روتين العُنف

روتين الاحتلال في قرية المغيّر، قضاء رام الله: جنود اقتحموا منازل واحتجزوا السكّان في الغرف طيلة ساعات

الصورة
منظر عامّ لقرية المغيّر، قضاء رام الله. تصوير موفّق نعسان.

خلال شهرَي آذار ونيسان اقتحم الجنود مرّتين ليلًا أربعة منازل في قرية المغيّر قضاء رام الله. أيقظ الجنود السكّان بينهم أطفال صغار وجمّعوهم في غرف. مكث الجنود ساعات طويلة في كلّ منزل وطيلة هذا الوقت أمروا السكّان بالصّمت ومنعوهم من التجوّل في منزلهم حتّى لإعداد الطعام أو للشرب أو للذهاب إلى المرحاض إلّا بإذن وبرفقة جنديّ. الأقارب أو الجيران الذي جاءوا لزيارة المنزل الذي سيطر عليه الجنود - أيضًا طُلب منهم الدخول إلى المنزل واحتُجزوا فيه طيلة ساعات. أجرى الجنود تفتيشًا على أجساد جميع الحاضرين، وصادروا منهم هواتفهم وبطاقات هويّاتهم.

رفض الجنود أن يقدّموا للسكّان أيّ تفسير لاستباحة خصوصيّتهم في دُجى الليل. في بعض الحالات أمضى بعض الجنود الليلة في المنزل المقتحَم واستلقوا للنّوم على الكنبات خلال مكوثهم الطويل. في ساعات الصباح غادر الجنود المنازل كما أتوا.

في الاقتحام الاوّل اعتقل الجنود خمسة فلسطينيّين من سكّان القرية - أربعة منهم قاصرون وأصغرهم ولد في العاشرة من عمره. أفاد المعتقلون عن استخدام العُنف الشديد ضدّهم أثناء الاعتقال والتحقيق. جميع القاصرين أخلي سبيلهم في الليلة نفسها بعد التحقيق معهم. إضافة إلى ذلك، في حالتين على الأقلّ أفاد السكّان أنّ الجنود طالبوهم تحت تهديد السلاح أن يطرقوا باب أحد المنازل التي دخلوها. هذا السلوك هو تنفيذ حرفيّ تمامًا لما يسمّى "إجراء الجار" وهو مخالف للقانون وتحظره أوامر الجيش أيضًا.

فيما يلي إفادات جمعها الباحث الميداني من بتسيلم إياد حدّاد من بعض السكّان في المغيّر، يتّضح منها المسّ الخطير بخصوصيّة السكّان وحقوقهم. هذه الممارسات الباطلة التي يرد وصفها في الإفادات والتي أوقعت الرّعب في قلوب السكّان وبضمنهم الأطفال هي مثال يُظهر كم من السّهل استباحة حياة السكّان وتشويش نظام حياتهم وكم يفتقد هؤلاء الأمان حتّى داخل منازلهم وحتّى في ساعات اللّيل.

اقتحام منزل عائلة نعسان مرّتين - في 21.3.18 وفي 10.4.18: احتجاز أفراد الأسرة وأناس آخرين لعدة ساعات واعتقال قاصر باستخدام العُنف

عائشة نعسان (70 عامًا) من سكّان المغيّر متزوّجة وأمّ لـ15، أدلت بإفادتها يوم 12.4.18 قائلة:

الصورة
عائشة نعسان. تصوير: إياد حدّاد, بتسيلم

في يوم الأربعاء، الموافق 21.3.18، في الساعة 4:00 فجرًا، أنهينا أنا وزوجي أديب صلاة الفجر وخلدنا للنّوم. كلانا في صحّة غير جيّدة. زوجي في الـ78 من عمره أصيب في الآونة الأخيرة بعدّة وعكات دماغيّة؛ وأنا أعاني من ضعف في الرّجلين وأتصعّب في المشي. غطّيت زوجي وإذ بطرقات على الباب. في حوشنا يسكن أيضًا أربعة من أولادنا مع أسَرهم ولذلك كنت متأكّدة أنّ الطارق واحد منهم. لكن عندما فتحت الباب وجدت أمامي مجموعة جنود مسلّحين. خفت لأنها المرّة الأولى التي يقتحم فيها الجيش منزلي وخاصّة أنّ الوقت كان متأخّرًا. سألتهم "ماذا هناك؟"، فأجاب أحدهم "لا شيء يا حاجّة اجلسي في الدّاخل". سألت مرّة أخرى فلم يجبني سوى بقوله "سكوت، سكوت".

دخل الجنود إلى المنزل وجلبوا معهم قريبًا لنا اسمه ياسر محمود 57 عامًا، أدخلوه وأجلسوه في الصالون. أمروا زوجي أن يذهب هو أيضًا إلى الصالون؛ وجلبوا أيضًا حفيدي عبد الغني مروح 18 عامًا، حيث كان يبيت عندنا. أخذوا منّا الهواتف النقّالة وبعض الجنود وقف إلى جانبنا للحراسة. جلسنا دون أن نفهم ما الذي يجري.

بعد مضيّ ساعة أو ساعة ونصف طرق أحدهم الباب - كانت هذه كنّتي (حنان، 38 عامًا). جاءت مع طفلتها سادين عشرة أشهر لكي تتفقّد أوضاعنا بعد أن رأت الجنود يدخلون. أمرها الجنود بالدخول وحبسوها عندنا في المنزل.

بعد ذلك جاء أناس آخرون. في البداية جاء ابني حمدالله زوج حنان مع أولاده الثلاثة الآخرين، لأنّهم قلقوا عليها حين لم تعد إلى المنزل. ثمّ جاء جيران وأقارب، وأولاد كانوا يريدون مرافقة أحفادي إلى المدرسة. أدخل الجنود كلّ من طرق بابنا إلى داخل منزلنا واحتجزوا الجميع. أجروا تفتيشًا على أجساد الرجال والأولاد وصادروا الهواتف من الجميع.

أمر الجنود الرجال بالدخول إلى غرفة واحدة والنساء إلى غرفة أخرى. في نهاية الأمر تجمّع في منزلي 25 شخصًا - ستّة رجال وخمس نساء و-14 ولدًا. كلّهم كانوا خائفين. الأمر الوحيد الذي كان يهمّني هو وضع زوجي فقد كنت طيلة الوقت أقول للجنود: "الحاجّ مريض، حرام، ماذا تريدون، لماذا تحتجزوننا؟". لكنّهم لم يعيروني أيّ اهتمام، سوى أنّ أحدهم قال لي "سكوت، سكوت". لقد سمحوا لزوجي بتناول الدواء وبالذهاب إلى المرحاض فقط بمرافقة جنديّ.

عند الساعة 7:30 جاء إياد ابن سلفي فتى في الـ14 من عمره. كان يريد الذهاب مع حفيدي فضل إلى المدرسة وفوجئ بكمين الجيش داخل منزلنا. فتّش الجنود حقيبته ووجدوا فيها مقلاعًا. نقّلوا المقلاع بينهم وكانوا ينظرون إليه وكأنّهم عثروا على كنز. بعد ذلك أجلسوا إياد جانبًا وعند الساعة 8:00 تقريبًا - عندما غادروا المنزل أخذوه معهم. حاولنا إقناع الجنود بإخلاء سبيله لكنّهم لم يسمحوا لنا حتى بالاقتراب منهم.

عندما خرجوا وقعت مواجهات بينهم وبين فتية كانوا يرشقونهم بالحجارة وردّ الجنود بإطلاق قنابل الصوت والغاز. لم نتجرّأ على الخروج من المنزل إلّا بعد أن تأكّدنا أن الجنود غادروا المنطقة. لم أر إياد حتى ساعات المساء - في اليوم نفسه بعد أن أخلوا سبيله. لقد ضربوه ضربًا مبرحًا كانت عينه منتفخة وجسده كلّه مغطّى بالكدمات وبدا منهكًا تمامًا. هذه الحكاية بكلّ تفاصيلها تكرّرت أوّل أمس، في يوم الثلاثاء، الموافق 10.4.18. مرّة أخرى طرق الباب وعندما فتحت الباب رأيت الجنود أنفسهم وكان عددهم نحو ثمانية. تعرّفت عليهم لأنّ ضابطهم كان قصيرًا و"مدحبرًا" أشقر وعيناه خضراوان. يبدو في الثلاثينات من عمره وكان لديه ثلاث درجات. عندما رأيتهم قلت له "لم تمض سوى بضعة أيّام على مجيئكم إلينا"، لكنّه لم يجبني. دخل مع الجنود إلى المنزل دون أن يطلب إذنًا. في المنزل كان زوجي واحفادنا عبد الغني وسهاد ابنة الخمسة حيث أيقظوهم الجنود وامروهم بالذهاب لغرفتنا. جندي وقف عند باب الغرفة. خاف احفادي وانا حاوت تهدئتهم. باقي الجنود مكثوا في الصالون، استعملوا الشراشف واستلقوا للنوم على الكنبات كأنه بيتهم.

في هذه الليلة، كما في المرّة السابقة احتجز الجنود كلّ من جاء إلينا. جاء ابني حمدالله وزوجته وأولاده ومن بعدهم جاءت حفيدتي سندس، 18 عامًا؛ ثمّ جاءت ابنتي زينب. كنّا 12 شخصًا محبوسين داخل المنزل على يد الجيش. وكلّما أراد أحدنا الذهاب إلى المرحاض كان يلازمه جنديّ. ارتفع ضغط الدم لدى زوجي وناولته كنّتي دواء ولم يكترث الجنود للأمر. من حين لآخر كنّا نتوسّل إليهم أن يتركونا نظرًا لحالة زوجي الصحية ولوجود نساء وأطفال لكنّهم كانوا بلا رحمة ولا شفقة. لم يكترثوا لتوسّلاتنا.

عند الساعة 7:30 سمعنا أصواتًا في الخارج كان يبدو أنّهم شبّان من القرية علموا بوجود الجنود في منزلنا وأخذوا يرشقون الحجارة نحو المنزل. استدعى الجنود قوّات إضافيّة للتّعزيز وعندما وصل الجنود الإضافيّون ألقوا قنابل الصوت والغاز لأجل تفريق الشبّان والفتيان ولكي يتيحوا الخروج للجنود الذين كانوا في منزلنا. غادروا القرية في الساعة 9:00 ولم يعتقلوا أحدًا.

اقتحام منزل عائلة أبو عليا في 21.3.18: احتجاز أفراد الأسرة وأناسٍ آخرين طيلة أربع ساعات، واستخدام شابّ كدرع بشريّ

في 21.3.18 عند الساعة 4:00 فجرًا، قبيل صلاة الفجر بقليل، اعتقل جنود اثنين من سكّان القرية كانوا قد التقوهما في الشارع وأجبروهما على مرافقتهم. اقتاد الجنود الشخصين إلى منزل عائلة أبو عليا وأمروا أحدهما أن يطرق الباب. عندما رفض هدّدوه بالسلاح وعندما أصرّ على الرّفض رغم ذلك أمر الجنود الشخص الآخر بأن يطرق الباب فانصاع لهم. دخل الجنود مع الشخصين إلى المنزل وأمروا الوالدة بإيقاظ أولادها.
احتجز الجنود أفراد الأسرة الستّة والشخصين اللّذين اقتادوهما من الخارج في إحدى الغرف ومنعوهم من الخروج، بعد أن أوقفوا حراسة عليهم. بعض الجنود اتّجهوا للنّوم على كنبات صالون المنزل. الوالدة المُرضع اضطرّت أن تُرضع صغيرها أمام الجنود. بعد أربع ساعات غادر الجنود المنزل. 
 

غسّان محمد (25 عامًا، أعزب) الذي احتُجز في منزل حسام أبو عليا واعتُقل لاحقًا أدلى بإفادته يوم 15.4.18 قائلاً: 

الصورة
عائشة نعسان. الصورة بلطف من الشاهد

في يوم الأربعاء الموافق 21.3.18 عند الساعة 4:00 فجرًا، عندما كنت في طريقي إلى المسجد لأداء صلاة الفجر التقيت أحمد محمد (38 عامًا)، الذي كان أيضًا في طريقه لأداء الصّلاة. عندما اقتربنا من المسجد فوجئنا بجنود ملثّمين ويرتدون السترات الواقية. وجّه الجنود سلاحهم إلينا واقتادونا معهم دون أن يقولوا شيئًا. كلّ واحد منّا اقتاده جنديّان وكلّما سألنا كان الجواب الوحيد "سكوت، سكوت". بعد أن اقتادونا نحو مائة متر وكنّا في جوار منزل حسام أبو عليا أمرني الجنود بطرق باب المنزل. رفضت، حتّى بعد أن هدّدني أحد الجنود بسلاحه، لأنّه ليس مقبولًا طرق أبواب منازل القرية في ساعة كهذه وخشيت أن يساء فهم الأمر إذا طرقت الباب. وافق أحمد أن يطرق الباب. من الداخل جاء صوت حسام يسأل: "من هناك؟"، فأجابه "أنا أحمد، ومعنا جيش". اغتاظ الجنود لأنّ أحمد كشف وجودهم. ادخلونا إلى منزل حسام وجمّعوا أفراد الأسرة ونحن معهم في غرفة الأولاد ولاحقًا نقلونا إلى غرفة الضيوف. 

كان الأولاد نائمين فأجبر الجنود الوالدة أن توقظهم. إنّهم أطفال صغار كانوا يغالبون النّعاس ولا يفهمون ما يجري من حولهم. بعد أن أدخلنا الجنود إلى غرفة الأولاد كبّلوا يديّ إلى الأمام بأصفاد بلاستيكيّة وشدّوها كثيرًا إلى درجة أنّي شعرت بآلام في الرّسغ. طلبت منهم عدّة مرّات أن يُرخوا القيد ولكن دون فائدة. في البداية أوقفوا علينا حراسة فيما تجوّل بقيّة الجنود في أرجاء المنزل وبعضهم نام. كانوا يتصرّفون في المنزل كأنّه "دار أبوهم" دون أيّ خجل. وحين كان أحدنا يطلب الذهاب لشرب الماء كان الجنود يرفضون السماح له بالخروج ويجلبون الماء بأنفسهم. 

كان الطفل الرّضيع يبكي من الجوع ووالدته خجلى من إرضاعه في الغرفة بسبب وجود الجنود ووجودي أنا وأحمد. طلبنا من الجنود أن يديروا وجوههم لكي تتمكّن الوالدة من إرضاع طفلها، فرفضوا في البداية، ولكنّهم وافقوا بعد إصرارنا. كذلك أنا وأحمد أدرنا وجوهنا. انتقلت الوالدة إلى زاوية الغرفة وأرضعت صغيرها وبالنتيجة توقّف عن البكاء وغفا. لقد كانت هذه من أسوأ اللحظات التي مررت بها في حياتي، كان الوضع مُحرجًا جدًّا. لم أتخيّل أبدًا أن يرغمني جنود على اقتحام خصوصيّات الآخرين بهذا الشكل ويحتجزوني في غرفة مع امرأة وزوجها وأولادها الصغار. عندما طلبت الأمّ الخروج من الغرفة لإحضار طعام لأولادها رفض الجنود السماح لها بذلك وقالوا لها "لاحقًا". لم نفهم لماذا أدخلونا إلى هذا المنزل ولا ماذا كانوا هم أنفسهم يفعلون هناك - هل كان غايتهم أخذ قسط من الرّاحة أم نصب كمين للتلاميذ في ساعات الصباح؟
عند الساعة 8:00 تقريبًا غادر الجنود المنزل فجأة. ألقى أحدهم قنبلة صوت لكي يخيفنا فلا نخرج خلفهم. بعد ذلك جلب حسام سكّينًا وقطع الأصفاد عن يديّ وكانت مشدودة جدًّا بحيث سبّبت انتفاخًا في يديّ وتركت علامات. 

لدى خروجه من منزل عائلة أبو عليا التقى غسّان محمد في الشارع والده ياسر محمد، الذي سبق أن احتُجز في منزل أسرة أديب وعائشة نعسان. وفيما كان غسان ووالده يسيران ويتحدّثان عمّا جرى لهما التقيا مجموعة جنود، فما كان من الجنود إلّا أن اعتقلوه. في إفادته التي أدلى بها لبتسيلم قال غسّان محمد أنّ الجنود اتّهموه برشق الحجارة فأنكر ذلك، ومن ثمّ اعتدى عليه الجنود بالضرب. اعتُقل غسّان طيلة أسبوعين، وأفرج عنه - بكفالة مالية قدرها 2500 شاقل إلى حين محاكمته التي يُفترض أن تبدأ في شهر تمّوز.  

اقتحام منزل عائلة محمد في 10.4.18: احتجاز أفراد الأسرة وبضمنهم أطفال صغار وأناسٍ آخرين في غرفة واحدة طيلة سبع ساعات

في 10.4.2018 نحو الساعة 2:00 بعد منتصف الليل، اقتحم جنود منزل عائلة محمّد، وتعدّ تسعة أنفار بينهم سبعة أولاد تتراوح أعمارهم بين عشرة أشهر و-16 عامًا. جمّع الجنود الجميع في غرفة نوم الوالدين وأصرّوا أن ينقلوا بأنفسهم اثنين من الأولاد كانا نائمين. أراد الوالدان حمل طفليهما لكنّ الجنود رفضوا السماح لهما بذلك. احتجز الجنود جميع أفراد الأسرة في تلك الغرفة طيلة أربع ساعات، لم يسمحوا خلالها للأمّ بإرضاع طفلها على انفراد ولا بإعداد الطعام لبقّية أولادها ثمّ غادروا المنزل دون أن يفعلوا شيئًا. 

 

لينا محمد (34 عامًا، أمّ لسبعة أولاد) أدلت بإفادتها يوم 12.4.18 قائلة: 

عند الساعة 2:00 فجر يوم الثلاثاء الموافق 10.4.2018، أيقظنا صوت طرقات الجنود على باب المنزل. قام زوجي كاظم وفتح لهم الباب فدخلوا مداهمين دون أيّ استئذان. أغلق الجنود النوافذ وأرخوا عليها الستائر، صادروا هواتفنا النقّالة وأمرونا أن نبقى في غرفة النوم. بعض أولادنا استيقظوا بسبب الضجيج وجاءوا إلينا بأنفسهم، لكن الصّغيرَين - ساجي 4 سنوات ونور 5 سنوات -  ظلّا نائمين وأردنا الخروج من الغرفة لإحضارهما لكنّ الجنود رفضوا السماح لنا بذلك. ذهبوا بأنفسهم وحملوهما إلى سريرنا. ساجي ظلّ غافيًا لكنّ نور استيقظ والجنود يحملونه وبال في ملابسه من شدّة الرّعب. 

حاولت تهدئة بقيّة أولادي لكي يتمكّنوا من النوم - في سريرنا. لم يستطع الأولاد الكبار أن يناموا لأنّ الجنود كانوا مخيفين جدًّا. كانوا يصوّبون أسلحتهم إلينا ومعظمهم كان يرتدي أقنعة على وجهه - حتّى أنّنا لم نتمكّن من رؤية وجوههم أو التمييز بينهم سوى الضابط، إذ كانت على زيّه خطوط ثلاث رُتب على الكتف. لم يتحدّثوا سوى بكلمات قليلة بالعربية وتقريبًا لم يقولوا سوى "سكوت"، "اسكت"، و"ششششـ".

كانوا يقفون ويصغون لكلّ حركة في الخارج. لم نعرف ماذا يريدون، لكنّنا خمّنّا بأنّهم ينصبون كمينًا للتلاميذ في طريقهم إلى المدرسة صباحًا. عندما كان الجنود في منزلنا منعونا من التجوّل بحرّية داخل المنزل، وكلّما أردنا الذهاب إلى المرحاض أو إلى مكان آخر كان علينا أن نطلب إذنًا منهم وكانوا يسمحون لنا بالذهاب فقط برفقة أحد الجنود. 

بعد مضيّ بضعة ساعات جاء إلينا عدد من الأقارب فاحتجزهم الجنود معنا داخل المنزل: عند الساعة 6:30 جاءت صفيّة محمد، 42 عامًا، لكي تطلب من زوجي أن يجلب لوالدتها دواء من رام الله؛ وعند الساعة 7:00 جاءت ولاء محمد، 30 عامًا، ابنة شقيق زوجي. هي تعمل مدرّسة فقد عرّجت علينا لكي تأخذ معها أولادنا إلى المدرسة. وجاء أناس آخرون، بحيث بلغ عدد الأشخاص المحتجزين في غرفة نومنا 15 نفرًا، والغرفة مساحتها 4x3 متر. كان الاكتظاظ شديدًا إلى درجة الاختناق لكنّ الجنود منعونا من فتح النافذة. كلّما تذمّر أو اشتكى أحد منّا، أو سأل سؤالًا كانوا يأمرونه أن يصمت. لم نعرف أصلًا ما الذي يجري. 

كنت منشغلة طيلة الوقت بأولادي الصغار. لكي أرضع، كان عليّ أن أتوارى خلف شرشف حمله أولادي، ولم يحوّل الجنود أنظارهم عنّي طيلة وقت الترضيع. من حين لآخر كان يبكي أحد أولادي فيأخذ الجنود في تأنيبه والصراخ عليه لكي يصمت. في الصباح، كان الأولاد جائعين، ولم يسمح الجنود لنا بالتوجّه إلى المطبخ لإعداد الطعام لهم. تقيّأ ابني نور، ويبلغ من العمر 5 سنوات، ولا أعلم هل حدث له ذلك لأنّه استيقظ في منتصف الليل، أم بسبب البرد، أم لشدّة الخوف. 

عند الساعة 8:30 غادر الجنود المنزل فتنفّسنا الصّعداء. كلّ واحد فينا أحسّ وكأنّ صخرة أزيحت عن صدره. لقد كانت هذه تجربة قاسية جدًّا. في ذلك اليوم لم يذهب أولادي إلى الحضانة أو إلى المدرسة، إذ بمجرّد خروج الجنود اتّجه كلّ منهم إلى فراشه وخلد للنوم. عندما استيقظوا قضوا النهار خائفين. لم يجرؤ أحد منهم على الخروج للّعب أو الذهاب إلى دكّان البقالة لشراء حاجيّات أو حلويات. لقد خافوا أن يكون الجيش لا يزال في الحيّ. منذ يومين هم لا يتحدّثون سوى عن الجنود. 

مواد مقترحة

אמבולנסים ליד מתחם המגורים של המשפחה בליל האירוע. התמונה באדיבות המשפחה

روتين العُنف

جنود يقتحمون حوش عائلة في الخليل ويحبسون 21 من أفرادها داخل مخزن وبضمنهم 7 قاصرين ثمّ ينهالون على بعضهم ضرباً؛ ستّة أمضوا اللّيلة في المستشفيات وواحد لا يزال رهن الاعتقال

في يوم الأحد الموافق 12.12.21 نحو السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل، طرق جنود باب منزل محمود سلهب (57 عاماً) وزوجته نداء (55 عاماً) وأبنائهم الأربعة. تقيم الأسرة في حيّ خربة قلقس في الخليل. عندما فتح محمود الباب اقتحم المنزل ما يُقارب عشرين جنديّاً وسألوه عن مكان ابنه أنس (24 عاماً) وهو طالب في جامعة الخليل. بعد ذلك احتجز الجنود أنس في غرفته في الطابق الأرضيّ واقتادوا الأب وثلاثة من أبنائه إلى غرفة ملاصقة تُستخدم كمخزن. في الوقت نفسه كان جنود يطوّقون منازل عائلة سلهب وقام هؤلاء بتجميع أفراد آخرين من العائلة يقيمون في الحوش نفسه واقتيادهم إلى غرفة المخزن حتى أصبح عدد المحبوسين فيها 21 بضمنهم 7 قاصرين. وقف عشرة جنود يحرسون المخزن، وفي هذا الوقت كان المحبوسون داخله يسمعون صُراخ أنس تحت ضربات الجنود في الغرفة الملاصقة. عندما احتجّ إبراهيم (16 عاماً) شقيق أنس انهال عليه الجنود ضرباً. أثناء جدال اندلع إثر ذلك جرّ الجنود ابن عمّه أسامة سلهب (24 عاماً) على أرض المخزن فارتطم رأسه بحوض أسماك فارغ وجُرح نتيجة تحطّم زجاجه. استدعى الجنود سيّارة إسعاف عسكريّة نقلت أسامة سلهب إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السّبع. نحو السّاعة 2:30 بعد منتصف اللّيل غادر الجنود المكان وأخذوا معهم أنس وهو مكبّل اليدين ومعصوب العينين. بعد إدخاله إلى الجيب العسكريّ تجوّل الجنود طوال ساعات حتى جلبوه عند السّاعة 8:30 إلى مركز الاعتقال في "عتصيون"، وبعد ذلك أبقوه داخل الجيب حتى السّاعة 12:00 ظهراً. مرّت كلّ هذه السّاعات على أنس سلهب منذ لحظة اعتقاله ولم يتناول خلالها أيّ طعام أو شُربة ماء ولا سُمح له بقضاء حاجته. بعد ذلك أدخلوا أنس لمقابلة ضابط "الشاباك" حذّره هذا خلالها ألّا يُشارك في نشاطات ستنظّمها حماس في ذكرى انطلاقتها. استمرّت "المحادثة" أقلّ من ساعة ثمّ أخلي سبيل أنس إلى منزله مع طلّاب جامعيّين آخرين كان "الشاباك" قد استدعاهُم لمقابلة تحذيريّة مشابهة. بعد أن غادر الجنود منازل عائلة سلهب تمّ نقل خمسة من أفراد العائلة لتلقّي العلاج في مستشفى عالية في الخليل. تبيّنت لدى ثلاثة منهم كدمات وعانت اثنتان من صدمة هلع. نحو السّاعة 5:00 غادروا المستشفى جميعاً. أسامة سلهب غادر المستشفى في اليوم التالي ثمّ اعتُقل وقُدّمت ضدّه لائحة اتّهام جاء فيها أنّه اعتدى في تلك اللّيلة على جنود. عشرات الجنود اقتحموا في دُجى اللّيل حوش عائلة في الخليل واقتحموا مساكنها حيث يُقيم نحو 30 شخصاً. بعد أن أفزعوا نوم الجميع اقتادوا معظمهم إلى مخزن وانهالوا على بعض هؤلاء بالضرب. النتيجة: نقل ستّة للعلاج في المستشفيات واعتقال اثنين لا يزال أحدهما رهن الاعتقال. هذه ليست حادثة استثنائيّة وإنّما هي جزء من روتين حياة لا تُطاق يفرضها نظام الأبارتهايد على الفلسطينيّين سكّان الضفة الغربيّة. عن ليلة الرّعب هذه تحدّث عدد من أفراد عائلة سهلب في إفادات استمع إليها باحثا بتسيلم الميدانيّان منال الجعبري وموسى أبو هشهش، نوردها فيما يلي: أحمد سلهب (52 عامًا) أحد الإخوة المقيمين كلّ مع أسرته في حوش العائلة، وهو أب لأربعة. في إفادته التي أدلى بها في يوم الحادثة قال: في 12.12.21 عند السّاعة 1:00 بعد منتصف اللّيل أيقظني من نومي صُراخ وجلبة آتية من منزل أخي محمود. خرجت بسُرعة وخرج خلفي ابني أسامة. في الخارج التقينا جنوداً فاقتادونا إلى مخزن في الطابق الأرضيّ من منزل محمود. عندما أدخلونا كان في المخزن أخي محمد وابنه نور الدّين (23 عاماً) وأكثر من عشرة جنود بضمنهم ضابط. بعض الجنود ضربوا إبراهيم ابن محمود. في هذه الأثناء جلب الجنود كلّاً من مريم (20 عاماً) ابنة أخي محمود وصلاح الدّين (19 عاماً) ابن أخي محمد. كذلك جلبوا ابني أمجد (27 عاماً). اندلع جدال بيننا وبين الجنود لأنّهم كانوا يدفعوننا فأمرونا أن نجلس على أرضيّة المخزن دون حراك. في هذا الوقت كانوا يُواصلون الاعتداء على إبراهيم. تطوّر الجدال إلى تدافُع بالأيدي وعندئذٍ انقضّ الجنود على ابني أسامي وانهالوا عليه ركلاً وضرباً بأيديهم وبنادقهم. تدخّلت وأخي محمد لنخلّص أسامة من بين أيدي الجنود لكنّهم دفعونا وبعضهم ضرب محمد فيما بعضهم يُواصل ضرب أسامة. بعد ذلك جرّوه إلى زاوية المخزن وهُناك وقع عليه حوض الأسماك وتحطّم زُجاجه على رأسه. رأيت أسامة ملقىً على الأرض دون حراك وبدت لي إصابته بليغة حتى أنّني ظننته قد فارق الحياة. جرّ الجنود أسامة إلى الخارج فلحقت بهم. في هذه الأثناء جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان وأدخل المسعفون أسامة إلى إحداهُما وقاموا بإسعافه. قبل أن تنقله سيّارة الإسعاف أمر الضابط بنقل أسامة إلى سيّارة إسعاف عسكريّة ثمّ سمعت جنديّاً يقول إنّهم سوف يأخذونه إلى مستشفى "سوروكا" في بئر السّبع. كان رأس أسامة ينزف ووجهه مغطّىً بالدّم. بعد نقل أسامة اقتاد الجنود أنس إلى جيب كان متوقّفاً في مكان قريب. أخذوه معهم في الجيب وغادروا. كنت أعاني من آلام في ظهري وذراعي اليسرى نتيجة لضربات الجنود ولكنّ حالتي لم تستدع العلاج. أخي محمد وإبراهيم ابن أخي وابني أمجد تمّ نقلهم في سيّارتي إسعاف إلى مستشفى عالية الحكوميّ في الخليل. وحيث ظلّت مريم وأسماء من بنات إخوتي - أسماء (17 عاماً) هي ابنة أخي محمد – تحت وقع الصّدمة أقلّهما أحد أقربائنا في سيّارته إلى المستشفى نفسه، وعند السّاعة 6:00 تقريباً عاد الجميع إلى المنزل سويّة. كانت هناك كدمات في جسم كلّ من محمد وأمجد وإبراهيم. في الصّباح توجّهت إلى محطّة الشرطة في "كريات أربع" بعد أن أخبرني أحد أقربائي والذي ذهب لزيارة ابني أسامة في المستشفى أنّه نُقل إلى هناك. عندما وصلت استمع محقّق إلى إفادتي حول ما جرى وفقط بعد ذلك سمح لي برؤية ابني. كان أسامة جالساً على كرسيّ لا يقدر على الحراك، وكان رأسه ملفوفاً بشاش طبّي وفي وجهه جُرح. أبلغني عناصر الشرطة أنّهم سوف يقتادونه إلى المعتقل في "عتصيون". إبراهيم سلهب (16 عاماً) هو ابن محمد ونداء وشقيق أنس، وقد أدلى بإفادته في يوم الحادثة فقال: أيقظتني طرقات قويّة على باب منزلنا فنهضت مسرعاً واتّجهت نحو الباب. رأيت والدي يفتح الباب وعدد من الجنود يدخلون وهُم يسألونه عن أخي الكبير أنس. عندما رآني الجنود اقتادوني إلى المخزن في الطابق الأرضيّ من منزلنا. خلال لحظات جلبوا أيضاً عمّي محمد وأولاده، ولاحقاً جلبوا أيضاً عمّي أحمد وأولاده وأفراداً آخرين من العائلة. أمرني الضابط أن أجلس على الأرض ولكنّني لم أطعه فوراً. سألته لماذا عليّ عن أجلس على الأرض فانقضّ عليّ هو وعشرة جنود وانهالوا عليّ ركلاً وضرباً بأيديهم وبنادقهم ثمّ رموني أرضاً. كنت أصرخ طوال الوقت وأطالبهم أن يتوقّفوا عن ضربي وأسألهم ما الذي فعلته لهُم. كانوا يجيبونني فقط بقولهم "اخرس" ويواصلون ضربي. حاول عمّي محمد أن يخلّصني من بين أيديهم فدفعوه وأجلسوه على الأرض. بعد أن توقّفوا عن ضربي وضرب عمّي انتقل الضابط والجنود إلى ابن عمّي أسامة وهجموا عليه. أوقعوه أرضاً ثمّ جرّوه إلى إحدى زوايا المخزن وفي أثناء ذلك وقع عليه حوض أسماك كان على طاولة صغيرة. غطّى الدّم رأس أسامة ووجهه وظلّ بلا حراك. جميع من في المخزن أخذوا يصرخون واندلع شجار بالأيدي بين أعمامي والجنود. سحب الجنود أسامة إلى الخارج وخرج معهم عمّي أحمد ومن بعده خرج بقيّة الجنود كلّهم. حين عاد عمّي أحمد قال لنا إنّه تمّ نقل أسامة في سيّارة إسعاف إسرائيليّة إلى مستشفى "سوروكا". كنت منهكاً وكلّ موضع في جسمي يؤلمني من كثرة الضرب. رأيت عمّي محمد يجلس على الأرض ولا يقدر على النهوض. عندئذٍ تنبّهت إلى أنّ الجنود قد اعتقلوا أخي أنس. جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان وتمّ نقلي فيهما مع ابن عمّي أمجد وعمّي محمد إلى مستشفى عالية الحكوميّ في الخليل. في قسم الطوارئ التقيت أيضاً ابنتي عمّي مريم وأسماء وكانتا تعانيان من صدمة هلع. أجريت لي فحوصات وصور أشعّة وكانت كدمات ظاهرة في كلّ أنحاء جسمي. عدت إلى المنزل وتوجّهت مباشرة إلى سريري. أخي أسامة تلقى العلاج في مستشفى سوروكا ثمّ اقتيد إلى محطّة الشرطة في "كريات أربع" ومن هناك إلى معتقل "عتصيون". أمّا أخي أنس فلا أعلم إلى أين أخذوه. نسرين سلهب (12 عاماً) هي ابنة محمد وانتصار. في 27.12.21 أدلت نسرين بإفادتها قائلة: في تلك اللّيلة كنت أشاهد مسلسلاً على شاشة التلفزيون وكانت أمّي وأخواتي نائمات. فجأة رأيت ضوء كشافات عبر نوافذنا. عندما اقتربت من النافذة رأيت عدداً كبيراً من الجنود حول المنزل. أيقظت والدتي وأسماء بسُرعة. خرجت والدتي من الغرفة وإذ بها تُفاجأ بخمسة جنود يُمسكون بشقيقيّ – نور الدّين (23 عاماً) وصلاح الدّين (19 عاماً). اقتادنا الجنود إلى مخزن عمّي محمود وكان هناك أعمامي وبعضاً من أولادهم. جميعهم كانوا يجلسون على الأرض والجنود يوجّهون أسلحتهم إليهم. أمرنا الجنود أن نجلس نحن أيضاً على الأرض ففعلنا ذلك. جلست قرب مريم ابنة عمّي وقد كانت تبكي. رأيت جنوداً يجرّون أنس ابن عمّي إلى غرفة أخرى. سمعت صوته وأصوات الجنود وكأنّها جلبة ضرب. أخافتني كثيراً وحشيّة الجنود. عندما احتجّ إبراهيم ابن عمّي وقع جدال بينه وبين الجنود وفوراً أخذوا يضربونه. ثارت ثائرة الجميع وقد رأيت أسامة ابن عمّي يصرخ على الجنود ولم أفهم ماذا قال لهُم لأنّه تحدّث باللّغة العبرية. إثر ذلك نطحه أحد الجنود في جبينه ونشب شجار بين أسامة والجنديّ الذي انضمّ إليه عشرة جنود على الأقل وهاجموا أسامة. ضربوه بأعقاب بنادقهم ثمّ جرّوه فارتطم رأسه بحوض أسماك قديم وتحطّم الحوض فوقه. صرخت وبكيت وأنا أرتجف من الخوف. حاول والدي وأعمامي الدّفاع عن أسامة فهاجمهم الجنود وضربوهم. أنا ومريم وأسماء كنّا نبكي ونصرخ. أخرجنا الجنود من الغرفة وكذلك أخرجوا الأطفال والنساء. اقتادونا إلى منزل عمّي محمود في الطابق الثاني. من الصّرخات التي تناهت إلى مسامعنا فهمنا أنّ الجنود ما زالوا يُواصلون ضرب والدي وأعمامي. كان عن باب المنزل خمسة جنود وقد منعونا من الخروج. أسماء كانت تبكي لدرجة أنّها لم تقدر على التنفّس. مريم أيضاً كانت تبكي طوال الوقت وأنا كنت أبكي وجمسي يرتجف من الخوف. بقينا على هذه الحال إلى أن غادر الجنود. رأيناهم من الشرفة يقتادون أنس وهو مكبّل اليدين، وشاهدنا نقل أسامة في سيّارة إسعاف إسرائيليّة. بعد أن غادر الجنود نزلنا إلى المخزن فرأينا والدي ملقىً على الأرض يصرخ من الألم. على أرضيّة الغرفة كانت دماء وعلى الحائط أيضاً. جلست مع أسماء قرب والدي وأخذنا نبكي. جاءت سيّارتا إسعاف فلسطينيّتان ونقل الطاقم والدي وإبراهيم ابن عمّي وأمجد ابن عمّي الآخر إلى المستشفى، ونقل أحد أقربائنا في سيّارته كلّاً من أسماء ومريم لأنّ أسماء كانت لا تقدر على التنفّس ومريم كانت تصرخ وتبكي دون توقّف. كان الأمر مُرعباً. كان الجنود يتصرّفون بوحشيّة ودون رحمة. لا يمكنني أن أنسى ما شهدته في تلك اللّيلة. أصبحت أوقظ أمّي لترافقني إلى المرحاض لأنّني أخاف الذهاب وحدي في اللّيل خشية أن أجد فجأة جنوداً داخل منزلنا بعد أن دخلوا دون علمي. أدناه ما حدّث به أنس سهلب (24 عاماً) وهو ابن محمود ونداء – أدلى بإفادته في 20.1.22: أدخلني الجنود إلى الغرفة الملاصقة للمخزن وكانوا طوال الوقت يطلبون منّي هاتفي وكنت أقول لهُم إنّه ليس لي هاتف خاصّ بي. كانوا يدفعونني ويضربونني بأيديهم وببنادقهم. سمعت صُراخ أفراد عائلتي يأتي من المخزن ولكن لم أعرف ما الذي يحدث هناك. بعد مضيّ نحو السّاعة أخرجوني واقتادوني إلى الجيب. في الطريق رأيت أسامة ابن عمّي ملقىً على الأرض في السّاحة قبالة المنزل وسمعت أبناء عمومتي يصرخون يطالبون بتقديم العلاج له. وأيضاً رأيت سيّارت إسعاف في الشارع. أدخلني الجنود إلى الجيب وعصبوا عينيّ ثمّ سار الجيب متّجهاً إلى مستوطنة "بيت حجاي". في الطريق طلبت مسكّنًا لتخفيف الصّداع لكنّهم لم يعطوني شيئاً، لا ماء للشرب ولا طعام. بعد ذلك سار الجيب إلى مكان آخر ثمّ عاد إلى "بيت حجاي" وفي النهاية اتّجه إلى "عتصيون". وصلنا إلى هناك عند السّاعة 9:00-8:30 لكنّهم أبقوني في داخل الجيب حتى السّاعة 12:00 لم يأتوا خلالها بماء أو طعام ولم يسمحوا لي بالذهاب إلى المرحاض. بعد ذلك أدخلوني إلى غرفة التحقيق وكان هناك مركّز "الشاباك" ويُدعى تيسير. لم يوجّه إليّ أيّة تهمة لكنّه حذّرني من المشاركة في أنشطة حركة حماس. قلت له إنّ الجنود اقتحموا منزلنا وضربوني وأفراد عائلتي فقال إنّ الوحدة التي جاءت إلينا قليلة التجربة وجُنودها لا يعرفون كيف يتصرّفون مع الناس. بعد أقلّ من ساعة أخلوا سبيلي فانتظرت خارج "عتصيون"، وبعد أن أخلوا سبيل طلّاب جامعيّين آخرين كنت قد رأيتُهم في الدّاخل سافرنا معاً إلى الخليل ومن ثمّ كلّ إلى منزله. كانت في كتفي وظهري كدمات وعانيت من آلام طوال عدّة أيّام.

3 شباط/فبراير 2022

 الفوضى التي خلّفها الجنود في مطبخ إيمان وحكمت شتيوي في كفر قدّوم. صورة قدّمتها العائلة مشكورة.

روتين العُنف

روتين الاحتلال: جنود يقتحمون ثلاثة منازل في كفر قدّوم، يعتدون على ساكنيها بالضّرب، ويعتقلون شخصاً واحدا

نحو السّاعة 1:30 فجرَ يوم الثلاثاء الموافق 1.6.21، اقتحم عشرات الجنود ورجال "الشّاباك" منزل عائلة اشتيوي في كفر قدّوم. أيقظت القوّات بداية الشابّ بشّار اشتيوي (29 عاماً) حيث كان يبيت في شرفة المنزل في تلك اللّيلة، وبعد ذلك أيقظوا بقيّة أفراد الأسرة - الوالدة (رشيقة 63 عاماً) والأخوات والإخوة الأربعة الذين كانوا يبيتون في المنزل. عزل الجنود بشّار عن بقيّة أفراد أسرته وحقّقوا معه وسط استخدام العُنف حيث ضربوه مرّات ومرّات، وهو بالكاد مستيقظ من نومه. بعد إجراء تفتيش في جميع أرجاء المنزل استمرّ مدّة ساعة ونصف السّاعة اقتاد الجنود بشّار إلى منزل ابن عمّه عبد الله، وهو يقيم مع والدته في منزل مجاور وهناك أيضاً فتّشوا المنزل وهُم يلقون بأغراض الأسرة أرضاً. خلال التفتيش حقّق الجنود مع بشّار مرّة أخرى في غرفة الضيوف. بعد مضيّ نحو نصف السّاعة اقتادوه مسافة تقارب 400 متر إلى منزل أخيه حكمت (47 عاماً) وهو أب لخمسة. قبل ذلك كان جنود آخرون قد اقتحموا منزل حكمت، وحين دخل الجنود ومعهم بشّار كان التفتيش والتحقيق مع أخيه في ذروتهما: كانت الأغراض ملقاة أرضاً وأثالث الصّالون مقلوب. أدخل الجنود حكمت وزوجته إيمان وأطفالهما الثلاثة إلى غرفة نوم الوالدين وأدخلوا ولديهما طارق (17 عاماً) ومالك (16 عاماً) كلّاً إلى غرفة بعد تكبيله. بعد ذلك أدخل الجنود بشّار إلى الغرفة التي يُحتجز فيها مالك وفي هذا الوقت كان جنود آخرون يحقّقون مع طارق ويضربونه. نحو السّاعة 4:30 فجراً أخذ الجنود بشّار وغادروا القرية. في الصّباح اقتيد بشّار إلى التحقيق في محطّة الشرطة في مستوطنة "أريئيل" ثمّ اعتُقل طوال أسبوعين قبل إخلاء سبيله. في 30.6.21 عاد جنود إلى قرية كفر قدّوم واعتقلوا بشّارة مرّة أخرى، ومعه في هذه المرّة شقيقه محمد أُفرج عن بشار في 9.8.21 وذلك بعد أن أدين في إطار صفقة ادعاء بإلقاء أغراض نحو أشخاص، وحُكم عليه بمدة اعتقال كان قد أنهاها أثناء احتجازه وكذلك مخالفة قدرها ألف شيكل. أخوه ما زال محتجزا. الاقتحامات اللّيليّة لمنازل الفلسطينيّين أصبحت منذ زمن طويل جزءاً من روتين التّرهيب الذي يديره نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة، حيث يدهم جنوده المنازل في دُجى اللّيل ويُفزعون سكّانها من نومهم - بمن فيهم الأطفال والرضع؛ يقتحمون على الناس غرف نومهم؛ يعبثون بأغراضهم الشخصيّة؛ وأحياناً لا يتورّعون عن ضربهم أو ضرب بعضهم؛ ثمّ يغادرون وقد أعاثوا الفوضى ودبّوا الرّعب والصّدمة في قلوبهم. هذه الاقتحامات التي تستبيح الحيّز الذي يُفترض أنّه الأكثر أمناً للإنسان وهو بيته ما هي إلّا وجه واحد من أوجُه تعامُل الدّولة مع الفلسطينيّين كرعايا مجرّدين من الحقوق. ضمن التحقيق الذي أجرته بتسيلم في الاقتحام المذكور استمع باحث بتسيلم الميدانيّ عبد الكريم السّعدي إلى إفادات عدد من شهود العيان، نوردها في ما يلي: في إفادته وصف بشّار اشتيوي (29 عاماً) ما حدث في تلك اللّيلة: في 1.6.21 نمت في شرفة منزلنا في الطابق الثاني. نحو السّاعة 1:30 استيقظت لأجد نفسي محاطاً بجنود يقفون حولي. أخذ الجنود يركلونني ويضربونني. سمعت جنديّاً يقول: ها هو بشّار هنا، ها هو بشّار هنا. رفعني أحد الجنود بعُنف ودفعني إلى داخل المنزل ثمّ أخذ فوراً يسألني ما إذا كان لديّ سلاح. أجبته أنّه لا يوجد معي سلاح ورغم ذلك واصل يسألني أين أخبّئه. قلت له: يمكنك أن تفتّش المنزل وإذا وجدت سلاحاً فأنا أتحمّل المسؤوليّة. بعد مضيّ بضع دقائق أنزلني الجنود إلى شقّة في الطابق الأوّل وكبّلوا يديّ. أتحدّث عن شقّة فارغة وهي معدّة ليسكن فيها أخي محمد. الجنديّ الذي حقّق معي، أو ربّما هو ضابط، رأى في الشقّة عصاً كانت للمرحوم والدي. تناول العصا وأخذ يضربني بها وهو يشتمني ويتفوّه ببذاءات مُخجلة ويواصل سؤالي أين أخبّئ السّلاح. في هذه الأثناء كان جنود آخرون يفتّشون كلّ مكان في المنزل في الطابقين ويفحصون الحيطان بواسطة أجهزة خاصّة. بعد مضيّ نحو ساعة ونصف السّاعة قال لي أحد الجنود أنّه سوف يأخذني إلى منزل ابن عمّي، عبد الله اشتيوي. منزله ملاصق لمنزلنا. عندما وصلنا إلى هناك أجلسني الجنود في غرفة الضيوف وفتّشوا كلّ أنحاء المنزل. بعد مضيّ نصف السّاعة اقتادوني وأنا لا أزال مكبّل اليدين إلى منزل أخي حكمت ويبعد مسافة 400 متر عن منزلنا، وفي الطريق كان الجنود يدفعونني طوال الوقت. عندما دخلنا إلى منزل حكمت رأيت جنوداً منهمكين في تفتيش الصّالون. نظرت فوجدت أدوات المطبخ ملقاة على الأرض ومنثورة على الطاولات. رأيت أيضاً طارق ابن أخي ملقىً أرضاً في غرفة الضيوف مكبّل اليدين ومعصوب العينين. أدخلني الجنود إلى غرفة نوم أخي وهناك رأيت مالك ابنه الثاني. في هذا الوقت كانت زوجة أخي والأولاد الصّغار في غرفة الابنة شهد. تحدّثت مع مالك محاولاً أن أقوّي معنويّاته فصرخ عليّ الجنود وأمروني أن أصمت. في تلك اللّحظة دخل جنديّ آخر وقال لي "طارق يقول أنّك تملك سلاحاً". قلت له "لا يوجد معي سلاح، ثمّ إنّني لست بحاجة إلى سلاح" وعندئذٍ انقضّ عليّ الجنود وأشبعوني لكماً في الجزء العلويّ من جسدي. بعد مضيّ نصف السّاعة تقريباً أبلغني ضابط "الشاباك" أنّني معتقل. قال لي أنّني سوف أمضي في السّجن مدّة سنة أو سنة ونصف. أخرجني الجنود من المنزل ويداي مكبّلتان ثمّ اقتادوني سيراً على الأقدام إلى مستوطنة "كدوميم" التي تبعد مسافة كيلومتر واحد تقريباً. في "كدوميم" عصبوا عينيّ وأدخلوني إلى جيب عسكريّ أخذني إلى معسكر للجيش في "شفي شومرون". احتجزوني هناك حتى السّاعة 11:00 صباحاً ثمّ نقلوني إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "أريئيل" حيث حقّق معي محقّق حول حيازة سلاح ولكنّني قلت له أنّني لا أملك سلاحاً وأنّ الجنود قد فتّشوا المنزل ولم يعثروا على شيء. بعد أن انتهى التحقيق، عند العصر، أخذوني إلى المعتقل. وبعد أسبوعين في 15.6.21 أخلوا سبيلي. أدناه تحدّث امتثال اشتيوي (58 عاماً)، أرملة عمّ بشّار عن اقتحام الجنود لمنزلها: في يوم الثلاثاء، نحو السّاعة 3:00 فجراً، أيقظني رنين الهاتف وكان المتّصلون من منزل سلفي. قالوا لنا أنّ جنوداً اقتحموا منزلهم وجزء منهم في السّاحة المشتركة بيننا وبينهم. فوراً وضعت غطاءً على رأسي وجلست في الصّالون مع ابني عبد الله ونحن نتوقّع أن يأتي الجنود إلى منزلنا. بعد مضيّ نصف السّاعة جاء سبعة أو ثمانية جنود. طرقوا الباب وقام عبد الله وفتح لهم. عندما دخلوا كانوا يقتادون بشّار ابن سلفي وأدخلوه إلى غرفة الضيوف. طلبوا من عبد الله بطاقة هُويّته ثمّ أمرونا أن نجلس في الصّالون. دخل بعض الجنود إلى غرفة نومي وأجروا تفتيشاً، وفي هذا الوقت كنت أسمع الجنود يصرخون على بشّار ويهدّدونه. كانوا يسألونه عن سلاح وموادّ تحريضيّة. بعد نصف ساعة خرج الجنود من المنزل وأخذوا معهم بشّار مخلّفين وراءهم فوضى عارمة. في غرفة النّوم كانت الأغراض والملابس مُلقاة على الأرض فبدأت فوراً بإعادة ترتيب كلّ شيء. أدناه تحدّث إيمان اشتيوي (44 عاماً) عن اقتحام الجنود لمنزلها، وهي زوجة حكمت اشتيوي شقيق بشّار: في تلك اللّيلة كنّا جميعنا في المنزل، نائمين - أنا وزوجي (حكمت) وأولادنا الخمسة - طارق (17 عاماً) ومالك (16 عاماً) وشهد (13 عاماً) ومحمود (11 عاماً) ومحمد (9 سنوات). عند السّاعة 2:00 بعد منتصف اللّيل استيقظت من نومي فزعة على صوت صُراخ وضربات شاكوش على باب المنزل. قال لي حكمت "هؤلاء جنود". قمت فوراً واستبدلت ملابسي ثمّ ركضت إلى حيث ينام أولادي فوجدتهم مستيقظين وخائفين جدّاً. تقدّم زوجي نحو باب المنزل وهو يقول للجنود أنّه قادم ليفتح لُهم الباب ويطلب منهم أن يتوقّفوا عن الطرْق. لكنّهم استمرّوا في الطرْق والصّراخ حتى فتح لهُم. عندما دخلوا كنّا جميعاً واقفين قبالة المدخل وكان أولادي الصّغار يبكون وهُم في غاية الذّعر. احتضنتهم وحاولت أن أهدّئ من روعهم، وأنا نفسي كنت مرعوبة. أمرني الجنود أن أدخل وزوجي وأولادنا الثلاثة الصّغار إلى غرفة نوم ابنتنا شهد، وأبقوا عندهم ولدينا طارق ومالك. عندما كنت في الغرفة سمعت الجنود يصرخون عليهما، وسمعت طارق يقول لهُم: لا يوجد في حوزتنا مواد تحريضيّة ولا سلاح. وممّا جاء في إفادة طارق اشتيوي (17 عاماً)، وهو ابن أخي بشّار: أبقاني الجنود في الصّالون. كبّلوا يديّ إلى الخلف وعصبوا عينيّ بقطعة قماش وبعد ذلك مباشرة دفعوا بي أرضاً بعُنف وشدّة ثمّ داسوا بأرجلهم كلّ جسدي وحتى رأسي. ضربوني وسألوني هل يوجد سلاح في المنزل. أجبتهم أنّه لا وجد سلاح وأنّنا لسنا بحاجة إلى سلاح. أحد الجنود سألني أيضاً ما إذا كنت أشارك في المسيرة الأسبوعيّة في القرية فقلت له "كلّا". استمرّوا يدوسون جسدي ويضربونني طوال دقائق. بعد ذلك رفعني الجنود ونقلوني إلى غرفة الضّيوف حيث ألقى بي أحدهم بقوّة على الأرض وربض على بطني ثمّ أخذ يوجّه اللّكمات إلى صدري وكتفيّ ورأسي وهو يطالبني أن أعترف بوجود سلاح لدينا وأنّنا نشارك في المسيرة الأسبوعيّة. بعد ذلك قال لي هذا الجنديّ الذي هاجمني أنّهم سيجلبون عمّي بشّار. كان الجنود يصرخون وقد سمعته يجيب على أسئلتهم ويقول أنّه لا يوجد لديه سلاح من أيّ نوع كان. أدناه تحدّث والدة بشّار، رشيقة اشتيوي (68 عاماً) عن اعتقال ولديها في نهاية الشهر: يوم 29.6.21، نحو السّاعة 11:00 ليلاً، وقعت فكُسرت يدي اليمنى. أخذني ولداي عقل وصامد إلى المستشفى في قلقيلية حيث تلقّيت العلاج وعُدنا إلى المنزل نحو السّاعة 2:00. عندما وصلنا إلى المنزل ذهب عقل لينام في منزله مع زوجته وأولاده. وصامد الذي يسكن عندي ذهب أيضاً ونام مباشرة. عند السّاعة 3:00 تقريباً كنّا مستيقظات أنا وبناتي، وفجأة سمعنا طرقاً عنيفاً وقويّاً على باب المنزل فأدركنا أنّهم جنود. قامت حنان بسُرعة وفتحت الباب لكي لا يكسره الجنود. في تلك اللّحظة اندفع إلى داخل المنزل سبعة أو ثمانية جنود وفوراً أيقظوا ولديّ سامر وبشّار. سمعت أحد الجنود يطلب منهما هاتفيهما وسمعت بشّار يقول للجنديّ أنّ هاتفه مصادَر منذ ان اعُتقل في بداية الشهر ولم يعيدوه له. أجرى الجنود تفتيشاً في كلّ أرجاء المنزل فيما كنت أنا وبناتي في غرفة النوم. أولادي أخذهم الجنود إلى غرف أخرى. لم أرهم ولكن سمعت الجنود يصرخون عليهم. بعد مضيّ خمس أو عشر دقائق سمعت الجنود يتحدّثون مع محمد الذي كان يبيت في تلك اللّيلة في الطابق الأوّل. سمعت احد الجود يطلب من محمد أن يناوله هاتفه ومحمد يقول له أنّه لا يوجد معه هاتف. جلب الجنديّ محمد إلى الغرفة التي كنّا فيها وقال له: "لا شكّ أنّك تحبّ والدتك ولا ترضى أن يعبث الجنود في منزلها ويُتلفوا الأثاث". في تلك اللّحظة دخل جنديّان آخران ومعهُما هاتف محمد. طلب أحدهما من محمد أن يفتح قفل الهاتف لكي يفتّش فيه لكنّ محمد قال له أنّ الهاتف ممتلكات شخصيّة وعليه أن يحترم خصوصيّته. عندئذٍ أخرج الجنود محمد من الغرفة ثمّ سمعت صُراخ محمد ويشّار كأنّما تحت وقْع ضربات الجنود. بعد مضيّ ساعة تقريباً غادر الجنود وأخذوا معهم محمد وبشّار. بعد أن غادروا تفقّدنا المنزل فوجدنا أنّهم مزّقوا تنجيد الأثاث وكسروا خشب خمسة أبواب.

25 آب/أغسطس 2021

חיילים במהלך פשיטה על מחנה הפליטים אל-ערוב במחוז חברון. צילום: אן פק, אקטיבסטילס, 24.5.13

روتين العُنف

روتين الاحتلال: جنود يهاجمون فتى في السادسة عشرة من عمره في مخيم العروب للاجئين ويكسرون فكه ويعتقلونه لمدة 26 يوما

قرابة الثامنة من صباح الأحد الموافق 29.11.20 اقتحم جيبان عسكريان مخيم العروب للاجئين. رشق فتيان وشبان الجنود بالحجارة الذين ألقوا نحوهم قنابل الصوت والغاز. كانت مستوطنتان قد أصيبتا قبلئذ إصابات طفيفة جراء رشق حجارة عندما كانتا تسافران في سيارة في شارع قريب من المخيم. كان أحد الجيبين يلاحق الشبان فأصاب محمد مقبل (16 عاما) فوقع ثم نهض واستمر في الركض حتى أمسكه الجنود فضربه أحدهم على فكه فوقع ثانية. ركله جندي آخر على جميع أنحاء جسده عندما كان ملقى على الأرض فقيد الجنود يديه ووضعوه في الجيب وقد استمر أحد الجنود في ضربه في الطريق. أُخذ محمد مقبل وفتيان آخرون ممن اعتقلوا في المخيم في اليوم نفسه إلى مركز شرطة "عتسيون" وقد انتظروا هناك ساعات طويلة وكانوا يحققون معهم على نحو متقطع. تم التحقيق مع مقبل في إطار انتهاك حقوقه الأساسية وفي نهايته جعلوه يوقع على وثيقة باللغة العبرية وهي لغة لا يفهمها. في نهاية التحقيق نقل الجنود الفتية إلى المطبخ وقال لهم أحدهم إن بإمكانهم المبيت على الأرض ولم يعطوا طعاما وشرابا طيلة هذه الساعات. في الثالثة فجرا أخذ الجنود محمد مقبل إلى مستشفى "هداسا عين كارم" في القدس وهناك قيدوه بالسرير ووقف جنود في باب الغرفة ومنعوا والده في البداية من الدخول إليها. بعد يومين أجريت له عملية جراحية في الفك وفي مساء اليوم التالي الموافق 4.12.20 نُقل إلى سجن "مجيدو". قدم الادعاء العسكري ضده لائحة اتهام في 6.12.20 تحوي بندين إذ تطرق الأول إلى إلقاء زجاجة حارقة في آذار 2020 والثاني لإلقاء حجارة في يوم اعتقاله. طالب الادعاء اعتقال مقبل حتى انتهاء الإجراءات ولكن القاضي رفض ذلك. رُفض كذلك استئناف الادعاء وأُطلق سراحه في 25.12.20 بعد إيداعه كفالة قدرها 3,000 شيكل. في 8.3.21 أدين محمد مقبل في إطار صفقة ادعاء وحُكم عليه بالسجن مدة 26 يوما وذلك بعدما شُطب البند الأول من لائحة الاتهام وهي المدة التي قضاها في السجن كما حُوّل مبلغ الكفالة إلى غرامة. ليست حالة محمد مقبل استثنائية وهي تعكس روتين الحياة العنيف الذي يفرضه الاحتلال على الفتية في الضفة الغربية. تعتقل إسرائيل سنويا مئات القاصرين الفلسطينيين وتنتهك حقوقهم بشكل ممنهج ومنظم بدءا باعتقالهم مرورا بالتحقيق معهم وفي النهاية الإجراءات القضائية في المحاكم العسكرية للشبيبة. صحيح بأن إسرائيل تتفاخر بالقوانين والإجراءات التي أُعدت نظريا للحفاظ على حقوق القاصرين إلّا أن هذا أمر شكلي هدفه الحقيقي إضفاء الشرعية على الأضرار الجسيمة التي تلحقها بالقاصرين. تحدّث محمد مقبل عن اعتقاله والفترة التي قضاها في السجن وقوامها 26 يوما في إفادة أدلى بها أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش: كنت أركض بسرعة فصدم أحد الجيبات العسكرية كتفي ثم وقعت ونهضت وأكملت الركض. دخلت إلى منزل كان بابه مفتوحا وكانت ثلاثة جنود يلاحقونني فأمسكني أحدهم وضربني على فكي من اليسار. تألمت كثيرا إلى درجة أنني سقطت أرضا. هاجمني جندي آخر وشرع يركلني في كافة أنحاء جسدي. كان فمي ينزف. نهضت فأخذوني إلى الشارع وقيدوا يديّ من الخلف وأجلسوني أمام دكان مغلق. بعد عدة دقائق وضعوني في الجيب وعصبوا عينيّ. جلست على أرضية الجيب الذي كان فيه أربعة جنود وضربني أحدهم وركلني وبصق عليّ عدة مرات. سار الجيب قرابة 500 مترا وتوقف في مدخل المخيم بالقرب من البوابة فأنزلني الجنود هناك بجوار البوابة الكهربائية ورأيت من تحت عصبة العينين أربعة معتقلين آخرين ممكن اعتقلهم الجنود سابقا كانوا يقفون في المدخل. دنا مني شخص بلباس عسكري وقال لي إنه الكابتن "كرم". كنت قد سمعت عنه وأعلم أنه ضابط الشاباك المسؤول عن مخيمنا. ضربني على وجهي بمؤخرة بندقيته. لقد أزال عصبة عيني وصورني وكذلك بقية المعتقلين ثم بعد خمس دقائق تقريبا أخذونا جميعا في مركبة عسكرية كبيرة إلى مستوطنة "كرمي تسور". تركونا هناك في الساحة نحو عشرين دقيقة. كان فكي ينزف ويؤلمني بشدة. عندها وضعونا في مركبة عسكرية أخرى ونقلونا إلى مركز شرطة "عتسيون". وصلنا إلى هناك في ساعات الظهر وأنزلنا الجنود إلى الساحة ثم في ساعات ما بعد الظهر بدأوا بالتحقيق معنا واحدا تلو الآخر وقد كنت أنا الثالث. قبل التحقيق كلمني محام وقال إن لي الحق بالتزام الصمت وقال لي لا تخف. حقق معي محقق يدعى يوسف وقد اتهمني بإلقاء زجاجة حارقة على حافة إسرائيلية قبل عدة شهور وكذلك برشق مركبات عسكرية بالحجارة. أنكرت التهمتين وبعد 10 دقائق أخرجني المحقق إلى الساحة فتركوني هناك حتى المساء. أعادوني بعدئذ إلى غرفة التحقيق وحقق معي محقق واحد. لقد صرخ بي وقال إنني أكذب وصار يسألني "هل الجنود وأهالي المخيم الذين رأوك تفعل هذا يكذبون وأنت وحدك الصادق؟". استمريت بالإنكار وسجل المحقق ما قلته وأمرني بالتوقيع على إفادتي وقد قال إنني أوقع على ما قلتُه فوقعت وأخذوا بصماتي وصوروني. قرابة الساعة 21:00 وبعد أن انتهوا من التحقيق مع المعتقلين الأربعة الآخرين أخذنا الجنود إلى مكان مقابل الساحة يبدو كمطبخ فقال أحدهم إن بإمكاننا المبيت على الأرض. جاء في ذلك الوقت طبيب عسكري وأجرى لنا فحص الكورونا وسألنا إن كنا نعاني من أمراض. جلسنا على أرضية المطبخ قرابة ست ساعات ولم يوفروا لنا الأكل والشراب كما لم نتمكن من النوم. كان فكي يؤلمني بشدة. كنا مقيدين ومعصوبي الأعين طيلة هذا الوقت وكان الوقت يمر ببطء شديد. نحو الثالثة فجرا أخرجني الجنود من المطبخ حيث كانوا قد أخرجوا الآخرين قبلئذ. أخذوني بسيارة صغيرة يرافقني أربعة جنود وجلست في المقعد الخلفي بين اثنين منهم وسافرت السيارة إلى مستشفى "هداسا عين كارم" وقد عرفت ذلك من اللافتة في المدخل. وصلت إلى هناك قرابة الرابعة وأجروا لي هناك فحص الكورونا ثانية ثم أعطوني مسكنات للآلام. رافقني جنديان وكان أحدهما من هاجمني عند الاعتقال. أدخلوني إلى غرفة وقيد أحد الجنديين يدي اليسرى بالسرير. لم أستطع النوم من شدة الألم. في المساء أخذوني لإجراء صور أشعة ثم أعادوني إلى الغرفة التي كان فيها مريض من القدس فقال لي إنه سمع الأطباء يقولون بأنهم سيجرون لي عملية جراحية. جاء والدي بعد الغروب وحاول الدخول إلى الغرفة. لقد نادى عليّ وسألني عن حالي فطرده الجنديان. حاول والدي مرات عدة أن يصل إلى باب الغرفة ليطمئن علي ويقول لي ألّا أقلق. بعد ظهر اليوم التالي الموافق الثلاثاء نقلوني إلى غرفة أخرى وبدلوا الجنديين. سمح الجنود الجدد لوالدي بالدخول إلى الغرفة لبضع دقائق والتحدث إليّ حيث أخبرني بأنه وقع على تصريح بإجراء عملية جراحية لي وقال إنها ستجرى يوم الأربعاء. أخذوني يوم الأربعاء إلى غرفة العمليات وقد بدأت العملية قرابة الساعة 12:00 واستمرت نحو 4 ساعات أعادوني بعدها إلى الغرفة. علمت بأن الأطباء قد ثبتوا فكي من الجهة اليسرى مما منعني من مضغ الطعام وتحريك فكي. قرابة الثامنة مساء يوم الخميس أخذوني بمركبة لنقل المعتقلين إلى سجن "مجيدو" وقد كانت يداي ورجلاي مقيدة. في السجن أدخلوني إلى غرفة مكثت فيها لوحدي أربعة أيام ثم نقلوني إلى غرفة أخرى فيها خمسة معتقلين قاصرين. بقيت في سجن "مجيدو" 18 يوما. كنت أحصل على الحساء ومسكنات الآلام وقد حضرت في هذه المدة ثلاث جلسات للمحكمة عبر الفيديو وقد كان المحامي يمثلني. نقلوني لاحقا إلى سجن "عوفر" وهناك أجريت الجلسة الأخيرة في 24.12.20 والتي حضرتها عبر الفيديو أيضا. استمرت الجلسة مدة فاقت نصف الساعة وسألني القاضي عما أنوي فعله عندما أعود إلى المنزل فأجبته بأنني أود العودة إلى المدرسة. لم أفهم كثيرا مما قاله المترجم بسبب مشاكل تقنية في الإرسال ولم أفهم ماذا قرر القاضي. أعادوني إلى غرفة في "عوفر" وبقيت هناك في الليل. في صباح يوم الجمعة أخبروني بأنهم سيطلقون سراحي وعندما فعلوا علمت بأنني خرجت مقابل كفالة قدرها 3,000 شيكل. في نفس اليوم الموافق 25.12.20 قبيل الظهر أخذني جيب عسكري إلى حاجز الجيب وكان والدي ينتظرني هناك بسيارة صديقه وذهبنا إلى المنزل. لا أستطيع حتى الآن الأكل بشكل اعتيادي وأتناول السوائل فقط وقال لي طبيب في مستشفى في الخليل إنني أحتاج أسبوعين على الأقل لنزع المثبت المعدني من فكّي. منير مقبل والد محمد (47 عاما) وهو والد لستة أبناء أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني موسى أبو هشهش في 6.12.20 عندما كان محمد ما يزال معتقلا: في ساعات الظهر من اليوم التالي للاعتقال اتصلوا بي من مستشفى "هداسا" وطلبوا مني الذهاب إلى هناك للتوقيع على تصريح لإجراء عملية جراحية لابني محمد. لقد أرسلوا لي دعوة أرسلتها إلى مكتب التنسيق والإرتباط وفي الخامسة تلقيت تصريح دخول. ذهبت رأسا إلى مستشفى "هداسا" وصعدت إلى الطابق السابع ورأيت محمد في إحدى الغرف وحاولت الدخول إليه لكن الجنديين الذين كانا في الغرفة منعاني. وقفت في مدخل الغرفة وسألت محمد عن حاله فقال إنه بخير. حاولت مرارا دخول الغرفة لكن الجنديين لم يسمحا لي بذلك. تمكنت من تصوير محمد والذي كان مقيدا بالسرير. بقيت طيلة الليلة في الرِواق وحاولت أن أغفو على أحد الكراسي هناك لكني لم أستطع. في يوم الثلاثاء نقلوه إلى غرفة أخرى وقد استبدل الجنديين الذين كانا هناك جنديان آخران. سمح لي أحد الجنديين الجديدين بالدخول إلى الغرفة والتحدث معه لبضع دقائق كما تمكنت كذلك من تصويره. كانت يده اليسرى مقيدة بالسرير وقد علمت من أحد المرضى في الغرفة بأن العملية الجراحية ستُجرى في يوم الأربعاء. قرابة الساعة 12:00 من يوم الأربعاء أخذوه إلى غرفة العمليات وقد استمرت العملية 4 ساعات أعادوه بعدها إلى الغرفة وتمكنت من التحدث معه لمدة ربع الساعة تقريبا. شرح لي الأطباء بأنهم وضعوا له مثبتا معدنيا على الفك ولذلك سيكون من الصعب عليه تناول الطعام لمدة طويلة. توقعت أن يظل محمد في المستشفى لاستكمال العلاج لكنني تفاجأت في اليوم التالي أي يوم الخميس في ساعات المساء أن الجنود نقلوه إلى سجن "مجيدو". عدت إلى البيت وقد بقت على اطلاع بالمجريات بواسطة محامي الهيئة الدولية للدفاع عن الطفل. أنا وأمه قلقان جدا لأنهم أعادوه إلى السجن بعد العملية الجراحية مباشرة.

21 آذار/مارس 2021