قطاع غزة

وَلا بالأفراح: تقرير جديد يوثق المسّ بالعائلات الفلسطينية المقسومة بين غزة والضفة

تُلحق سياسة إسرائيل المعلنة بعزل قطاع غزة مسًا جسيمًا بحقوق أفراد عائلات من عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يعيشون في عائلات مقسومة بين قطاع غزة وبين إسرائيل والضفة الغربية. هذا ما يتضح من تقرير جديد صادر عن مكتب الدفاع عن الفرد "هموكيد" ومنظمة بتسيلم. التقرير المُعنوَن ما وراء الظلمات، والمنشور اليوم الاثنين (20 كانون الثاني)، يتناول القيود التي تفرضها إسرائيل على العبور إلى قطاع غزة ومنه وكيف يؤدّي إلى الفصل بين أفراد العائلة ويفرض على الزوجين اللذين أحدهما من سكان القطاع، حياة خاضعة لسلسلة من القيود البيروقراطية، من دون أيّ إمكانية لإدارة حياة أسرية معقولة.

العبور اليوم من الضفة الغربية إلى قطاع غزة محدود باتجاه واحد: الجيش يوافق على الانتقال من الضفة إلى غزة فقط –وذلك بعد التزام "بالاستقرار" في القطاع- فيما تُرفض في الغالب طلبات العبور إلى الضفة الغربية. ولا يُسمح بإجراء الزيارات إلا في الحالات ذات الحاجات "الإنسانية" الاستثنائية، يتصف قسم كبير منها بالظروف المأساوية. علاقة الزواج لا تُعتبر سببًا كافيًا لمثل هذه الزيارات. فمواطنات إسرائيليات ونساء من سكان القدس الشرقية اللواتي تزوّجن سكانًا من القطاع ملزمات بالاختيار بين إمكانية الانتقال للسكن في القطاع أو الاكتفاء بزيارات الزوج. وفي كلّ الأحوال تسير حياتهنّ وفق "إجراء العائلات المقسومة"، والمنوط بصعوبات بيروقراطية وبحالات فراق قهرية عن عائلاتهن في القطاع.

وعمومًا، يقبل قضاة المحكمة العليا بموقف الدولة في كلّ ما يخص القيود التي تفرضها السلطات على حقوق سكان القطاع بالحياة الأسرية. ومع هذا، فإنّ بوسع تقديم التماس للمحكمة العليا أن يساعد على حلّ مشاكل بيروقراطية في الحالات القليلة التي يستوفي فيها الناس المعايير الصارمة التي وضعتها إسرائيل.

ترد في التقرير شهادات فلسطينيين أضرّت بهم سياسة الفصل. وتحدثت نجاح حمدان التي تعيش في بيت لحم عن مشاعرها بعد وفاة أمها في غزة من دون أن تسنح لها إمكانية زيارتها: لم تسنح لي فرصة رؤيتها ووداعها. قام أخوتي بتصوير أمي في المستشفى. رأيت التسجيل وكان ذلك من أصعب الأمور التي شاهدتها في حياتي. شعرت بالمرارة والحزن. كم من الصعب رؤية الأم وهي تحتضر وأنت لست إلى جانبها ولا تمسكين يدها وتودعينها. لا يوجد ما هو أصعب من هذا الألم. كيف يمكن أن تسلب المرء قدرته على رؤية أبيه وأمه ووداعهما أثناء مرضهما؟ لقد انكسر شيء في داخلي".

فاطمة أبو عيسى من سكان جنين، تعيش ابنتها نبال في قطاع غزة منذ قرابة العشرين عامًا، تحدثت عن الصعوبة الهائلة التي تنشأ عن الفصل القائم بينها وبين ابنتها المقيمة في قطاع غزة: "أنا أصلي كي لا أموت قبل أن أستطيع رؤية نبال وأبنائها وزوجها هنا في بيتي. لا أريد أن تأتي نبال للتعزية عند وفاتي، ولا أريد أن تكون زيارات نبال إلى جنين أثناء الجنازات فقط". تدعو منظمة بتسيلم و"هموكيد" لحماية الفرد إسرائيلَ لاحترام حقوق جميع السكان الفلسطينيين بحياة أسريّة وحرية الحركة والسماح لهم باختيار أماكن سكناهم. عندما يكون الزوج من سكان الضفة الغربية، يجب السماح للزوج الآخر بالعبور بحرية، وبما يخضع للفحوصات الأمنية العينية، بين قطاع غزة وبين الضفة الغربية، اللتين تشكلان وحدة جغرافية واحدة؛ على إسرائيل أن تسمح أيضًا لسكان قطاع غزة الذين تزوجوا من سكان القدس الشرقية ومواطني إسرائيل بالسكن فيهما مع الأزواج. كما على إسرائيل السماح بوجود علاقات أسرية منتظمة بين سكان قطاع غزة وأقربائهم في إسرائيل والقدس الشرقية والضفة الغربية.

خلاصة التقرير

العائلات المقسومة بين قطاع غزة والضفة الغربية

تحظر إسرائيل العبور بين القطاع وبين الضفة، باستثناء الحالات الإنسانية الاستثنائية والمحدودة جدًا، والتي تشمل الأمراض الصعبة وموت أو زفاف أحد الأقرباء من الدرجة الأولى. وحتى في هذه الحالات لا تُقبل جميع الطلبات، وفي أحيان أخرى يرد الردّ بتأخير كبير لدرجة أنه يصبح بلا فائدة، مثلما في الحالات التي يتعلق بها الطلب بزيارة قريب موجود في المستشفى أو للمشاركة في زفاف أو جنازة. الزفاف لا يُعتبر ظرفًا يستحق منح تصريح للانتقال من القطاع إلى الضفة، وفي الغالب فإنّ الدولة لا تسمح بتغيير العنوان في بطاقات الهوية من القطاع إلى الضفة الغربية، حتى حين يكون الانتقال قد جرى قبل ذلك بسنوات طويلة. وبفضل تدخل المحكمة العليا، توقفت السلطات عن طرد كلّ من انتقل إلى الضفة قبل عام 2005 إلى قطاع غزة.

عائلات مقسومة بين قطاع غزة وإسرائيل

يحظر قرار الحكومة الصادر عام 2008 لمّ شمل سكان غزة مع أزواجهم(ن) في إسرائيل، وهو بهذا يفرض على الزوجين العيش في القطاع أو العيش كلٌ على حدة والاكتفاء بزيارات الزوج(ة) الحامل للهوية الإسرائيلية إلى القطاع. ويجري تنظيم حياة هؤلاء الأزواج عبر "إجراء العائلات المقسومة" الذي يسمح للزوج الإسرائيلي بالبقاء مع الزوج(ة) في القطاع لغرض السكن أو في إطار الزيارة، وذلك بما يخضع لتجديد تصريح الإقامة في القطاع مرة كلّ نصف سنة.

ووفق المعطيات الرسمية، يوجد اليوم قرابة 425 إسرائيليًا –مواطنين ومقيمين- متزوجين بسكان من قطاع غزة حيث أن غالبيتهن من النساء، قرابة 340 امرأة منهنّ يحصلن على تصاريح على أساس دائم وذلك وفق الإجراء المتبع. ومع أنّ هؤلاء النساء يستطعن الخروج من القطاع كما يرغبن، إلا أنّ العودة إليه مَنوطة بتقديم طلب أثناء مكوثهنّ في إسرائيل. ويمكن أن تستغرق عملية المصادقة على الطلب أسابيعَ طويلة. ولذلك، تضطرّ الكثير من النساء البقاء في إسرائيل لفترة طويلة تزيد عن المخطط –وهُنّ منقطعات عن أزواجهنّ وأبنائهنّ الذين بقوا في القطاع- وذلك خلافًا لرغبتهنّ ومن دون أن يكُنّ على دراية بموعد عودتهنّ إلى بيوتهنّ.

تأثير السياسة الإسرائيلية على النساء

من المُتبع في المجتمع الفلسطينيّ المحافظ أن تنتقل الزوجة للسكن مع عائلة الزوج، ولذلك فإنّ الأحكام التي وضعتها إسرائيل تمسّ بالنساء أساسًا: النساء من سكان القطاع اللواتي تزوّجن رجالا من سكان الضفة يضطررنَ لترك عائلاتهنّ وبيئتهنّ المألوفة، من دون أيّ إمكانية لزيارة القطاع، إلا في الحالات بالغة الاستثناء. وأولئك اللواتي لم ينجحنَ بتعديل عناوينهنّ يتعرّضنَ لخطر دائم بطردهنّ من بيوتهنّ وفصلهنّ عن أولادهنّ. كما أنّ وضعية النساء من سكان الضفة الغربية اللواتي تزوّجن رجالا من سكان القطاع شبيهة بذلك، باستثناء حقيقة أنّ إسرائيل تسمح لهنّ بتعديل عناوينهنّ. كما أنّ وضع النساء صاحبات المكانة الحساسة، كالمطلقات والأرامل، هو وضع إشكالي جدًا في ضوء السياسة التقييدية التي تفرضها إسرائيل.

ويجب على المواطنات الإسرائيليات والنساء من القدس الشرقية المتزوّجات برجال من سكان القطاع واللواتي يرغبنَ بالعيش مع أزواجهنّ، أن ينتقلنَ للسكن في القطاع من أجل تحقيق هذه الغاية. كلّ زيارة للعائلة الأم تُلزمهنّ بالإقامة الجبرية اللازمة لتجديد التصريح، من خلال فصلهنّ عن أزواجهنّ وأبنائهنّ في القطاع.

انتقاد موقف الدولة

تقول السلطات الإسرائيلية إنّ الحق في الحياة الأُسريّة لا يشمل حقّ الزوجيْن باختيار مكان سكنهما، وإنّ هذا القرار يتبع لها هي. كما أنّ الدولة لا تحترم خيارهم في مكان سكناهم إلا إذا قرّرا العيش سوية في قطاع غزة. ويستند هذا الإدراك –وفق ادعاء الدولة- على صلاحيتها المطلقة للبتّ في مسألة من يحقّ له الدخول في نطاقها، وعلى الاعتبارات الأمنية. إلا أنّ حقيقة سماح إسرائيل للراغبين بنقل مكان سكنهم من الضفة إلى القطاع لغرض لمّ الشمل مع الزوج بفعل ذلك من دون أيّ صعوبة، تشكّك في الادعاء الأمنيّ وتثير الشكّ في أنّ الاعتبارات المعلنة تهدف للتستّر على اعتبارات ديمغرافية مرفوضة. وفي غياب تبرير عينيّ لمثل هذا المسّ الشديد بحقوق أساسية، فإنّ هذه السياسة تشكّل انتهاكًا لواجبات إسرائيل أمام القانون الدوليّ.

مواد مقترحة

משפחת אבו סאע בימים יפים יותר. התמונה באדיבות המשפחה

قطاع غزة

في عزلة قاسية: نساء قطاع غزة المتزوجات من سكان الضفة يُجبَرن على تربية أولادهنّ بمفردهنّ

يمنع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي آلاف العائلات الفلسطينية التي يكون أحد الزوجين فيها من سكان قطاع غزة والآخر من سكان الضفة الغربية من العيش معاً كعائلة في الضفة الغربية ويجبرها على اختيار أحد خيارين لا يمكن احتمالهما: إما العيش معاً في قطاع غزة - في انقطاع عن الأسرة التي بقيت في الضفة الغربية ومواجهة الظروف المعيشية القاسية في قطاع غزة وصعوبة كسب العيش ـ وإمّا العيش بشكل منفصل بحيث يضطر أحد الزوجين لتربية الأطفال لوحده. هذه السياسة هي جزء من سياسة عزل قطاع غزة التي يطبقها النظام منذ التسعينات. وقد تم تشديد هذه التقييدات مع بدء الانتفاضة الثانية في أيلول 2000 ثم بلغت ذروتها في العام 2007 عندما فرضت إسرائيل الحصار على قطاع غزة وسجنت سكانه في داخله. فقط في حالات نادرة واستثنائية، تعرّفها إسرائيل بأنها "حالات إنسانية"، تسمح إسرائيل للسكان بالخروج من القطاع، فيما يُعتبر أي تصريح كهذا وكأنه مِنّة وليس حقاً مشروعاً لهم. وقد ادعت إسرائيل ـ وتبنت المحكمة العليا الإسرائيلية هذا الادعاء وأسبغت عليه الشرعية القانونية ـ بأنّ الزواج بشكل عام ليس مبرراً لمنح تصريح بالعبور ما بين القطاع والضفة. يؤكد هذا الواقع أن لا أساس من الصحة مطلقاً للادعاء الإسرائيلي القائل بأنه منذ خطة فك الارتباط بالقطاع في العام 2005 لم تعد تتحمل أية مسؤولية عن سكانه. فمن خلال سيطرتها المطلقة تقريباً على جميع المعابر -في الضفة والقطاع – وعلى سجل السكان الفلسطيني، تملي إسرائيل على الرعايا الفلسطينيين كيف تكون حياتهم اليومية وتتدخل في علاقاتهم الأساسية جداً: العلاقات ما بين الزوجة وزوجها وما بين الوالدين وأولادهما وما بين أفراد العائلة الموسعة. المتضررات الأساسيات من هذه السياسة الإسرائيلية هن النساء من سكان قطاع غزة اللواتي تزوجن من رجال من سكان الضفة الغربية. فقد بقين هناك يربين أولادهن لوحدهن في الظروف المعيشية القاسية في القطاع ودون أية بارقة أمل بينما الغموض يلف مستقبلهن. وقد جمعت بتسيلم شهادات عدد من النساء اللواتي فُرض عليهن هذ الواقع. ياسمين عبد الباسط (35 عاماً) من سكان مدينة غزة تسكن مع أولادها الأربعة في القطاع بينما يعيش زوجها في الضفة الغربية. في 6.9.22 روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة عن الرفض المتكرر لطلباتها من أجل الحصول على تصريح بالانتقال إلى الضفة كي يتمكنوا من العيش سوية كعائلة: أتيت مع عائلتي من السعودية إلى قطاع غزة عام 1994. في العام 2009 تزوجت من زوجي محمد علي عبد الباسط (37 عاماً) وهو من عزون عتمة في الأصل، م في منطقة قلقيلية ويحمل بطاقة هوية الضفة الغربية. عشية عقد قراننا دخل إلى قطاع غزة عبر معبر رفح لوحده ودون أن يرافقه أحد من أبناء عائلته في الضفة الغربية. أقمنا في قطاع غزة حتى العام 2016 وخلال تلك الفترة رُزقنا بثلاثة أبناء: عبد الكريم (12 عاماً) وعلي (10 سنوات)وعمرو (8 سنوات). كان زوجي يعمل آنذاك في متاجر لبيع الكتب وفي مشاغل للزجاج. في آذار 2016 أصيب والده بمرض وتردت حالته الصحية فقدم طلبات للحصول على تصاريح لي ولأبنائنا الثلاثة للانتقال إلى الضفة. تمت الموافقة على هذه الطلبات، لكن حين وصلنا مع أبنائنا إلى معبر "إيرز" في الشهر ذاته، انتظرنا أربع ساعات ثم أبلغونا بأن طلبي مرفوض ولن أستطيع العبور، دون أن يقدموا لنا أية تعليلات أو تسويغات. في نهاية الأمر، عبر زوجي الحاجز سوية مع ابنينا عبد الكريم وعلي. لم أوافق على أن يأخذ معه عمرو أيضاً، لأنه كان لا يزال يرضع منّي ولذلك بقي معي. كان فظيعاً أن أفارق ابنيّ الاثنين. أصابني انهيار. خفتُ ألا أراهما بعد ذاك. تمنيت أن أخرج من القطاع مع زوجي وأبنائي، لكن ذلك لم يحصل ولم أر إلا السواد. عدنا أنا وعمرو إلى منزل عائلتي. لم أتوقف عن البكاء ولم أستطع تناول الطعام طوال بضعة أيام. شعرت بأننا عبء على العائلة فقد كان الاكتظاظ شديداً في المنزل. بعد مغادرة زوجي بثلاثة أسابيع مرض علي. أصيب بتلوث في الحلق ورقد في المستشفى في قلقيلية طوال عشرة أيام. طلبت من زوجي أن يرسلوا إليّ التقارير الطبية عن حالته وقدمت طلباً للحصول على تصريح بالعبور إلى الضفة لكي أكون بجانب علي، لكنني لم أتلق أي رد على طلبي. قدم زوجي عدة طلبات من أجلي كي أتمكن من الوصل إلى الضفة لكن إسرائيل رفضتها كلها. وبعد نحو شهرين في أيار 2016 عاد زوجي إلى القطاع سوية مع عبد الكريم وعلي عبر معبر "إيرز". أقمنا جميعاً معاً في شقة مستأجرة. اشترينا الأثاث والأدوات الكهربائية أيضاً وعاد زوجي إلى العمل في معمل للزجاج. في 20.2.21 وُلد ابننا عز الدين. في تشرين الأول 2021 تدهورت حالة والد زوجي الصحية وأصبح يعاني من شلل تامّ في جسمه كله فقدم زوجي طلباً جديداً للحصول على تصريح له هو فقط كي يتمكن من زيارة والده. حصل على التصريح وسافر إلى الضفة. بعد نحو شهر في تشرين الثاني 2021 جدد بطاقة هويته وقدم طلباً لتغيير عنوان الإقامة، لي ولأبنائنا أيضاً، لكننا لم نحصل على موافقة حتى الآن. زوجي موجود الآن في الضفة ويتولى رعاية والده هو وشقيقه بينما أعيش أنا في القطاع مع أبنائنا الأربعة. أعاني جداً من تمزق عائلتنا. ابني عبد الكريم في سن المراهقة ومن الصعب جداً عليّ تدبر أموره وحدي. يشعر بأنه أصبح إنساناً بالغاً ولا ينصت إليّ ويشكو من غياب والده. إنه يعاني من مشكلة في طبلة الأذن اليسرى ويحتاج إلى متابعة طبية دائمة ولذا، فأنا أصطحبه إلى الفحص مرة كل شهر. لاحظتُ أن لديه حركات لا إرادية في الوجه وحين أسأله عن ذلك يقول إن السبب هو الإرهاق والاشتياق لوالده. عندما يتحدث عمرو مع والده هاتفياً يكون غاضباً وأحياناً يقول له إنه يكرهه لأنه ابتعد وهجرنا، لكنه يواصل السؤال متى سيأخذنا معه إلى الضفة. عندما عاد زوجي في حينه إلى الضفة، كان ابننا عز الدين في سن ثمانية أشهر فقط لذا فهو لا يعرف والده. في الأسبوع القادم من المفترض أن آخذه لإجراء عملية في الخصيتين في مستشفى الشفاء. من الصعب عليّ تحمل مسؤولية كل شيء لوحدي، بينما من المفترض أن يكون والدهم إلى جانبي وأن يساعدني على حمل العبء وتربية أبنائنا. أنا أفعل كل ما أستطيع لتوفير احتياجات أبنائي رغم أن مطالبهم تزداد يوماً بعد يوم. وضعنا الاقتصادي صعب. أعمل موظفة مكتبة وزوجي يرسل إلينا أيضاً مبلغاً من المال كل شهر من الضفة، لكن هذا لا يكفي. والدي الذي يعتاش من مساعدات وزارة الرفاه لا يستطيع مساعدتنا. سجلت الأولاد في نادٍ لكرة القدم في الصيف لكن لم يكن بإمكانهم الاستمرار هناك لعدم قدرتي على توفير المال اللازم. في تموز 2022 سمعت أنّ إسرائيل وافقت على طلبات لتصاريح من أجل زيارات الأقارب في الضفة فتقدمت بطلب لدى دائرة الشؤون المدنية في غزة، لكنني لم أتلق أي رد حتى الآن. أتابع الأخبار كل الوقت لمعرفة ما إذا كان بإمكاني تقديم طلب لتغيير عنوان إقامتنا. ما زلت آمل أن ذلك ممكن. منى الأسطل (36 عاماً)، من سكان خانيونس وهي أم لأربعة، روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة يوم 6.6.22 عن مشقة تربية أولادها لوحدها بينما زوجها في الضفة الغربية وإسرائيل ترفض السماح لأبناء العائلة بالانضمام إليه. أنا وزوجي رياض (47 عاماً) تزوجنا سنة 2004 في غزة. رياض يحمل بطاقة هوية الضفة الغربية وبعد زواجنا بقليل عاد إلى الضفة وبدأ العمل في إسرائيل بينما بقيت أنا في القطاع. استطاع أن يزورنا هنا في القطاع مرات قليلة، عبر معبر "إيرز" أحياناً وعبر معبر رفح أحياناً أخرى. خلال سنتين متواصلتين لم يزرنا إطلاقاً والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت قبل سنة. قبل 12 سنة تقريباً قدم زوجي طلبات لي ولأولادنا الأربعة الذين ولدوا جميعاً في غزة لتغيير عنوان إقامتنا وجعله في قلقيلية. قبل عشرة أشهر في تشرين الأول 2020 حصلنا على ردود إيجابية. بكيت كثيراً من الفرحة وصليت وشكرت ربي. أرسلت إلى زوجي بطاقة هويتي القديمة كي يذهب إلى وزارة الداخلية في قلقيلية ويقوم بتغيير عنوان الإقامة، لكنهم هناك غيروا العنوان لاثنين فقط من أولادنا الأربعة ـ لعبد الجواد (15 عاماً) ولديما (12 عاماً). أما محمد (الذي كان في سن ثلاث سنوات) ومرام (التي تجاوزت سن الـ 16 عاماً ببضعة أشهر) فلم يغيروا عنوان إقامتهما. تلاشت فرحتي كلها في لحظة واحدة. بعد حوالي ثمانية أشهر سجلوا محمد في بطاقة هويتي أنا، لكنهم لم يضيفوا مرام إليها حتى الآن، بالرغم من أنني ووالدها وجميع إخوتها مسجلون في قلقيلية. قبل سبعة أشهر تقريباً، كنت ملزمة باستصدار بطاقة هوية جديدة لمرام، وفيها عنوان الإقامة هو غزة. بعد ذلك مباشرة قدم والدها طلباً إضافياً لتغيير عنوانها إلى قلقيلية. طالما لم تحصل على موافقة على تغيير العنوان، سنبقى أنا والأولاد في القطاع مفصولين عن زوجي لأنني لا أستطيع ترك مرام في غزة وحدها. ابننا الأصغر محمد أصبح في الرابعة من العمر ولا يعرف والده، بل ينادي عمه، شقيق زوجي، بـ "بابا". أما مرام فقد أصبحت شديدة الحساسية وتبكي كلما رأت أصدقاءها برفقة والديهم. ابنتها مرام (16 عاماً) روت في إفادتها عن الشرخ الذي تعيشه عائلتها: فقط والدتي وإخوتي حصلوا على موافقة لتغيير عنوان إقامتهم إلى قلقيلية حيث يقيم أبي منذ فترة طويلة. فقد رفض الاحتلال الإسرائيلي أن أنتقل معهم وأنا الوحيدة التي بقي عنوان إقامتها في غزة. والدي يقيم على بعد عدة كيلومترات عن غزة وفقط بسبب حاجز، لا أستطيع الوصول إليه. أنا لست مخرّبة، كل ما أريده هو العيش مع عائلتي معاً. هذا حقي ـالانتقال بين كل المدن الفلسطينية دون أية عوائق والوصول إليه. لم أعد أذكر متى كانت المرة الأخيرة التي استيقظت فيها من نومي واحتضنت والدي مثل الأولاد الآخرين. ولا أذكر أيضاً شهر رمضان الأخير الذي جلس فيه والدي معنا على مائدة الإفطار. لا أراه سوى عبر شاشة الهاتف فقط وهذا صعب علي بصورة فظيعة، لأن هذا ليس هو الواقع. ليتني أنجح في الحصول على الموافقة ونتمكن كلنا من الانتقال للعيش سوية. حنان أبو صاع (34 عاماً)، من سكان غزة، عاشت مع زوجها أولادهما الثلاثة في دولة الإمارات العربية المتحدة سبع سنوات. خلال جائحة كورونا فُصل زوجها من عمله فاضطروا إلى العودة إلى المناطق المحتلة - هو إلى طولكرم وهي إلى غزة مع أولادها. في 5.6.22 روت لباحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة عن الصعوبة في تربية الأولاد بدون والدهم وعن رفض إسرائيل الموافقة على طلباتهم للم شمل العائلة: تعرفت على زوجي أيمن (34 عاماً) في دولة الإمارات العربية المتحدة وتزوجنا هناك. أقمنا هناك حتى سنة 2019 مع أولادنا الثلاثة الذين وُلدوا هناك: جود (9 سنوات) وأحمد (7 سنوات) وورد (5 سنوات). عندما بدأت جائحة كورونا بدأت المشاكل في مكان عمل زوجي الذي كان يعمل مهندساً كهربائياً ثم في نهاية الأمر فُصل من عمله. عدنا أنا والأولاد للسكن في القطاع بينما عاد زوجي للسكن في طولكرم، حيث وُلد وحيث تقيم عائلته. هكذا بدأ الشرخ في عائلتنا. عثر زوجي على عمل هناك وبات يسكن بالإيجار مع شركاء لتوفير المصروفات. وهو يرسل إلينا نصف راتبه الشهري تقريباً. المرة الأخيرة التي التقينا فيها كانت في تشرين الأول 2019 حين سافرت مع الأولاد للالتقاء به في تركيا. ورد التي كانت آنذاك في سن سنتين فقط صرخت من الفرحة عندما رأت والدها في المطار. قضينا هناك معاً ثلاثة أشهر عدت بعدها مع الأولاد إلى غزة بينما عاد زوجي إلى طولكرم. كان السفر مع الأولاد صعباً جداً، وخصوصاً في معبر رفح. أحمد يستعيد ذكريات الفترة التي قضاها مع والده طيلة الوقت ويقول إنه لا يريد أي شيء سوى والده. أذكر ليلة سقطت فيها ورد وأصيبت في رأسها وكنت مضطرة إلى نقلها إلى المستشفى فأبقيت جود وأحمد اللذين كانا صغيرين جداً في المنزل لوحدهما. من الصعب عليّ جداً تربية أولادي والاعتناء بهم لوحدي بدون زوجي، وخاصة في هذه الأيام التي يعاني فيها جود من تلوث في الغدة الدرقية، تحتاج إلى عملية جراحية لاستئصال ورم على رقبتها. أخاف كثيراً من المسؤولية والموافقة على إجراء هذه العملية الجراحية وحدي بدون زوجي، لأنها عملية من الممكن أن تشكل خطراً على حياتها حسبما يقول الأطباء. عائلتنا مفككة. الأولاد يعانون بسبب غياب والدهم وأحاول أنا الاتصال به حين تتوفر الإمكانية من حيث الإرسال. أحياناً يصل زوجي إلى مسافة تبعد بعض الكيلومترات عن قطاع غزة ويتصل ليقول إنه قريب وهو ما يجعلني أبكي، بسبب معرفة أنه قريب جداً لكننا لا نستطيع رؤيته. أعرف أن عائلته في طولكرم تسبب له المشاكل أيضاً بسبب الشرخ بيننا وأخشى أن نضطر في نهاية المطاف إلى الطلاق دون أن نجد حلاً. لأنني أعيش لوحدي، فدائماً ما يصر الناس على مراقبتي وتفحص سلوكي كل الوقت. بسبب العقلية السائدة في القطاع، من الصعب أن أكون مستقلة وأحياناً أضطر حتى إلى العودة إلى المنزل قبل حلول الظلام، حتى لو لم أتمكن من إنجاز كل ما أريد إنجازه من أعمال وترتيبات. مرت سنتان تقريباً منذ المرة الأخيرة التي قدم فيها زوجي طلباً لتغيير عنوان الإقامة لي وللأولاد، لكننا لم نتلق أي رد حتى الآن. تحديث: حنان أبو صاع سافرت مع أولادها إلى مصر على أمل الوصول إلى الأردن ومن هناك إلى الضفة الغربية لكن بعد طريق شاقة ـ كما قالت ـ ومصاعب عديدة، رفضت السلطات الأردنية السماح لها ولأولادها بالدخول إلى المملكة مما اضرهم إلى العودة من حيث أتوا. مروة أبو حمادة (37 عاماً) أم لثلاثة أبناء. في العام 2019 تزوجت للمرة الثانية في القاهرة من شخص من سكان بيت لحم وعاشت معه في الضفة لمدة سنتين، دون أن تكون لديها مكانة قانونية وفي حالة من الخوف الدائم من طردها هي وابنتها الطفلة التي كانت قد وُلدت هناك. عندما مرض والدها عادت إلى غزة لكن إسرائيل رفضت جميع طلباتها للعودة إلى الضفة وخلال أكثر من سنة كانت هي وطفلتها مفصولتين عن زوجها. روت أبو حمادة لباحثة بتسيلم الميدانية ألفت الكرد يوم 26.7.22، قبل الموافقة على طلبها بالعودة إلى الضفة، عن الصعوبات التي واجهتها وعن الغموض الذي اكتنف حياتها: أنا وزوجي محمد الشاعر (52 عاماً) من سكان بيت لحم تعرفنا على بعضنا في جامعة القاهرة سنة 2017 حيث أنهينا الدراسة لشهادة الدكتوراة في السنة نفسها. بعد سنتين تزوجنا في مصر. كنا نريد العودة إلى الضفة لكن الحصول على تصريح بالدخول كان معقداً لأنني مسجلة من سكان غزة. في النهاية نجحنا في الحصول على التصريح ودخلنا عبر جسر اللنبي في 28.8.2019. وصلنا إلى بيت لحم وفي 9.10.19 قدمنا طلباً لتغيير عنوان إقامتي من غزة إلى بيت لحم لكنهم لم يوافقوا على هذا الطلب حتى يومنا هذا. أقمنا في بيت لحم لمدة سنتين. كنت أعمل أستاذة في جامعة فلسطين الأهلية. وفي 15.12.20 ولدت ابنتنا مِسك في بيت لحم. لأن عنوان إقامتي المسجل في بطاقة الهوية هو غزة، فقد كنا نواجه ما يشبه الجحيم في كل مرة نسافر فيها إلى الجامعة. كنا نسافر في طرق التفافية لتجنب الحواجز وكان الخوف يلازمنا طيلة الوقت من أن يوقفنا الجنود فيعتقلوني أو يطردوني إلى غزة بدون طفلتي. كنا نخاف من أن يقتحم الجيش منزلنا، كما يفعلون أحياناً في الحي الذي نسكن فيه. في أيار 2021 أصيب والدي خليل أبو حمادة (74 عاماً) بالمرض وخشيت أن يفارق الحياة دون أن أتمكن من وداعه. قررتُ السفر إلى غزة لزيارة والدي وأخذت معي طفلتي مِسك. دخلنا إلى القطاع بدون تنسيق وكان الأمر سهلاً لأنني مسجلة كمواطنة في غزة. فيما بعد فقط اكتشفت أن عنوان مسك أيضاً مسجل في جباليا وليس في بيت لحم. في غزة يسكن أولادي من زواجي الأول، محمد (16 عاماً) ومجد (13 عاماً). مرت تسع سنوات منذ غادرت القطاع للدراسة في القاهرة، منذ تركتهما مع والدهما زوجي السابق. خلال إقامتي في بيت لحم، حاولت كل يوم تقريباً الاتصال بهما لكنه لم يكن يسمح لي بالتحدث إليهما وفقط في أحيان متباعدة كنت أتمكن من الاتصال بهما عن طريق شقيقتي نجوى. منذ عودتي إلى القطاع أراهما مرتين كل أسبوع. حصل تدهور في المشكلة التي كان يعاني منها مجد في أذنه اليسرى حين كان صغيراً. فقد حصل تآكل في عظيمات السمع وتراجعت قدرته عل السمع بالأذن اليمنى حتى أصبح بحاجة إلى عملية جراحية لاستئصال جزء من العظيمات. قبل سنة تقريباً في 31.8.21 سمعت في نشرة الأخبار أن إسرائيل تنوي الموافقة على تغيير العنوان. توجهتُ إلى وزارة الشؤون المدنية في غزة وتقدم زوجي في الوقت نفسه بطلب إلى مكتب الارتباط والتنسيق في بيت لحم. قدمتُ طلباً للعودة إلى العمل في الجامعة في بيت لحم بعد أن توجهت الإدارة إلى مكتب الارتباط والتنسيق في 10.9.21 ولكن في 7.10.21 تلقيت رداً سلبياً من مكتب الارتباط والتنسيق بسبب عدم استيفاء المعايير. تقدمت بطلب آخر في 10.10.21 وعليه أيضاً تلقيتُ رفضاً لدواع أمنية في 24.10.21. كما أن اسمي لم يظهر في قائمة الطلبات التي بلغ عددها 4,000 طلب قدمها سكان من القطاع لتغيير عنوان الإقامة ووافقت إسرائيل عليها. الطلب الأخير الذي قدمته كان في 28.10.21 ولم أتلق رداً عليه حتى الآن؛ لكن في تلك الأثناء قدمت يوم 21.6.22 طلباً لتغيير عنوان إقامة محمد من غزة إلى بيت لحم لكي يتمكن من الانتقال للعيش معي حين يوافقون على عودتي إلى هناك. أما مجد فلا يحمل بطاقة هوية حتى الآن ولا حاجة إلى تقديم طلب خاص به. فقدتُ وظيفتي في الجامعة ولا أستطيع العثور على عمل بديل في غزة. زوجي يرسل لنا مبلغاً من المال كي أتمكن من إعالة مسك، لكن علاقتنا تضررت وأشعر بأن كل شيء يتفكك وبأن حياتي ممزقة بين غزة والضفة. أعيش في حالة من الضغط الدائم طيلة الوقت ولا أعرف كم سيستمر هذا الوضع وإلى متى. الناس في غزة ينظرون إلي نظرة سلبية لأنني بعيدة عن زوجي وكلهم يسألونني طيلة الوقت ما الذي يدفعني إلى عيش مثل هذه الحياة. مر أكثر من سنة منذ عدنا أنا ومسك إلى غزة. كانت آنذاك ابنة خمسة أشهر ومنذ ذلك الحين لم تر والدها، سوى عبر شاشة الهاتف النقال. أحياناُ تأخذ مني الهاتف وتناديه: "بابا!، بابا!". أكثر ما يهمني اليوم هو السماح لمجد بتلقي العلاج الأفضل والعودة مع مسك إلى والدها وإلى عملي في بيت لحم. أتوجه إلى جميع الجهات المعنية بأن تمارس الضغط على إسرائيل لمساعدة جميع النساء العالقات في غزة، إذ أنني أعرف مئات الحالات الأخرى المماثلة. في أية دولة تعيش امرأة مع أولادها في مكان ما بينما يعيش زوجها في مكان آخر؟ تتحديث: نجحت مروة أبو حمادة في تعيين دور لعلاج ابنها مجد في بيت لحم في 17.8.22 وفي الحصول على تصاريح دخول له ولها ولمِسك.

13 تشرين الثاني/نوفمبر 2022

סאברין קדייח. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 23.3.22

قطاع غزة

إفادة صابرين قديح، من سكان قطاع غزة، التي لم تتمكن من توديع والدها المقيم في الضفة الغربية قبل وفاته، جراء رفض إسرائيل لها السماح بالمغادرة

هذه صابرين قديح (40 عاماً) وهذا والدها عبد الرّحمن قديح. كلّ منهما في صورة منفصلة، تماماً مثلما عاشا معزولين عن بعضهما طوال سنوات كثيرة بحُكم واقع فرضته عليهما إسرائيل. حتى بعد أن مرض الوالد في شباط الماضي، واصلت إسرائيل منع صابرين من رؤية والدها ووداعه. والآن، بعد أن فارق الحياة قبل نحو ثلاثة أسابيع وهو في سن 70 عاماً، لا تزال تمنعها من زيارة قبره. تُقيم صابرين في غزّة بينما كان والدها يُقيم في الضفة الغربيّة، على بُعد أقلّ من مائة كيلومتر لكنّ لقاءهما كان ممنوعاً وفقاً لسياسة تطبّقها إسرائيل علناً وتحظى بتصديق محكمة العدل العليا المرّة تلو الأخرى. إليكم إفادة صابرين حول هذا الواقع الأليم، كما روتها أمام باحثة بتسيلم الميدانية أُلفت الكرد: والدي ووالدتي أصلهما من غزّة لكنّهما انتقلا بدواعي عمل والدي إلى الإقامة في مدينة قلقيلية في الضفة الغربيّة قبل نحو أربعين عاماً. في العام 2000 سافرتُ إلى قطاع غزة في زيارة عائلية، سوية مع شقيقي (بهاء) الذي كان في الرابعة من عمره آنذاك وشقيقتي (سونيا) التي كانت في الخامسة عشرة من العمر آنذاك، لمرافقة والدتنا التي كانت مريضة ولا تتحرّك بدون بالون الأكسجين، بينما بقي والدي في قلقيلية سوية مع عشرة من إخوتي وأخواتي. خلال وجودنا في غزّة اندلعت الانتفاضة وأغلق الإسرائيليّون "معبر بيت حانون" (معبر إيرز) فتعذّرت علينا العودة إلى الضفة الغربيّة. كانت حالة والدتي قد تدهورت فنُقلت إلى المستشفى. لم يتحسّن وضعها وفارقت الحياة في العام 2001 ونحن لا نزال في غزّة. بقيت مع شقيقي وشقيقتي عند أخوالي وأعمامي. بدأتُ دراستي الجامعيّة في مجال هندسة الحاسوب واعتنيت بأخي وأختي. قدّمتُ مراراً وتكراراً طلبات للحصول على تصريح لزيارة أبي وإخوتي وأخواتي في الضفة الغربيّة ولكنّ السلطات الإسرائيلية رفضتها كلّها. كنّا نعتاش على مخصّصات وزارة الرّفاه ودعم الأقارب. عندما أتممتُ دراستي الجامعيّة عملت هنا وهناك في جمعيّات ومؤسّسات مختلفة. كانت حياتي بدون والدي ووالدتي صعبة جدّاً وكان عبء المسؤوليّة عن أخي وأختي ثقيلاً جدّاً عليّ. لقد عانيتُ كثيراً. في العام 2006 تزوّجتُ وانتقلت للسّكن في شقّة مستأجرة قريبة من أخي وأختي. مرّت السّنون وأنجبتُ أولادي وكنت طوال ذاك الوقت أقدّم طلبات للحصول على تصريح لكي أزور والدي وأسرتي في الضفة الغربيّة لكنها رُفضت كلها. في الأثناء تزوّج معظم إخوتي وأخواتي ولم أستطع المشاركة في أعراسهم. في العام 2016 حصلتُ أخيراً على تصريح زيارة لمدّة ثلاثة أيّام. سافرت وحدي وقضيت الأيّام الثلاثة بلياليها دون نوم تقريباً كي لا أخسر أيّة لحظة من فترة التصريح. بعد ذلك بسنة واحدة، في أعياد 2017، قدّمت طلباً لتصريح زيارة لكنّه رُفض. في العام 2018 قُتل أخي بهاء خلال مشاركته في مسيرات العودة وكان في الـ22 من عمره. مقتل بهاء كان صدمة هائلة وألم فقدانه قضى عليّ تماماً. جاء والدي إلى مأتم بهاء وقضى معنا يومين فقط دون أن يتمكّن من المشاركة في الجنازة ووداع بهاء. يوم تشييع جنازة بهاء وفي مأتمه كنت وحيدة تماماً بسبب البُعد عن عائلتي فكان الألم والحزن أشدّ وأمرّ. ألمّت بي أزمة نفسيّة حادّة دون أن يكون أحد بجانبي يساندني من أفراد أسرتي. بعد مقتل بهاء واصلت تقديم طلبات تصريح لكن كلّها رُفضت. قبل نحو نصف سنة تزوّج أحد أشقائي في الضفة الغربيّة. قبل موعد زفافه قدّم بطاقة الدّعوة إلى حفل الزفاف إلى مديريّة التنسيق والارتباط في الضفة الغربيّة فيما قدّمتُ بدوري صورة عن بطاقة هويّتي وشهادات ولادة أولادي على أمل الحصول على تصريح لكن الطلب رُفض في هذه المرّة أيضاً. في شباط الماضي مرض والدي ورقد للعلاج في المستشفى. في 23.2.22 قدّمتُ طلباً للحصول على تصريح وانتظرت الردّ طيلة أسبوعين لكنني لم أحصل على أي رد. طلبت تعجيل النظر في طلبي وبذلت كلّ ما في وُسعي للحصول على التصريح. في 13.3.22 وردتني رسالة هاتفيّة تفيد بأنّ طلبي رُفض لأسباب أمنيّة. تدهور وضع والدي الصحّي كثيراً وكنت أدعو الله أن يجعل من نصيبي زيارة والدي ورؤيته. قضيت أيّاماً ’على أعصابي‘ وكنت أتابع وضع والدي عن بُعد عبر محادثات هاتفيّة مع إخوتي وأخواتي هناك، في الضفة الغربيّة. في 24.3.22 اتّصلوا بي وأخبروني بأنّ والدي قد فارق الحياة. وقع عليّ النبأ وقعَ الصّاعقة. توجّهتُ فوراً إلى منظمة حقوق الإنسان "جيشاه – مسلك" وقدّمت مجدّداً طلباً لتصريح وأرفقتُ به شهادة وفاة والدي. وها أنا ما زلت أنتظر الردّ. توجّهت أيضاً إلى منظمة "الميزان" لكي يقدّموا طلباً باسمي ولم أتلقّ ردّاً حتى اليوم. أنا هنا يلفّني الشعور بالوحدة. أولادي لا يعرفون عائلتي. شقيقتي سونيا المقيمة أيضاً في غزّة في حالة نفسيّة صعبة وأنا المسؤولة عنها. كلّ ما أريده هو أن أجتمع بإخوتي وأخواتي لنعيش حدادنا على والدنا سويّة. أمر بسيط وأساسيّ جدّاً فلماذا تمنعني سلطات الاحتلال من ذلك؟! أولئك عائلتي، إخوتي وأخواتي، وأنا أريد أن أكون إلى جانبهم. لم يسمحوا لي بوداع والدي وإلقاء نظرة أخيرة عليه. أنا لا أشكّل خطراً على إسرائيل بأيّ شكل من الأشكال فلماذا يحرمونني من التصريح؟

24 نيسان/أبريل 2022

حق المواطنة التفريق بين افراد العائلات

رعاية نظام التصاريح: إسرائيل تمزّق حياة نساء من قطاع غزة وتفصلهن عن أسرهن في الضفة الغربية. قصة أحلام وزياد سالم

أحلام سالم (41 عاماً) في قطاع غزّة وفي العام 1997 تزوّجت من زياد - المقيم في رام الله - وأنجبت خمسة أبناء. في سنوات الزّواج الأولى أقامت الأسرة في الضفة الغربيّة وفي العام 2006 حين سيطرت حركة حماس بحُكم قطاع غزّة كانت أحلام في زيارة لعائلتها هناك. وحيث أغلقت إسرائيل المعابر في أعقاب ذلك تعذّر على أحلام العودة إلى منزلها في رام الله وباءت بالفشل جميع محاولاتها ومحاولات زوجها في هذا الشأن. النتيجة هي أنّ أحلام منفصلة قسريّاً عن زوجها وتقيم مع الأولاد الخمسة في عزبة بيت حانون في قطاع غزّة بينما يقيم الأب في رام الله. عن ذلك تحدّث أحلام: أقيم في عزبة بيت حانون في شقّة في أبراج العودة مع أولادي الخمسة وهم أحمد (23 عاماً) ومحمد (20 عاماً) وماريّا (18 عاماً) ومحمود (14 عاماً) وعطا (سنتان). قدّمت طلبات كثيرة للعودة إلى رام الله لكي أتمكّن من السّكن مع زوجي في منزلنا ولكنّني لم أحصل على تصريح في أيّة مرّة. لا يريد زياد العودة إلى القطاع لأنّه عندئذٍ سيفقد عمله في الضفة في حين يصعب جدّاً العثور على عمل في القطاع. هذا إضافة إلى أنّ عائلته في رام الله ناهيك عن أنّ المرأة هي التي تتبع الرّجل وفقاً للتقاليد. قدّمنا طلبات كثيرة لكنّ إسرائيل رفضت قطعيّاً الموافقة عليها وفي النهاية توقّفنا عن تقديم الطلبات. لم يرَ أولادي أباهُم منذ سنين وهذا أمر صعب جدّاً. في العام 2010 تمكّن زياد من دخول قطاع غزّة عن طريق معبر رفح وأقام مع أسرته طيلة سنة. وحيث لم يتمكّن من العثور على عمل في القطاع بسبب تدهوُر الوضع الاقتصاديّ نتيجة للحصار الإسرائيليّ اضطرّ أن يفارق أسرته ويعود إلى الضفة الغربيّة. عن ذلك يقول زياد سالم: عندما التأم شملنا واجتمعنا سويّة فرحت زوجتي والأولاد كثيراً - شعرنا كأنّما هبة هبطت علينا من السّماء. يصعب أن أصف هذا الشعور وأن أشرح ماذا يعني أن تجتمع مرّة أخرى مع أحبّتك بعد فراق طويل وأن تستطيع غمرهم بحبّك أخيراً. لكنّها كانت فرحة ناقصة لأنّني كنت عاطلاً عن العمل ولم أتمكّن من إعالة أسرتي هناك. بعد مضيّ شهرين قرّرت العودة إلى الضفة الغربيّة ولكن لم أفعل ذلك بسبب إغلاق المعابر بين قطاع غزّة ومصر. كانت أسرة زوجتي متكفّلة بمعيشتنا وأحسست أنّنا أصبحنا عبئاً عليهم وكان هذا يشعرني بالمرارة. ندمت على اليوم الذي عُدت فيه إلى قطاع غزّة. لا يوجد أصعب من الشعور بالعجز عن إعالة أسرتك وإحساسك كأنّك تتلقّى صدقة وكلّ ما كنت أملكه في تلك الأيّام هو كرامتي. بعد مضيّ سنة فُتحت المعابر وتمكّنت من العودة إلى رام الله ولكن حتى هناك تصعّبت في العثور على عمل. عملت بشكل متقطّع وكانت والدتي تدعمني ماليّاً قدر استطاعتها. كان علينا أن نعيل في ذلك الوقت أسرتين في غزة: أسرتي وأسرة أخي. نهاية المطاف وجدت عملاً في مجال التبريد والتدفئة ومؤخّراً أصبحت مدير قسم وأتلقى راتباً جيّداً. نتيجة لذلك تحسّن وضعنا الاقتصاديّ ولكنّ أسرتنا بقيت مشتّتة وتتواصل فقط عبر الهاتف ووسائل التواصُل الاجتماعيّ. نحن نسعى كلّ الوقت ونبحث عن طرق ليلتئم شمل الأسرة من جديد أو على الأقلّ أن تحصل زوجتي أو أحد الأولاد على تصريح لزيارتي. في العام 2018 حصلت أحلام على تصريح دخول كمرافقة لوالدتها المريضة حيث تقرّر إجراء عمليّة جراحيّة لها في رام الله. هكذا استطاعت أن تلتقي بزوجها بعد فراق استمرّ ثماني سنوات. أدناه تصف أحلام لقاءها بزوجها: عادت أمّي إلى قطاع غزّة بعد انتهاء العلاج وبقيت أنا في رام الله طيلة سنة. كنت في غاية السّرور لأنّني اجتمعت أخيراً بزوجي بعد فراق دام ثماني سنوات. عندئذٍ تيقّنت كم تنقصني الحياة الأسريّة وأصبح بمقدوري تخيّل حياة مستقرّة وآمنة ملؤها الفرح مع زوجي والأولاد. لكنّ الأولاد بقوا في قطاع غزّة وشوقي إليهم كان صعباً عليّ فعُدت إلى القطاع ودخلت من جديد في دوّامة المعاناة والاشتياق لزوجي الذي تركته في رام الله. قدّمت مراراً وتكراراً طلبات تصريح ولكنّهم رفضوها أو لم يردّوا عليها. نحن الآن نتواصل فقط عبر الهاتف. >هذه القطيعة القسريّة صعبة عليّ جدّاً وأصعب بكثير على الأولاد الذين لم يعودوا يعرفون ما معنى الحياة كأُسرة. أضطرّ لتلبية كلّ احتياجاتهم وحدي وأيضاً أساعدهم على التعامل مع الصعوبات الدراسيّة. أنا بمثابة أمّ وأب لهُم في آن واحد. هذا مُتعب جدّاً. لقد مللت من هذه الحياة. أتمنّى أن تحلّ هذه المشكلة فنتمكّن من العودة إلى رام الله والعيش معاً كأسرة عاديّة. أسرتنا مشتّتة منذ سنوات طويلة وما نريده أمرٌ في غاية البساطة: فقط أن نعيش مثل بقيّة الأسر. أدناه يتحدّث زياد عن معاناتهما كزوجين في هذه الفترة، وعن قسوة الافتراق مجدّداً: خلال السّنة التي قضتها زوجتي معي في رام الله كنّا نخرج في نزهات وقد تجوّلنا كثيراً وزُرنا العائلة والأصدقاء - حاولت أن أعوّضها قدْر الإمكان. كنّا على تواصُل مع أبنائنا وبناتنا وكانوا معظم الأحيان على ما يُرام سوى أنّ الاشتياق كان ينغّص عليهم كثيراً. بعد سنة عادت أحلام لتكون مع الأولاد كما أنّها كانت حاملاً وأرادت ان تلد هناك لتكون عائلتها قربها بعد الولادة. دنا إلى الوضع السّابق: فراق وأشواق وتواصُل عبر الهاتف. وُلد ابني عطا بعد عودة زوجتي إلى قطاع غزة وأنا لم أحظ بحمله أو احتضانه ولو مرّة واحدة. هذه حياة يصعب وصفها حتى. إنّها أصعب من حياة الأسير لأنّه يعلم أنّه محكوم عليه العيش هكذا لفترة محدّدة أمّا أنا فلا أعلم كم سيستمرّ هذا الظلم وكم سيدوم شتات أسرتنا وفراقي عن زوجتي وأولادي. أنا أتعذّب جرّاء ذلك كلّ يوم من الصّباح وحتى المساء. يصعب عليّ كثيراً أن أرى أبناء جيراننا يعيشون مع آبائهم وأمّهاتهم يلعبون معهم ويخرجون معهم للنّزهة. كلّما رأيت هذا المشهد يخطر أولادي في ذهني وأفكّر كم أنا بعيد عنهم ويطغى عليّ الشوق إليهم. أتمنّى أن أقضي الوقت معهم في الأعياد وأن آخذهم إلى السّوق وأشتري لهم الهدايا ونذهب للتنزّه معاً. كلّ هذه السّنين تمرّ وأنا لا أقدر على رؤية أولادي، كلّ هذا الفراق وهذا البُعد وبيننا سفر أربعين دقيقة فقط. هذا ظلم فاحش. علاوة على ذلك هُم يقيمون في عزبة بيت حانون وهو موقع محفوف بالأخطار لأنّ إسرائيل تستهدف المنازل هناك بالقصف كلّما شنّت حربًا على القطاع. كلّما سمعت عن قصف أفقد عقلي من شدّة القلق. نحن بالطبع نتواصل هاتفيّاً طوال الوقت ولكنّه وضع مُرعب لا أتمنّاه لأحد. لقد تعبت كثيراً من هذا الوضع وأسأل الله أن يفرّج كرْبنا. كلّ مُرادي من هذه الدّنيا أن أجتمع بأفراد أسرتي أن أحتضنهُم وأن نعيش معاً كأيّ أسرة عاديّة.

8 آذار/مارس 2021