أهلا بكم في جهنم: تحول السجون الإسرائيلية إلى شبكة من معسكرات التعذيب
يتناول تقرير "أهلًا بكم في جهنم" مُعاملة الأسرى الفلسطينيّين وحبسهم في ظروف لا إنسانيّة في السّجون الإسرائيليّة منذ 7 تشرين الأول 2023. في إطار البحث والإعداد لهذا التقرير تمّ تسجيل إفادات أدلى بها 55 فلسطينيًا وفلسطينية، ممّن احتُجزوا في السّجون ومرافق الحبس الإسرائيليّة خلال هذه الفترة. الغالبية الساحقة من الشهود لم يُحاكموا. تبيّن إفادات الأسرى نتائج عمليّة سريعة تحوّل في إطارها أكثر من اثني عشر من مرافق الحبس الإسرائيليّة، مدنيّة وعسكريّة، إلى شبكة معسكرات هدفها الأساسيّ التنكيل بالبشر المحتجزين داخلها. كلّ من يدخل أبواب هذا الحيّز، محكوم بأشدّ الألم والمُعاناة المتعمّدين وبلا توقّف، حيز يشغل عمليّاً وظيفة مُعسكر تعذيب.
"نقلونا إلى "مجيدو" وعندما نزلنا من الحافلة، قال لنا أحد السجانين: "أهلًا بكم في جهنم".
من إفادة فؤاد حسن من سكان قُصرة في محافظة نابلس
إفادات
طوال الطريق كانوا يضربوننا ضرباً مبرّحاً بالبنادق، ويدوسون عدّة مواضع في أجسادنا ويشتموننا. كان معهم أيضاً صواعق كهربائيّة هاجمونا بها في كلّ أنحاء الجسم. وصلنا إلى مركز اعتقال. لم أعرف في أيّ مكان هو ولا اسمه. عندما أنزلونا من الشاحنات أوقعوني أرضاً على وجهي. أصبت في الفكّ وأحسست أنّه كُسر، كما انخلع عدد من أسناني.
[...] أطفأوا سجائر في فمي وعلى جسمي، وربطوا بخصيتي لاقطات كانت موصولة بشيء ثقيل. استمرّ الأمر على هذا النحو يومًا كاملًا. تورّمت خصيتاي وكنت أنزف من أذني اليسرى. سُئلت عن قادة حماس وعن أشخاص لا أعرفهم ولم أقابلهم. سألوني أين كنت في يوم 7 تشرين الأوّل، وأجبت أنّني كنت في البيت ولم أخرج منه إلّا لإحضار الطعام لزوجتي. ضربوني. بعد ذلك أعادوني ثانيةً إلى الغرفة المجمّدة بالبرد ذات موسيقى الديسكو الصاخبة، وتركوني هناك عاريًا مرّة أخرى لمدّة يومين [...]
كبّلوا أيدينا وعصبوا أعيننا ثمّ أدخلونا إلى بئر كبيرة وأبقونا فيها ستّ ساعات في الحرّ الشديد. في البداية ظننّا أنّهم سوف يهيلون علينا الرّمال ويدفنوننا أحياء. لكنّهم أخرجونا من البئر وأخذونا إلى مركز اعتقال لا أعرف أين يقع. استغرق السّفر إلى هناك نحو 4 ساعات، وكان الجنود يهينوننا ويشتموننا طوال الطريق.
الإحساس بالمَهانة والمَذلّة كان أصعب عليّ بكثير من الألم الجسديّ. في ذلك الصّباح كنت أنا الضحيّة، وفي اليوم التالي اعتدت السجّانات بالطريقة نفسها على أسيرة أخرى، وفوق ذلك ألقوا بثيابها في المرحاض وضربوها هناك. فهمت أنّ السجّانات ينتقين كلّ يوم أثناء التفتيش أسيرة أخرى لمعاقبتها.
كان المحقّق يقول ويكرّر "أنت حماس"، "أنت قائد في حماس في شمال قطاع غزة"، و-"لدينا معلومات أنك مؤيّد لحماس". في هذه المرّة استخدموا "الشبح" أثناء التحقيق: ربطوني واقفاً على أطراف أصابعي ويداي ممدودتان إلى أعلى ومشدودتان إلى الخلف، وأبقوني هكذا طيلة ساعتين.
وصلنا إلى سجنّ الرملة وأدخلونا إلى قسم المنقولين (من سجن إلى سجن أو إلى المحكمة). أثناء دُخولنا لكَمَ السجّانون رؤوسنا عدّة مرّات. عندما أزالوا القيود عن أيدينا كانوا يُحرّرون يداً واحدة ويقيّدون اليد الأخرى. أحسست بأنّ رسغي على وشك أن ينكسر.
لم أفهم كيف يحدث هذا لي في عمري، كما كان من الصعب جدًّا عليّ أن أرى الإذلال الذي يتعرّض له الناس من حولي. وجدتُ صعوبة في استيعاب هذا الوضع. في الليلة الأولى لم ننم على الإطلاق. كانت هناك نافذة في الزنزانة وكنّا نسمع من خلالها بكاء وصراخ المعتقلين الذين يتعرّضون للضرب من قبَل السجّانين. صرخ السجّانون عليهم طالبين منهم النباح مثل الكلاب. سمعنا بعض المعتقلين ينبحون بالفعل بعد تعرّضهم للضرب. كان السجّانون يتضاحكون بالطبع.
في السّاحة أجبرونا أن نسجد وأيدينا ما زالت مكبّلة وأعيننا معصوبة. بقينا هكذا نحو ساعتين. كان الجنود يضربون كلّ أسير يأتي بأيّة حركة. سألني أحد الجنود عن مهنتي وعندما قلت له إنّني طبيب جرّاح في المستشفى الإندونيسيّ انقضّ عليّ وركلني عدّة ركلات قويّة جدًّا.
عندما وصلت إلى المستشفى سمعتهم يقولون إنّه "شيبا" في "تل هشومير". جاء طبيب مختصّ بالأوعية الدمويّة وقال لي: "يجب أن نقطع رجلك، وينبغي علينا أن نستشير طبيبًا مختصًّا بالعظام"، وكان الجنود يتضاحكون ويتهكّمون عليّ: "اقطعوا له رجله". [...] عندما جاء طبيب العظام وفحصني قال لي: "عليك أن تختار: رجلك أو حياتك. يجب أن تقرّر". كان ذلك أصعب قرار اتّخذتُه في حياتي كلّها. أن أختار وأقرّر قطع رجلي. كنت مصدومًا، خاصّة وأنّني وحيد ولا أحد بجانبي من أفراد الأسرة لكي أستشيره.
استمرّت الحياة في السّجن كالمُعتاد، حتى 7 أكتوبر 2023. بعد هذا التاريخ انقلبت الحياة إلى ما يُشبه "تسونامي". في ذلك اليوم استيقظت لكي أقيم صلاة الفجر. سمعت معتقلين في الغرف يقولون لبعضهم البعض "افتح التلفزيون وشاهدْ". أخذنا نتابع الأخبار. بعد مضيّ ثلاث ساعات سمعنا انفجارات في منطقة السّجن. لاذ جميع السجّانين بالفرار وأبقونا وحدنا. خفنا أن يسقط صاروخ على السّجن ونحن محبوسين في داخله. بعد ذلك أقفلت إدارة السّجن أبواب الغرف وقطعت الكهرباء عن الأقسام والغرف. لم نرَ ضوء الشمس منذ ذلك اليوم وحتى يوم إطلاق سراحي.
[...] قبل العدد، صرخوا عبر مكبّرات الصّوت: "الأسرى في أقسام داعش، ليركع كلّ واحد منكم ورأسه إلى أسفل. اليدان فوق الرأس والوجه نحو الحائط". هكذا علمنا أن هناك إجراءات عدّ جديدة.
خلال هذه الفترة أيضًا فقدت من وزني 35 كغم، بسبب الحرمان من الطعام والنوعيّة الرديئة لما توفّر منه. أذكر أنّ الأرزّ الذي كان يجلبه لنا السجّانون بدا منقوعًا بالماء السّاخن دون أن يُطبخ. مع ذلك اضطُررنا أن نأكله، وعلى كلّ حال كانت حصّة الواحد منّا ملعقة واحدة أو اثنتين في كلّ وجبة.
كان ذلك في الليل. أصعدونا إلى ناقلة جند مدرَّعة. قيَّدوا أرجلنا بالأصفاد أيضًا، لكنّهم لم يغطّوا أعيننا. شعرتُ بألم شديد بسبب الأصفاد. أحضرونا إلى مبنى كان فيه جنود. أعتقد أنّ ذلك كان لا يزال في خان يونس. غطّوا عينيّ بقطعة قماش وسمعتُهم يأمرون الشباب بخلع ثيابهم. بعد ذلك ضربوني ببندقيّة على رقبتي ورأسي، وضربوا الشباب أيضًا – سمعتُهم يصرخون من الألم.
كان الأمر الأكثر رعبًا في تلك الفترة هو الليالي، لأنّ القوّات كانت تقتحم الزنزانة ليلًا، وتهدّدنا صراحة بالقتل، وكانوا يضربوننا بشدّة. كما كانوا يشغّلون موسيقى صاخبة في الليل. طوال تلك الفترة لم يكن لدينا بعد بطّانيّات أو فرشات. خلال الأيّام العشرة بقينا أحياء بصعوبة وشعرنا بأنّ الموت يتربّص بنا في كلّ دقيقة.
أخلوا سبيلي في 30.3.24. عند السّاعة 7:30 صباحًا أخرجوني من الزنزانة واقتادوني إلى غرفة أجبروني فيها على الانتظار بالوضعيّة المؤلمة نفسها – السّجود واليدان مرفوعتان فوق الرأس. أبقوني هكذا طوال أربع ساعات دون طعام أو ماء للشرب، ودون السّماح لي بدخول المرحاض. خلال هذا الوقت كان أفراد أسرتي ينتظرونني خارج السّجن.
أفلتوا الكلاب علينا وتعرّضنا للضرب المبرِّح والإهانات. قبل الدخول إلى الزنازين أخذوني أنا ومعتقلًا آخر إلى غرفة، أجلسونا هناك أمام /شاشة حاسوب من أجل المشاركة في جلسة محكمة في بثّ حيّ. قبل بدء الجلسة هاجمونا وضربونا ضربًا مبرِّحًا بهراوات معدنيّة على جميع أنحاء الجسم، لأكثر من 30 دقيقة.
عندما اندلعت الحرب انقلب كلّ شيء. فور بدء الحرب داهم عناصر الوحدات الخاصّة زنازيننا، وصادروا أجهزة التلفزيون وبلاطات الطبخ والإبريق الكهربائيّ وأغلقوا الزنازين ومنعونا من الخروج منها. حتّى ذلك الحين كنتُ في زنزانة لخمسة سجناء، ونقلوني مع سجينين آخرين إلى زنزانة كان فيها أصلًا خمسة سجناء آخرين، فاضطُررنا نحن الثلاثة إلى النوم على الأرض. عانيتُ كثيرًا جدًّا من البرد، خاصّةً وأنّ السجّانين أخذوا منّي كلّ ملابسي ولم يتركوا لي سوى فانلّة وبنطلون قصير.
أخذونا إلى سجن "عوفر". عندما أنزلونا هناك أخذوني إلى الطبيب وسألني إن كنتُ أعاني من أيّ أمراض. أجبتُه لا، فردّ هو: "خسارة". أخذوا ملابسي وأعطوني بلوزة وبنطلونًا. رأيتُ أنّ جميع المعتقلين حصلوا على نفس الملابس. بعد ذلك أخذوني إلى زنزانة الاعتقال التي كانت مخصّصة لـ 6 معتقلين، لكنْ كان فيها 10.
لكن منذ 7 تشرين الأوّل أصبح الخروج الوحيد هو إلى الحمّام، وكنّا نبحث هناك عن أشعّة الشمس القليلة التي تغلغلت عبر ثقب في الجدار. في الأيّام التي لم نتمكّن فيها من الاستحمام كنتُ أغتسل في المرحاض بالماء البارد، بمساعدة إبريق الوضوء قبل الصلاة.
كان على الحائط علم إسرائيل بحجم ضخم جدًا، وكان أوّل سؤال لضابط "الشاباك" هو "إلى أيّ تنظيم تنتمي؟"، ثمّ أمرني بتقبيل العلم وأثناء قيامي بذلك قاموا بتصويري. كان في الغرفة نحو 20 جنديًّا. فقلتُ للضابط إنّني لن أفعل ذلك، فقال لي: "أنت ملزم بتقبيل العلم". فقلتُ له: "لا، أنا لا أريد". فجأةً، بدأ الجنود العشرون الموجودون في الغرفة بضربي.
عندما رآني الطبيب أصفر الوجه، في حالة من الإرهاق وفقدان الوزن الحادّ، اتّصل أمامي بالضابط المسؤول عن السجن، وقال إنّني إذا بقيتُ على هذه الحال فستكون حياتي في خطر. لكنّ إدارة السجن لم تهتمّ، فبعد الزيارة إلى العيادة ضربوني أيضًا.
ذات مرّة حاول شابّ كان معي في الزنزانة الحصول على ملح من الكانتين، فعاقبوا كلّ مَن كان في الغرفة. أغلقوا الزنزانة ولم نخرج منها على الإطلاق لمدّة أسبوع كامل، ولا حتّى إلى الحمّام. بعد أسبوع، نقلوا معظم المعتقلين إلى زنازين أخرى.
كنّا ننتظر في الطابور للتوضّؤ قبل الصلاة أو لاستخدام المرحاض. كانت الرائحة في الزنزانة سيّئة جدًّا. عندما دخلنا إلى السجن أخذوا ملابسنا ولم يبقَ لنا سوى الملابس التي أعطونا إيّاها، وبالتالي لم تكن هناك إمكانيّة لتبديل الملابس أو غسلها.
اقتادونا إلى غرفة بُعثِرَت فيها الكثير من الملابس، الأحذية، الخواتم وساعات اليد. عرّونا تماماً، حتى السّروال الداخليّ، وفتّشوا أجسادنا بواسطة جهاز يدويّ لكشف المعادن. أجبرونا أن نفتح أرجلنا ونقرفص. بعد ذلك راحوا يضربوننا بالجهاز على أعضائنا الحسّاسة، ضربات سريعة ودون توقّف.
تساءلتُ أيضًا لماذا اعتقلوني، ولماذا لا يزالون يحتجزونني، وماذا سيحدث لي هنا، ومتى سيطلقون سراحي؟ فكّرتُ في وضعي الصعب، خصوصًا في الظلمة التي انغمستُ فيها وأنا معصوب العينين، دون أن أرى شيئًا، والبرد القارس والرياح الشديدة. تجمّدتُ من الصقيع وكنتُ جائعًا وعطشانَ طوال الوقت.
بعد مضيّ أسبوع، في 14.10.23، شرعوا في سلسلة من الخطوات الانتقاميّة ضدّ الأسرى. بدأ ذلك عندما أخرجونا جميعًا من الزنازين، وأوقفونا في الخارج، بينما قام السجّانون بإجراء تفتيش فيها. أثناء وقوفنا في الخارج انهال علينا السجّانون ضربًا وركلًا. عندما انتهى التفتيش أعادونا إلى زنازين أخرى غير تلك التي كنّا فيها من قبل.
كانت الغرفة مجرّد حيطان وباطون. رأيت الفرشات والبطّانيّات عند مدخل الغرفة، وقد أخرجوها من الزنزانة قبل أن أدخلونا إليها. ولأنّني كنت أرتدي بنطالًا قصيرًا وقميص نصف كُمّ فقط شعرتُ بالبرد، فألصقت ركبتيّ بصدري لكي أستطيع أن أغفو. لكن لم أستطع أن أغفو سوى دقائق معدودة في كلّ مرّة، وهذا أيضًا بسبب كثرة التعب.
رأيتُ، من تحت عصابة العينين، ورأيت معتقلين آخرين يجلسون على الأرض في الساحة وأيديهم مقيَّدة وأعينهم معصوبة. كان الجنود يوجّهون إليهم الإهانات والشتائم. أخذونا إلى العيادة وأجلسونا على كراسٍ معدنيّة. حضر طبيب عسكريّ وشتمنا هو أيضًا. أنا أتكلّم العبريّة وسمعتُه يقول للضابط: لماذا أتيتَ بهم إلى هنا؟ كان يكفي إطلاق النار عليهم في الرأس.
[...] وضعوني في حفرة في الأرض. عندما كنتُ في داخلها، مع جميع المعتقلين الآخرين، أمرني الجنود بخلع الحجاب. قال لي أحدهم: "أنا قتلتُ زوجك وأريد أن أقبركما وأنتما حيّان، حتّى تأكلكما الكلاب". بعد نحو نصف ساعة أخرجونا من الحفرة وأصعدونا إلى شاحنة. كان هنالك رجال ملتصقين بي تمامًا. في تلك المرحلة اعتقدتُ أنّ زوجي قد قُتل فعلاً. بعد إطلاق سراحي رأيتُ أنّهم صوّرونا في الشاحنة.
أخذوني إلى قفص حديديّ وأبقوني داخله طيلة 11 يوماً ويداي مكبّلتان، وكانت معي معتقلات أخريات. كانوا يجلبون لنا طعاماً بكميّة قليلة جدّاً، وحتى هذه الكميّة بالكاد كنت آكلها، لكي أتجنّب دخول المرحاض - لأنّه كان بعيداً ولا توجد فيه حنفيّة أي. من كانت في دورتها الشهريّة حصلت على فوطة صحيّة واحدة فقط. في المرحاض كنّا نساعد بعضنا البعض. لم يكن هناك حمّام. طوال الوقت كان من حولنا جنديّات وجنود يمنعوننا طوال الوقت من النوم. كانوا يُشعلون الأضواء ويشغّلون مكبّرات الصّوت، يأكلون أمامنا ويشتموننا.
أخرجونا من القفص وجرّونا إلى الحافلة كما يجرّون الحيوانات. سافرنا، وطوال الطريق كلّه منعتنا الجنديّات اللواتي كنّ يحرسننا من رفع رؤوسنا، وشتمننا وضربننا على أيدينا وصوّرونا. بعد بعض الوقت توقّفت الحافلة، أنزلننا، وسألن كلّ واحدة عن اسمها وصوّرنها. أمسكتْنا إحدى الجنديّات برؤوسنا أيضًا وأمرتنا بتقبيل العلم الإسرائيليّ. وخبطت جنديّة أخرى رأسي بجانب الحافلة بعنف.
في 7.10.23 أبلغتنا إدارة السجن بمنع تقديم العلاج الطبي للأسرى "الأمنيين"، باستثناء مرضى السكري وضغط الدم المرتفع. ولم يحصل أحد على العلاج [...] في تلك المرحلة كان محمد الصبار يعاني من فقدان الذاكرة وصعوبة في الرؤية. لم يكن يعلم حتى كم من الوقت قد أمضى في السجن. كان يحتاج إلى رعاية ممرض مختص ونقله إلى المستشفى لأن ما كان بحاجة إليه لم يتوفر في السجن. كان بطنه منتفخًا طيلة الوقت [...] علمت بعدما تحررت بأن محمد الصبار توفي في السجن
هددني أحد السجّانين بالعقاب إذا ذكرتُ، أمام القاضية أو أي شخص آخر، اسم أيّ من السجّانين في مناوبته، وقال إنّه لا يوجد في السّجن قانون سوى قانونه هو. هدّدني أمام المعتقلين الآخرين بأنّه بعد إطلاق سراحي سوف يرسل وحدة خاصّة لاغتيالي في أمّ الفحم.
كانت يداي مكبّلتين بقيود حديديّة ليلاً ونهاراً، وأحياناً كانوا يضعون القيود في رجليّ أيضاً. من حين إلى آخر كانوا يعلّقونني من إحدى يديّ ويُبقونني هكذا 3-4 ساعات، إلى أن يُغمى عليّ. لم أستطع تحريك يدي الثانية، ربّما لأنّ كتفي كُسرت من كثرة الضرب عندما خرجت قطعة البلاتين.
[...] جرّني الجنود على الأرض إلى ساحة، وهناك أجلسوني على الأرض. كانوا يُجبرونني على الاستلقاء على بطني، وأحياناً على ظهري. ضربوني ببنادقهم في كلّ أنحاء جسمي، تارة بأعقاب البنادق وتارة بفوهاتها، كما ركلوا ظهري وأضلُعي في كلا جنبيّ. لم يعُد بوُسعي تحمّل ذلك. طلبت من الجنود مراراً وتكراراً أن يتوقّفوا، لكنّهم في كلّ مرّة تعمّدوا ضربي أكثر وبعُنف أشدّ. أحسست بأنّ أضلُعي تتكسّر. كنت طوال الوقت مكبّل اليدين ومعصوب العينين ومع ذلك كان لديّ إحساس بأنّ أحدهم يصوّر ما يجري.
أصعدوني ثانيةً إلى سيّارة الجيب مع شبان آخرين ونقلونا إلى مبنى كبير أرضيّته خشنة كالأسفلت وسقفه من الصفيح. كان المبنى مفتوحًا من الجوانب وكان الجوّ باردًا جدًّا جدًّا هناك. كان هناك شبان كثيرون وعندما وصلنا عصبوا أعيننا وأمرونا بالركوع على ركبنا. سُجنت هناك لمدّة 35 يومًا وخلال تلك الفترة كلّها منعونا من التحرّك أو التحدّث مع بعضنا البعض. كنا نأكل وننام ونحن مقيَّدين ومعصوبي الأعين، وهكذا أيضًل كانوا يأخذوننا إلى المرحاض.
في كلّ يوم، من الخامسة صباحاً وحتى المساء، كان الجنود يأمروننا بأن نجلس راكعين على رُكبنا. كنّا نأكل ونشرب وأيدينا مقيّدة إلى الأمام. وإذا التفتنا جانباً أو حتى تكلّمنا مع بعضنا البعض، كان عقابنا الوقوف واليدان مرفوعتان إلى أعلى طوال ثلاث ساعات تقريباً. إضافة إلى ذلك، كانوا يمنعون عنّا استخدام المراحيض عندما نطلب، ولم يسمحوا لنا بأداء الصّلاة في جميع الأوقات.
عصبت المجندات عينيّ بقطعة قماش وقيّدن يديّ من الأمام بأصفاد بلاستيكيّة بيضاء. كنّا ستّ فتيات هناك. كانت إحدى الصبايا تعاني من آلام. طلب منّي الجنود أن أترجم ما كانت تقوله إلى الإنجليزيّة، فترجمتُ لهم أنّها تعتقد أنّها أجهضت طفلها. قال أحد الجنود Oh My God. دخلتْ طبيبة وغطّتها ببطانيّة وقالوا لها أن تنتعل حذاءً لكي تخفّف من شعورها بالبرد. طلب منّا الجنود أن ننام، لكنّ الجوّ كان باردًا جدًّا وتمدّدنا مقيّدات بالأصفاد على الحجارة، لذلك لم نتمكّن من النوم حقًّا.
قال لي الجندي: "ازحف على الأرض" وأمرني أن أخلع ملابسي كلّها، بما فيها الداخلية، وأن أبقى عارياً. عندما فعلت ذلك تقدّم جنديّ نحوي من الخلف وضربني ضربة قويّة على الجهة اليمنى من ظهري، بيده التي كان عليها قفّاز من البلاستيك الصّلب. حتى اليوم ما زال موضع الضربة يؤلمني. بعد ذلك كبّل يديّ خلف ظهري وعصب عينيّ.
في المساء نقلوني سويّةً مع نحو 15 امرأة أخرى، كانوا قد اعتقلوهنَّ، إلى مكان آخر. قالوا لنا إنّنا موجودات في منشأة اعتقال للجيش الإسرائيليّ. في كلّ مرّة تحرَّكتُ فيها تلقّيتُ ضربة على رأسي. في كلّ مرّة سمعتُ فيها أصوات جنود خفتُ من أن أتلقّى ضربة مرّة أخرى. طوال الوقت كانوا يمشّطون السلاح لإخافتنا، وكلّما كنتُ أسمع ذلك كنتُ أتلو الشهادتين لأنّني كنتُ متأكّدة من أنّهم سيُطلقون النار عليّ. طوال الوقت كنّا مُقيَّدات بأصفاد بلاستيكيّة.
قبل أن يطلقوا سراحي فتّشوني وأنا عارية مرّة أخرى، وحقّق معي أحد الضبّاط وهدّدني بأنّه إذا احتفلت عائلتي بإطلاق سراحي فسوف يؤذونني ويؤذون عائلتي. بعد ذلك نقلونا إلى سجن عوفر، وهناك احتجزونا لمدّة 12 ساعة تقريبًا دون طعام أو ماء في غرفة صغيرة وقذرة وكريهة الرائحة.
أصعدوني إلى حافلة ورأيتُ من تحت عصابة العينين أنّه ليس هناك أحد سوى السائق. صعد ثمانية جنود من خلفي وشتموني. ضربني أحدهم بقوّة على رأسي ثمّ على كتفي. سافرت الحافلة وبعد نحو عشر دقائق وصلنا إلى معسكر لا أعرفه. أنزلني الجنود وعندها لكمني أحد الجنود بقوّة على رأسي.
كانت اقتحامات زنازيننا هذه من قبَل الرجال انتهاكًا فظًّا للخصوصيّة. دخلوا دون بلاغ مسبق بينما كانت بعض السجينات بدون غطاء للرأس وبملابس غير محتشمة. هذه المرّة صادروا الطاولات والكراسي وحتّى الأحذية، وضربونا بالهراوات.
دخل محقّق إلى الغرفة وسألني بالإنجليزيّة عن رأيي في الأعمال التي قامت بها حماس. شتمني ووصفني بـ "زانية". قال إنّ هناك عشرين جنديًّا في الغرفة وإنّهم سوف يغتصبونني مثلما اغتصبت داعش- حماس يهوديّات في غلاف غزّة. استمرّ في شتمي وتهديدي أنا وأفراد عائلتي. بعد ذلك جاءت جنديّة وأخذتني إلى غرفة أخرى كانت فيها جنديّات أخريات، قلن لي: "أهلًا بك في جهنّم" [...]
أصبح تصرّف السجّانين بعد اندلاع الحرب عنيفًا وعُدوانيًّا جدًّا. ذات يوم سمعت صُراخ الأسرى في زنزانة مُجاورة؛ لاحقًا علمت أنّ أحد الأسرى سأل سجّانًا ما إذا تمّ التوصّل إلى وقف إطلاق نار أو أيّ حلّ آخر، لأنّنا لم نحصل على أيّ أخبار عما يجري في الخارج، فكان ردّ السجّان على هذا السّؤال أن ضربوه حتى الموت. بعد الهُجوم عليه تركوه طوال نصف ساعة.
كانوا يقدمون لنا الطعام والماء على فترات متباعدة فقط، ربّما مرّة واحدة كلّ يوم ونصف اليوم وبكمية قليلة. كانوا يُجبروننا على الرّكوع معظم الوقت. من حين لآخر كانوا يضربوننا ويهدّدوننا بالسّلاح، حتّى أنّهم أطلقوا النار بين أقدامنا أحياناً.