جميل عاطف جميل حنني (17 عاماً) – بيت فوريك، محافظة نابلس، أصيب في 2.11.25 وتوفي متأثرًا بجراحه في 3.11.25
في 2.11.25 دخل جنود في ثلاث مركبات "جيب" عسكريّة إلى بلدة بيت فوريك في محافظة نابلس فرشقهم عدد من الشبّان بالحجارة. خرج جنديّ من إحدى المركبات وألقى قنبلة صوت نحو الشبّان، ثمّ استدار وأطلق النار نحو جميل حنني وأصدقائه الذين كانوا واقفين عند زاوية الشارع ولم يُشاركوا في رشق الحجارة. أصيب جميل في بطنه ونُقل إلى عيادة الصداقة في الجانب الآخر من الشارع. لكنّ الجنود اقتحموا العيادة ولم يتسنّ نقل جميل إلى المستشفى إلّا بعد مُرور دقائق عديدة، بعد أن غادر الجنود. نُقل جميل حنني إلى مستشفى رفيديا وفي اليوم التالي توفّي هناك متأثّراً بجراحه.
سجلت باحثة بتسيلم الميدانيّة سلمى الدّبعي إفادة أحد أصدقاء جميل حنني وإفادة والد جميل:
صديق جميل حنني، قال في 5.11.25:
أنا تلميذ في المدرسة الثانويّة في بيت فوريك. في يوم الأحد زارني صديقي جميل حنني (17 عاماً). نحو السّاعة 21:35 خرجنا من منزلي الواقع في غرب البلدة وذهبنا في اتجاه منزله. عندما وصلنا إلى الشارع الرئيسيّ، قرب مركز الصّداقة الطبّي، فوجئنا بثلاث مركبات عسكريّة قادمة من وسط البلدة. لم نعرف هل نتوقّف أم نُواصل السّير. رأينا أنّ حجارةً رُشقت نحوهم من ناحية وسط البلدة وخفنا أن نمرّ فاختبأنا بين البنايات.
توقّفت سيارات "الجيب" على بُعد نحو 100 متر منّا. ثمّ قرّرت أن أجتاز الشارع وأنتقل إلى الجهة الأخرى، وفقط عندما وصلت انتبهت أنّ جميل لم يتبعني وظلّ واقفاً على الرّصيف. في تلك اللّحظة ترجّل جنديّ من إحدى سيارات "الجيب" وألقى قنبلة صوت نحو الشبّان الذين كان يقفون في امتداد الشارع، ثمّ مشى حول سيارة "الجيب" ووقف قبالة الشباب الذين كانوا أمام مركز الصّداقة وأطلق النار. سمعت طلقة واحدة فقط. فرّ الشبّان إلى الدّاخل وهُم يصرخون "جريح! جريح!". شاهدتهم يحملون شابّاً ويُدخلونه إلى المركز الطبّي.
على الفور دخل عدد من الجنود إلى المركز الطبّي، ثمّ خرجوا. بعد عدّة دقائق سمعت صافرة سيّارة الإسعاف التي انطلقت من المركز، ومن ثمّ انسحب الجنود من البلدة. عندها فقط علمت أنّ الجريح هو صديقي جميل حنني. أصابه رصاصُهم في البطن. كنت أرغب في زيارته لكن قيل لي إنّ وضعه حرج جدّاً. بعد ذلك علمت أنّ استُشهد.
عاطف جميل حنني (56 عامًا)، والد جميل، أب لأربعة، أدلى بإفادته في 16.3.26 فقال:
الصورة
عاطف جميل حنني مع صورة ابنه. صورة قدمها هو مشكورًا
في يوم الأحد المُوافق 2.11.25، نحو السّاعة 18:00، أيقظت ابني جميل من نومه وقلت له أنّنا سنذهب لزيارة جدّه، أنا وأمّه. ناولته وصفة طبّية ومبلغ 50 شاقلاً كي يشتري لي دواءً من الصيدليّة، ثمّ خرجنا من المنزل.
عندما كنّا في منزل والدَي زوجتي، نحو السّاعة 21:30، علمت أثناء تصفّح شبكات التواصُل الاجتماعيّ أنّ الجيش داهم القرية. اتّصلت بجميل لكنّه لم يردّ فظننت أنّه عاد للنوم.
نحو السّاعة 22:00 اتّصلوا بي من المركز الطبّي في البلدة وأخبروني أنّ ابني جميل جريح وقد نقلوه إلى المستشفى. توجّهت على الفور مع زوجتي وعدد من الأقارب إلى المستشفى في نابلس. لا أعرف حقّاً كيف وصلنا إلى هناك. كانت تلك لحظات لا تُنسى. بحثت عنه في المستشفى في كلّ مكان حتى قيل لي إنّه في غرفة العمليّات، وأنّه أصيب بطلقتين في الظهر تسببتا بضرر كبير في عموده الفقريّ وأعضائه الدّاخليّة.
الصورة
جميل عاطف جميل حنني. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
حاولوا أن يهدّئوني، قالوا لي إنّه سوف يتخطّى الأمر ويشفى، لكنّني فهمت من الأجواء خارج غرفة العمليّات واحتياجهم إلى وحدات دم كثيرة أنّ الوضع خطير. جاء إلى المستشفى أناس كثيرون - أقرباء لنا وأصدقاء وعدد من الأهالي - ممّا عزّز مخاوفي. شعرت بالعجز وقلّة الحيلة. ابني يرقد في الداخل وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً من أجله.
نحو السّاعة 1:00 بعد مُنتصف اللّيل خرج طبيب وقال لنا إنّهم قد تمكّنوا من وقف النزيف وأنّ جميل سيُنقل إلى غرفة العناية المشدّدة. في وقت لاحق، توقّف قلبه وفارق الحياة. قالوا لي إنّ هذه المرّة كانت الثالثة التي يتوقّف فيها قلبه. لا يوجد ما هو أصعب من أن تُفجَع بخبر وفاة ابنك.
كان جميل قرب الصيدليّة في الشارع الرئيسيّ، بعد أن اشترى الدّواء واستعدّ لاجتياز الشارع والعودة إلى المنزل. وجدت في جيبه شيئين هُما الآن من أغلى ما أملك لأنّهما آخر ما لمسته يداه: الدّواء ومبلغ 17 شاقلاً بقيّة من الـ50 التي أعطيته إيّاها. علمت لاحقاً أنّه فوجئ بوجود الجيش في الشارع وأنّهم أطلقوا النار دون أيّ سبب سوى تعطّشهم للدّماء. لم يقم الجنود بأيّ نشاط عسكريّ ولم يعتقلوا أحداً. جابوا شوارع البلدة قليلاً فقط وأنهوا جولتهم بقتل طفل بريء ثمّ غادروا. يتصرّفون كأنّهم خارجون في رحلة صيد، بفارق أنّ هؤلاء صيّادو بشر. هُم لا يولون حياتنا أيّة قيمة.
بعد بضعة أيّام اتّصلوا بي من الشرطة الإسرائيليّة. تحدّث معي شخص باللّغة العربيّة وقال إنّه يُريد أن يعرف ما الذي جرى. قلت له "اسأل جنودك لماذا قتلوا ابني. أنا لا أريد شيئاً سوى أن أعرف لماذا قتلوا ابني. كان في استطاعتهم أن يُطلقوا النار على الجزء السفليّ من جسمه، كان يمكنهم أن يعتقلوه، أن يضربوه - كان في استطاعتهم أن يفعلوا أيّ شيء فلماذا اختاروا أن يرموه برصاصتين فتّاكتين. لماذا؟!".
قال لي الشرطيّ إنّه يُريد أن يُساعدني. قلت له: "أعدْ لي ابني إذن! أنا أصلاً لا أثق بكم!". جنودهم لا يتصرّفون وفق أهوائهم أو اعتبارات تخصّهم وإنّما وفقاً لأوامر عسكريّة تسمح لهم أن يسفكوا الدماء دون تحمُّل أيّة مسؤوليّة عن ذلك. على العكس - مَن يقتل فلسطينيّاً يحظى بالتهاني والترقية على ما يبدو. هذه هي سياستهم. في الحرب ضدّ إيران أيضاً وجّهوا أولى ضرباتهم إلى مدرسة ابتدائيّة للبنات. ماذا فعلت لهُم تلك الطفلات البريئات؟ العام كلّه يعرف هذا ولكن لا أحد يفعل شيئاً. ما زالت النيران تشتعل في قلبي ممّا فعلوه بابني. أنا لا أصدّق أنّه رحل ولن يعود.
كان جميل فتىً مفعماً بالحياة. كان يحبّ كرة القدم وكرة السلّة وكان يستأجر ملعباً هو وأصدقاؤه، عادة، وقد شارك في بُطولات في نابلس. كان يحبّ السيّارات ويحلم أن يقتني ذات يوم سيّارة BMW. أسميته على اسم والدي، جميل، وكان بالفعل طفلاً وفتىً جميلاً - اسمٌ على مُسمّى.
منذ أن استشهد تبدّلت أحوالنا وتغيّرت حياتنا. كلّما جالت عيناي في غرفة الأولاد أحسست بغيابه. أين هو جميل؟ كيف اختطفوه منّا ومن إخوته؟
أولادي يبكونه طوال الوقت وعندما يرون أمّهم تبكي يخرجون من المنزل - خاصّة أخوه محمد (16 عاماً) الذي كان الأقرب إليه سنّاً وعاطفة. كانا صديقين ويُمضيان معًا أوقاتاً كثيرة.
مرّ علينا شهر رمضان وعيد الفطر وجميل ليس بيننا، وكان ذلك أمراً صعباً للغاية. كلّما تذكّرت جميل والطريقة التي قصفوا بها عُمره جُنّ جُنوني. الألم يعتصر قلبي عندما أنظر إلى سريره الفارغ وإخوته نيامٌ كلّ في سريره. نحن نزور قبره بشكل شبه يوميّ. لا أستطيع أن أبقى بعيداً عنه، كأنّ رجليّ تقودانني إلى هناك دون تفكير منّي.
لقد قتلوه ولن يتحمّل أحد وزر الجريمة. هؤلاء الجنود لا يولون اعتباراً لشيء. لا فرق لديهم بين كبير وصغير. من ناحيتهم، جميعُنا مستهدَفون.
لم يسلم حتى من تجربة الاعتقال. أتى جميل معي للعمل في منطقة الطيرة داخل "الخط الأخضر"، بعد أن بحثت طويلاً عن عمل في الضفة الغربيّة ولم أجد بسبب تدهور الأوضاع الاقتصاديّة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوماً. لم يبق لديّ خيار سوى أن أبحث عن عمل في داخل إسرائيل، حتى ولو بدون تصريح. قال لي جميل "خذني معك لأعمل في فترة الصيف. أساعدك بدلاً من الجلوس في المنزل خلال العُطلة". وفعلاً، أتى معي. في اليوم الأوّل عملنا، وفي اليوم الثاني دهموا الشقّة التي كنّا نائمين فيها واعتقلونا. اعتُقل جميل لمدة 25 يوماً، وأنا لمدة شهرين. بعد ذلك حدّثني أنّهم ضربوه وأنّهم كانوا في أثناء العدّ - في قسم القاصرين في سجن "هداريم" - يبطحونهم على الأرض ويُجبرونهم على إصدار أصوات حيوانات. في يوم إخلاء سبيله ضربوه ورشّوا عليهم رذاذ الفلفل. حدّثتني أمّه أنّه خرج من السجن نحيلاً جدّاً. مرّ بهذه التجربة المريرة رغم صغر سنّه، ثمّ أتى جنود مجرمون وقصفوا عُمره. هُم لا يُريدون أن يبقى فلسطينيّ واحد على قيد الحياة. منذ أن تولّى "بن جفير" منصبه قبل أربع سنوات أصبح الوضع صعباً جدّاً والقتل غير المبرّر يزداد ويزداد. هُم يقتلون ثمّ يدبّجون الأعذار والمبرّرات لأفعالهم. قالوا في الإعلام العبري إنه قُتل "مخرّب" أو "إرهابيّ" - كيف لطفل أعزل أن يكون مخرّباً أو إرهابيّاً؟! هذه قمّة الجنون والاستهتار بحياة الإنسان.
أنا أتساءل دائماً: لماذا لا يكون أولادنا مثل بقيّة الأولاد في العالم؟ لماذا كُتب عليهم أن يمرّوا بهذه التجارب الفظيعة؟ لماذا يُجبَرون على عبور الحواجز العسكريّة وتحمّل التنكيل في كلّ مكان - في الشوارع، في الطرق، في الأحياء، وحتى في داخل منازلهم لا يجدون الأمان؟ باستطاعة أيّ جنديّ أن يقتحم باب دارك ليسحبك ويسحب أولادك من فراشهم وينكّل بهم. لا تشعر بالأمان في أيّ مكان، بل تشعر بأنّك عُرضة لتهديد دائم وبأنك عاجز لا تقدر على حماية أولادك.