في 13.5.22 جرى تشييع جثمان شيرين أبو عاقلة، مراسلة فضائيّة الجزيرة، التي قُتلت قبل ذلك بيومين في مخيّم جنين للّاجئين. خلال الجنازة اعتدى عناصر من الشرطة وحرس الحدود بالضرب على حمَلة النعش ومشيّعين آخرين، بينما كان يتمّ توثيق أفعالهم. ولّد نشر التسجيلات ردود فعل قاسية ونقداً صارماً في جميع أرجاء العالم سوى في إسرائيل الرسميّة التي لم تتأثّر ممّا جرى فقد أوعز القائد العام للشرطة بالتحقيق في الأحداث لكن وحسب ما نشرته وسائل الإعلام فقد تقرر سلفًا عدم اتخاذ إجراءات ضدّ من يتبيّن أنّهم متورّطون فيها.
منذ ذلك الحين وثّقت بتسيلم تشييع ثلاث جنازات أخرى اعتدى خلالها جنود وعناصر شرطة على المشيّعين ومنعوهم من وداع الموتى وتشييعهم إلى مثواهُم الأخير وإكرامهم بمراسيم لائقة: وقع الاعتداء الأوّل في شرقيّ القدس خلال جنازة وليد الشريف (23 عاماً)، في 16.5.22 والثاني في مخيّم العروب للّاجئين خلال جنازة غفران وراسنة (30 عاماً)، في 1.6.22 والثالث في بيت أمّر خلال جنازة نايفة الطوس في 1.7.22. تُظهر تسجيلات الفيديو والإفادات التي أدلى بها عدد من المشيّعين أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين أنّ عناصر قوّات الأمن الإسرائيليّ ضربوا المشاركين بالهراوات وأطلقوا نحوهم قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص الإسفنجيّ.
العُنف الذي مارسته إسرائيل خلال الجنازات الثلاثة ليس استثنائيّاً فقد سبق أن وثقت بتسيلم أحداثاً مشابهة. تندرج هذه الأحداث ضمن مختلف تجلّيات السّياسة الرسميّة لنظام الأبارتهايد في تعامُله مع حداد الفلسطينيّين على ضحاياه. على سبيل المثال، تحتجز إسرائيل جثامين فلسطينيّين بتصديق من محكمة العدل العليا. تحتجز إسرائيل اليوم جثامين 103 قتلى فلسطينيّين - بضمنها جثامين 9 قاصرين - وتمنع بذلك عائلات الضحايا من وداع أعزّائهم ودفنهم. مثال آخر: تُلغي إسرائيل بشكل شبه تلقائيّ أيّة تصاريح كانت قد أصدرتها لأقارب ضحايا الذين قُتلوا بأيدي جنود أو عناصر شرطة.
تبرّر إسرائيل احتجاز الجثامين بأنّها تحتاجها كأوراق ضغط للمساومة في أيّة مفاوضات مستقبليّة، أمّا إلغاء التصاريح فحجّتها في ذلك هي أنّها تخشى قيام الأقارب بعمليّات انتقاميّة. غير أنّ هذه الادّعاءات ليست سوى تمويه بائس لسياسة العقاب الجماعيّ القاسية والتي تُلحق أذىً بليغاً بالعائلات التي فقدت لتوّها أعزّاءها، كما أنّها تكشف وجهاً آخراً من ممارسات نظام الأبارتهايد: حتى حقّ الحداد ليس مكفولاً للفلسطينيّين، مستباحون موتى وأحياء.
جنازة شيرين أبو عاقلة (51 عاماً)، شرقيّ القدس، 13.5.22
الصورة
شيرين أبو عاقلة. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في يوم الأربعاء الموافق 11.5.22، أثناء اقتحام قوّات إسرائيليّة لمخيّم جنين للّاجئين، قُتلت مراسلة فضائيّة الجزيرة شيرين أبو عاقلة (51 عاماً). أقرت تحقيقات أجرتها وسائل إعلام بارزة عالميًا وكذلك تحقيق بتسيلم بأنّ جميع المؤشرات تدلّ على أنّ النيران التي قتلت شيرين أبو عاقلة أطلقها الجيش من مسافة نحو مئتي مترٍ منها.
بعد مضيّ يومين وفي 13.5.22 تمّ تشييع جثمانها. انطلقت الجنازة من المستشفى الفرنسيّ في حيّ الشيخ جرّاح في شرقيّ القدس. يُظهر تسجيل فيديو من المستشفى عناصر من قوّات الأمن ينقضّون بالهراوات على المشيّعين وبضمنهم حملة النعش ويُلقون نحوهم قنابل صوت، وفي النهاية يقتحمون المستشفى.
وفي تسجيل فيديو من المستشفى أيضاً، يظهر جزءٌ من المشاركين وهُم يرفعون أعلام فلسطين ويصفّقون ويهتفون بشعارات، وذلك قبل لحظات من اقتحام القوّات نطاق المستشفى وأخذت تدفع جمهور المشيّعين وتضرب الناس بالهراوات. ردّ بعض المتواجدين بإلقاء أغراض نحو عناصر الشرطة الذين واصلوا ضرب المشيّعين وإلقاء قنابل الصّوت نحوهم. لم يُتح العناصر للجنازة أن تواصل طريقها إلى كنيسة الرّوم الكاثوليك، عند باب الخليل في البلدة القديمة، إلّا بعد أن انتزعوا علم فلسطين عن السيّارة التي حملت نعش شيرين أبو عاقلة.
حاولت قوّات الأمن التي انتشرت على امتداد مسار الجنازة في شارع 1 وفي أزقّة البلدة القديمة وحاولوا أن يمنعوا الناس من الانضمام والمشاركة في تشييع شيرين أبو عاقلة وُصولاً إلى المقبرة. أيضاً بعد أن انتهت مراسيم الدّفن اعتدى العناصر على بعض المشيّعين وضربوهم بالهراوات.
استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إلى إفادات من أشخاص اعتدى عليهم عناصر شرطة أثناء مشاركتهم في تشييع الجثمان.
عن الأحداث التي جرت في محيط المستشفى تحدّث فاتن علوان (43 عاماً) من سكّان رام الله وهي صحفيّة وكانت تربطها بشيرين أبو عاقلة علاقة صداقة:
الصورة
فاتن علوان. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة
في يوم الجمعة الموافق 13.5.22، نحو السّاعة 10:30 صباحاً، كنت في المستشفى الفرنسيّ لكي أشارك في جنازة صديقتي الشهيدة شيرين. حمل الشباب نعش شيرين إلى أكتافهم واستعدّوا للخروج من المستشفى في مسيرة نحو الكنيسة، وهي تقع في البلدة القديمة، لكنّ قوّات الاحتلال أغلقت بوّابة المستشفى لتمنع المسيرة بزعم أنّ علينا نقلها في سيّارة.
كنت واقفة قرب النعش وبجانبي لارين ابنة شقيق شيرين (20 عاماً). دفعنا عناصر شرطة بالزيّ الأسود إلى داخل المستشفى لكي يمنعوا الجنازة من الخروج إلى الشارع. شاهدت لارين تحاول الدفاع عن النعش والأشخاص الذين كانوا يحملونه على أكتافهم ويتعرّضون للضرب بالهراوات على يد قوّات الاحتلال. عندما كانت لارين تحاول أن تدفع عناصر الشرطة همّ أحدهم بضربها بالهراوة فوقفت بينه وبينها لكي أحميها. عندئذٍ أصابتني الهراوة في رجلي اليسرى، قرب الكاحل.
ألقى عناصر الشرطة قنابل صوت إلى داخل ساحة المستشفى ففرّ الناس من هناك. فررت مع لارين إلى ما وراء المستشفى فأصبحنا بعيدتين نسبيّاً عن المكان الذي كانت فيه الشرطة. بعد مضيّ عشر دقائق تقريباً عدنا إلى حيث بوّابة المستشفى وكان الوضع هناك هادئاً. صعدنا إلى سيّارة شخص من الكنيسة وعندما وصلنا إلى باب الخليل واجهْنا حاجزاً للشرطة. دفعنا عناصر الشرطة وحاولوا أن يمنعوننا من المرور، ولكنّنا مع ذلك تمكّنا من الدّخول.
في الطريق إلى الكنيسة أوقفنا عناصر شرطة يرتدون الزيّ الأسود. قلنا لهم إنّنا من عائلة الشهيدة فسمحوا بمرور لارين وعدد من الأشخاص الآخرين. رأيت أشخاصاً آخرين يحاولون العبور لكنّ عناصر الشرطة دفعوهم ولم يسمحوا لهم. بعد أن انتهت الصّلاة واصلت الجنازة سيرها دون مشاكل، غير أنّ عناصر الشرطة منعوا كثيرين من المشاركة فيها.
عن اعتقاله بعد انتهاء الجنازة يحدّث أدناه محمود فتيحة (28 عاماً) وهو من سكّان القدس، متزوّج وأب لطفلة في سنتها الأولى:
الصورة
محمود فتيحة. تصوير: عامر عاروري, بتسيلم, 18.5.22
انتهت جنازة شيرين أبو عاقلة نحو السّاعة 15:30 وأخذ الناس يغادرون المقبرة. قرّرت العودة إلى منزلها عبر باب الخليل. في الطريق رأيت مسيرة يهود يحملون أعلاماً ويرقصون في الشارع. وقفت مع عدّة أشخاص آخرين نشاهد ما يجري وفي أثناء ذلك جاء عناصر شرطة وأخذوا يضربون الناس لكي يُبعدوهم ويُتيحوا لليهود متابعة المسيرة.
دفعني أحد عناصر شرطة حرس الحدود عدّة مرّات وكنت أصرخ عليه أطالبه أن يتوقّف عن دفعي. بعد ذلك هاجمني عشرة من عناصر حرس الحدود، ضربوني ودفعوني أرضاً. تمكّنت من النهوض وشرعت أغادر المكان، لكنّ عدداً منهم انقضّوا عليّ مجدّداً يركلونني ويضربونني فوقعت أرضاً مرّة أخرى وأخذت أقيء. مع ذلك واصلوا ركلي وضربي بالهراوات. شعرت أنّني محمول على يد أشخاص وأحدهم رشّ وجهي بالماء لكي أستفيق. كنت أعاني من آلام شديدة في العُنق.
كبّل عناصر حرس الحدود يديّ إلى الخلف واقتادوني إلى محطّة شرطة القشلة، وفي أثناء ذلك كان أحد العناصر يقبض على عنقي وآخر يُمسك بالأصفاد من الخلف. مشينا بضع مئات من الأمتار حتى وصلنا إلى موقف السيّارة داخل محطّة الشرطة. أوقفني عدد من عناصر الشرطة أمام البوّابة ثمّ دفعوا وجهي نحو البوّابة وخبطوه بها أكثر من مرّة. كنت أصرخ من الألم. بعد ذلك أجلسوني راكعاً على ركبتيّ وضغطوا رأسي إلى أسفل لكي أنحني. تقيأت مرّة أخرى، وعندئذٍ رفعوني بواسطة شدّي من الأصفاد من الخلف وسحبوني من هناك. شعرت أنّ كتفيّ يتمزّقان. أجبرني عناصر حرس الحدود على الجلوس بين سيّارتين وخفض رأسي إلى أسفل. عندئذٍ تقيأت مجدّداً فجرّوني من الأصفاد وسحبوني إلى مكان آخر في داخل موقف السيّارات.
الصورة
عناصر شرطة حرس الحدود يعتقلون محمد فتيحة. تصوير قناة الجزيرة
هناك أيضاً أجلسوني راكعاً على ركبتيّ وأجبروني على خفض رأسي. وضعوا علم إسرائيل قبالتي لبضع دقائق، وقال لي وأحد العناصر بالعبريّة، وأنا أفهمها: هذا لكي تتذكّر أهميّة هذا العلم. أكثر من مرّة طلبت أن يأتوني بماء لأشرب وفقط بعد مرور عدّة ساعات جلب لي شرطيّ بزيّ أزرق كأس ماء وساعدني على الشرب، إذ كانت يداي مكبّلتين إلى الخلف. طلبت أن يُرخوا الأصفاد قليلاً فما كان من عناصر حرس الحدود إلّا أن ضحكوا وشدّوها، وكلّما صرخت وطلبت أن يُرخوها قليلاً كانوا يشدّونها أكثر فأكثر.
بعد أن مضت نحو أربع ساعات جاء محامٍ، وفقط عندئذٍ أرخى عناصر الشرطة الأصفاد. أوضح لي المحامي حقوقي أثناء التحقيق، وبعد هذه المحادثة اقتادوني إلى التحقيق. اتّهمني المحقّق بالاعتداء على شرطيّ حرس حدود. قلت له إنّ من تعرّض للاعتداء هو أنا، وطلبت منه أن يفحص تسجيلات كاميرات الشرطة ووسائل الإعلام. تمّ التحقيق معي باللّغة العربيّة وقد استمرّ عشرين دقيقة. كان المحقّق يتحدّث معي بهدوء ولم يُمارس ضدّي أيّ عُنف. دفع والدي كفالة ماليّة ثمّ أخلوا سبيلي نحو التاسعة مساءً.
أخذني والدي إلى المستشفى الفرنسيّ وهناك تبيّنت لديّ كسور في العُنق فقال الأطبّاء إنّه يجب تحويلي إلى مستشفى المقاصد لإجراء صورة دقيقة. في مستشفى المقاصد تمّ تشخيص كُسور في الفقرتين الخامسة والسّابعة وكدمات في ظهري وذراعيّ ورجليّ. بتّ في المستشفى لمدّة ثلاثة أيّام. حاليّاً ما زلت أعاني من آلام ولا أستطيع العودة إلى عملي، وهذه مشكلة كبيرة لأنّني مهندس وعليّ التزامات نحو زبائني.
جنازة وليد الشريف (23 عاماً)، شرقيّ القدس، 16.5.22
الصورة
وليد الشريف. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في يوم الجمعة الموافق 22.4.22 انهار أحد سكّان شرقيّ القدس ويُدعى وليد الشريف (23 عاماً) خلال مواجهات مع عناصر الشرطة داخل باحات المسجد الأقصى. توفّي وليد في 14.5.22 وبعد يومين تمّ تشييع جثمانه. في البداية جرت طقوس الصّلاة عليه في المسجد الأقصى، ومن هناك انطلقت الجنازة - نحو السّاعة 21:00. عندما عبرت المجموعة الأولى التي كانت في مقدّمة الجنازة باب الزاهرة واجهت عناصر شرطة في الناحية الأخرى منه. هاجم العناصر المشاركين في الجنازة بالهراوات بعد أن رفع أحد المشيّعين علم فلسطين.
لم يعلم بقيّة المشيّعين الذين كانوا يحملون النعش وأولئك الذين كانوا يسيرون خلفهم ما جرى. واصل هؤلاء التقدّم نحو المقبرة، وأيضاً هاجمهم عناصر شرطة. في تسجيل فيديو يوثّق الأحداث يظهر عناصر حرس الحدود وهُم ينقضّون على جُمهور المشيّعين ضرباً بالهراوات. كذلك منع عناصر الشرطة جزءاً من المشيّعين من مواصلة السّير في الجنازة وأغلقوا الشارع المؤدّي إلى المقبرة. أطلق بعض الشباب المفرقعات ورشقوا العناصر بالحجارة – وهؤلاء بدورهم ضربوهم بالهراوات وألقوا قنابل غاز مسيل للدّموع وقنابل صوت، كما أطلقوا نحوهم الرّصاص الإسفنجيّ.
مراسيم الدّفن استمرّت في أثناء المواجهات، ولكن قبل أن شارفت على نهايتها - نحو السّاعة 22:00 - امتدّت المواجهات إلى داخل المقبرة. اقتحم عناصر الشرطة المقبرة، واندفعوا نحو الشباب الذين اشتبكوا معهم من قبل يُلقون نحوهم قنابل الصّوت ويُطلقون قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص الإسفنجيّ. أطلق بعض الشبّان ألعابًا نارية في الهواء. كذلك هاجم عناصر الشرطة المشاركين في مراسيم الدّفن. في تسجيل فيديو يظهر أربعة من المشاركين وبضمنهم نادر الشريف (47 عاماً) وهُم يُشيرون بأيديهم لعناصر الشرطة أنّ مراسيم الدّفن قد انتهت، وكان العناصر يقفون على بُعد نحو ثلاثين متراً منهم. في هذه اللّحظة أطلق العناصر رصاصة إسفنجيّة نحو نادر الشريف أصابته في عينه. فقد نادر عينه نتيجة لذلك. خلال الجنازة اعُتقل ما لا يقلّ عن عشرين شخصاً. وفقاً لمعطيات الصّليب الأحمر أصيب على الأقلّ 35 شخصاً بجُروح جرّاء الرّصاص الإسفنجي وقنابل الغاز.
استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري إلى إفادات من أشخاص اعتدى عليهم عناصر شرطة أثناء مشاركتهم في تشييع الجثمان.
من إفادة نائل الشريف (41 عاماً) نورد ما يلي - وهو أب لأربعة ويقيم في شرقيّ القدس:
سلّمت الشرطة الجثمان للعائلة قرب محطّة الشرطة في الشيخ جرّاح نحو السّاعة 20:00، ومن هناك نُقل الجثمان لتغسيله في مستشفى المقاصد ثمّ الصّلاة عليه في المسجد الأقصى. كانت قوّات الاحتلال منتشرة في الشوارع التي مرّت منها الجنازة. بعد الصّلاة سارت جنازة وليد عبر البلدة القديمة إلى باب الزاهرة، لكي تصل من هناك إلى مقبرة المجاهدين في شارع صلاح الدّين. عندما وصلنا إلى المنطقة، كانت قوّات الاحتلال منتشرة حول المخرج من البلدة القديمة والبريد المركزيّ ومنعوا المشيّعين من المُرور. تهيّأت مع أشخاص آخرين لنشكّل حاجزاً بشريّاً بين المشيّعين والقوّات، لكي لا يحدث اشتباك مباشر بين الطرفين.
فجأة ودون أيّ سبب واضح، بالنسبة إليّ، أخذت قوّات الاحتلال تُهاجم المشيّعين ضرباً بالهراوات وركلاً ودفعاً. تبعثر الحاجز البشريّ الذي أنشأناه - أنا وبقيّة الناس هربنا في اتّجاه المقبرة، حيث استمرّت مراسيم الجنازة هناك. عندما وصلت وجدت نادر، الذي يملك خبرة في إجراء طقوس الدّفن، قد أتمّ إرشاد الشباب كيف عليهم أن يسجّوا الشهيد وليد الشريف داخل القبر.
حين كنت واقفاً مع بقيّة من حضروا الجنازة سمعت صوت انفجار قنابل صوت مصدره شارع صلاح الدّين. طاردت قوّات الاحتلال الناس الذين حاولوا الوصول إلى المقبرة. لا أعلم لماذا حاولوا منعهم من المشاركة في الجنازة. حدثت جلبة كثيرة وإطلاق ألعاب نارية في محيط الموقع ولذا قرّرت الابتعاد عن القبر لكي أشاهد ما يجري. ذهبت إلى مدخل المقبرة. نادر وابني محمد (17 عاماً) وأناس آخرون ظلّوا قرب القبر.
تقريباً لم أرَ شيئاً. فقط سمعت انفجار رصاص إسفنجيّ وقنابل صوت. رأيت محمد يركض نحوي وهو يبكي ويصرخ. قال لي إنّ نادر أصيب بعينه. رأيت المسعفين يسحبون نادر، وقد كان الدّم ينزف من عينه اليسرى ومن فمه وأنفه. مدّدوه على الأرض قرب حاجز الشرطة. رافقت نادر في سيّارة الإسعاف وعندما وصلنا إلى مخرج شارع صلاح الدّين أوقفت الشرطة سيّارة الإسعاف ثلاث مرّات، وعوضاً عن الوصول إلى المستشفى خلال دقيقة واحدة استغرقنا ذلك عشر دقائق. عندما اعترضونا في المرّة الأولى صعدوا إلى سيّارة الإسعاف وصوّروا نادر. كان في داخلها أربعة جرحى آخرون لا أعرفهم.
في إفادته قال عبد الرحمن الشريف، شقيق وليد وهو أب لأربعة في الـ45 من عمره ويعمل حارساً في المسجد الأقصى:
الصورة
عبد الرحمن الشريف. تصوير: عامر عاروري, بتسيلم, 24.5.22
جرت مفاوضات مع السّلطات حول شروط تسليم الجثمان. اشترطوا تسليم الجثمان عند منتصف اللّيل وتحديد عدد المشاركين في تشييعه، ولكننّا رفضنا شروطهم. في نهاية المطاف تسلّمنا الجثمان في 16.5.22 عند السّاعة 19:30 من محطّة الشرطة في الشيخ جرّاح. الشرط الوحيد الذي أملوه كان عدم رفع أعلام فلسطين. لم يقيّدوا عدد المشاركين. طلبت الشرطة أن أنشر عبر وسائل التواصُل الاجتماعيّ فيديو أوضح فيه ما اتّفقنا عليه مع الشرطة. طلبت من عناصر الشرطة أن لا يقتربوا من مسار الجنازة لكي لا تحدث اشتباكات. نشرت الفيديو نُزولاً عند طلبهم.
تمّ تغسيل جثمان وليد في مستشفى المقاصد، ومن هناك نُقل في سيّارة إسعاف للصّلاة عليه في المسجد الأقصى. بعد الصّلاة تمّ تشييع جثمان وليد سيراً على الأقدام كما هي العادة. خرجنا من باب الملك فيصل، وهو أحد أبواب المسجد الأقصى، إلى باب الزاهرة القريب من مقبرة المجاهدين. فاجأني انتشار حشود كبيرة من قوّات "اليسام" هناك، وكانوا قد نصبوا حواجز في المنطقة. قمت مع شباب من العائلة بالاصطفاف كحاجز بشريّ لكي نمنع الاشتباك بين المشيّعين والقوّات. لكنّ الشرطة ولسبب لا أعرفه هاجمت المشيّعين بالهراوات. تفرّق الناس ولاذوا بالفرار. واصلت التقدّم نحو المقبرة مع مجموعة من الأشخاص ووصلنا إلى هناك خلال عشر دقائق.
الصورة
نادر الشريف قبل وبعد إصابته. الصورة قدمها نادر الشريف مشكورا
خلال مراسيم الدّفن سمعت انفجار مفرقعات وقنابل صوت وإطلاق رصاص إسفنجيّ - أعتقد أنّ الأصوات كانت آتية من خارج حدود المقبرة. كان قريبنا نادر الشريف (47 عاماً) يُشرف على مراسيم الدّفن. عندما انتهت المراسيم وأغلق القبر دخل عناصر قوّات "اليسام" إلى المقبرة وقد رأيتهم يُلقون قنابل الغاز. هربت، وعندئذٍ أصابتني في ظهري أربع رصاصات إسفنجية، قرب العمود الفقريّ. وقعت أرضاً. شعرت باختناق بسبب الغاز المسيل للدّموع. خشيت على حياتي فأنا أعاني من أمراض في القلب وقد أجريت لي قسطرة قبل ستّة أشهر. بعد مضيّ عشر دقائق أخذني بعض الأشخاص إلى بوّابة المقبرة، وهؤلاء قالوا لي إنّ نادر أصيب برصاصة في عينه. لم أشهد الإصابة ولكن قيل لي إنّها خطيرة وإنّ سيّارة إسعاف نقلته إلى المستشفى. أما أنا فتلقّيت إسعافاً أوّليّاً في الموقع.
نحو السّابعة والنصف من صباح يوم الأربعاء الموافق 1.6.22، في حاجز نُصب عند مدخل مخيّم العروب للّاجئين، أطلق جنديّ النار نحو امرأة من مخيّم العروب تدعى غفران وراسنة (30 عاماً)، بذريعة أنّها اقتربت من الحاجز ومعها سكّين. أصيبت غفران بجراح وفي المستشفى أعلن الأطبّاء وفاتها. نحو السّاعة 11:00 عاد أفراد من أسرتها ومعهم جثمانها إلى المخيّم لإجراء طقوس الوداع ومراسيم الدّفن.
عندما وصلوا إلى الحاجز رفض جنود وعناصر من شرطة حرس الحدود أن يسمحوا لهم بإدخال الجثمان وأمروهم أن يدفنوها "في مكان آخر". رغم ذلك حاول أفراد الأسرة الدّخول إلى المخيّم ومعهم الجثمان وعندئذٍ هاجمهم أفراد القوّات. ضمن ذلك انهالوا بالهراوات على من كانوا يحملون النقّالة، وألقوا نحو الأهالي قنابل صوت. بعد مضيّ بضع دقائق تمكّن الأهالي من إدخال جثمان غفران وراسنة إلى المخيّم واتّجهوا بها إلى منزل والديها. من هناك وبعد وداعها رافقها المشيّعون إلى مثواها الأخير في مقبرة المخيّم.
شقيق غفران، أحمد وراسنة (32 عاماً) يحدّث أدناه كيف هاجمه الجنود وعناصر الشرطة - من إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري:
في يوم الأربعاء الموافق 1.6.22 أيقظني رنين الهاتف نحو السّاعة 7:30. كان ذلك شخص من أهالي المخيّم، وقد أخبرني أنّ جنود الاحتلال أطلقوا النار على شقيقتي غفران عند مدخل المخيّم. في ذلك اليوم بدأت غفران أوّل أيّام عملها في الخليل. منذ العام 2014 تخرّجت من كلّية الصحافة والإعلام في جامعة الخليل.
صعدت فوراً إلى سيّارة تاكسي توقّفت على بُعد مئة متر من الحاجز. ركضت إحدى جاراتنا نحوي وهي تبكي وتقول لي: "الجيش طخّ أختك". ركضت إلى هناك وشاهدت شبّاناً ينقلون غفران إلى سيّارة إسعاف. قدّم لها الطاقم الإسعاف الأوّلي. كان دمها يغطّي مقاعد سيّارة الإسعاف. رأيت دمها ينزل من تحت إبطيها، من اليمين واليسار. صعدت إلى سيّارة الإسعاف وانطلقت هذه إلى المستشفى الأهلي في الخليل. أدخلوها فوراً إلى غرفة العمليّات. أخرجونا من الغرفة، وبعد مضيّ نحو رُبع ساعة خرج الاطبّاء وأخبرونا أنّ شقيقتي استُشهدت.
نحو السّاعة 11:00 أخذنا جثمان غفران من المستشفى، أنا وعدد من أفراد العائلة، وعُدنا بها إلى المخيّم. وصلنا إلى مدخل العروب نحو السّاعة 11:30. كان المدخل مغلقاً وحشد كبير من الجنود وعناصر حرس الحدود تواجد هناك. طلبنا منهم أن يفتحوا البوّابة لكي تتمكّن سيّارة الإسعاف من الدخول، لكنّهم رفضوا واصطفّوا أمامنا مثل جدار. طلب بعض البالغين من الضابط أن يسمح لنا بإدخال غفران لكنّه رفض. قال إنّ علينا أن ندفنها في مكان آخر.
غضبت جدّاً. جمعت بضعة شبّان وحملنا على أكتافنا النقّالة وجثمان غفران مسجّىً عليها ومشينا نحو مدخل المخيّم. عندئذٍ هجم الجنود وعناصر الشرطة علينا يضربوننا ويُلقون قنابل الصّوت. خفت أن تقع النقّالة من أيدينا. إحدى قنابل الصّوت انفجرت تحت رجليّ وأصابتني شظاياها.
رغم عُنف الجنود وعناصر الشرطة واصلنا الإصرار على إدخال غفران إلى المخيّم وتمكّنا من عُبور الحاجز. كنّا تقريباً 25 شابّاً - بعضنا يحمل النقّالة والبقيّة يحمونها. في الجانب الآخر من الحاجز كانت تنتظرنا سيّارة إسعاف قامت بنقل جثمان شقيقتي إلى المنزل، وبعد ذلك ودّعناها ودفنّاها.
جنازة نايفة الطوس (70 عاماً)، بيت أمّر، 1.7.22
في 1.7.22 توفّيت نايفة الطوس عن عمر ناهز الـ70 عاماً، وهي شقيقة الأسير محمد الطوس. نحو السّاعة 13:00، بعد الصّلاة عليها، خرجت جنازتها في طريقها إلى مقبرة بيت أمّر. عند مخرج القرية وحين مرّ المشيّعون قرب الحاجز وبرج المراقبة العسكريّ حاول الجنود أن يوقفوا الجنازة وأمروا المشيّعين أن يسيروا من طريق أخرى تشمل صعوداً وليست مستوية كما الشارع الرئيسيّ (60).
رفض عشرات المشيّعين الانصياع فهجم عليهم الجنود يدفعونهم ويُصوّبون أسلحتهم نحوهم ويُطلقون الرّصاص في الهواء، كما ألقوا نحوهم قنابل صوت وحاولوا أن يوقعوا الجثمان.
أدناه يحدّث أحد المشيّعين عن العُنف الذي تعرّض له مع مشيّعين آخرين أثناء تشييع جنازة نايفة الطوس - من إفادة أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة منال الجعبري في 3.7.22:
نايفة الطوس. الصورة قدمتها العائلة مشكورة
في يوم الجمعة الموافق 1.7.2022، بعد أن أتممنا أداء صلاة الجنازة في المسجد الكبير وسط قرية بيت أمّر، خرجنا في جنازة قريبتنا نايفة الطوس. انطلقت الجنازة نحو السّاعة 13:00 في طريقها إلى مقبرة بيت أمّر حيث ستتمّ مراسيم الدّفن. عندما وصلنا إلى البرج العسكريّ المنصوب عند مدخل بيت أمّر خرج إلينا نحو 15 جنديّاً من الجيش الإسرائيليّ يأمروننا أن نعود أدراجنا ونذهب إلى المقبرة عبر شارع آخر - هو طريق منحدر وشاقّ. كان الجثمان ثقيلاً ويصعب الصّعود به في ذلك الشارع. الذهاب عبر الشارع الرئيسيّ كان أسهل بكثير.
كان عدد المشيّعين نحو 200 شخص وقد انقسموا إلى مجموعتين. البالغون ذهبوا صعوداً في الشارع الآخر المؤدّي إلى المقبرة، والبقيّة - نحو 50 شابّاً - حملوا النقّالة وأصرّوا على الذهاب عبر الشارع الرّئيسيّ من جوار محطّة الوقود، حيث الطريق مستوية وأقصر نسبيّاً. مشى جزءٌ من الشبان، وكان نحو ثمانية منهم يحملون النعش، فيما حاولت البقيّة إبعاد الجنود عن الطريق. بعضُهم أوضح للجنود أنّ النعش ثقيل ومن الصّعب جدّاً حمله في الطريق الصّاعدة، لكنّ الجنود لم يأبهوا ولم يُصغوا. عوضاً عن ذلك انقضّوا على المشيّعين دفعاً وركلاً، كما وحاولوا أن يوقعوا النعش من أيدي الشبان. كذلك أطلقوا النار في الهواء والرّصاص الإسفنجيّ، وألقوا قنابل الصوت. أصيب عدد من الأشخاص بالرّصاص الإسفنجيّ. استمرّ عُدوان الجنود طيلة 20 دقيقة، ولكن رغم عُنفهم تمكّنا من الوصول بجثمان نايفة الطوس إلى المقبرة، وقد كانت محاطة بعشرات الجنود.