محمد إياد محمد عباهرة (17 عاماً) – سيلة الحارثيّة، محافظة جنين، 13.12.25 

في 13.12.25 داهم جنود بلدة اليامون واندلعت هناك مُواجهات. بعد أن ألقى محمد عباهرة (17 عاماً) عُبوة بدائيّة الصّنع نحو الجنود في الشارع وحاول الفرار، أطلقت عليه النيران جنود كانوا قد استولوا على منزل مُجاور. بعد إطلاق النار جرّ الجنود جثمانه إلى مدخل أحد المنازل ومنعوا طاقم الإسعاف الفلسطينيّ من الوصول إليه. بعد نحو عشر دقائق تم تحميل جثمانه في مركبة عسكريّة. كان ناشطاً في الجناح العسكريّ لحركة الجهاد الإسلاميّ. 

إسرائيل تحتجز جثمانه.  

عايدة عباهرة (41 عاماً)، والدة محمد، أمّ لخمسة، أدلت بإفادتها أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم سعدي في 26.3.26 فقالت: 

الصورة
محمد إياد محمد عباهرة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة
محمد إياد محمد عباهرة. صورة قدّمتها العائلة مشكورة

ابني محمد، والذي اعتدت مناداته بـ "حمّودة" تحببًا، كان مولودي الأوّل، وقد رُزقت به بعد ثلاث سنوات على زواجنا أنا وإياد، زوجي.  

كان محمد تلميذاً مجتهداً وقد انتظرنا أنا وزوجي بفارغ الصّبر أن يُنهي المرحلة الثانويّة ويحصل على شهادة التوجيهي لكي يبدأ بالتالي التعليم الجامعيّ. لكنّ القدَر شاء غير ذلك إذ قتله الجيش الإسرائيليّ قبل أن يُتمّ المرحلة الثانويّة.   

استُشهد محمد في يوم السّبت المُوافق 13.12.25. أذكُر أنّه طلب منّي في اليوم السّابق أن أساعده في فهم نصّ عن حياة الرّوائي الروسيّ دوستويفسكي، مطلوب منهم ضمن المنهاج الدراسيّ في اللّغة العربيّة. أبدى محمد اهتماماً بهذا النصّ الذي يتحدّث عن أصحاب الفكر النقديّ تجاه النظام الحاكم لكنّ الحكومة قمعتهم وحين علمت بمخطّطاتهم الثورية اعتقلت شرطتها المتظاهرين. كان دوستويفسكي أحد هؤلاء، وقد حُكم عليه بالإعدام غير أنّه في يوم تنفيذ الحُكم وحين كان رأسه تحت المقصلة تمّ إلغاء الحُكم واستبداله بُحكم مخفّف هو السّجن لأربع سنوات مع الأشغال الشاقّة.  

الصورة
محمد مع شقيقته كوثر. صورة قدمتها العائلة مشكورة
محمد مع شقيقته كوثر. صورة قدمتها العائلة مشكورة

ما زلت أذكر ردود فعل محمد ابني على هذا النصّ وكيف كان في غاية التركيز ومنغمساً فيه تماماً. عندما كنت أشرح له القصّة أحسست به يتلقّاها بشغف. ولأنّني مختصّة في العلوم الاجتماعيّة تمكّنت من شرحها له بشكل مبسّط. القصّة تحكي عن سجين محكوم بالأشغال الشاقّة، وبعد أن أمضى من محكوميّته 4 سنوات يقرّر أن يغيّر حياته ويبدأ بكتابة مذكّراته.  

يومذاك قال لي محمد: "أمّي، بعد أن شرحتِ لي القصّة بدأت أفهم مغزاها: ’لقد وُلد، عاش ومات‘ أو بالأحرى - هو ’وُلد، عاش ولم يمُتْ‘. سألته: "أيّ واحدة تفضّل من بين قصّتي الحياة؟" فأجاب إنّه يختار الخيار الثاني: ’وُلد، عاش ولم يمُتْ‘، وتابع يوضح لي: "لأنّ هناك أفرادًا في المجتمع يستطيعون القيام بأعمال تنفع الآخرين فيتركون من بعدهم ميراثاً يفيد الأجيال القادمة. ومن يدافع عن أرضه ووطنه يترك من بعده ميراثاً جميلاً".  

في يوم استشهاده، استيقظ محمد باكراً ثمّ تناول طعام الفطور مع إخوته وأخواته، وظلّ في المنزل يدرس طوال اليوم لأنّه كان قد بدأ للتوّ السّنة الأخيرة من المرحلة الثانويّة.  

في ذلك اليوم ذهبت لزيارة شقيقتي المُقيمة في قرية مثلّث الشهداء، لأنّها وضعت مولودها حديثاً. عندما كنت هناك اتّصلت بمحمد - مكالمة فيديو عبر "واتساب" - كي أطمئنّ عليه، وتحدّث معه أيضاً أبناء شقيقتي. كان قد أكل لتوّه زيت زيتون مع زعتر ولبنة، وهي أكلة يحبّها كثيراً. كان يطلب منّي دائماً أن أعدّ له وجبة كهذه.  

بعد ذلك عُدت إلى منزلي في اليامون كي أرتّب شؤون المنزل وأعتني بالأولاد وأساعدهم في واجباتهم المدرسيّة استعداداً لليوم الدراسيّ التالي في الغد، يوم الأحد.  

نحو السّاعة 20:30 قال لي محمد إنّه قد أنهى دروسه ووظائفه ويريد أن يخرج ليلتقي أصدقاءه في الحيّ. كان ذلك أمراً اعتياديّاً. نحن معتادون على أنّ يخرج ويلتقي مع أصدقائه، يمضي معهم بعض الوقت ويعود إلى المنزل.  

نحو السّاعة 21:30 أعددت طعام العشاء لأسرتي، وكان محمد لا يزال في الخارج مع أصدقائه. اتّصلت به وأرسلت له رسالة عبر "واتساب" لكي أطلب منه العودة إلى المنزل وتناول العشاء معنا، لكنّه لم يردّ، وحتى لم يكن واضحاً هل انتبه إلى مكالمتي ورسالتي.  

أخذ يُساورني القلق. أرسلت رسائل هاتفيّة إلى أقارب زوجي، إخوته وأخواته، أسألهم هل جاء محمد اليوم لزيارة أيّ منهم. في ذلك الوقت لم يكن هنالك تواجُد عسكريّ في اليامون، ولم يخطر في أذهاننا أنّ محمد قد سافر إلى بلدة سيلة الحارثيّة المُجاورة.  

عندما لم يردّ محمد على أيّ من المكالمات أو الرسائل، استبدّ بي الخوف والقلق. خوف طبيعيّ في حالة كلّ أمّ. خرجت وزوجي من المنزل ورُحنا نلفّ وندور في الحيّ كي نفهم ما الذي يجري ونبحث عن محمد. صادفنا شخصاً فسألناه ما الذي يجري في المنطقة، فأخبرنا عن مداهمات عسكريّة في سيلة الحارثيّة وأنّ الجيش الإسرائيليّ أصاب شخصين بجُروح ولا تُعرف هويّتهما بعد؛ وقال إنّ هذه الأخبار تداولتها شبكات التواصُل الاجتماعيّ. عندما سمعت ذلك تملّكني الرّعب إذ خشيت أن يكون أحد الجريحين ابني محمد.  

عندما عُدت إلى المنزل وجدت أنّ أقاربنا قد أخذوا يتوافدون إلى منزلنا. قبل أن يُخبروني بأيّ شيء، عرفت من تعابير وجوههم أنّ محمد قد استُشهد. وفعلاً، أخبروني أنّ الجيش الإسرائيليّ أطلق عليه الرّصاص الحيّ وقتله. أحسست بقلبي يتفجّر ألماً وأجهشت بالبكاء.  

كان محمد يعرف دائماً كيف يخلق جوّاً رائعاً فيمتلئ المنزل بهجة وضحكاً. كان دائماً يدلّل أخته الصغيرة، كوثر، التي كانت تلميذة في الصفّ الأوّل.  

قتل الجنود ابني وما زال الجيش يحتجز جثمانه. أنا أتوسّل مجيء اللّحظة التي يسلّموننا فيها جثمانه كي نودّعه وندفنه في مقبرة البلدة فأتمكّن من زيارة قبره.  

أولادي يمرّون بفترة عصيبة. يسألون عن محمد طوال الوقت. ابني يحيى (14 عاماً) يعاني من نفسيّة مضطربة منذ أن استُشهد أخوه. حتى شعر رأسه آخذ في التساقُط. هو أكثر من يُعاني من فقدان محمد.  

Subtitle

محمد إياد عباهرة (17 عاماً)

Featured image
מוחמד איאד מוחמד עבאהרה. התמונה באדיבות המשפחה
Geolocation
POINT (35.225996 32.507112)