً، ثمّ أخذ المُستوطنون يقتربون منّي وهُم يرفعون العصيّ وعُبوات رذاذ الفلفل. حاولت أن أبتعد عنهُم لأنّني كنت خائفاً جدّاً، دون أن أبدي لهُم خوفي. عندما وصل المُستوطنون إليّ كان الجُنود على بُعد نحو عشرة أمتار منّي. لم يقُل المُستوطنون أيّة كلمة بل عاجلني أحدهُم فوراً بضربة قويّة على رأسي، فوق عيني، بقضيب حديديّ. رفعت يدي لكي أحمي رأسي فتلقيت ضربة أخرى على ذراعي اليسرى. في الوقت ذاته، ضربني مُستوطن آخر بحجر من مسافة صِفْر فأصاب عيني اليُسرى، ورشّ مُستوطن ثالث رذاذ الفلفل على عينيّ. لم يتدخّل الجُنود ولم يتحرّكوا لنجدتي. استمرّ المُستوطنون بضربي إلى أن وقعت أرضاً وأغمي عليّ.
عند أفقت كان الجُنديّ الذي طلب من قبل أن أبقى بجانبه يسكب الماء على وجهي ورأسي. حاولت أن أنهض لكنّي وقعت مُجدّداً. حاول الجُنديّ أن يُسندني. ثمّ جلب زُجاجة ماء ثانية واخذ يسكب الماء على وجهي. قال لي باللّغة العربيّة "اصحَ يا حاجّ. كلّ شيء تمام. وإذا كنت تشعر بسوء، اتصل بسيارة إسعاف". هاتفت قريباً لي وطلبت منه أن يستدعي سيّارة إسعاف، ثمّ أغمي عليّ مرّة أخرى. لا أعرف كيف انتهت المحادثة الهاتفيّة، إذ حين أفقت - بعد مضيّ ساعتين - وجدت نفسي في مركز فلسطين الطبّي في رام الله. هناك تبيّن أنّ لديّ كسورًا في بعض أسنان الفكّ العُلويّ، جُروحًا في الفم، وكسورًا في ضلعين، إضافة إلى كدمات في خاصرتي اليُمنى وجُرح في الجبين فوق عيني اليُمنى وتورُّم شديد ووذمة في عيني اليُسرى.