غياب المساءلة والمحاسبة

إطلاق النار على سيارة كان يستقلها الفتى محمد بدران كان متعمّدًا وغير مبرر وهو نتيجة مباشرة لسياسة الجيش

مستجدات: في 11.8.16 نشرت وسائل إعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكرية باشرت التحقيق. وفي 12.1.18 نشرت وسائل إعلام أنه تمّ تحويل الملفّ لدراسة محامٍ في النيابة العسكرية. في 11.6.18 أبلغ الناطق بلسان الجيش أنّ ملفّ التحقيق قد أُغلق دون تقديم لائحة اتّهام، وأنّه "نظرًا لملابسات الحادثة، كان الخطأ في تمييز السيّارة صادقًا ومعقولًا، وكان يحقّ للقوّة إطلاق النار وفقًا لإجراءات اعتقال مشتبه فيه. في الوقت نفسه، وُجدت إخفاقات مهنيّة في عمليّة إطلاق النّار. ولأنّ القوّة عملت في سياق حدث هائل ومركّب وميدانيّ بكلّ المقاييس، وُجد أنّ الإخفاقات المهنيّة لا تستدعي اتّخاذ إجراءات قضائيّة رغم النتيجة المأساويّة. وعلى مستوى الضابطيّة، في أعقاب هذه الحادثة جرى إلغاء مشاركة ضابط القوّة في دورة ضبّاط فرق ومن ثمّ أنهى خدمته في الجيش".

فتية عادوا من سهرة في مسبح استُهدفوا في إطلاق نار فتّاك

يوم الثلاثاء، الموافق 21/6/2016، فجرًا أطلق الجنود النار حتى الموت على محمود بدران، 15 عاما، من قرية بيت عور التحتا، وذلك أسفر عن إصابة أربعة من أصدقائه ايضا. استهدف إطلاق النار سيارة استقلّها سبعة أشخاص في طريق عودتهم من سهرة في مسبح. في البداية، أعلن الجيش أن الجنود أصابوا "إرهابيين كانوا يلقون الحجارة والزجاجات الحارقة على سيارات إسرائيلية في شارع 443"، ولكن في وقت لاحق تغيرت روايته وقال أن الفتى قتل عن طرق "الخطأ" وأنّ شرطة التحقيقات العسكرية فتحت تحقيقًا لفحص ملابسات الحادث. من التحقيق الميدانيّ الذي أجراه اياد حداد، باحث بتسيلم الميدانيّ، يتبيّن الجنود أطلقوا النار الكثيف على السيارة المسافرة، دون أن يكون هناك مبرر لذلك.

الفتية في المسبح قبل الحادث. محمد بدران الاول من اليمين
الفتية في المسبح قبل الحادث. محمد بدران الاول من اليمين

زهاء الساعة 1:30 فجرًا عاد سبعة من سكّان قرية بيت عور التحتا عائدين بعد قضاء سهرة في المتنزه والمسبح المائيّ "لين لاند"، في قرية بيت سيرا. قاد السيارة عاهد هلال البالغ من العمر 21 عامًا وسافر معه ستة فتية، كلهم أبناء عمومة، تحت سنّ 16: داود أبو حسن، 13 عاما، وشقيقه أمير، 16 عامًا؛ هادي بدران، 15 عامًا؛ محمود رأفت بدران، 15 عامًا؛ مجد، 16 عامًا؛ وماجد 13 عامًا. عندما اقتربت السيارة من ممرّ ضيق للمركبات الفلسطينية والذي يمرّ من تحت شارع 443، فتح الجنود الذين وقفوا في الشارع الذي فوقه النار بشكل مكثّف على السيارة، من مسافة بين 40 الى 50 مترًا. أصيب معظم الركاب جراء إطلاق النار، بما في ذلك سائق السيارة، الذي فقد السيطرة على سيارته وارتطم بالجدار.

هادي بدران في المستشفى. تصوير: إياد حداد، بتسيلم

أصيب خمسة من الركاب السبعة جراء إطلاق النار: قتل محمود بدران على الفور وأصيب أربعة: السائق عاهد وأمير أصيبا بجراح خطيرة، هادي وداود بجراح متوسطة. بدأ المصابون في الهروب من السيارة ووجدوا مأوى في النفق. في وقت لاحق تمّ نقل أمير بدران إلى مستشفى في إسرائيل.

هادي بدران، الذي أصيب بجراح متوسطة جراء إطلاق النار في يده وفي صدره، قال في إفادته إنّه لم يلاحظ أي نشاط مشبوه على الشارع قبل إطلاق النار:


"كنت جالسا في المقعد الأوسط. اقتربنا من ممرّ تحت جسر 443. كان الوضع طبيعيًا ولم يكن هناك ما يثير الشّك. فجأة أطلقت النيران تجاهنا. نظرت باتجاه مصدر الرصاص ورأيت مركبة مدنيّة بيضاء. كان هناك رجلان بملابس مدنية وهم من أطلقوا النار علينا. كان هناك الكثير من الطلقات. أصاب الرصاص السيارة وهشّم زجاج السيارة وأصبنا وبدأنا في الصراخ. خفضت رأسي بين المقاعد. بعدها مباشرةً ارتطم السائق في الجدار الداعم للممرّ".


وصف داوود بدران في إفادته لحظات الخوف خلال إطلاق النار وبعده:

الصورة: داوود بدران في المستشفى. تصوير: إياد حداد

"اخترق الرصاص السيارة عبر السقف ومن جهة السّائق. كان هناك صراخ وفوضى في الداخل .كنت خائفا ووضعت يدي على رأسي وخفضت رأسي بين ساقيّ. على ما يبدو أصيب السائق، ولهذا انحرفت السيارة وارتطمت بالجدار. في البداية شعرت أنني أصبتُ في اليد اليُسرى. عندما توقفت السيارة خرجت وهربت. وقفت تحت الجسر ثم شعرت بإصابة أخرى في الساق اليمنى. نزل مجد معي من السيارة ولكنه هرب في اتجاه آخر. ثم نزل الجميع واحدا تلو الآخر، باستثناء محمود. أصيبَ امير في بطنه وسقط على الفور . أصيب هادي في اليد وأصيب السائق عاهد في الرأس وفي الصدر. لم يخرج محمود من السيارة وعندما ذهب مجد لتفقده اكتشف أنه فارق الحياة. الوحيدون الّذين لم يصابوا هم مجد وماجد. تحدثت الى عائلتي ورويت لهم ما حدث ليسعفونا" .

من إفادات ركاب السيارة يتبيّن أنّ جنودًا إضافيين وصلوا الى مكان الحادث بعد مدة وجيزة من إطلاق النار وقد حظروا على المواطنين الفلسطينيين وطاقم الإسعاف في سيارات الإسعاف الفلسطينيّة تقديم المساعدة للمصابين ولم يسمحوا أيضًا لطاقم الإسعاف الإسرائيليّ بالوصول إلى مكان الحادث لتقديم العلاج الطبي لمدة عشر دقائق. أحد قادة القوّة، اتّهم الأولاد المصابين برشق الحجارة، ولكنهم أروه ملابس السباحة والمناشف، وأخذوا انطباعًا بأنه فهم أنّهم لم يشاركوا في رشق الحجارة.

يتبيّن من التحقيق أن إطلاق الجنود النار على السيارة المسافرة كان غير قانوني ويشكل انتهاكا لتعليمات إطلاق النار، والتي تسمح بإطلاق النار الفتّاك فقط في ظروف تشكّل خطرًا فعليًا وفوريًا على الحياة، وهي ظروف لم تكن في هذا الحادث.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن الجنود الذين أطلقوا النار هم جنود وضابط الكتيبة "دوخيفات" للواء كفير، الذين مرّوا بالصدفة من المكان، وتواجدوا في طريقهم لرعاية مسائل ادارية. وقال مسؤولون عسكريون لوسائل الاعلام ان القوات اطلقت النار على راشقي الحجارة والزجاجات الحارقة، الذين سكبوا الزيت على الشارع، وأصابوا بشكل طفيف ركابًا في سيارة إسرائيليّة. في الواقع، أطلق الجنود النار على السيارة بطريقة تعسفية، دون أي إشارة إلى تورط الركاب برشق الحجارة أو الزجاجات الحارقة.

احتجز الجيش السيارة وجثة محمود بدران، وبالتالي لم يتسنّ لبتسيلم من فحصها، ولكن من أوصاف الشهود ومن حجم الإصابات الموثقة يتبيّن أن إطلاق النار كان كثيفًا وتمّ توجيهه ناحية جسم السيارة نفسها، ومن الواضح أن الجنود مطلقي الرصاص عرفوا بأنّ الركاب المتواجدين داخل السيارة سوف يصابون. من الإفادات التي قدّمها ركّاب السيارة يتبيّن أن الجنود لم يتّخذوا كافّة الاحتياطات ولم يحاولوا تقليل إصابة الركاب.

إطلاق النار من قبل جنود في هذه الحالة هو نتيجة مباشرة
لسياسة الجيش، والتي تسمح، على الرغم من الحظر الرسمي في تعليمات إطلاق النار، بإطلاق النار الفتاك أيضًا في الحالات التي لا يكون فيها أيّ خطر على حياة أحد وحتى عندما يكون لدى الجنود وسائل أخرى، غير فتاكة. هذه السياسة تلقى دعمًا عسكريًا من القيادات العسكريّة والسياسيّة العليا، والتي لا تفعل شيئا لتغييرها على الرغم من عواقبها الوخيمة.

على الرغم من أن الجيش أعلن عن فتح شرطة التحقيقات العسكرية باب التحقيق في ملابسات الحادث، لكن، وكما زعمت منظمة بتسيلم في التقرير الذي نشرته في الشهر الماضي، يعمل جهاز تطبيق القانون العسكري أساسا كآلية تستّر وبالتالي لا يجب تعليق الآمال على هذا التحقيق بأنّه سيؤدي إلى تغيير منهجيّ في سياسة الجيش وفي تحقيق العدالة. هذا الاستنتاج الذي توصّلت إليه منظمة بتسيلم يستند على المعرفة المتراكمة جراء مئات الشكاوى المقدمة إلى جهاز تطبيق القانون العسكري على مدى سنوات عمله المنظمة، وعلى العشرات من ملفات شرطة التحقيقات العسكريّة التي درستها. وقد أدى كل هذا إلى إدراك انه لم يعد هناك أمل في تعزيز العدالة وحماية حقوق الإنسان من خلال جهاز يُقاس أداؤه من خلال قدرته على الاستمرار في التستر بنجاح على الخروقات القانونيّة وحماية المسؤولين. نظرًا لذلك، أعلنت منظّمة بتسيلم أنّها ستتوقف عن توجيه الشكاوى إلى جهاز تطبيق القانون العسكري. وكما أعلنا، فإننا سوف نواصل التحقيق بدقة في أحداث من هذا النّوع، وإعلام الجمهور بها. نشر هذا التحقيق هو جزء من تجسيد هذه السياسة الجديدة.

مواد مقترحة

מוחמד אבו סכראן, בן 17, כשנה לאחר פציעתו. צילום: אולפת אל-כורד, בצלם, 1.8.22

قطاع غزة

الزمن لا يُداوي الجراح: جرحى من قطاع غزة يتحدثون عن حياتهم منذ جولة القتال في أيّار 2021

بعد نحو سنة ورُبع السنة من انتهاء جولة القتال في أيار 2021 ("حارس الأسوار") عادت إسرائيل إلى قصف قطاع غزة وشنت "جولة" أخرى من القتال ("طلوع الفجر") استمرت هذه المرة ثلاثة أيام في آب 2022 وأسفرت عن مقتل 49 فلسطينياً. خلال الأشهر الأخيرة تحدثت "بتسيلم" مع عدد من جرحى الجولة السابقة والذين لا يزالون يخوضون صراعاً من أجل إعادة تأهيل أنفسهم والعودة إلى مسار حياة طبيعي. خلال تلك الجولة، قُتل في قطاع غزة 233 فلسطينياً من بينهم 38 امرأة و- 54 طفلاً. ووفقًا مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بقي عشرات الآلاف بدون مأوى وتضررت عشرات المنشآت الصحية والبنى التحتية الملازمة لها؛ ركام المباني وأعمدة الكهرباء التي انهارت سدّت الشوارع والطرقات وجعلت من الصعب جداً مرور سيارات الإسعاف والمركبات الأخرى من أجل إخلاء المصابين. كما أدى تضرُّر البنى التحتية وشبكتيّ الكهرباء والماء إلى عرقلة عمل المستشفيات. في إفاداتهم، التي استمع إليها باحثو بتسيلم الميدانيون، يتحدث الجرحى عن صراعهم وصراع أُسَرِهم مع تحديات إعادة التأهيل، من منظور شخصي. وإلى جانب ذلك، تسلط الإفادات الضوء على الواقع الأوسع الذي يعيشه جرحى هذه الجولة والجولات السابقة في قطاع غزة، والذين يحاولون إعادة تأهيل أنفسهم بشقّ الأنفس. من الواضح بالطبع، وفي كل الأحوال، أن إعادة التأهيل بعد إصابة بالغة هي عملية مضنية وحاسمة تشمل العديد من الجوانب الطبية والنفسية المركّبة. إلا أن إعادة التأهيل في قطاع غزة هو أكثر تعقيداً، أضعافاً مضاعفة، سواء بسبب عدد الجرحى الآخذ في الازدياد باستمرار من "جولة" إلى "جولة" أخرى، أو بسبب البنى التحتية التي تزاد أوضاعها تردياً وسوءاً باستمرار جرّاء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع. وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، اثنان من مستشفيات قطاع غزة، التي يبلغ عددها ثلاثين مستشفى، اضطرا إلى التوقف عن العمل تماماً خلال "جولة" القتال الأخيرة جرّاء الأضرار التي لحقت بهما، بينما واصلت المستشفيات الأخرى العمل بصورة جزئية ومحدودة فقط. إضافة إلى ذلك، أغلقت 57 عيادة من بين العيادات العامة الـ 93 في قطاع غزة بينما بقيت العيادات الأخرى تعمل بصورة جزئيّة فقط. ورغم أنّ جهاز الصحّة في القطاع يعاني من نقص خطير في الأدوية والتجهيزات، وكذلك في الأطباء بشكل عام وفي الأطباء ذوي التأهيلات المواكبة للتطورات والتحديثات بشكل خاص، إلا أن إسرائيل تواصل ـ في إطار الحصار الذي تفرضه على القطاع ـ منع إدخال الأدوية والأجهزة الطبيّة المتقدّمة إلى مناطق القطاع، كما تمنع خروج الأطبّاء إلى الاستكمالات. وبذلك، تسبب إسرائيل ضرراً إضافياً آخر للجرحى إذ تحرمهم من إمكانيات العلاج االتأهيلي. لا بل إن إسرائيل تمنع جرحى كثيرين ممّن لا تتوفّر العلاجات والخدمات الصحيّة اللّازمة لهم داخل القطاع من الوصول إلى مؤسّسات طبيّة في الضفة الغربية، رغم أنها لا تبعد سوى عشرات الكيلومترات، من أجل الحصول على العلاج الطبي اللازم والمناسب لهم. وفقاً لمنظمة Handicap International، يعمل في قطاع غزّة نحو خمسين مركزاً للعلاج التأهيليّ تشغّلها منظمات غير حكوميّة وتعتمد على توفّر التمويل من الصّناديق الأجنبية المانحة. تعاني هذه المراكز من نقص في القوى العاملة وصعوبات في التأهيل المهنيّ للعاملين فيها، ولهذا فإنّ خدمات إعادة التأهيل التي يمكن لهذه المراكز تقديمها تقتصر على العلاج الطبيعيّ والدعم النفسيّ - الاجتماعيّ، بينما تكاد إمكانيّات إعادة التأهيل التشغيلي بواسطة أجهزة مساعدة تكون معدومة تماماً. ثمة مركزان اثنان فقط للعلاج التأهيلي للعظام يعملان في مجال تركيب الأطراف الاصطناعيّة، أحدهما تابع للصّليب الأحمر والثاني أقيم في آذار 2022 ويعمل بتمويل من دولة قطر. تتنصّل إسرائيل من أيّة مسؤوليّة وقد سنّت لنفسها قانوناً يعفيها من دفع تعويضات في جميع الحالات تقريباً، بادّعاء أنّها وقعت خلال "عمليّات قتالية". وبذلك أصبح احتمال حصول فلسطينيّين قدّموا دعاوى تعويض عن الأضرار التي ألحقتها بهم إسرائيل شبه معدوم تماماً تقريباً. يعاني ضحايا الحرب في قطاع غزّة من ضائقة اقتصاديّة شديدة ومن انعدام الدّعم الذي يتيح إعادة تأهيلهم. في هذا الروتين اليومي من الخوف والرعب من جولات قتالية متكررة، وفي ظل الشعور بأنهم قد يتحولون في أية لحظة إلى أهداف للقصف الإسرائيلي، يتحدث طلاب، شبان وآباء وأمهات لأطفال أصيبوا بجراح بالغة، وبعضهم فقد في الحرب بعضاً من أبناء عائلاتهم؛ عن الصراعات اليوميّة التي يخوضونها مع الإصابات البالغة، الجسديّة والنفسيّة. بعضهم بقي يعاني من إعاقة مستديمة. فيما يلي الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيّون: محمد أبو سكران (17 عاماً، من سكّان حيّ الشجاعيّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ أصاب مدخل منزله وتسبّب أيضاً بمقتل جدّه وابن عمّ والده. لا يزال يعاني حتى اليوم من إعاقة حركيّة في رجليه ويديه ومن شظية بقيت داخل رأسه وتشكل خطراً على حياته. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 1.8.22، فقال: أصبت بجروح بالغة خلال حرب العام الماضي. كان ذلك في اليوم الأخير من شهر رمضان ـ 12.5.2021 نحو السّاعة 20:30، حين كنت في المنزل مع جدّي وابن عمّ والدي. فجأة أطلقوا صاروخاً على منزلنا. رقدتُ لمدّة أسبوع في قسم العناية المكثّفة في مستشفى الشفاء وخلال السّنة الأخيرة تلقّيت العلاج في مستشفى الوفاء التأهيلي في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". أجرِيَت لي عمليّة جراحيّة في الرّجل اليسرى وخضعت للعلاج الطبيعيّ ولعلاجات وظيفيّة أخرى، إضافة إلى الدّعم النفسيّ. قبل الإصابة كانت حياتي عاديّة. أذهب إلى المدرسة المهنيّة كلّ يوم من السّابعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر. كنت أحبّ دروس النجارة والرياضة وكنت أقضي وقتاً كثيراً مع زملائي وأصدقائي. بعد انتهاء الدّوام كنت أتناول وجبة الغداء في المنزل ثمّ أعمل قليلاً في تصليح الدرّاجات الهوائيّة - كانت هذه هوايتي ـ وكنت أساعد جدّي في حراثة الأرض والاعتناء بمزروعاته. منذ أن أصبت توقّفت عن الذهاب إلى المدرسة وأصبحتُ أقضي معظم وقتي في المنزل. أعاني من صُداع شديد لا يُحتمل ولا أقدر على استخدام يدي اليُمنى بسبب مشكلة في الأعصاب. عندما أخرج من المنزل أحتاج إلى عكّازين. أنا أكرههما وأكره منظر جسمي الذي تشوّه بسبب الشظايا. أعصابي تثور لأتفه الأسباب وأتصرّف بعُدوانيّة تجاه إخوتي، ممّا يدمّرني نفسيّاً. وضعي الصحّي لا يتحسّن. ببساطة، أنا لا أستطيع القيام بأيّ شيء لوحدي - لا التمارين الرياضيّة ولا ركوب الدرّاجة الهوائيّة. كلّما نظرت إلى باب المنزل تذكّرت الصّاروخ الذي أصاب المنزل وقتل جدّي وابن عمّ والدي. عندئذٍ أنطوي على نفسي وأجهش بالبكاء. معظم الوقت أشاهد مسلسلات وأفلاماً عبر الهاتف النقال، لكن لا شيء يبعث الفرح في نفسي الآن. أتذكّر كلّ الوقت فترة علاجي في المستشفى بعد إصابتي، أتذكّر جدّي وكيف كان يأخذني لأعمل معه. أصبحت حياتي شريطاً من الذكريات والألم. هشام أبو سكران (44 عاماً)، والد محمد، قال في إفادته: في ذلك المساء كان محمد في المنزل مع جدّه، أحمد إبراهيم أبو سكران (64 عاماً) وابن عمّي محمد ناهد أبو سكران (25 عاماً). فجأة، قصفوا المنزل بصاروخ فقُتل كلاهما بينما أصيب ابني محمد الذي كان قريباً منهما بجروح بالغة. في لحظة القصف كنت في الطابق الثاني. هبطت الدرج مسرعاً فوجدت والدي قد فارق الحياة. رأيت ابني محمد ممدّداً قرب محمد ناهد ودماء كثيرة. كان المكان مليئاً بالدّخان والرّكام. حملت الاثنين وأخرجتهما من المنزل ثمّ نقلتنا سيّارة إلى مستشفى الشفاء، بينما قام شخص آخر بنقل والدي إلى مستشفى آخر وأبلغني الأطبّاء هناك بأنّه استُشهد. لاحقاً استُشهد في المستشفى أيضاً ابن عمّي محمد ناهد متأثراً بجراحه. قيل لي إنّ ابني قد استُشهد لكنّ أحدهم قال إنّه في قسم العناية الفائقة وبحاجة إلى وجبات دم. نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل طلب منّي الأطبّاء وجبات دم لمحمد. انتظرت حتى السّاعة 3:00 فجراً وأنا لا أعرف عن وضعه شيئاً ثم قالوا لي إنّ حالته لا تزال خطيرة جدّاً وطلبوا أن نصلي وندعو الله من أجله. عندما دخلت إلى الغرفة لكي أراه كان ملقىً في السّرير دون حراك وكلّ جسمه موصولاً بأنابيب. لم أستوعب ما رأته عيناي. خرجت من المستشفى وعدت إلى البيت لإلقاء نظرة وداع أخيرة على والدي ثمّ تشييعه إلى مثواه الأخير. ظلّ محمد راقداً في قسم العناية الفائقة طوال أسبوع نقلوه بعده إلى قسم في المستشفى وبقي فيه لمدّة شهرين. طيلة هذه المدّة كان إلى جانبه في المستشفى ابني تامر (38 عاماً). كان محمد يجد صعوبة في الكلام ولا يستطيع تناوُل الطعام أو الشرب. فقط بعد مضيّ أسبوعين على نقله إلى القسم صار بإمكانه تناول أطعمة خفيفة. بعد ذلك نقلوه إلى مستشفى "الوفاء" التأهيلي، في القسم التابع لمنظمة "أطبّاء بلا حدود". بقي هناك لمدة شهرين تلقّى خلالها العلاج الطبيعيّ والعلاج بالتشغيل. خلال تلك الفترة لم يكن يستطيع التحرّك، إطلاقاً تقريباً ـ كان يجد صعوبة في تحريك يده اليمنى بسبب إصابة في العصب وكانت رجله اليسرى مكسورة وفي رجله اليمنى شظايا. في المركز نفسه تمّ تقطيب جروح كثيرة في جسده وزرع بلاتين في رجليه. طوال تلك الفترة كان يعاني من الأوجاع وقد لازمتُه أنا هناك معظم الوقت لمساعدته قدر المستطاع. بعد شهرين من العلاج في مستشفى الوفاء نُقل إلى مستشفى الشفاء لإصلاح شرائح البلاتين ومن هناك أخذته إلى المنزل وكانت حالته النفسيّة في تراجُع دائم. مرّة أخرى لم يعد يأكل أو يشرب، إطلاقاً تقريباً، ومعظم الوقت ينتابه الغضب والصّراخ. توجّهنا مرّة أخرى إلى "أطبّاء بلا حدود" فقدّموا له الدّعم النفسيّ، كما استأنف تلقّي العلاج الطبيعيّ هناك. وفي أيّار 2022 أزالوا البلاتين الخارجيّ من رجله اليسرى وعالجوا العظم. وهو يستعين اليوم بعكّازين. جسم محمد مليء بالشظايا ولا يزال واهناً جدّاً. يقول الأطبّاء إنّه معرّض للخطر بسبب شظية بقيت في رأسه، قريباً من الدّماغ. لقد نبّهونا كي نحترس لئلّا يتلقّى أية ضربة في رأسه لأنّ هذا قد يحرّك الشظية فتحلق ضرراً بدماغه. حتى العطاس قد يسبّب ذلك. قبل إصابته كان محمد يتعلّم النجارة في المدرسة المهنيّة في غزّة، لكن منذ إصابته لم يُداوم وهو يقضي معظم الوقت الآن في المنزل. إنّه خائف جدّاً. عبد الله اسْليم (23 عاماً، من سكّان مدينة غزّة) أصيب بجروح بالغة جرّاء صاروخ استهدفت به إسرائيل سيّارة كان يقف بالقرب منها. في هذا الهجوم قُتل 6 أشخاص، بينهم صديقه وأحد أقرباء الصّديق وأربعة آخرون. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 10:30 كنت ذاهباً مع عبد الغزالي (28 عاماً) في اتّجاه المطعم الذي كنّا نعمل فيه في شارع الوحدة لكي نفتحه، رغم القصف. عندما وصلنا إلى شارع المُغربي التقينا ابن عمّ عبد ويُدعى نادر الغزالي (46 عاماً) خارج المخيطة التي يعمل فيها وتحدّثنا معاً لبعض الوقت. في تلك اللحظات توقّفت سيّارة على بُعد بضعة أمتار منّا. رأيت في داخلها ثلاثة أشخاص وفجأة حدث انفجار قويّ. طار عبد في الهواء وارتطم بباب معدني في إحدى الحوانيت القريبة منّا. بقيت أنا في مكاني وحولي دم يغطّي كلّ شيء. شعرت بدُوار قويّ وبعد أن ابتعدت بضعة أمتار استوعبت أنّ شظايا قد أصابتني في كلّ الجانب الأيمن من جسمي. حين وقعت على الأرض رُحت أتلو الشهادتين. بعد ثلاث دقائق حدث قصف مرّة أخرى وأحسست بأنّني أصبت في بطني. نهضت عن الأرض ومشيت بضعة أمتار في اتّجاه صيدليّة قريبة. طلبت من الصيدليّ أن يساعدني في فحص وضع عبد. كان الدّم ينزف من عيني اليمنى وملابسي كلّها مخضّبة بالدّماء فهاله منظري وصرخ يطلب نجدة. أتى عدد من الشباب وأخذوني في سيّارتهم إلى مستشفى الشفاء. بعد ثلاثة أيّام على مبيتي في المستشفى أخبروني بأنّ عبد ونادر ابن عمّه قد استُشهدا. بقيت في المستشفى 15 يوماً وفي تمّوز 2021 أجريت لي عمليّة جراحيّة في البطن لكنّ الأطبّاء لم يتمكّنوا من إخراج جميع الشظايا وما زلت أعاني من أوجاع. خضعت أيضاً لجراحة في الصدر حيث استأصلوا جزءاً من العظم ومنذ ذلك الحين أعاني من ضيق تنفّس وأوجاع في الصّدر، كما أتصعّب في النوم ليلاً. تضرّر عندي السّمع في الأذن اليمنى وتضرّرت شبكيّة عيني اليمنى. قلّما أخرج من المنزل. لم أتمكّن من العودة إلى عملي في المطعم وبقيت بدون أيّ مدخول بعد أن كنت المعيل الوحيد لأسرتنا. الأسرة كلّها تعاني الآن. قبل ذلك، لم يكن ينقصنا شيء - كانت مائدتنا عامرة وكنت أوفّر للجميع احتياجاتهم. كذلك موّلت التعليم الجامعيّ لأختي هنادي (24 عاماً) وأخي شادي (19 عاماً) لكنّهما لم يُتمّا سوى فصل واحد فقد عجزت عن دفع أقساطهما الدراسيّة بسبب الإصابة. قبل الإصابة كنت قد تمكّنت من توفير 2,000 دولار تقريباً لشراء سيّارة سفريات تضمن لنا مدخولاً إضافيّاً لكنّني صرفت كلّ ما ادّخرته تقريباً لتغطية مصاريف علاجي. منذ أصبحت عاطلاً عن العمل يزداد وضعنا سوءاً ولا أعرف كيف سنستطيع الاستمرار على هذا الحال. معاوية الوحيدي (43 عاماً وأب لاثنين، يُقيم في حيّ الزيتون في مدينة غزّة) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل قرب مكان عمله. أدلى بإفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.22 فقال: في 12.5.21 نحو السّاعة 11:00، حين كنت في صالون الحلاقة خاصتي سمعت انفجاراً قويّاً في الخارج. بعد ذلك مباشرة دخل إلى الصالون نادر الغزالي (46 عاماً) مضطرباً مذهولاً وقال لي: "أنقذوا معاوية! إنّه لا يستطيع التنفّس!". كانت حالته مروّعة. أخذته إلى الخارج وابتعدنا عن صالون الحلاقة نحو 30 متراً. كان الدّم ينزف من فمه ثمّ وقع أرضاً. حاولت أن أسعفه. نظرت حولي فرأيت في الشارع ما لا يقلّ عن أربعة شهداء ممدّدين قرب السيّارة التي انفجرت. عرفت من بينهم سعيد الحتو وزوجته ميسون الحتو. بعد ثلاث دقائق سقط صاروخ آخر بجانبنا تماماً فقُتل نادر على الفور. قُطعت رجلي اليسرى ونزف دمي منها طيلة عشرين دقيقة دون توقّف. جميع من حولي كان في حالة هلع. خفنا جميعاً من قصف جوّيّ آخر. الناس الذين تجمّعوا حولي استدعوا سيّارة إسعاف وعندما وصلت أخلتني من هناك فيما بقي جميع الشهداء على الأرض. أخذوني إلى مستشفى الشفاء ويبدو أنّني فقدت الوعي في الطريق إلى هناك. في المستشفى أدخلوني إلى غرفة العمليّات وقطعوا رجلي اليمنى. بعد ذلك علمت أنّهم كانوا يريدون قطع رجلي اليسرى لأنّها كانت في حالة صعبة، لكنّهم قرّروا معالجتها لاحقاً. بعد أن أمضيت أسبوعاً في المستشفى نقلوني للعلاج لدى منظمة "أطبّاء بلا حدود" التي تعتني بالجرحى وتعمل أيضاً في مستشفى العودة في شمال القطاع. أذكر أنّني في أثناء نقلي إلى هناك كنت أسمع قصف الجيش الإسرائيليّ. بقيت هناك أربعين يوماً تقريباً، رجلي مقطوعة وأعاني مشاكل كثيرة في رجلي الأخرى. بعد ذلك ابتدأت رحلة عذابي الحقيقيّة وهي مستمرّة منذ أكثر من سنة. ما زلت أعاني حتى الآن أوجاعاً في كلّ أنحاء جسمي. أتلقّى العلاج في المنزل مرّتين في الأسبوع على يد طاقم تابع للسّلطة الوطنيّة للعلاجات الطبيعية. رجلي اليسرى غير موجودة تقريباً وأنا بحاجة إلى رِجل اصطناعيّة هيدرولية لتخفيف وزن جسمي على الرّجل والتسهيل عليّ عند المشي. لكنّهم في مستشفى حمد في غزّة قالوا لي إنّهم لا يستطيعون مساعدتي في الحصول عليها لأنّ إسرائيل منعت إدخال قطع الأرجل الاصطناعيّة إلى قطاع غزّة. هنالك أيضاً كرسيّ عجلات خاصَ يمكنه أن يسهّل عليّ العمل لكنّه يكلّف ما يقارب 1,500 دولار ولا أستطيع اقتناءه حاليّاً. قدّمت لي إحدى الجمعيّات كرسيّ عجلات كهربائيّاً يمكنني بواسطته التجوّل في الخارج وأحياناً أتلقّى بعض المساعدات من أفراد. شقّتنا في الطابق الرّابع وبدون مصعد كهربائي مما يصعّب عليّ الخروج فأقضي معظم وقتي في المنزل. أشعر بأنّني عبء على عائلتي. زوجتي بدأت تعاني من انزلاق غضروفيّ في العمود الفقريّ لأنّها تبذل جهداً أكثر من اللّازم وأنا لا أستطيع أن أساعد في شيء في المنزل. شعوري بالعجز يؤثّر على جميع مَن في المنزل. ولداي سديم (8 سنوات) وسراج (11 سنة) كانا تلميذين متفوّقين لكنّ تحصيلهما الدراسيّ هبط منذ إصابتي. هما يشاهدان نوبات العصبيّة التي تنتابني طوال الوقت إلى درجة أنّني أحطّم أشياء في المنزل. لقد مرّت سنة منذ أن أصبت وما زلت أتصعّب في التخلّص من هذه الحالة النفسيّة. أصبحتُ ضحيةً للجيش الإسرائيليّ بينما كنت في عملي ولم أشكّل أيّ خطر على إسرائيل. أحياناً، عندما آتي إلى صالون الحلاقة أرى في مخيّلتي السيّارة وهي تحترق والشهداء والجرحى ممدّين على الأرض. أتذكّر نفسي حاملاً الشهيد نادر الغزالي وفارّاً من الصّاروخ الثاني. كلّما حدث لي ذلك أبكي وأشعر بالاختناق. أنا أحاول المجيء إلى صالون الحلاقة من حين لآخر وممارسة عملي ولكن عندما يدخل زبون ويطلب أن يقصّ شعره لا أقدر على ذلك أحياناً. كلّ ما أريده هو أن أرمّم صالون الحلاقة وأعود لمزاولة مهنتي مجدّداً. لقد عملت حلّاقاً طيلة 25 عاماً وكنت المعيل الوحيد في المنزل. الآن، رغم إعاقتي، أنا لا أتلقّى أيّة مخصّصات من أيّة جهة. أشعر بأنّني تحوّلت من صاحب مصلحة إلى شحّاذ متسوّل. إسحاق فيّاض (51 عاماً وأب لستّة، من سكان بيت حانون) فقد رجله اليمنى جرّاء صاروخ أصاب منزله إصابة مباشرة. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة في 19.5.22 فقال: ليلة 14.5.21 استضفنا نحو ستّين شخصاً من أقاربنا، نصفهم أطفال، في منزلنا في شارع البعلي وسط بيت حانون، لأنّ منزلنا يقع في منطقة تعتبر أكثر أمناً. قبيل منتصف اللّيل سمعنا أصوات انفجارات أخذت تقترب منّا أكثر فأكثر. عندما اشتدّ صوت الانفجارات راح الجميع يصرخون من شدّة الخوف. حاولت أن أهدّئهم وقلت لهُم إنّهم في أمان. صعدت إلى الطابق العلويّ وعندما وصلت إلى أعلى وكنت لا أزال في بيت الدّرج، في جزئه غير المسقوف، حدث انفجار هائل طيّرني مسافة ثلاثة أمتار على الأقلّ. بعد ثوانٍ معدودة انفجر صاروخ آخر أصاب منزل جيراننا. جميع حجارة الجدران والسّقف في بنايتنا كانت متناثرة في كلّ مكان ولم يبق منتصباً سوى العُمدان. رجلي اليمنى قُطعت تقريباً. كانت موصولة فقط بقليل من الجلد وشريان وقد حاولت أن أسحبها قريباً منّي. شظايا الصّاروخ أصابت رجلي اليسرى ودمي كان ينزف دون توقّف. أخذت أهبط الدّرج زحفاً حتى وصلت إلى الطابق الأرضيّ ومن ثمّ إلى الشارع. وهناك شاهدت أناساً كثيرين يركضون بهلع ويبحثون عن أبناء عائلاتهم. شعرتُ بدُوار. قام ابني إبراهيم (22 عاماً) وزوجته غزل (22 عاماً) بجرّي إلى منزل الجيران، عائلة الزعانين، وهناك ربطا رجلي لكي يوقفا النزيف. بعد عدّة دقائق أخذوني إلى خارج المنزل لكي تنقلني سيّارة الإسعاف إلى المستشفى. بعد نحو رُبع ساعة وصلت سيّارة إسعاف نقلتني إلى مستشفىً في بيت حانون. في المستشفى لفّوني بضمادات ثمّ نقلوني إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. رافقني إلى هناك ابني جاسر (23 عاماً). في الطريق أغمي عليّ ولم أستفق سوى بعد ظهر اليوم التالي لأجد نفسي في المستشفى. بعد أربعة أيّام نقلوني إلى مستشفى ناصر في القاهرة وهناك أجريت لي عشر عمليّات جراحيّة في الرّجلين وتمّ تركيب مثبّت في رجلي اليمنى. خلال تلك الفترة عانيت من أوجاع فظيعة وفقدت الكثير من وزني. كنت أبدو مثل هيكل عظميّ وبالكاد يمكن التعرّف عليّ. حالتي النفسيّة كانت سيّئة جدّاً ولكن من حسن حظّي أنّ وردة زوجتي آزرتني وكانت معي هناك طول الوقت. أمضيت في المستشفى في القاهرة تسعة أشهر ثمّ في 13.3.22 عدت إلى غزة واستأنفت العلاجات لدى منظّمة "أطبّاء بلا حدود" في مستشفى العودة. قال لي الطبيب هناك إنّه يجب قطع رجلي اليمنى فصُدمت من أنّ الأمور قد وصلت إلى هذه الدرجة. وبالفعل بعد ثلاثة أسابيع تقريباً قطعوا رجلي. ثمّ أجريت لي عمليّتان جراحيّتان إضافيتان في الرّجل وما زلت أتلقّى العلاج الطبيعيّ حتى اليوم. إضافة إلى ذلك، أصبت بمرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم لكن الأدوية التي أحتاج إليها لا تتوفّر في الصيدليّات الحكوميّة في القطاع مما يضطرني إلى شرائها على حسابي الخاصّ. على سبيل المثال، الحبة الواحدة من دواء فلوكورال، المضاد لالتهاب الرّجلين، تكلّفني 13 شيكل. منذ أن قطعوا رجلي أكاد لا أخرج من المنزل لأنّ شقّتنا في الطابق الثاني والبناية بدون مصعد كهربائي وعندما خرجت ذات مرّة وقعت على الدّرج. قبل إصابتي كنت في حركة دائمة بحُكم عملي في تجارة المواشي. لستُ معتاداً على العطالة وملازمة المنزل. على الأقلّ يأتي الأصدقاء المقرّبون لزيارتي أحياناً، كي لا أبقى وحيداً. مجد العجلة (21 عاماً، طالب حقوق، من سكان حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة) أصيب جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وهو يقف قرب منزله ويعاني منذ إصابته من إعاقة حركيّة ومشاكل في النطق. أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميدانيّ محمد صباح في 26.5.22 فقال: في يوم الأحد الموافق 15.5.21 خرجت من منزلي في حيّ الشجاعيّة، وعند السّاعة 13:00 تقريباً حينما كنت لا أزال قرب المنزل أطلق صاروخ من طائرة فسقط قريباً منّي. قُتل جرّاء هذا القصف ثلاثة من أقاربي هم: يحيى العجلة (24 عاماً) وسيف الدين أبو العطا (18 عاماً) - وكان قد فرّ من منزله في شرق الشجاعيّة ولقي حتفه قرب منزل عمّه - ومحمد بهار (17 عاماً) وقد قُتل عند مدخل منزل أخيه. أنا وأخي محمد أصبنا بجروح بالغة. كنت غائباً عن الوعي طيلة 25 يوماً وعندما استفقت وجدت نفسي في مستشفى الشفاء. خلال تلك الفترة خضعت لعمليّات جراحيّة في الرأس بسبب كسر في الجمجمة وفي البطن بسبب شظايا تسبّبت بنزيف وأضرار في الامعاء. في 11.6.21 حصلت على تصريح وسافرت إلى المستشفى الأهليّ في الخليل وهناك أجريت لي عمليّات جراحيّة في اليد والرّجل اليمنى. بقيت هناك لمدّة نصف سنة ثمّ في 5.12.21 عدت إلى غزّة وكنت عاجزاً عن المشي والنطق لأنّ الإصابة في رأسي سبّبت لي شللاً في الجزء الأيمن من جسمي لم أستطع جرّاءه تحريك يدي اليمنى ورجلي اليمنى ولا تزال كلاهما ملفوفتين بالجبس. حاليّاً أنا في حاجة إلى زراعة عظم في الجزء الأيسر من الجمجمة. خضعت للعلاج الطبيعيّ والعلاج بالنطق في مستشفى الهلال الأحمر في غزّة، لكنّني ما زلت أتصعّب في النطق والمشي. أستعين بعكّازين إلى حين تركيب رجل اصطناعيّة في مستشفى حمد. حياتي كلّها تغيّرت منذ إصابتي - يدي ورجلي مشلولتان؛ الناس يتعاملون معي كعاجز وينظرون إليّ كمُعاق وهذا صعب جدّاً عليّ؛ معظم الوقت أحتاج إلى مساعدة الآخرين بسبب الشلل؛ وقد أدركت أنّ حياتي لن تعود كما كانت. أتلقّى العلاج النفسيّ بسبب مصاعبي النفسيّة في مجابهة وضعي. قبل إصابتي كان كلّ شيء عاديّاً - كنت طالب حقوق في السنة الثالثة في جامعة الأزهر في غزّة لكنّني لم أستأنف دراستي بسبب وضعي. كان حلمي أن أعمل في مجال المحاماة لأساعد الناس على تحصيل حقوقهم. وأمّي أيضاً كانت ترغب في أن يكون ابنها البكر متعلّماً وناجحاً. أنا مُنهك من طلب المساعدة من والدتي وإخوتي كل الوقت. هُم يساعدونني على ارتداء ملابسي، على تناول طعامي وشرابي وعلى دخول المرحاض. وهُم يرافقونني أيضاً إلى جميع العلاجات. لا أستطيع التنقّل كما أشاء أو مجرّد أن الخروج إلى الشارع وقضاء الوقت مع أصدقائي. لقد فقدت قسماً من أصدقائي المقرّبين لأنّهم شعروا بأنّني أصبحت عبئاً عليهم. حياتي أمضيها في المستشفيات من علاج إلى علاج. أرجو ألا يستمرّ هذا العذاب وقتاً طويلاً. الطفلة سارة المتربيعي (5 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل فاخترق سقف منزل عائلتها الكائن في حيّ الصّبرة في مدينة غزّة. والدتها لينا المتربيعي (27 عاماً، أمّ لثلاثة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.5.22 فقالت: في 14.5.21 نحو السّاعة 20:30، كان زوجي زاهر (43 عاماً) يجلس في غرفة الصّالون وكنت قد أطعمت ابنتي سارة (5 سنوات). فجأة ودون سابق إنذار اخترق صاروخ سقف منزلنا وسقط في الغرفة التي كنّا جالسين فيها. قصفوا الشقّة التي من فوقنا. الرّكام غطّانا أنا وسارة. خفت أن يكون زوجي قد استُشهد وخشيت أن يكون الجيش الإسرائيلي استهدف منزلنا. سارة كانت تحت الحجارة تبكي دون توقّف وقد تمكّنت من سحبها قريباً منّي. بعد ذلك جاء زوجي وأخذها. كنت حاملاً في الشهر الخامس وشظايا الصّاروخ دخلت في بطني وظهري وذراعي اليمنى. ارتديت ملابس الصّلاة ثمّ أخذنا سارة إلى خارج المنزل لكي نعثر على سيّارة إسعاف أو سيّارة مدنيّة تُخليها إلى المستشفى. بعد بضع دقائق أغمي على سارة ثمّ وصلت سيّارة الإسعاف وأخذتها إلى مستشفى الشفاء حيث أدخلوها إلى قسم العناية الفائقة. كانت لديها إصابة في الجمجمة سبّبت لديها التهاباً في غشاء الدّماغ وكسر مفتوح في العمود الفقريّ وشظايا في العمود الفقريّ سبّبت شللاً في كلتي رجليها. قال لنا الأطبّاء إنّ حالتها حرجة للغاية وطلبوا أن نصلّي وندعو الله من أجلها. استعادت سارة وعيها بعد ثلاثة أيّام لكنهم لم يسمحوا لي بزيارتها سوى بعد ستّة أيّام. بعد ذلك نقلوها إلى قسم جراحة الأطفال في مستشفى الشفاء حيث مكثت أربعة أيّام. كانت حالتها خطيرة جدّاً - لم تكن قادرة على الإبصار أو النطق. بعد مضيّ عشرة أيّام، في 24.5.21، حصلنا على تصريح سفر إلى الأردن لمعالجة سارة في مستشفى الحسين. سافرنا عبر حاجز "إيرز". في المستشفى، هناك، خضعت سارة لأكثر من عشرين عمليّة جراحيّة في الظهر، لإصلاح وإعادة تأهيل عمودها الفقريّ وتثبيته بواسطة بَراغٍ. كما أجريت لها عمليّة زرع جلد في رجليها. كانت حالة سارة النفسيّة صعبة جدّاً، حتى أنّها بالكاد كانت تأكل. كانت طوال الوقت تجهش بالبكاء وتصرخ وفي اللّيل كانت تنتابها كوابيس. تلقّت هناك علاجاً نفسيّاً أيضاً. بعد نحو أربعة أشهر، في 23.9.21، أنجبت ابني عبد الله في مستشفىً في الأردن، في جراحة قيصريّة. فترة التعافي من العمليّة القيصريّة وعلاجات تأهيل سارة كانت من أصعب فترات حياتي. عدنا إلى غزّة في 17.11.21، بعد أن نصف سنة تقريباً من إصابة سارة وكانت حالتها لا تزال صعبة. لم تكن قادرة على المشي وبالتالي ملازمة لكرسيّ عجلات. لم يتحسّن وضعها حتى يومنا هذا وقد حوّلها الأطبّاء في مستشفى حمد للعلاج الطبيعيّ وآخذها للجلسات مرّة كلّ أسبوع أو أسبوعين. تعاني سارة أيضاً من عدم التحكّم بالبول ولذلك أفرغ بولها بواسطة أنبوب وأغيّر حفاضاتها بانتظام. وحيث أنّ زوجي عاطل عن العمل فنحن لا نستطيع أن نوفّر لسارة جميع احتياجاتها. أحياناً نحصل على حفاضات كتبرّع من جمعيّات ومنظمات إغاثة. لكي تتمكّن سارة من التنقّل استأجرنا شقّة في الطابق الأوّل من بناية فيها مصعد كهربائي، مقابل 500 شيكل شهريّاً. حالة سارة ما زالت غير مستقرّة وهي تظلّ متعبة معظم الوقت ولكن رغم ذلك آخذها إلى الروضة في الفترات التي تتلقّى فيها العلاج. الحمد لله أنّها تحبّ أصدقاءها وهُم يساعدونها ولا يُبقونها وحدها أبداً. هي لا تفهم وضعها كثيراً. أحياناً تسأل لماذا قصفها الجيش ولماذا هي لا تزال مريضة فأقول لها إنّها قويّة. عليّ أن امسك بها أثناء استحمامها وأن ألبسها ملابسها وهذا صعب ومُتعب جدّاً. ولكن رغم أنّ الأمر مُنهك فأنا أريدها أن تبقى فعّالة ونشيطة قدر الإمكان، إذ ربّما يُلهيها ذلك قليلاً عن إعاقتها. عندما تكون في المنزل تزحف على الأرض أو تجلس على الكنبة أو على كرسيّ العجلات. هي لا تزال خائفة طوال الوقت من احتمال حدوث مكروه وتطلب منّا ألا نتحدّث عن إصابتها أو عن الحرب. عندما تنظر إلى نفسها في المرآة تطلب منّي أحياناً أن أغطّي رجليها لأنّ رؤيتهما تزعجها لكنّني أصرّ أحياناً أن تسمح لنفسها بالنظر إلى موضع إصابتها فربّما يساعدها ذلك على تقبّل وضعها. هي تصاب بذُعر شديد من أيّة ضجّة قويّة وتخاف أن تبقى وحدها في المنزل، لذلك فأنا كثيراً ما أصحبها في نزهات إلى شاطئ البحر لكي تروّح عن نفسها وتهدأ. أيّ ذنب ارتكبته سارة؟ هي كانت جالسة في المنزل فقط تتناول وجبة العشاء. لقد قصفونا دون سابق إنذار وسلبوا ابنتي كلّ شيء جميل في حياتها. قلبي يتقطّع ولكن قرب سارة أحاول أن أبقى قويّة وأخفي عنها حسرة قلبي. هي بحاجة الآن إلى إعادة تقييم لوضعها في مستشفىً خارج القطاع لأنّه لا تتوفر هنا الموارد التي يمكن أن تساعدها. تستطيع تلقّي علاج جيّد خارج القطاع فقط، في مستشفيات الدول العربيّة أو في إسرائيل أو في أوروبا. فرح البحطيطي (6 سنوات) أصيبت بجروح بالغة جرّاء صاروخ أطلقته إسرائيل وسقط خارج منزل عائلتها الكائن في حيّ الشجاعيّة في مدينة غزّة. والدتها هبة البحطيطي (32 عاماً وأمّ لستّة) أدلت بإفادتها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 19.5.22 فقالت: في 12.5.21، اليوم الأخير من شهر رمضان، نحو السّاعة 14:00، أرسلتُ ابنتي الصّغيرة فرح لشراء بعض الحاجيّات من دكّان قرب بيتنا. كانت سهام (30 عاماً)، شقيقة زوجي، تنظّف الدّرج فرأت فرح ذاهبة ونادتها لترجع إلى البيت لأنّها خشيت أن يصيبها سوء. فجأة سمعنا انفجاراً مدوّياً في الخارج - تحطّم زجاج جميع النوافذ وتناثرت حجارة البناية في الهواء. عندما سمعت سهام تصرخ "لقد استُشهدت فرح!" ركضتُ إلى الخارج فرأيت سيّارة تحترق وفي داخلها شهيد لم أميّزه. بجانب السيارة كان ثمة جرحى كثيرون. كانت فرح ملقاة على الأرض مغمىً عليها، قريباً من المنزل. وكان دمها ينزف من كلّ أنحاء جسمها. صُدمت وهالني حالُها وكنت على وشك الانهيار لظنّي أنّها ربّما استُشهدت. صرخت عمّتها وفاء (23 عاماً) تقول إنّ فرح على قيد الحياة ثمّ شرعت تبحث عن سيّارة تُخليها من هناك. أخذوا فرح إلى قسم العناية الفائقة في مستشفى الشفاء وهناك شخّصوا حالتها بأنّها خطيرة جدّاً. بعد نصف ساعة على إخلاء فرح جاءت سيّارة إسعاف أخرى وأخلت سهام، إذ كانت قد أصابتها شظايا في رجلها اليسرى. ظلّت فرح غائبة عن الوعي طيلة 12 يوماً. فترة طويلة جدّاً، حتى أنّني خشيت ألا تستردّ وعيها. سمحوا لشخص واحد فقط بالدّخول إلى غرفة العناية الفائقة فكان رفعت زوجي (39 عاماً) هو الذي يزورها. قال إنّ وضعها صعب جدّاً ورجلها اليسرى ويدها اليسرى قد تهشّمتا تماماً. لم يكن باستطاعتي فعل أي شيء من أجلها سوى الصّلاة والدّعاء. خضعت فرح لعدّة عمليّات جراحيّة، بضمنها استئصال الأمعاء وتركيب بلاتين في يدها ورجلها. عندما خرجت من العناية الفائقة لم تكن تتكلّم أو تسمع جيّداً ولم تتعرّف على أيّ منّا. طيلة أسبوعين ظننت أنّها خرست أو فقدت القدرة على النطق. صرت أزورها ومعي إخوتها وأبناء عمومتها وأصدقاؤها وحينئذٍ بدأت تستجيب قليلاً. قدّمنا عدّة طلبات للحصول على تصريح لمعالجتها في مستشفىً في الأردن وأخيراً حصلنا في 3.6.21 على تصريح للسّفر عبر حاجز "إيرز". سافرت مع فرح عبر حاجز "إيرز" إلى المستشفى التأهيليّ في الأردن. كانت لديها إصابات أيضاً في مؤخّرة رأسها وشظايا في الرّئتين والبطن والعُنق وفي يدها اليسرى وكفّي قدميها كما في عينها اليسرى وأذنها اليمنى. الشظايا التي في يدها اليسرى سبّبت ضرراً في عصب الرّسغ والشظايا التي دخلت إلى كفّي قدميها سبّبت ضرراً للأوتار. كذلك فقدت فرح الكثير من أنسجة الجلد وخضعت لعمليّات زرع جلد في البطن والرّجل اليسرى كما خضعت أيضاً لفحوصات وصور كثيرة في المستشفى. أمضينا في الأردن ثلاثة أشهر ثمّ عدنا إلى غزّة في 5.9.21 واستأنفت فرح علاجها التأهيليّ في المستشفى الأردني في غزّة. عندما تحسّن وضعها صارت تمشي. حاليّاً هي تتلقّى العلاج الطبيعيّ في المنزل على يد مُعالج من "الجمعيّة الوطنيّة للتأهيل". اليوم تستطيع أن تُمسك بأشياء خفيفة الوزن بيدها اليمنى لكنّها لا لا تستطيع التحكّم بيدها اليسرى بعد. ينبغي أن تضع فرح ضمادات ضغط تكون مشدودة مباشرة على الجلد لمنع تورّمه لكنّها تُزيلها أحياناً لأنّها تضغط عليها كثيراً ولا تتحمّلها. تحتاج فرح إلى زرع جلد وإعادة بناء الأوتار المتضرّرة وسوف نذهب في نهاية الشهر لفحص لدى مختصّ في الأطراف. كلما نظرت فرح إلى جسمها في المرآة تبكي وتسأل "لماذا فعل الإسرائيليّون هذا بي؟". ما زالت تخاف هدير الطائرات وكلّما سمعته تظنّ أنّها جاءت لتستهدفها. أحاول أن أهدّئها وأطمئنها، أقول لها إنّ الحرب قد انتهت ونحن جميعاً هنا معك. دائماً تنتابها كوابيس في اللّيل وهي تخاف من أمور بسيطة - حتى من الماء أثناء الاستحمام ومن الأطبّاء والحقن. منذ إصابتها تعاني فرح من التبوّل اللّاإراديّ وأنا أضع لها حفاضات بشكل دائم. كنت أنام بجانبها في اللّيل وفقط مؤخّراً صارت تقبل أن تنام لوحدها. الآن هي تنام بجانب أختها رغم أنّها ما زالت خائفة وقلقة. فرح تذهب إلى صفّ البستان في الأيّام التي ليست فيها علاجات أو فحوصات ولكن ليس من السّهل عليها التعامُل مع أسئلة الأطفال عن وضعها. أخشى طوال الوقت أن يؤذيها طفلٌ في البستان، ولو بشكل غير متعمّد. تلقّينا دعماً من سيّدة فاضلة تبنّت فرح وتكفّلت بمصاريف سفرنا إلى الأردن وإقامتنا هناك. لكنّ وضعنا الاقتصاديّ الآن سيّء للغاية - نحن نسكن في شقّة واحدة في اكتظاظ شديد مع 28 شخصاً من العائلة. مصدر معيشتنا الوحيد مدخول زوجي من بسطة الفواكه خاصّته وهو لا يكفي لسدّ احتياجات أطفالنا الستّة: التوأم بولا وفؤاد (15 عاماً) ومحمد (13 عاماً) وأحمد (11 عاماً) ويوسف (8 سنوات) وفرح (6 سنوات).

30 آب/أغسطس 2022

محمد أبو معوّض (15 عاما) الجزء السفلي من جسده مشلول منذ إصابته برصاص جنود بتاريخ 3.5.19. تصوير: ألفت الكرد، بتسيلم 26.12.19

سياسة إطلاق النار

يطلقون النار ويمنعون علاج الجرحى: 155 حالة بتر أطراف و-27 حالة شلل خلال سنتين - هكذا تعاقب إسرائيل من يجرؤ على الاحتجاج ضدّ الحصار في قطاع غزّة.

انطلقت في آذار 2018 "مظاهرات العودة" قرب الشريط الحدوديّ في قطاع غزّة احتجاجًا على الحصار الذي تفرضه إسرائيل على القطاع ومطالبة بممارسة حقّ العودة. سياسة إطلاق النار المخالفة للقانون التي تطبّقها إسرائيل في هذه المظاهرات تسمح للجنود بإطلاق الرّصاص الحيّ نحو متظاهرين عزّل لا يشكّلون خطرًا على أحد وقد سبق أن وثّقتها بتسيلم بتوسّع. لقد أسفرت هذه السّياسة عن نتائج مروّعة: أكثر من 200 متظاهر قُتلوا وجُرح حتى نهاية كانون الثاني 2020 بالرّصاص الحيّ نحو 8,000 متظاهر من بينهم ما يقارب 1,500 قاصر ونحو 150 امرأة. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) حتى نهاية عام 2019 أنّ الأطبّاء اضطرّوا إلى بتر أطراف 155 متظاهرًا تقريبًا من بينهم 30 قاصرًا كما أن هناك 27 متظاهرًا يعانون الشلل نتيجة لإصابات في العامود الفقريّ. لا تنتهي المعاناة عند حدّ الإصابة البليغة بل هي بداية رحلة من العذاب تشمل العلاجات والفحوصات والعمليّات الجراحيّة التي يخضع لها المصابون ثم صعوبات تأقلمهم مع ظروف حياتهم الجديدة. لكنّ مصابي مظاهرات غزّة يشقون في عذابات أكثر تعقيدًا: الحقّ أنّه من الصّعب على أيّ جهاز صحّة الصّمود في ظرف توافُد الجرحى بهذه الأعداد الكبيرة ولكنّ جهاز الصحّة في غزّة حتى قبل مظاهرات العودة كان يعاني نقصًا في الأدوية والأطبّاء والأجهزة نتيجة للحصار المفروض على غزّة والذي يُمنع الاطبّاء جرّاءه حتى من الخروج للاستكمالات المهنيّة. نتيجة لهذا كلّه معظم الجرحى لا يتلقّون العلاج الذي يحتاجونه ممّا يسبّب مضاعفات خطيرة في بعض الحالات ويصبح الأمر أصعب إذا أخذنا بالحسبان النقص في مؤسّسات العلاج التأهيليّ في قطاع غزّة. هناك عدد قليل من الجرحى يحصلون على فرصة تلقّي العلاج خارج قطاع غزّة - في مستشفيات الضفة الغربيّة (بما فيها شرقيّ القدس) لكنّ هذا يحدث فقط في حالات استثنائيّة حصل فيها الجرحى على تصريح دخول إلى إسرائيل - وقد سبق أن أعلنت إسرائيل منذ انطلاق المظاهرات أنّها ستقل في إصدار التصاريح. تفيد معطيات منظّمة الصحّة العالميّة (WHO) أنّه منذ بدء مظاهرات العودة وحتّى نهاية عام 2019 قدّم 604 مصابين في مظاهرات العودة طلبات تصريح دخول عبر حاجز إيرز لأجل تلقّي العلاج في الضفة الغربية (وبضمنها شرقيّ القدس) أو في إسرائيل. 17% فقط منها تمت الموافقة عليها فيما رُفض ما نسبته 83% رفضًا مباشرًا أو بالامتناع عن الردّ عليها. هناك جرحى اضطرّوا إلى تلقّي العلاج في دول أخرى مثل مصر وتركيا وبعضهم على حسابهم الخاصّ. في إفادته أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد قال فتحي أبو معوّض من مخيّم جباليا للّاجئين - جدّ الفتى المصاب محمد (15 عامًا): صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي. تحدّث عدد من المصابين في إفاداتهم أمام باحثي بتسيلم الميدانيّين في قطاع غزّة عن ملابسات إصابتهم ومواجهة صعوبات ما بعد الإصابة في ظروف لا تطاق: محمد الزعيم (26 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 6.4.18: في 6.4.18 في الجمعة الثانية للمظاهرات ذهب محمد الزعيم وهو صاحب حانوت قرطاسيّة إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزة. نحو السّاعة 17:00 أطلق جنود الرّصاص الحيّ على محمد وأصابوه في ساقيه. نُقل محمد إلى الخيمة الطبّية ومن هناك نُقل إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة. بعد أن رقد للعلاج طوال عشرة أيّام تمّ تحويله إلى المستشفى الاستشاري في رام الله فسافر إلى هناك برفقة جدّه وهناك اضطرّ الأطبّاء إلى بتر ساقه اليسرى. أدناه إفادة محمد الزعيم أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 17.12.19، محدّثًا عن حياته بعد الإصابة: عندما علمت أنّهم قطعوا رجلي انتابتني الصّدمة. أنا شابّ في بداية حياتي، كيف يقطعون رجلي! بعد أن عدت إلى المنزل كان عليّ أن أخضع أيضًا لعمليّة زرع عصب في ساقي اليمنى وزرع عظام وأعصاب في ساقي اليسرى وعلاجات أخرى. طلبت تحويلي للعلاج مرّة أخرى في مستشفى في رام الله ولكنّ الجواب كان دائمًا أنّ طلبي قيد الفحص. كنت يائسًا ومحبطًا من ذلك فرفضت تلقّي العلاج في قطاع غزّة لأنّني خشيت أن يسبّبوا أضرارًا لساقي. في تشرين الأوّل سافرت مع والدي إلى مصر لإجراء عمليّات جراحيّة وتركيب ساق اصطناعيّة يسرى. مكثت هناك تسعة أشهر. دفعت تكاليف السّفر والسّاق الاصطناعيّة من حسابي الخاصّ. الآن أنا أحتاج عمليّة أخرى في ساقي اليسرى. حالتي النفسيّة اليوم صعبة فأنا أمضي يومي نائمًا أو قبالة التلفزيون. لا أريد أن أرى الناس ولا ألتقي كثيرًا بأصدقائي. أحسّ أنّني أصبحت عالة وعبئًا كبيرة على أسرتي وخاصّة والدتي التي تهتمّ بي وقلّما تخرج من المنزل لأنّها مضطرّة إلى البقاء بجانبي. أحيانًا أحسّ بالاختناق وأصاب بنوبات عصبيّة فأكسّر ما تطاله يدي من أغراض المنزل. لا أستطيع اليوم ركوب درّاجتي الناريّة أو لعب كرة القدم التي كنت أحبّها كثيرًا. لقد اقترحوا عليّ المشاركة في مباريات سباحة وكرة قدم تقيمها جمعيّة لتأهيل المعاقين ولكنّني رفضت. لا أريد أن ينظر الناس إليّ بإشفاق. لهذا السّبب لا أخرج كثيرًا من المنزل في ساعات النهار. أنا أستخدم عكّازين عند الخروج ولا أخرج سوى في اللّيل تحت جُنح الظلام. كان لدينا دكّان اضطررنا لإغلاقه لأنّ والدي يعاني من مرض في القلب. ربّما أتّجه للدّراسة ذات يوم ورّبما أتزوّج وأنشيء أسرة. أنا أفكّر في هذا الموضوع. أستصعب النوم من كثرة الأوجاع وأقضي الليل بالتفكير بإصابتي والعلاجات. لا أغفو إلّا بعد تناوُل مسكّنات الأوجاع. في الشتاء تشتدّ الأوجاع بسبب البرد. أحيانًا يصعب عليّ كثيرًا النظر إلى ساقي الاصطناعيّة لأنّ منظرها يُسبّب لي الاكتئاب. لقد دمّرت إسرائيل حياتي جسدّيًا ونفسيًّا. جلال أبو حيّة (39 عامًا) أب لخمسة أبناء من سكّان عبسان الكبيرة، أصيب في 14.5.18: يعمل جلال أبو حيّة في جهاز الدّفاع المدنيّ وقد اعتاد تقديم الإسعاف الأوّلي للمصابين في المظاهرات. في يوم الاثنين الموافق 14.5.18 نحو السّاعة 8:00 وصل جلال إلى المظاهرة التي أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة عبسان الجديدة. قرب السّاعة 11:00 أطلق جنديّ الرّصاص الحيّ وأصابه في ظهره. نُقل جلال إلى مستشفى ناصر في خان يونس حيث تبيّن أنّ الرّصاصة أصابت عاموده الفقريّ. من هناك تمّ تحويله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس لإخراج الرّصاصة. بعد العمليّة رقد في المستشفى طيلة ثمانيّة أيّام ثمّ نُقل إلى العلاج التأهيليّ في مستشفًى تابع للهلال الأحمر في خان يونس حيث خضع للعلاج طيلة أربعة أسابيع. من هناك عاد جلال إلى منزله مشلولًا في النصف الأسفل من جسده. أدناه إفادة جلال أبو حيّة، أدلى بها في 22.12.18 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ خالد العزايزة قائلًا: بعد أن خرجت من المستشفى كنت في وضع صعب جدًّا. قال الأطبّاء إنّه يجب تقليبي في الفراش كلّ ساعتين لئلّا تحدث تقرّحات وكانت زوجتي تضطرّ إلى الاستيقاظ مرارًا في اللّيل لكي تقلبني. كانت الجروح تؤلمني كثيرًا. كنت مشلولًا وعبئًا على زوجتي فكانت حالتي النفسيّة متردّية جدًّا. كنت أفكّر دائمًا كيف يمكنني التخفيف عنها فقرّرت بناء سرير يمكنني التقلّب فيه بواسطة رافعات. وفعلًا بنيت السّرير بمساعدة ابني محمد (17 عامًا). استغرق ذلك سبعة أشهر وقد اشتريت جميع القطع وأدوات العمل اللّازمة على حسابي الخاصّ. عندما بدأت باستخدام السّرير اطمأنّيت - لم أعد بحاجة لمساعدة من زوجتي واعتمدت على ساعة منبّه. أعاني أوجاعًا شديدة في الجزء المشلول من جسمي وأتناول المسكّنات وهذه أشتريها من حسابي الخاصّ لأنّ العيادات العامّة لا توفّرها لنا. بعد شهر من استخدام السّرير أخذت أتنقّل بواسطة كرسي متحرك. كنت أمارس سابقًا هواية صنع السّكاكين والشباري وبعد إصابتي قرّرت كسب رزقي من صنع الشباري في المنزل وبيعها. ولأنّني لا أستطيع استخدام منشار الحديد الدّائريّ (القرص) قمت بتصميم أدوات عمل لجلخ الحديد تريحني كثيرًا في العمل وتساعدني إلى صُنع منتجات بنوعيّة جيّدة. وبما أنّني أتصعّب كثيرًا في التحرّك حيث أتنقّل بواسطة كرسيّ متحرك فقد بنيت ممرًّا خاصًّا فوق درجات مدخل المنزل لتسهيل خروجي ودخولي. ولكنّني ما زلت بحاجة لمن يساعدني في دفع الكرسيّ عند صعود الممرّ. أنا لا أخرج كثيرًا من المنزل بسبب صعوبة التنقّل وإذا ما رغبت بزيارة أحد عليّ التأكّد أوّلًا أنّ المبنى خالٍ من الأدّراج. أقلّل من اللّقاءات الاجتماعيّة لكيلا أكون عبئًا على أحد وكذلك لأنّ الانتقال من مكان إلى آخر يسبّب لي أوجاعًا. ما زلت أتلقّى جزءًا من راتبي من جهاز الدّفاع المدنيّ كما أتلقّى مخصّصات من جمعيّة قَطَريّة. قبل الإصابة كنت أعمل أحيانًا في القصارة ولكنّني اليوم لا أستطيع ذلك. حالتي تؤثّر طبعًا على وضع أسرتي الاقتصادي لأنّ مدخولنا أصبح أقلّ. أحمد الخضري (21 عامًا) من سكّان مدينة غزّة، أصيب في 1.3.19: كان أحمد الخضري عامل بناء. في الثالثة والنصف من عصر يوم الجمعة الموافق 1.3.19 ذهب للمشاركة في مظاهرة أقيمت قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ مدينة غزّة. بعد مضيّ ساعة أطلق جنديّ عيارًا ناريًّا أصاب أحمد في ساقه اليمنى فنُقل إلى الخيمة الطبّية ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء حيث أجريت له عمليّة جراحيّة. بعد مرور يومين بتر الأطبّاء ساقه من تحت الرّكبة وبعد أسبوع خرج من المستشفى. أدناه إفادة أحمد الخضري، أدلى بها في 16.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد محدّثًا عن حياته منذ إصابته: بعد قطع ساقي مررت بفترة صعبة من الناحية النفسيّة فقد انتابني حزن عميق وشعور بالعجز. كان الناس ينظرون إليّ بإشفاق بسب وضعي وكنت بدوري أنظر إلى الناس الذين يسيرون بشكل طبيعي وأبكي. كانت نفسيّتي محطّمة. قبل قطع ساقي كنت أعمل في البناء وأساعد والدي في إعالة الأسرة ومصروفات المنزل. كذلك كنت أمارس لعبة كرة القدم والسّباحة في البحر. أمّا اليوم فأمشي معتمدًا على العكاكيز ولا أستطيع العمل في البناء. قبل ثمانية أشهر تقريبًا انضممت إلى مجموعة دعم نفسي ونحن نقوم بتدريبات رياضيّة معًا ونخرج في جولات ورحلات. أذهب إلى هناك تقريبًا بشكل يوميّ خلال الأسبوع. أحاول أن أمتلك حياتي من جديد: عدت إلى ممارسة هواياتي ولكنّ الأمر صعب فأنا ألعب كرة القدم ولكن اللّعب بساق مبتورة لا يكون بمستوى من لديه ساقان. حاولت أيضًا السّباحة في البحر ونجحت في ذلك. أنا أتحدّى الإعاقة ولا أريد أن يشفق الناس عليّ. أحاول تدبّر أموري أثناء الاستحمام دون مساعدة وأعدّ الطعام لنفسي. هذا صعب ولكنّني لا أتنازل. أشعر أنّ الأولاد في الشارع والحارة يخافون من منظري بسبب رجلي المقطوعة وهذا يضايقني. عندما رأت شقيقتاي الصّغيرتان – ليان (7 سنوات) ولمى (6 سنوات) - رجلي للمرّة الأولى فرّت كلتاهما خوفًا فتألّمت كثيرًا لهذا. لكنّني رويدًا رويدًا تقرّبت منهما وساعدتهما على تقبّل وضعي وعدم الخوف منّي. أنا شابّ في بداية حياتي وأخشى ألّا أجد شابّة أتزوّجها. أفكّر في ذلك دائمًا. كنت أحبّ العمل والآن لا أستطيع ذلك. في الآونة الأخيرة أذهب إلى المستشفى للتدرّب على استخدام السّاق الاصطناعيّة التي سيقومون بتركيبها في الأسبوع القادم. آمل أن يكون مقاسها ملائمًا وألّا تسبّب لي المشاكل. فكرة تركيب ساق اصطناعيّة صعبة جدًّا عليّ ولكنّني آمل أن أتقبّلها وأن يتوقّف الناس عن التعامُل معي بإشفاق. محمد أبو معوّض (15 عامًا) من سكّان مخيّم جباليا للّاجئين، أصيب في 3.5.19: محمد أبو معوّض تلميذ في مدرسة مهنيّة يتعلّ الخياطة. نحو الثانية والنصف من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 3.5.19 ذهب محمد ليشارك في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ المخيّم. نحو السّاعة 19:00 أطلق عليه جنديّ النار وأصابه في صدره. من ثمّ نُقل محمد إلى المستشفى الإندونيسي القريب من المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة نظرًا لخطورة وضعه. في مستشفى الشفاء أجريت له عمليّة لإخراج الرّصاصة لكنّه بقي مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. بعد مضيّ عشرة أيّام نُقل محمد لتلقّي العلاج التأهيليّ في مستشفى حمد في مدينة غزّة وبعد شهر غادرة المستشفى إلى منزله. أدناه إفادة الفتى محمد معوّض - أدلى بها في 26.12.19 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد واصفًا ما جرى له:: قبل الإصابة كنت أتعلّم الخياطة في مدرسة مهنيّة وكنت أقضي معظم وقتي خارج المنزل: أركب درّاجتي الهوائيّة وألعب كرة القدم مع أصدقائي وأرتاد أماكن ألعاب الحاسوب وأيضًا أذهب إلى السّوق لشراء الحاجيّات لأسرتي. كانت حياتي غنيّة وكنت سعيدًا فيها. الآن أنا ألازم المنزل وسريري الطبّي الخاصّ وأتسلّى طوال الوقت بالهاتف - ألعاب أو مشاهدة أشرطة الفيديو. لا أذهب إلى المدرسة ولا أركب الدرّاجة ولا ألعب مع أصدقائي. هذا كلّه سرقوه منّي. حين أشاهد أولاد المخيّم يلعبون وأسمع أصواتهم وهم فرحين أو يصرخون على بعضهم البعض أتمنّى لو أنّني معهم. ولكنّني أشفق على نفسي ثمّ أغضب وأبكي وآخذ في تكسير أغراض المنزل. نحن عائلة تعيش في ظروف صعبة جدًّا: والدي عاطل عن العمل ونحن أسرة من ثمانية أنفار نسكن بالإيجار في الإسكان الشعبيّ في مخيّم جباليا للّاجئين. كانت لديّ آمال أن أعمل خيّاطًا وأساعد والدي في تربية إخوتي وإعالة الأسرة لكنّني الآن مشلول ولا أقدر على فعل شيء. أعاني من التقرّحات لأنّها تؤلمني كثيرًا. يأتي إلى منزلنا مرّتين في الأسبوع طاقم من جمعيّة طبّية يقوم بتغيير الضمادات وتضميد جراحي من جديد. أعاني كذلك من فقر الدم وأذهب إلى المستشفى الإندونيسيّ حيث أتلقّى وجبات دم. أتمنّى الخضوع لعمليّات جراحيّة خارج قطاع غزّة لكي أتمكّن من المشي من جديد فتعود لي حياتي الطبيعيّة وأعود إلى اللّعب كالسّابق. أدناه إفادة فتحي أبو معوّض جدّ الفتى محمد (62 عامًا) وهو أب لتسعة أبناء، أدلى بها أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 15.1.20 محدّثًا عن وضع حفيده: صُدمت عندما أخبرني الطبيب أنّ محمد سيظلّ مشلولًا في الجزء السفليّ من جسده. خرجت إلى ساحة المستشفى وأجهشت بالبكاء. بكيت أساسًا لأنّ محمد حفيدي الأوّل ومقرّب كثيرًا إلى قلبي. عندما أدخلوه إلى غرفة العمليّات كنت أمسكه وأبكي. تركته بصعوبة. وقفت عند الباب وانتظرت خروج محمد من العمليّة. كان معي ابني رمزي - والد محمد وكان هو أيضًا متألّمًا جدًّا لحال ابنه. كان ذلك من أصعب أيّام حياتي. خلال رقوده للعلاج في المستشفى كان محمد يسألني دائمًا "هل سأمشي من جديد؟" وكنت أقول له "نعم ولكن هناك علاجات وأدوية يجب أن تأخذها أوّلًا". كنت دائمًا أطمئنه بأنّه سوف يُشفى ولا أستطيع أن أخبره عن حقيقة وضعه. لكنّه كان يقول لي إنّه لا يشعر بالجزء السفلي من جسده عندما كنت أساعده على تحريك جسده في السّرير أو تغيير حفاظه الصحّي لأنّه لا يسيطر على خروجه. أحيانًا كان محمد يحاول النهوض من سريره فيتذكّر فجأة أنّه لا يستطيع ذلك. كم كنت أحزن عندما يحدث له ذلك. كان ينتابني اليأس والحزن فأسرع للخروج من الغرفة وأجهش بالبكاء. بعد مضيّ عشرة أيّام نقلوا محمد إلى مستشفى حمد للعلاج التأهيليّ في مدينة غزة. كنّا نراه فقط في أوقات الزّيارة المحدّدة. كان يتّصل بي أثناء اللّيل ويقول "أنا خائف. لماذا وضعوني في هذا المستشفى؟" فكنت أطمئنه وأهدّئ من روعه قائلًا "هذا لكي تتلقّى العلاج وتشفى يا محمد وتمشي من جديد". لكنّه كان يجيبني "أنت تكذب يا جدّي. لا أحد يريدني ولا أحد يحبّني. لو كنت تحبّني لما تركتني وحيدًا في المستشفى. لقد عافت نفسي. أنا أكره المستشفى". بسبب الأوجاع يعاني محمد منذ إصابته نوبات غضب - يقذف أغراض المنزل ويكسرها. إنّه يبقى في السّرير ولا يخرج إلّا قليلًا على الكرسي المتحرك ليلتقي أصدقاءه من أبناء المخيّم. أرى الحزن في عينيه وهو ينظر إلى أصدقائه يمرحون ويلعبون فيما هو "مقيّد" إلى الكرسي المتحرك. أنا ووالداه لا نفارقه. والدة محمد تعاني مشاكل نفسيّة نتيجة صدمة حرب 2014 وهي تتناول الأدوية لكي تتمكّن من رعاية أسرتها. ابني رمزي عاطل عن العمل ويتلقّى مخصّصات من وزارة الرّفاه مبلغ 1,800 شيكل كلّ خمسة أو ستّة أشهر. إنّهم أسرة مؤلّفة من 8 أنفار ويعيشون في ظروف صعبة جدًّا وخاصّة منذ إصابة محمد لأنّه يحتاج إلى أدوية وحفاظات صحيّة وغذاء. في الشتاء يعانون كثيرًا لأنّ المطر يدلف إلى منزلهم عبر السّقف. أدعو الله أن يشفي محمد. إنّه يحتاج الكثير من العناية والعلاجات. هو يريد إجراء عمليّة خارج القطاع ولكن وزارة الصحّة لم توافق على تحويله لأنّهم يعتقدون أنّه لا فائدة تُرجى منها. أنا أقوم بما أستطيع أسانده وأبقى معه وأوفّر له ما أقدر عليه وأهتمّ بإدخال الفرح إلى قلبه. نزيهة قديح (39 عامًا) من سكّان عبسان الكبيرة، أصيبت في 14.5.18: نزيهة قديح تعمل مزارعة. في العاشرة من صباح يوم الاثنين الموافق 14.5.18 وصلت للمشاركة في مظاهرة قرب الشريط الحدوديّ شرقيّ بلدة خُزاعة. بعد ستّ ساعات ونحو السّاعة 16:00 أصيبت في ساقها اليمنى جرّاء نيران أطلقها جنديّ ونُقلت إلى الخيمة الطبّية. من هناك نُقلت نزيهة إلى المستشفى الأوروبيّ جنوبيّ خان يونس حيث بتر الأطبّاء ساقها. أدناه إفادة نزيهة قديح - أدلت بها في 12.1.20 أمام باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد. قالت: بعد أن أنهيت دراستي الثانويّة توجّهت للعمل في أراضي عائلتنا وأيضًا أراضي الجيران. كنت أزرع بعض الخضار وأحرث الأرض وأحصد القمح. ساعدت أسرتي أيضًا في قطف الزيتون كلّ سنة. كنت أحبّ العمل الزراعيّ بحيث أخرج من المنزل في الصّباح وأعود في ساعات المساء. وكان يسرّني أنّني قادرة على إعالة نفسي وأسرتي فوالداي مسنّان وأخي صهيب (34 عامًا) أصيب هو أيضًا في "مظاهرات العودة" وبُترت ساقه. هو متزوّج وأب لأربعة أبناء وابنتان. لقد دُمّرت حياتي منذ الإصابة. أنا الآن عاطلة عن العمل وأبقى في المنزل طوال اليوم. لا أستطيع القيام بأيّ شيء. أقضي معظم وقتي في النّوم. نفسيّتي متعبة وأنا أبكي طوال الوقت. أعاني من الصّداع وساقي تؤلمني. لقد حصلت على ساق اصطناعيّة ولكنّني لا أستخدمها لأنّها تسببّ لي حكّة في رجلي. نعيش أنا ووالديّ المسنّين وحدنا ولكي أنظّف المنزل أزحف على الأرض ممّا يسبّب لي الإنهاك. أحيانًا أقف على رجلي اليسرى عندما أقوم بغسل الأواني ولكن هذا أيضًا متعب. عندما أرى الأصدقاء والجيران ذاهبين إلى أراضيهم أو أهلي ذاهبين لقطف الزيتون أتمنّى أن أرافقهم وأن أحرث الأرض وأزرعها. عندها أبكي بحرقة ويملؤني الحزن. أشتاق للجمعات الحلوة والجوّ البهيج وقت حصاد القمح والشعير في أراضينا. يتحطّم قلبي عندما أرى الصّبايا يمشين في الشارع بالكعب العالي ويرتدين الملابس الجميلة. لا توجد لي علاقات اجتماعيّة. لقد انقطعت عن الناس والأقارب والجيران ولا أشارك في كثير من المناسبات العائليّة. الخروج من المنزل يتعبني وكذلك يؤلمني أن يراني الناس في هذا الحال. لقد اسودّت حياتي وهي تصبح أصعب يومًا بعد يوم. لقد أصبحت بلا مستقبل. أعتقد أنّني الفتاة الوحيدة التي قُطعت ساقها في مظاهرات العودة. أتمنى أن يكون لديّ كرسي متحرك فأنا اليوم لا أستطيع الخروج من المنزل وإعالة نفسي.

30 كانون الثاني/يناير 2020

סאג'ד מוזהר. התמונה באדיבות המשפחה

سياسة إطلاق النار

عناصر قوّات الأمن قتلوا بنيرانهم المسعف المتطوّع ساجد مزهر (17 عامًا) تمامًا حين همّ لإسعاف جريح في مخيّم الدّهيشة للّاجئين

في يوم الأربعاء الموافق 27.3.19 نحو السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل اقتحم جنود مخيّم الدّهيشة للّاجئين الواقع جنوبيّ بيت لحم. استمرّ الاقتحام مدّة 15 دقيقة تقريبًا وتخلّلته أعمال رشق حجارة قام بها شبّان من المخيّم فردّ الجنود بإلقاء قنابل الصوت وإطلاق قنابل الغاز المسيل للدّموع والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط. خلال الاقتحام اعتقل الجنود أحد السكّان ثمّ غادروا المخيّم. لاحقًا نحو السّاعة 6:00 وبعد أن مضت عدّة ساعات على الاقتحام الأوّل عاد ما يقارب 40-50 جنديًّا وشرطيًّا إلى المخيّم وتحديدًا إلى حيّ الولجيّة. أثناء المواجهات التي اندلعت في المكان ألقى شبّان الحجارة نحو عناصر قوّات الأمن الذين أطلقوا عليهم الأعيرة الناريّة والرّصاص "المطّاطيّ" وقنابل الغاز المسيل للدّموع كما ألقوا قنابل الصوت. زعمت قوّات الأمن أنّ شبّانًا ألقوا نحو العناصر زجاجة حارقة وحجارة طوب خلال المواجهات. في هذا الاقتحام الذي استمرّ مدّة ساعة تقريبًا أصيب ثلاثة من السكّان بالرّصاص الحيّ (أحدهم أصيب في الكتف والثاني في كفّ يده والثالث في رجله). تواجد أثناء الاقتحامين طاقم مسعفين ومتطوّعين من سكّان المخيّم - يتبع "جمعيّة الإغاثة الطبّية الفلسطينيّة" (PMRS). اعتقلت عناصر قوّات الأمن خلال الاقتحام اثنين من سكّان المخيّم وبعد ما يقارب 40 دقيقة أخذوا في الانسحاب من المخيّم في حين لاحقهم نحو عشرة شبّان وهم يرشقونهم بالحجارة. أثناء انسحاب عناصر قوات الأمن كان أحد المسعفين متواجدًا في شارع ألقت منه مجموعة شبّان أخرى الحجارة نحو الجنود. احتجز العناصر المسعف ورموا جهاز الاتّصال الخاصّ به على الأرض. وعندما كانت القوّة تتقدّم صاعدة في زقاق يؤدّي إلى حيث توقّفت المركبات العسكريّة بانتظار عودة العناصر أطلق أحدهم النار على أحد سكّان المخيّم (م. ج. البالغ من العمر 20 عامًا) وأصابه في رجله. في ذلك الوقت كان المسعف المتطوّع ساجد مزهر (17 عامًا) يقف على بُعد بضعة عشرات من الامتار خلف الشابّ وكان يرتدي الزيّ الذي يميّزه كمسعف في طواقم الإغاثة الطبّية. حين رآه يصاب ركض نحوه لكي يسعفه فأطلق أحد عناصر قوّات الأمن النار عليه من الزقاق الذي كانت القوّة تنسحب عبره. ولأنّ سيّارات الإسعاف لم تقترب من منطقة المواجهات نُقل ساجد مزهر في سيّارة خصوصيّة إلى مستشفى الحسين في بيت جالا ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى جمعيّة التأهيل العربيّة حيث أجريت له عمليّة جراحيّة في بطنه - لكنّه فارق الحياة بعد مضيّ ساعة ونيّف. م. ج. (20 عامًا، من سكّان مخيّم الدّهيشة للّاجئين) كان في الشارع الرئيسيّ للمخيّم نحو السّاعة 7:00 ورأى ما يقارب 40 جنديًّا يدخلون إلى الشارع. في إفادة أدلى بها في 6.4.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، قال: فجأة رأيت ما يقارب 40 جنديًّا ينزلون من الشارع الآتي من حيّ الولجيّة ويدخلون إلى الشارع الرئيسيّ. عندما رأيتهم فررت ركضًا إلى منزلنا وأثناء ركضي نظرت إلى الخلف فرأيت على بُعد 70 مترًا المسعفين ساجد مزهر وحمزة صراصرة ومسعفًا ثالثًا وكان الثلاثة يرتدون زيّ المسعفين. وأمامهم كان شبّان يلقون الحجارة نحو الجنود ويصفرون ويصرخون عليهم. وبينما كنت أركض فارًّا أطلقوا نحوي رصاصتين أصابتا حائط "سوبرماركت الأخرس" الذي كنت قربه. يبدو أنّهم كانوا يستخدمون كاتم صوت حيث كان صوت الطلقة خافتًا. من شدّة خوفي توقّفت. فضّلت أن يأتي الجنود ويفتّشوني ويلقوا القبض عليّ عوضًا عن أن يطلقوا عليّ الرصاص. استدرت فرأيت جنديًّا في وضعيّة ركوع وهو يصوّب سلاحه نحوي وعندها أطلق عليّ رصاصة أصابت الجزء السفليّ من رجلي اليمنى. كانت المسافة بيني وبين القنّاص 7 أمتار على الأكثر. حمزة صراصرة مسعف في طاقم ساجد مزهر، أدلى بإفادته في 28.3.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش فوصف ما حدث في ذلك اليوم: نحو السّاعة 6:00 صباحًا اتّصل بي ساجد مزهر هاتفيًّا وقال لي إنّ الجيش اقتحم حيّ الولجيّة في المخيّم. كذلك اتّصل بي عبد المهدي غريّب مسؤول طاقم المسعفين وطلب منّي التواجد في حيّ الولجيّة وأن أرتدي زيّ المسعفين وآخذ معي صندوق الإسعاف. تواجدنا هناك على وجه السّرعة وكان ساجد أيضًا موجودًا. عندما وصلنا كان الجنود يطلقون الأعيرة الناريّة و"المطّاطيّة" وقنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع. كانت المواجهات عنيفة أكثر من تلك التي حدثت قبلها فجرًا. رأيت صديقي عبد المهدي يسعف شخصًا أصيب بعيار ناريّ فتقدّمت لكي أساعده. بعد أن أسعفنا المصاب تمّ نقله إلى المستشفى في سيّارة خصوصيّة. بعد مضيّ نحو 10 دقائق أصيب شخص آخر في كتفه وأسعفناه ثمّ نقلوه إلى المستشفى أيضًا في سيّارة خصوصيّة. سمعت إطلاق رصاص حيّ كثيف. أوقف الجنود شخصًا اسمه معالي معالي ثمّ أخذوا في الانسحاب. كان ذلك بعد أن مكثوا في الحيّ مدّة 40-50 دقيقة. انسحب الجنود نحو الشارع الرّئيسيّ (شارع بيت لحم - الدّهيشة) أثناء ذلك احتجزوا صديقي المسعف خ.م. ورموا جهاز الاتّصال الخاصّ به على الأرض. لاحق بعض الشبّان الجنود المنسحبين الذين كانوا قد عبروا الشارع قبالة دائرة المرور في أعلى الزقاق. رأيت في آخر الزقاق عددًا من المركبات العسكريّة تنتظر الجنود. تبعنا الشبّان. كان بعض الشبّان قد وقفوا وسط الشارع قبالة الطريق الصّاعدة التي يمرّ منها الجنود المنسحبون. كان الجنود قد ابتعدوا نحو 80-100 متر في الزقاق الصّاعد. في تلك اللّحظة أصيب شخص فركض ساجد - الذي كان يقف إلى جانبي - لكي يسعفه. علمت لاحقًا أنّ اسم المصاب م.ج. أنا تخوّفت من الرّكض نحوه لأنّ بعض الشبّان كانوا لا يزالون يرشقون الحجارة. فجأة رأيت ساجد يقع أرضًا وكان المسعف عبد المهدي قريبًا منه. ركضت نحوهما. كان ساجد ملقًى وظهره إلى الأرض - وكان يرتدي زيّ المسعفين. سمعته يقول إنّه أصيب في رجله. بحثنا عن الجرح أنا وعبد المهدي ولكن لم نعثر على جرح في رجله. بسرعة فهمنا أنّ إصابته خطيرة لأنّه بدأ يدخل في حالة إغماء أو غيبوبة. أوقف الشبان سيّارة مرّت من هناك. حملنا ساجد وأدخلناه إلى السيّارة - أنا وعبد المهدي والسّائق وتوجّهنا إلى مستشفى الحسين. في منتصف الطريق أوقفنا سيّارة الإسعاف التي نقلت الجريح الثاني من المخيّم (م. ج.) ونقلنا ساجد إليها. عبد المهدي غريّب (23 عامًا) وهو مسؤول عن طاقم المسعفين أدلى بإفادته في 27.3.19 أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش واصفًا تسلسل الأحداث: نحو السّاعة 6:00 اتّصل بي هاتفيًّا المسعف المتطوّع ساجد مزهر قائلًا إنّ الجيش اقتحم المخيّم ثانيّة. توجّهت إلى المكان وخلال وقت قصير وصل من أعضاء الطاقم: ساجد وحمزة صراصرة وخليل محمد وأخي عبد ومسعفان أو ثلاثة مسعفين آخرين. بقيّة أعضاء الطاقم تواجدوا في أماكن أخرى أمّا فريقنا فتوجّه إلى حيّ الولجية. تابعنا الأحداث طيلة ما يقارب 40 دقيقة حيث كان الجيش يطلق قنابل الصّوت والغاز المسيل للدّموع والرّصاص "المطّاطيّ" على الشبان الذين كانوا يرشقون الحجارة. لم أرَهم يلقون أشياء أخرى. نحن حرصنا على التصرّف وفق التعليمات لكي نحمي أنفسنا ومن ذلك بقاؤنا بعيدين عن الجنود وعن راشقي الحجارة. سمعت أنّ الجيش اعتقل شابّين أحدهما يُدعى معالي معالي. أخذ الجنود ينسحبون من حيّ الولجيّة نحو الشارع الرّئيسيّ وعندها علمت أنّهم اعتقلوا شابًّا ثالثًا - لم أعرف وقتئذٍ ما اسمه. قال سكّان الحيّ إنّ الجنود جاءوا في البداية في شاحنة فلسطينيّة وبعد مدة اقتحمت المنطقة قوّة كبيرة من الجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود يرتدون الزيّ الأسود. قدّرت أنّ عدد الجنود المنسحبين كان أكثر من 50. سار الشبان في أعقاب الجنود المنسحبين وعندما وصل هؤلاء إلى الشارع الرّئيسي أصيب شابّ بعيار ناريّ في كتفه. قدّمت له الإسعاف في المكان أنا والطاقم وتمّ بعد ذلك نقله إلى المستشفى في سيّارة خاصّة. بعد عدّة دقائق أصيب شابّ آخر في إصبعه ونقل هو أيضًا إلى المستشفى. رأيت الجنود يصعدون في زقاق البرنس ورأيت في آخر الزقاق نحو 9 مركبات عسكريّة تنتظرهم. الشبّان الذين كانوا على الشارع الرئيسيّ رشقوا الجنود المنسحبين بالحجارة - عن مسافة أقلّها 50 مترًا. كنت أنا وطاقم المسعفين خلف الشبّان وعندما أصيب أحدهم في رجله ركضنا نحوه. كان ساجد يركض إلى جانبي وفجأة وقع أرضًا - قبل أن نصل إلى الشابّ الجريح. قال ساجد إنّه أصيب في رجله. تقدّمنا نحوه لكي نكشف عن الإصابة ولكنّني لم أجد في رجله أيّة علامة لجرح. فحصت صدره ويديه ورجليه ولم أجد مكانًا فيه جرح. رغم ذلك خمّنت أنّ إصابته بليغة لأنّه توقّف عن الكلام وأخذ يردّد "الشهادتين". بسرعة أوقفت سيّارة عبرت في الشارع وساعدني زملائي على إدخال ساجد إلى السيّارة التي نقلته فورًا إلى مستشفى الحسين في بيت جالا. رافقت ساجد في السيّارة وفي الطريق كان في شبه غيبوبة. كان فقط يرفع الإصبع الشاهد ويردّد "الشهادتين". دخلت معه إلى قسم الطوارئ. عندما مزّق الأطبّاء ثيابه تبيّن أنّه مصاب في أسفل بطنه. لم يكن هناك أيّ نزيف خارجي فقدّر الأطبّاء أنّه مصاب بنزيف داخليّ حادّ. والد ساجد عبد الحكيم مزهر (53 عامًا، متزوّج وأب لأربعة أولاد) أدلى بإفادته في 6.4.19 أمام باحث بتسيلم الميدانيّ موسى أبو هشهش، محدّثًا عن ابنه: كان ساجد ابني البكر. تطوّع مع طواقم الإسعاف قبل سنتين تقريبًا وكان ملتزمًا جدًّا بعمله. حذّرته عدّة مرّات أنّه يعرّض نفسه للخطر فكان يجيبني أنّه يرتدي سترة خاصّة بالمسعفين ولذلك لا يجرؤون على إطلاق النار عليه. كنت فخورًا به جدًّا رغم خوفي عليه من التعرّض للإصابة مثلما حدث لابن عمّه أركان الذي قُتل قبل ثمانية أشهر. في الآونة الأخيرة تقدّم ساجد للامتحانات في مدرسة السالزيان. لقد درس كثيرًا واستعدّ للامتحانات بحيث كان واثقًا أنّ معدّله في التوجيهي سيكون جيّدًا ويؤهّله لدخول الجامعة. كنت مطمئنًّا عليه من هذه الناحية. يوم وقعت تلك الأحداث كان نسي ساجد هاتفه في المنزل. بعد السّاعة 7:00 بدقائق معدودة رنّ هاتف ساجد فردّ شقيقه خليل (16 عامًا). فسأله الشخص المتّصل "أين جاءت إصابتك يا ساجد؟" وعندها انقطعت المكالمة. هكذا علمنا أنّه أصيب. ارتدت زوجتي ملابسها بسرعة وقالت إنّها ذاهبة لتستوضح ما الذي جرى بينما أنا أخذت أتابع الأخبار وأتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي فعلمت أنّ مسعفًا أصيب في المخيّم بجراح بليغة وأنّه نُقل إلى مستشفى الحسين. فهمت أنّ المقصود هو ساجد على ما يبدو ولكنّي لم أشأ أن أصدّق ذلك. ومع ذلك توجّهت فورًا إلى المستشفى. وصلت إلى هناك نحو السّاعة 7:30 وكذلك زوجتي وأفراد آخرون من الأسرة. جميعهم حاولوا أن يهدّئوني ويطمئنوني أنّ ساجد فقط مصاب وأنّه قيد العلاج. رأيت ساجد يجلس على كرسي متحرك في قسم العناية المكثّفة ففهمت أنّ حالته خطيرة ولكنّي لم أدرك كم هي خطيرة. خرجنا جميعًا لكي نتيح للأطبّاء معالجته ولكنّهم بعد ذلك نقلوه في سيّارة إسعاف إلى مستشفى في بيت لحم فتبعنا سيّارة الإسعاف وذهبنا إلى هناك. نحو السّاعة 9:30 علمنا أنّ ساجد قد استُشهد. بكينا جميعًا. سمعت زوجة أخي تصرخ وتقول "يا ألله! ألا يكفي أنّك أخذت منّا أركان؟". حتّى الآن أنا لا أصدّق أنّ ساجد قُتل. أتذكّر طوال الوقت تفاصيل مختلفة من حياته. لا أستوعب كيف يطلق الجنود النار عليه أثناء قيامه بواجبه الإنسانيّ كمسعف وفي حين كان يرتدي الزيّ الخاصّ بالمسعفين. لماذا فعلوا ذلك!؟ لماذا أطلقوا الرّصاص على أحلامه وآماله وحبّه للحياة ولبني الإنسان؟ ليست لديّ إجابات على هذه الأسئلة. بعد مضيّ ساعات معدودة على وفاة ساجد مزهر نشر الناطق بلسان جيش إسرائيل بالعربيّة شريط فيديو زُعم أنّه يظهر فيه مسعف ينزع السترة الخاصّة بالمسعفين ويرشق الحجارة عن سطح أحد المنازل وهو يرتدي قميصًا أبيض. تبدو هذه الفعلة محاولة دعائيّة لتبرير إطلاق النيران الفتّاكة على المسعف ساجد مزهر. أمّا تحقيق بتسيلم فيبيّن بوضوح أنّ النيران أطلقت على ساجد في مكان آخر أصلًا - على الشارع الرّئيسي في المخيّم. بذلك ينكشف ضعف الشريط حتّى في تحقيق هدفه الدّعائيّ فكم بالحريّ هدف تفسير أو تبرير إطلاق النّار على مسعف متطوّع في الـ17 من عمره. لقد كان هذا أحد أربعة أحداث انتهت بقتل فلسطينيّين حقّقت فيها بتسيلم منذ بداية شهر 2019 وتبيّن في جميعها أنّه لم يكن أيّ مبرّر لإطلاق النيران الفتّاكة على يد قوّات الأمن. * في 21.4.19 نشرت وسائل الإعلام أنّ وحدة التحقيقات في الشرطة العسكريّة قد باشرت التحقيق.

30 نيسان/أبريل 2019