تقع قرية بيت أومّر شماليّ مدينة الخليل، ويعيش فيها نحو 14,000 شخص. طيلة أربعة أسابيع وفي الفترة الواقعة بين 17 تموز و13 آب 2018 دهمت قوّات الأمن القرية خمسة مرّات واقتحمت خلالها نحو عشرين منزلًا. 18 من هذه الاقتحامات، تخلّلتها ممارسات عنيفة وتهديدات، وكانت الغاية منها معاقبة السكّان جرّاء حرائق اندلعت في حقول يفلحها سكّان مستوطنات مجاورة؛ وفي الاقتحامين الآخرين اللّذين تخلّلهما أيضًا ممارسات عنيفة صادرت قوّات الأمن أموالًا وسيّارة.
في إحدى الحالات هاجم الجنود امرأة معاقة عقليًّا حين هرعت خارج منزلها هلعًا من الجلبة والضّوضاء، حيث أبرحها الجنود ضربًا وركلًا حين كانت ملقاة أرضًا.
الحالات الوارد وصفها أدناه هي فقط مثال على انفلات الجيش في ممارساته الترهيبيّة ضدّ أفراد الأسَر - صغيرهم وكبيرهم، وتسخير صلاحيّاته وقوّته لأجل تشويش مجرى حياة السكّان وزعزعة أمنهم. هذه الممارسات المرفوضة تعكس عُمق استهتار الجيش بخصوصيّة وكرامة الإنسان الفلسطيني وحقّه في إدارة حياة عاديّة خالية من التعكير.
فيما يلي تفاصيل الحالات وجزء من إفادات جمعها الباحثان الميدانيّان لدى بتسيلم، منال الجعبري وموسى أبو هشهش:
الاعتداء على نبيلة تعامرة، معاقة عقليًّا، في 21.7.2018، واعتقال أخيها إبراهيم تعامرة في 24.7.2018
خليل تعامرة (70 عامًا) وزوجته علياء (65 عامًا)، يسكنان مع ستّة من أولادهما الـ12 في حي صافا في بيت أومّر. وتعاني إحدى بناتهما (نبيلة، 33 عامًا) إعاقة عقليّة. في 21.7.2018 دهم الجيش القرية في أعقاب حرائق اندلعت في أراضٍ زراعيّة يفلحها سكّان مستوطنة "بت عاين". نحو الساعة 1:30 بعد منتصف الليل، مرّ قرب منزل العائلة نحو 30 جنديًّا ومركبتين عسكريّتين. نبيلة فزعت من جلبة الجنود فهرعت إلى خارج المنزل في غفلة من أفراد الأسرة. عندما التقاها الجنود هاجموها وأوقعوها أرضًا وأبرحوها ضربًا. عندما سمع أفراد الأسرة صوت صراخها هرعوا بدورهم إلى المكان.
علياء تعامرة، والدة نبيلة، حدّثت بما جرى في إفادة أدلت بها يوم 16.8.2018 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، منال الجعبري:
فجأة سمعنا نبيلة تصرخ. هرعت وابنتي بديهة إلى حيث الصّوت. بعد خمسين مترًا تقريبًا، دفعني جنديّ دفعة قويّة في صدري، أوقفني ووجّه إليّ سلاحه نحوي ونحو بديهة مهدّدًا - باللّغة العربيّة، أنّه سوف يطلق النار علينا. رأيت نبيلة ملقاة على الأرض على بُعد نحو 50 مترًا تقريبًا، وثلاثة جنود يركلونها بقوّة شديدة في جميع أنحاء جسدها، وكانت نبيلة تتأوّه وتصرخ بأعلى صوتها، وتتلوّى وتتقلّب على الأرض من شدّة الألم. أوضحت للجنود، بالعربيّة، أنّ نبيلة تعاني إعاقة عقليّة. توسّلت إليهم أن يعيدوها إلى المنزل، لكنّهم لم يكترثوا وظلّوا يدفعوننا، أنا وبديهة. جاءت مجموعة أخرى من الجنود وأخذت أشرح لهم طيلة عشر دقائق عن وضع نبيلة، وخلال هذا الوقت كان الجنود الآخرون يواصلون ضرب نبيلة.
كان هنالك ضابط اقتنع أخيرًا فتقدّم نحو الجنود الثلاثة وأبعدهم عن نبيلة ثمّ ساعدها على النهوض. حين وقفت نبيلة على رجليها ركلها أحد الجنود ثمّ صفعها صفعة قويّة. أخذت نبيلة وأعدتها إلى المنزل. كانت حالتها تثير الشفقة - الكدمات تملأ وجهها وظهرها، ذراعها مجروحة وتنزف، وملابسها معفّرة بالتّراب. ظلّت تصرخ وتبكي طيلة الطريق إلى المنزل. عندما عدنا، أدخلتها إلى الحمّام، غسلتها وبدّلت لها ثيابها، ثمّ ناولتها مهدّئات أعصاب وعقاقير مسكّنة للأوجاع. راودتني فكرة أخذها إلى طبيب، ثمّ عدلت عن الفكرة، لأنّ الوقت متأخّر ويصعب عليّ تدبّر أمر السفر معها وهي في هذه الحالة؛ وكذلك ردعني وجود الجنود في المنطقة.
بعد مضيّ ثلاثة أيّام، في 24.7.2018، اقتحم جنود منزل عائلة تعامرة مجدّدًا، بدعوى البحث عن ابنهم إبراهيم (25 عامًا)، والذي كان في عمله في مزرعة دجاج في حيّ صافا في القرية.
غداة الاقتحام أدلت شقيقته بديهة (32 عامًا) بإفادة وصفت فيها ما حدث في تلك اللّيلة:
نحو الساعة 1:00بعد منتصف الليل أيقظني صوت خبطات على باب المنزل وصرخات "افتحْ. جيش". أيقظت والديّ، وفي هذه الأثناء استيقظ أخي محمد (29 عامًا). عندما فتحت أمّي الباب دخل منزلنا 11 جنديًّا. حبسوني أنا وأمّي في الصالون، وحبسوا أبي في غرفة الدرج الداخلي، وأخي محمد في الحمّام. طيلة الوقت كان الجنود يوجّهون أسلحتهم نحونا، ولم يسمحوا لنا بأيّة حركة. أجروا تفتيشًا سريعًا في المنزل وسألونا عن أخي إبراهيم فقلنا لهم إنّه ليس في المنزل وأخبرناهم أين يعمل.
بعد مضيّ ساعة تقريبًا، خرج الجنود من منزلنا متّجهين نحو مكان عمل إبراهيم، واقتادوه من هناك إلى المعتقل. لم يعد إلى المنزل إلّا بعد أن مضى 13 يومًا. لم يوجّهوا له أيّة تهمة. في الليالي الماضية اقتحم الجنود عددًا من المنازل في حيّ صافا، وهدّدوا بمواصلة الاقتحامات بسبب الحرائق في "غوش عتصيون".
جنود دهموا حي صافا في بيت أومّر في أعقاب حرائق في أراضٍ زراعيّة يفلحها سكّان مستوطنتَي "بَت عاين" و"كفار عتصيون"
في ساعات اللّيل من يوم 18.7.2018 اقتحم جنود تسعة من منازل القرية، أيقظوا سكّانها من نومهم وهدّدوهم؛ وفي يوم 21.7.2018 ليلًا اقتحموا منزلين. اتّهم الجنود السكّان في هذه المنازل بإضرام النيران في حقول يفلحها سكان المستوطنات المجاورة، دون أن يُبرزوا أيّ دليل على ذلك، وهدّدوهم بأنّه إذا لم تتوقّف الحرائق فسوف "تتوسّع الأنشطة الأمنيّة في القرية". في 13.8.2018، نحو الساعة 22:00، اقتحم الجنود ستّة منازل أخرى، ومنزلًا للمرّة الثانية، وذلك في أعقاب حريق جديد حدث في موقع قريب. اعتقل الجنود خلال هذه الاقتحامات خمسة شبّان على الأقلّ.
أدناه إفادات بعض أفراد الأسَر التي اقتحم الجيش منازلها، أدلوا بها أمام الباحث الميداني لدى بتسيلم، موسى أبو هشهش:
اقتحام منزل ضيف الله أبو ديّة وزوجته في 18.7.2018:
يسكن الوالدان وستّة من أولادهما الثمانية (تتراوح أعمارهم بين 8 و-21 عامًا) في منزل يفصله عن الحقول التي يفلحها المستوطنون طريق ترابيّ.
الصورة
ضيف الله أبو ديّة. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم، 21.7.18
في إفادة أدلى بها محمد أبو ديّة يوم 21.7.2018، وصف اقتحام منزله كما يلي:
في 18.7.2018 استيقظت من نومي عند الساعة 2:00 قبَيل الصّبح على أصوات سمعتها تأتي من اتّجاه غرفة الضيوف المحاذية لغرفة نومي. تملّكني الذّعر. فتحت الباب فرأيت جنودًا يتجادلون مع والدي. كانوا يتحدّثون بصراخ وعصبيّة. أحدهم أمرني بالدخول إلى غرفة الضيوف. كنت حافيًا ومرتديًا البيجاما. أمر الضابط والدي بإيقاظ جميع أفراد الأسرة وإجلاسهم في الممرّ، خلف غرفة الضيوف.
وقف جنديّان وهما يوجّهان سلاحهما نحو والدتي وشقيقاتي. كان المشهد صعبًا جدًّا بالنسبة لي، فطلبت من الجنود أن يتصرّفوا بهدوء ودون ترهيب شقيقاتي الصّغيرات. عندها أخذ الضابط يصرخ عليّ ويأمرني بأن أصمت. لم يعجبه تدخّلي، فأمرني أنا ووالدي بمغادرة المنزل والخروج إلى الشارع. مجدّدًا طلبت من الضابط أن يهدأ، وعندها استشاط غضبًا هو والجنود، وأخذوا يدفعونني وأبي خارجًا. أمرنا الجنود بأن نقف ونرفع أيدينا، فخشيت أنّهم يستعدّون لمهاجمتنا.
قالوا إنّهم أتوا لكي يجعلوا الشبّان يتوقّفون عن حرق الأشجار في حقول المستوطنة. سألنا الضابط إن كنّا نعرف من هم هؤلاء الشبّان. أجابه أبي بأنّه لا يعرف أحدًا، وأنّ حراسة الحقول ليست وظيفتنا. كذلك قال له أنّنا نسكن في هذا المنزل منذ سنين طويلة، ولم تحدث أيّة مشاكل مع جيراننا في المستوطنة، وأنّ الجيش هو من يسبّب المشاكل. هدّدنا الضابط بأنّهم سوف يعودون إذا تواصلت الحرائق في حقول المستوطنين. ثمّ أخرج منشورًا باللّغة العربية وطلب منّي أن أقرأه. تضمّن المنشور اتّهام سكّان الحيّ بإضرام الحرائق وتهديدًا لنا. بعد ذلك غادر الجنود. وجدت شقيقتيّ الصغيرتين ترتجفان ذعرًا. في الصّباح سمعت شقيقتي الصغيرة تقول لأمّي أنّها لا تريد المبيت في المنزل في الليلة القادمة لأنّ الجنود سيأتون مرّة أخرى.
اقتحام منزل حاتم أبو ديّة وزوجته في 18.7.2018:
يسكن في المنزل الأب والأمّ وأولادهما الثلاثة المتراوحة أعمارهم بين 4 و-12 عامًا.
في إفادة أدلى بها حاتم أبو ديّة في تاريخ 20.7.2018، وصف اقتحام منزلهم على النحو التالي:
في 18.7.2018، نحو الساعة 01:30 - عندما كنت قد ارتديت البيجاما وتهيّأت للنّوم، سمعت طرقات قويّة على باب المدخل، وصرخات "افتحْ.. جيش.. جيش". اتّجهت نحو الباب سريعًا وفتحته فدخل سبعة جنود أحدهم ضابط يتحدّث العربيّة. سألني عن أعمار أولادي وأمرني بإيقاظهم جميعًا وجلبهم إلى الصالون. كذلك طلب بطاقة هويّتي. جاءت زوجتي وأولادي الثلاثة إلى الصالون.
قال لي الضابط: "أنتم يا أهالي حيّ صافا مخرّبون. أنتم تحرقون الحقول في غوش عتصيون، وهذا الأمر يجب أن يتوقّف". وقال أنّنا مسؤولون عن الحرائق وأنّ الجيش سوف يهدم منازلنا إذا لم يتوقّف ذلك، مضيفًا أنّهم سيأتون إلينا مجدّدًا في الليلة القادمة. أجبت الضابط بهدوء، أنّنا غير مسؤولين عن هذه الحرائق، وأعربت عن احتجاجي بأنّهم يقتحمون المنزل هكذا في منتصف الليل ويرعبون الصّغار وجميع سكّان الحيّ. قلت له أنّ الأمر لا يعالَج بهذه الطريقة، فصرخ عليّ قائلاً "اسكت!" وأردف أنّنا نحن من يجلب المخربين. كان عصبيًّا جدًّا. طيلة هذا الوقت الجنود يصوّبون أسلحتهم إلينا جميعًا، بما في ذلك الصغار. لم يكن بإمكاني فعل شيء أمام هذه الفظاعة، وأحزنني جدًّا هذا العجز.
غادر الجنود المنزل بعد عشرين دقيقة. بعد ذلك سمعنا في الحيّ أصوات انفجارات قنابل صوت وقنابل غاز مسيل للدموع. كما أنّ الجنود علّقوا على الجدران منشورات تلقي بالمسؤولية عن الحرائق في غوش عتصيون على السكّان وتتوعّدهم بشتّى التهديدات.
اقتحام منزل محمد عادي وزوجته، في 18.7.2018 وفي 13.8.2018
محمد عادي (60 عامًا)، إمام المسجد الواقع في وسط القرية، يسكن مع زوجته وخمسة من أولادهما التسعة في حي صافا على بُعد نحو 250 مترًا من مستوطنة "بات عاين".
في إفادة أدلى محمد عادي بها يوم 14.8.201، قال:
في 18.7.2018، نحو الساعة 3:00 فجرًا جاء الجيش إلى منزلنا. عندما فتحت الباب أمرني ضابط بالخروج وناولني الهاتف حيث كان على الخطّ مسؤول من "الشاباك" في منطقة عتصيون (الكابتن عومر). هدّدني مسؤول "الشاباك" قائلًا أنّ الجيش سوف يقتحم منزلي إذا واصلت التحريض في المسجد على حرق حقول المستوطنات، وأنّه يعتبرني مسؤولًا عن هذا الأمر. أخرج الضابط منشورًا أصدره الجيش ويحوي تهديدًا لسكّان حي صافا. كان ابني أسَيْد معي، فسجّل له الضابط استدعاءً لمقابلة مع "الشاباك" في عتصيون يوم الإثنين 20.7.2018.
في 13.8.2018 نحو الساعة 21:00 اندلع حريق في حقول سكّان القرية، على بُعد نحو مائة متر من منزل العائلة. هرع عشرات من سكّان الحيّ لإطفاء الحريق. خلال ساعة تمكّنوا من إخماد النيران، ثمّ عادوا إلى منازلهم. في الساعة 21:45 تقريبًا اقتحم الجيش ستّة من منازل الحيّ، ووقعت مواجهات في الشارع بين الجيش وشبّان من الحيّ.
وصف محمد عادي في إفادته ما حدث:
سمعت أصوات انفجارات قنابل صوت في الخارج، ورأيت من النافذة عشرات الجنود الملثمين ينتشرون بين المنازل القريبة منّا. وقعت مواجهات في الشوارع، حيث كان الشبّان يرشقون الجنود بالحجارة، والجنود يردّون بإطلاق قنابل الصوت والغاز المسيل للدموع. تابعت ما يحدث، ورأيت الجنود يدخلون إلى عدّة منازل: منزل ابني غازي، 36 عامًا، ويقع على بُعد نحو 30 مترًا من منزلي؛ منزل أخي إسماعيل، الواقع قبالة منزلنا؛ ومنزلَي قريبين لي هما حسين وفاروق عادي. كذلك سمعت صرخات.
بعد مضيّ بضعة دقائق، خرج الجنود من المنازل وهم يقودون ثلاثة شبّان معتقلين. رأيت الجنود يركلون أحد الشبّان في رجله أثناء اقتياده. ثمّ تقدّم الجنود نحو بنايتنا وطرقوا باب المدخل السّفلي. لاحقًا، تبيّن لي أنّ ابني أسَيْد قد فتح لهم الباب وأمروه بالوقوف إلى جانب الحائط، في المدخل. بعد عشرة دقائق تقريبًا، جاء الجنود إلى منزلنا في الطابق الثالث. عندما فتحتُ الباب بادرني جنديّ بالصّراخ عليّ وأمرني بالجلوس سريعًا على الأرض. فكّرت برفض ذلك في البداية، لكنّه سرعان ما دكّ سلاحه ووجّهه إليّ مهدّدًا بإطلاق النار، وعندها جلست على الأرض. كذلك أجبر الجنود صهري، مهنّد الهور، الذي كان في زيارة لنا، أن يجلس هو الآخر على الأرض. طلب ضابط من كلّ منّا بطاقة هويّته. فحص الجنود بطاقتي الهويّة ثمّ أدخلونا إلى الصّالون حيث تجلس زوجتي وبناتي. بقينا هناك في حين أجرى الجنود تفتيشًا في المنزل طيلة ساعة تقريبًا، ثمّ غادروا. عندما تنقّلنا في أرجاء المنزل هالتنا الفوضى التي خلّفوها وراءهم. كان الأثاث مقلوبًا ومحتويات الخزائن ملقاة على الأرض.
لاحقًا علمت أنّ الجنود اعتقلوا ابني غازي. بعد أن غادر الجنود منزلنا استمرّت المواجهات في الحيّ، فأطلق الجنود النيران والرّصاص المطّاطيّ.
الابن أسَيد عادي (29 عامًا، متزوّج وأب لطفلة) حدّث في إفادة أدلى بها غداة الاقتحام:
في 13.8.2018، عند الساعة 21:00 تقريبًا، خرجت وأفراد أسرتي مع الجيران لنطفئ حريقًا اندلع في أرض لنا مجاورة لأراضي مستوطنة "بات عاين". كان الحريق في بدايته، ولذلك تمكّنا من إخماد النيران بسرعة. عدت إلى المنزل مع أخي رازي، 35 عامًا، إذ يبعد منزله نحو 30 مترًا عن منزلنا. وفيما كنّا نتحدّث ونشاهد التلفاز سويّة، سمعت جلبة في الخارج ففهمت أنّ الجيش قد اقتحم الحيّ. نظرنا فرأينا عشرات الجنود يسيرون في الحيّ جماعات جماعات ويحاولون اقتحام المنازل. رأيتهم يعتقلون ثلاثة شبّان، ويلقون قنابل الصّوت وقنابل الغاز المسيل للدموع نحو شبّان كانوا يرشقون نحوهم الحجارة.
حدث كلّ شيء بسرعة. رأيت الجنود يصلون إلى منزلنا فأغلقت باب البناية. بعد عدّة دقائق طرق الجنود الباب وفتحت لهم. دخل نحو 15 جنديًّا. صعد عشرة منهم إلى الطوابق العليا، وبقي خمسة في منزلي، في الطابق الأرضيّ. دفعني أحد الجنود نحو الحائط وكبّل يديّ بواسطة سلك هاتفي النقّال. سأل جنديّ آخر شقيقي رازي عن اسمه وأمره بإبراز بطاقة هويّته. أمرنا الضابط بالدخول إلى الصالون والجلوس هناك ووجهنا إلى الحائط مشدّدًا ألّا نتحرّك، وبقي جنديّ لمراقبتنا وهو يوجّه سلاحه نحونا. سمعت أصوات خبطات وجرّ أثاث، ففهمت أنّهم يفتشون في كلّ أنحاء المنزل. كانت زوجتي وطفلتي في الطابق الثالث، مع والديّ. بعد مضيّ 40 دقيقة تقريبًا، أمر أحد الجنود شقيقي رازي بأن يقوم ويرافقهم. عندما سألهم لماذا، أمره جنديّ آخر بأن يصمت. ثمّ نزل الجنود من الطوابق العليا وغادرت القوّة البناية. صرخ أحد الجنود يأمرني أن أبقى في الداخل وأن أبقي باب البناية مغلقًا. صعدت فورًا إلى منزل والديّ أخذت زوجتي وطفلتي وعدنا إلى منزلنا. اكتشفت أنّ الجنود قد أجروا تفتيشًا عنيفًا، حطّموا زجاج طاولة الصالون، عدا الأضرار الأخرى.
* ملاحظة: تمّ إخلاء سبيل غازي عادي بعد عدّة أيّام من اعتقاله.
مصادرة أموال:
اقتحام منزل سفيان وسماح الوهادين، في 17.7.2018:
في 17.7.2018، ليلًا، دهم جنود حيّ البطن في بيت أومّر، واقتحموا منزل سفيان وسماح الوهادين وولديهما البالغين من العمر 7 و-10 سنوات. عدا عن التّرهيب وتهديد أفراد الأسرة، أجرى الجنود تفتيشًا في المنزل وصادروا نحو خمسة آلاف ش.ج، بحجّة أنّها أموال حماس.
سفيان الوهادين، 42 عامًا، مدير دار أيتام، حدّث في إفادة أدلى بها يوم 18.7.2018 بما يلي:
الصورة
سفيان الوهادين. تصوير: موسى أبو هشهش، بتسيلم، 18.7.18
في 17.7.2018، نحو الساعة 2:00 فجرًا، أيقظتني جلبة سيّارات وأناس. نظرت عبر النافذة فرأيت مركبات عسكريّة وجنودًا يتقدّمون نحو منزلنا. سمعت طرقات قويّة على الباب. اتّجهت وزوجتي وفتحنا الباب، وإذ أكثر من عشرة جنود يندفعون إلى الدّاخل. أحدهم كان يرتدي زيّ ضابط ويتحدّث العربيّة. أمرني بإحضار جميع الأموال والمصاغ الذي في منزلنا. عندما لم أوافق، طلب الجندي بطاقة هويّتي، وعندما تناولها وجد فيها 450 شيكل فأخذ المبلغ. أمرنا الجنود - أنا وزوجتي وولدينا - أن نبقى في الصالون، ثمّ بدأوا التفتيش في جميع أنحاء المنزل. سمعتهم يجرّون الأثاث. طلبت أن أرافقهم في أثناء التفتيش، ولكنّهم رفضوا.
كانت زوجتي تحتفظ في غرفة النوم بمبلغ 510 دنانير أردنيّة (نحو 2500 شيكل) تعود لشقيقتها، ولكي لا يعثر عليها الجنود ويسرقوها ذهبت زوجتي إلى غرفة النوم، جلبت المبلغ ووضعته على الطاولة في الصالون.
أثناء التفتيش جلب الجنود إلى الصّالون مبلغ 1200 شيكل أخرجوه من صندوقي توفير للولدين، ووضعوه على الطاولة. استغرق التفتيش مدّة ساعة تقريبًا. قبل نهايته بقليل، طلب الضابط من زوجتي أن تجلب حافظة نقودها، وعندما جلبتها أخرج منها الضابط مبلغ 480 شيكل ووضعه على الطاولة. قال الضابط أنّ هذه الأموال تخصّ حماس ولذلك سوف يصادرها. بعد ساعتين من وصولهم غادر الجنود المنزل مخلّفين ورءاهم فوضى فظيعة إذ قلبوا المنزل رأسًا على عقب وحطّموا الكثير من الأدوات الزجاجيّة. لاحقًا اكتشفت أنّهم فتشوا السيارة وضمن ذلك مزّقوا غطيّ المقاعد.
إنّه الاقتحام الخامس لمنزلنا على يد الجيش، منذ بداية 2018، لكنّها المرّة الأولى التي يصادرون فيها أموالنا.
الصورة
الفوضى التي خلّفها الجنود وراءهم بعد اقتحام منزل عائلة الوهادين. صور قدّمتها العائلة مشكورة
سماح الوهادين، 32 عامًا، وصفت الاقتحام والتفتيش في إفادة أدلت بها يوم 12.8.2018 أمام الباحثة الميدانية لدى بتسيلم، منال الجعبري:
استغرق التفتيش الذي أجراه الجنود قرابة السّاعتين. احتجزنا الجنود في الصالون، ومن هناك سمعتهم يجرّون أثاثًا وسمعت صوت زجاج يتحطّم. كلّما حاولت النهوض لكي أحتجّ على ذلك، أمرني الجندي بالجلوس وعدم التحرّك من مكاني. قبل أن يغادر الجنود، أخذ الضابط معه جميع الأموال، واقتاد زوجي إلى الشرفة الداخلية. عندما انتبهت أنّهم نسوا عندنا طاقيّتين أو خوذتين، ذهبت لأعطيهم إيّاهما، وفي الطريق سألت زوجي ماذا حدث مع الأموال فقال إنّهم صادروا المبلغ كلّه. سألت الشرطي "لماذا صادرتم الأموال؟ إنّها مخصّصة لمصاريف المنزل، وجزء منها توفيرات لأولادي الصغار"، فأجابني: "لديك مستند مصادرة مع تفاصيل المبالغ. لقد تصرّفتُ وفقًا للقانون".
بعد أن غادر الجنود تفحّصنا الوضع في أنحاء البيت فوجدنا أنّهم قد سبّبوا فوضى عارمة. جميع محتويات المنزل كانت ملقاة على الأرض. أحزنني بشكل خاصّ أنّهم حطّموا 15 طقم سُفرة زجاجي كانت قد وصلتنا كهدايا بعد أن أجرى زوجي العمليّة. كذلك حطّموا الصّور المعلّقة ومزّقوا غطيّ الكنبات. بعد أن غادروا لم يتمكّن أيّ منّا من النوم، ولا حتّى الأولاد. قضينا بقيّة الليل ننظّف ونرتّب المنزل.
اقتحام منزل جلال وفدوى بريغيت، في 2.8.2018:
في 2.8.2018، نحو الساعة 03:00 فجرًا، اقتحم جنود منزل جلال وفدوى بريغيت وأولادهما الستّة (تتراوح أعمارهم بين 7 سنوات و-18 سنة). وصف أفراد الأسرة في إفاداتهم ما حدث ليلة الاقتحام:
جلال بريغيت، 48 عامًا، سكرتير مدرسة في الخليل، حدّث بما يلي:
الصورة
جلال بريغيت. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم، 12.8.18
أيقظتني طرقات قويّة على باب المدخل الرئيسيّ ففهمت أنّهم جنود. فتحت الباب، وفي هذه الأثناء استيقظت زوجتي وبناتنا الخمس.
دخل أكثر من عشرة جنود ومعهم شرطيّ. كانت أيضًا جنديّة، قالت لي إنّهم سوف يجرون تفتيشًا في المنزل، وطلبت بطاقة هويّتي، وأضافت أنّ علينا إحضار المال والمصاغ الموجود لدينا في المنزل "لئلَا تقولوا لاحقًا أنّنا سرقناه أثناء التفتيش". سألتني الجنديّة "أليس لديك أبناء؟"، قلت لها "لديّ ابن صغير، عمره 9 سنوات، وهو نائم الآن؛ ولديّ خمس بنات". طلبت الجنديّة أن أوقظ ابني وأجلبه إلى الصالون، ففعلت.
جلسنا جميعًا في الصالون، ووقف عندنا جنديّ وجنديّة للمراقبة، وكان الجنديّ يصوّب سلاحه نحونا. كان أولادي يرتجفون كأنّهم يجلسون داخل ثلّاجة. جلبت إلى الصالون 100 دينار أردني (نحو 500 شيكل) و-400 شيكل، وناولت المبلغ لزوجتي. استغرق التفتيش أقلّ من ساعة، وكنت أسمع طيلة هذا الوقت أصوات جرّ أثاث وتحطيم أغراض، ولذلك حاول النهوض، لكنّ الجنديّ أمرني بعدم التحرّك. أثناء التفتيش اقتادت الجنديّة زوجتي وابنتيّ مرام (18 عامًا) وملاك (15 عامًا) إلى غرفة أخرى، كلًّا على انفراد، وأجرت عليهنّ تفتيشًا جسديًّا. حدّثتني زوجتي أنّ الجنديّة أمرتها بخلع ملابسها وأجرت عليها تفتيشًا وهي عارية. وجدوا في حافظة نقودها مائة دولار، أخذتها الجنديّة وناولتها للشرطيّ، الذي أخذ يعدّ النقود.
جاء جنديّ آخر واقتادني إلى غرفة المدخل وهناك فتّش جسدي. أخرج من جيبي صرّة مفاتيح السيّارة وناولها للجنديّة، فخرجت ومعها خمسة جنود لكي يفتّشوا السيارة، وخرجت أنا معهم. بعد التفتيش قالت لي الجنديّة أنّ الجيش سوف يصادر السيّارة. حاولت أن أوضّح لها أنّني اشتريت السيّارة بالتقسيط، ولكنّها لم تكترث. قالت لي إنّ هذه السيارة ممتلكات غير شرعيّة وأنّه يمكنني الاعتراض بواسطة محامٍ.
ناولتني الجندية مستند يثبت المصادرة وطلبت أن أوقّع عليه، وعند الساعة 4:00 تقريبًا، غادر الجنود المنزل فأخذنا أنا وزوجتي نتفحّص المنزل. لقد كان الوضع مزريًا، فوضى فظيعة. كان السرير في غرفة نومنا مقلوبًا وبعض الأثاث محطّمًا، واختفى مبلغ 90 شيكل كانت ابنتي مرام تحتفظ به في خزانتها. لم نتمكّن من النوم لشدّة التوتّر، وأيضًا لأنّه في هذه الفوضى لم يكن في البيت مكان يصلح للنوم. انهمكت زوجتي وبناتي طيلة نهار الغد في ترتيب المنزل.
لقد اقتنيت السيّارة بواسطة قرض من البنك. كلّفتني 100 ألف شيكل، وكنت أسدّد أقساطًا شهريّة حتى بقي من القرض 21,500 شيكل فقط. أنا كنت سجينًا من سنة 1988 إلى سنة 1998، ولكن بعد ذلك لم أمارس أيّ نشاط سياسيّ. بقينا بدون سيّارة، وهذا يشوّش مجرى حياتها: أضطرّ الآن لاستخدام المواصلات العامّة للوصول إلى مكان عملي في الخليل؛ توقّفت عن توصيل ابنتي مرام إلى جامعتها في العروب؛ وتوقّفت عن نشاطي التطوّعي، حيث كنت أوصل تلميذًا مكفوفًا (15 عامًا) إلى مدرسته. الآن لا أستطيع أن أفعل ذلك.
الصورة
الفوضى التي خلّفها الجنود وراءهم بعد اقتحام منزل عائلة بريغيت. صور قدّمتها العائلة مشكورة
مرام بريغيت (18 عامًا) حدّثت في إفادة أدلت بها يوم 12.8.2018 بما يلي:
الصورة
مرام بريغيت. تصوير: منال الجعبري، بتسيلم، 12.8.18
بعد أن عدّ الجنود والشرطي النقود قرّروا عدم مصادرتها. الضابطة اقتادتني أنا وأمّي وأختي ملاك إلى إحدى الغرف، كلًّا على حدة، لكي تجري تفتيشًا على أجسادنا. أمرتني بخلع ملابسي لكنّي رفضت. كنت أرتدي ملاءة الصّلاة، رفعتها وقلت لها "لا يوجد أيّ شيء على جسدي، لا أحمل شيئًا". فهمت لاحقًا من أختي ملاك ومن أمّي أنّها فتّشتهن عاريتين.
بعد ذلك عدنا إلى الصالون. جاء جنديّ يلوّح بمفاتيح سيّارة أبي وهو في غاية السّرور. فهمت أنّهم سوف يصادرونها. خرج الجنود ومعهم أبي، وفتّشوا السيارة. بعد ذلك صعد اثنان منهم إلى السيارة وغادروا بها. لقد كان المشهد مؤلمًا، أقصد رؤية والدي مصدومًا وغاضبًا جدًّا. بعد أن غادر الجنود أخذنا نتفحّص أرجاء المنزل فوجدنا أنّهم حطّموا كلّ شيء. لقد حطّموا الدّيكورات المعلّقة في غرفة النوم، ألقوا كلّ محتويات الخزائن على الأرض، وحطّموا السرير في غرفة نوم والديّ. كذلك، اختفى مبلغ 90 شيكل كنت أحتفظ به في الخزانة لشراء احتياجاتي الدراسيّة، ونسيت أن آخذه معي إلى الصالون. يبدو أنّ أحد الجنود قد سرق المبلغ.
يقع مخيّم الجلزّون للّاجئين شمال مدينة رام الله، ويبلغ عدد سكّانه نحو 15000 نسمة وبضمنهم نحو 5000 من الأطفال والفتية. في عام 1977 أقيمت في جوار المخيّم مستوطنة "بيت إيل" على أراضٍ خاصّة يملكها فلسطينيون من بلدة البيرة ومن قريتَي عين يبرود ودورا القرع. قُرب المسافة بين المستوطنين واللّاجئين سكّان المخيّم يستدعي وجود الجنود في المنطقة بشكل دائم ويستجرّ مواجهات متكرّرة بين الشبّان وقوّات الأمن، خاصّة عند مدخل المخيّم، في محاذاة المدرسة. يستخدم الجيش خلال هذه المواجهات وسائل تفريق المظاهرات بل ويستخدم أحيانًا الرّصاص الحيّ. خلال السنوات الخمس الماضية اقتحم الجيش المخيّم بمعدّل مرّة واحدة في الأسبوع. خلال شهرّي تمّوز وآب 2018 وثّق الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّاد، اقتحامين للجيش تخلّلهما اعتقالات وإطلاق الرّصاص الحيّ نحو السكّان ومداهمة تسعة منازل أتلف الجنود محتوياتها واعتدوا على سكّانها؛ إضافة إلى اقتحام مركز ثقافيّ يقدّم خدماته لنحو 150 طفلًا وفتًى ومصادرة وثائق من المركز. اعتقل الجيش خلال الاقتحامين المذكورين سبعة أشخاص من سكّان المخيّم، ولاحقًا وبعد مضيّ بضعة ساعات، أخلى سبيل ستّة منهم. كذلك سلّم شخصان آخران نفسيهما بناءً على طلب الجيش. أحد المعتقلين الثلاثة الذين لا يزال الجيش يتحفّظ عليهم قدّمت ضدّه لائحة اتّهام بحيازة سلاح وإطلاق النار نحو شخص في منطقة "بيت إيل". أمّا المعتقلين الآخرين فلا علم لدى بتسيلم هل قدّمت ضدّهما لائحة اتّهام أم لا. دخول الجنود في دُجى اللّيل إلى منازل الفلسطينيين، إفزاعهم من نومهم بقضّهم وقضيضهم، بعثرة وإتلاف محتويات منازلهم، أصبحت منذ زمن طويل ممارسات روتينيّة وجزءًا لا يتجزّأ من سياسات سلطة الاحتلال في الضفة الغربية. بموجب الصّلاحيّات الجارفة والتعسّفيّة التي منحها الجيش لنفسه، يقتحم الجنود المنازل في أيّ وقت وأي مكان يحدّده الجيش، ودون الحاجة إلى أوامر تفتيش. لا يوجد أيّ مبرّر لهذه الممارسات، إذ إنّها تهدف بكلّ وضوح إلى ترهيب السكّان لا غير. إنّه مثال آخر، يضاف إلى أمثلة سابقة كثيرة، يعكس روتين حياة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال. اقتحام مخيّم الجلزّون للّاجئين يوم 15.7.18: في يوم الأحد الموافق 15.7.18 ونحو الساعة 1:00 بعد منتصف الليل، اقتحمت المخيّم سيّارتان مدنيّتان تحمل كلّ منهما لوحة القوّات الخاصّة الفلسطينية. عند الساعة 8:00 صباحًا انضمّت إليهما نحو عشرين مركبة عسكريّة وأكثر من مائتي جنديّ، إضافة إلى جرّافة عسكريّة. انتشرت القوّات في أنحاء المخيّم وأخذت تجري في المنازل تفتيشا وتنفّذ اعتقالات. في هذه الأثناء تمركز قنّاصة فوق أسطح مباني المخيم وأخذوا يطلقون أعيرة "توتو" على شبّان، ردًّا على رشق حجارة في المخيّم. جُرح جرّاء إطلاق الرّصاص ستّة أشخاص، نُقلوا جميعًا لتلقّي العلاج في مستشفًى برام الله - من بينهم ثلاثة قاصرين. يجدر التنويه إلى أنّه لم يتهدّد حياة أحد أيّ خطر وأنّ رصاص "التوتو" يعتبر ذخيرة حيّة بكلّ المعايير وبالتالي يُحظر استخدامه سوى لأجل درء خطر على الحياة. خلع الجنود أبواب ستّة منازل مستعينين بأدوات خاصّة ودخلوا دون استئذان ودون سابق إنذار والسكّان نائمون في فراشهم. هاجم الجنود بعض السكّان واعتقلوا اثنين كوسيلة ضغط لإرغام سكّان آخرين على تسليم أنفسهم. إضافة إلى ذلك، بعثر الجنود محتويات المنازل وفي أحدها هدّدوا سكّان المنزل أنّهم سوف يعودون لاقتحام المخيّم إذا لم يسلّم المطلوبون أنفسهم. بعد مضيّ ساعتين انسحبت القوّات من المخيّم، لكنّ المركبات العسكريّة واصلت إغلاق مدخلَي المخيّم - الشماليّ والجنوبيّ وأجرت تفتيشًا للسيّارات حتّى الساعة 12:00 ظهرًا. قنّاصة أطلقوا النّيران على قدمَي اثنين من سكّان الحيّ دون أن يشكّلا خطرًا على أحد (أحدهما فتًى في الـ14 من عمره): شريف حميدات (32 عامًا) وهو من سكّان مخيّم الجلزّون ومتزوّج وأب لطفلة ويعمل في مخبز في رام الله. عند السّاعة 8:45 تقريبًا، خرج حميدات إلى عمله مارًّا في طريقه قرب حانوت بقالة محاذٍ لمنزله، وهناك لاحظ وجود عشرة جنود معهم معتقل من عائلة شراكة، التي يقع منزلها على بُعد نحو 50-80 مترًا من الحانوت. اجتاز حميدات الشارع ودخل إلى زقاق قريب وهناك التقى شخصًا آخر من المخيّم يدعى (م.ف). في إفادة أدلى بها غداة الاقتحام وصف حميدات ما حدث كما يلي: أوّل ما خطر في بالي الاتّصال بأسرتي وتحذيرهم لكي يغلقوا النوافذ لئلّا يتضرّروا فيما لو أطلق الجنود قنابل الغاز المسيل للدّموع. في مدخل الزّقاق رأيت م.ف - شابًّا من المخيّم في الـ19 من عمره ويبدو أنّه فوجئ مثلي بوجود الجنود. اتّصلت بزوجتي ونبّهتها للأمر. كان هناك جنديّ متمدّد على الأرض في وضعيّة قنصن ويبدو أنّه ارتاب حين رآني أستخدم الهاتف. صوّب الجندي بندقيّته نحوي. كان على مسافة بضعة أمتار من بقيّة الجنود. عندما أنهيت المحادثة مع زوجتي أطلق عليّ رصاصة "توتو" وأصابني في رُكبتي اليسرى. عرفت أنّها رصاصة "توتو" وفقًا للصّوت. صوتها يختلف عن أزيز الرّصاص الحيّ. صرخت بصوت عالٍ "آخ، لقد أصبت في رجلي". لم أشعر بألم كبير في البداية وتمكّنت من السير مسافة نحو عشرين مترًا متّجهًا إلى منزل والديّ. لم أذهب إلى منزلي لأنّني خشيت أن يعتقلني الجنود أو يفعلوا بي شيئًا. لم يتعقّبني الجنود. عندما دخلت منزل أهلي اتّصلت مرّة أخرى بزوجتي وأخبرتها أنّني مُصاب. كان في الجزء الأماميّ من رُكبتي جُرح (مدخل الرّصاصة) بقُطر 0.5 سم، دون جُرح مخرج. جففت الدم بمحارم ورقيّة وضمّدت الجُرح لكي أوقف النزيف. بعد مضيّ ربع ساعة تقريبًا أطلق قنّاص كان بوضعيّة استلقاء رصاصة على قدم رياض عليّان، فتًى في الـ14 من عمره، كان يختبئ في زاوية الزقاق نفسه. غداة الاقتحام أدلى عليّان بإفادته أمام الباحث الميداني من بتسيلم قائلًا: عندما أطلّيت من الزّقاق نحو جهة الجنوب رأيت جنودًا كثيرين ينتشرون أمام منزل عائلة شراكة الواقع على بُعد نحو 50 - 80 مترًا من المكان الذي كنت أقف فيه. افترضت أنّهم يقتحمون المنزل لأجل اعتقال أحد أفراد الأسرة. وقفت وأخذت أراقب ما يجري. من حين لآخر كنت أطلّ عبر الزّقاق وأعود لأختبئ. في إحدى المرّات وحين أطلّيت أطلقوا الرّصاص على رجلي اليمنى. لم أسمع صوت الطلقة. كأنّهم أطلقوها بواسطة كاتم صوت. كذلك لم أرَ من الذي أطلق الرّصاص عليّ. أحسست كأنّ شيئًا ما انفجر داخل رجلي. هربت من المكان نحو منزلنا والذي يبعد مسافة 30-40 مترًا، وأنا أعرج على رجلي اليسرى وأصرخ "لقد أصِبت، لقد أصِبت". ق.س.، فتًى في الـ13 من عمره وهو من سكّان المخيّم أدلى بإفادته غداة الاقتحام واصفًا ما شاهده في ذلك اليوم: استيقظت نحو الساعة 9:00 على أصوات انفجارات - كأنّ الجيش ألقى قنبلتي صوت أو غاز مسيل للدّموع. غادرت المنزل وخرجت إلى الشارع لأنظر ما الذي يجري. رأيت نحو سبعة أطفال وفتية يختبئون في الزقاق القريب من منزلنا. كانوا ينظرون نحو منزل عائلة شراكة. فهمت أنّ الجيش اقتحم المخيّم. انضممت إلى الفتية الآخرين وأخذوا يحذّرونني "اختبئ من الجيش. احذر!". استرقت النظر لكي أرى الجنود المتواجدين عند آخر الشارع. رأيت أكثر من 30 جنديًّا ينتشرون قرب منزل عائلة شراكة. بعضهم كان على الأسطح وبعضهم الآخر وقف في زوايا الشوارع وعلى بُعد نحو 80-90 مترًا منّا. شاهدت أيضًا بعض القنّاصة، وكان أحدهم يستلقي على الأرض قرب منزل آخر أقرب إلينا - يبعد عنّا مسافة 60-70 مترًا. لم أشاهد رشق حجارة في حيّنا. ربّما حدث هذا في مناطق أخرى. بعد مضيّ دقائق معدودة على وصولي، أطلق القنّاص رصاصة على جارنا، رضا عليّان، الذي أطلّ بجسمه عبر الزقاق. أصيب رضا في رجله اليمنى وأخذ في الهرب نحو منزله وهو يعرج. اقتحام منازل: استمع الباحث الميداني من بتسيلم، إياد حدّاد، إلى إفادات من بعض أفراد الأسَر التي اقتحم الجيش منازلها. أدناه بعض منها: اقتحام منزل عائلة شراكة، السّاعة 8:00: خلع جنود باب منزل جمال شراكة (50 عامًا) وزوجته سهام (52 عامًا)، حيث يسكنان مع أولادهما الأربعة، في حيّ الشهيد علي صافي، في مخيّم الجلزّون. في ذلك الوقت كان الأب وابنه أحمد (27 عامًا) قد خرجا إلى عملهما، والأمّ وابنتاها (سندس، 23 عامًا؛ وسارة، 19 عامًا) ما زلن نائمات. قبل اقتحام المنزل بوقت قصير كان الابن نصر (27 عامًا) قد عاد لتوّه إلى المنزل وقد هاجمه جنود بالضرب المبرح، فيما جنود آخرون يجرون تفتيشًا في أنحاء المنزل وهم يعبثون بمحتوياته ويلحقون بها الأضرار. استمرّت هذه الحادثة نحو ساعة وفي نهايتها اعتقل الجنود نصر وغادروا المنزل وهم يقتادونه. سهام شراكة أدلت بإفادتها يوم 18.7.18، واصفة اقتحام منزل الأسرة: في 15.7.18، عند الساعة 8:00 صباحًا، خلعت قوّة عسكرية باب منزلنا. في ذلك الوقت كان زوجي جمال ومع وابني (أحمد) قد خرجا إلى العمل؛ وابني نصر كان قد دخل البيت لتوّه، فيما كانت ابنتاي نائمتين في غرفتهما. كان منظر الجنود مرعبًا بسلاحهم والأقنعة على وجوههم. فور دخولهم هاجموا ابني نصر فاستيقظت ابنتاي مذعورتين وحتّى أنا أيضًا ارتعبت!. رأيت الجنود يقبضون على رقبة نصر كأنّهم يخنقونه ويجرّونه إلى خارج المنزل. توسّلت إليهم أن يتركوه لكنّهم صرخوا عليّ "اسكت، اسكت". أمروني بالدخول إلى غرفة البنات والبقاء هناك معهنّ، وأخذوا نصر إلى الخارج وهم يضربونه بأعقاب بنادقهم ويركلونه بأحذيتهم. حاولت مرارًا التحدّث إليهم وفي كلّ مرّة كان أحد الجنود يُسكتني حتّى أنّ أحدهم هدّدني برش! الغاز على وجهي. في هذه الأثناء كان جنود آخرون يجرون تفتيشًا في البيت. لقد قلبوا كلّ شيء رأسًا على عقب. كنّا نجلس في الغرفة ولم يسمحوا لنا أن نفتح فمنا ولو بكلمة واحدة. بعد مضيّ 20-30 دقيقة تقريبًا، أدخلوا نصر إلى الحمّام وواصلوا ضربه، وكان هو يصرخ ويستغيث. توسّلت إليهم أن يكفّوا قلت لهم إنّه مريض ويعاني من نزلة برديّة، طلبت أن يشفقوا عليه، ولكن دون جدوى. بعد مضيّ نحو عشر دقائق، نقلونا إلى غرفة النوم وأجروا تفتيشًا في غرفة الأولاد. وبعد ربع ساعة كبّلوا يدي نصر وعصبوا عينيه وغادروا وهم يقتادونه. لقد خلّفوا وراءهم فوضى عارمة، وشوّشوا نظام حياتنا دون أيّ مبرّر. كان بإمكانهم القدوم واعتقال ابني أو إرسال استدعاء دون أن يسبّبوا لنا كلّ هذه المعاناة. اقتحام منزل عائلة أبو شريفة - الساعة 8:45 خلع جنود باب منزل صالح أبو شريفة (45 عامًا) وزوجته عبير (43 عامًا)، وهما والدان لتسعة أولاد تتراوح أعمارهم بين 8 و28 عامًا. يقع المنزل في الطابق الثالث من مبنًى سكنيّ تملكه العائلة الممتدّة، في حيّ السوق داخل مخيّم الجلزّون. دخل إلى المنزل نحو سبعة جنود، كبّلوا يدي ابني يوسف (14 عامًا) الذي كان ينام في الصّالون. وحين سألهم صالح أبو شريفة ماذا يريدون رفضوا الإجابة. أوضح لهم أبو شريفة أنّ زوجته موجودة في الحمّام، وعندما حاول منع الجنود من الوصول إلى الحمّام هاجموه. اعتقل الجنود أخاه وابنه البالغ من العمر 16 عامًا، وحققّوا معهما حول مكان وجود ابنه البكر علاء. عند الساعة 13:00 أخلوا سبيلهما بعد أن سلّم علاء نفسه للجيش. في إفادته التي أدلى بها يوم 17.7.18 حدّث صالح أبو شريفة عن اقتحام منزل الأسرة: أنا أب لستّة أبناء وثلاث بنات. ابني البكر علاء (28 عامًا) أسير محرّر. قضى في سجون الاحتلال محكوميّتي سجن مجموعهما سبع سنوات ونصف. أفرج عنه قبل سبعة أشهر بعد أربع سنوات ونصف قضاها في السجن. قبل يومين وفي يوم 15.7.18 في الساعة 8:45 صباحًا، حين كنت أشرب قهوتي وأستعدّ للخروج إلى عملي في رام الله، اقتحم منزلنا جنود مسلّحون عنوة، ويبدو أنّهم استخدموا أدوات خاصّة، إذ لم أسمع صوت طرقات على الباب قبل دخولهم. كان الأولاد لا يزالون نائمين ما عدا علاء الذي ينام خارج المنزل. عندما دخل الجنود قمت مسرعًا لكي أعترض طريقهم إلى الحمّام، حيث كانت زوجتي قد استيقظت قبل ذلك بوقت قصير ودخلت إلى الحمّام. توجّه عدد من الجنود مباشرة إلى الصّالون، حيث ينام ابني يوسف (14 عامًا) وكبّلوا يديه. بقيّة الجنود دخلوا إلى الممرّ. تقدّمت منهم وسألتهم: "إلى أين تذهبون؟ ماذا تريدون؟". أوضحت لهم أنّ زوجتي في الدّاخل، في الحمّام، لكنهم أخذوا يصرخون عليّ "اسكت، اسكت". وقفت قبالة باب الحمّام ورفضت أن أتحرّك من مكاني، لكي أحمي زوجتي. سألني الجنود "ماذا يوجد في الداخل؟". أفهمتهم أنّ زوجتي في الدّاخل ولكنّهم طلبوا منّي أن أزول من طريقهم لكي يقتحموا الباب. هجموا عليّ وأخذوا يدفعونني بعُنف. سمعت زوجتي صراخ الجنود، لفّت نفسها بشرشف الغسّالة وخرجت من الحمّام وهي تصرخ. اتّجهت بسرعة نحو غرفة النوم، وفي هذه الأثناء هجم عليّ الجنود وضربوني، بما في ذلك شخص كان يبدو كأنّه قائدهم. في مرحلة معيّنة استدعوا قوّات تعزيز فوصل المزيد من الجنود. صار عددهم معًا 15 تقريبًا. طوّقوني وتابعوا ضربي بأعقاب بنادقهم في كلّ أنحاء جسمي. حاول ابني سامح (22 عامًا) أن يتدخّل ويبعد الجنود عنّي، لكنّ أحدهم ركله ركلة قويّة على مؤخّرته وجرّه إلى غرفة النوم - حيث الجنود يحتجزون الصغار وعبد الرحمن (16 عامًا). بعد ذلك كبّلوا يدي سامح وعبد الرحمن. حاول الجنود تكبيل يديّ أيضًا، لكنّني قاومت. واصلوا ضربي لدقائق طويلة، وفي هذه الأثناء تجوّل جنود آخرون في أنحاء المنزل وأجروا تفتيشًا بواسطة كاشف معادن. قبل أن يغادر الجنود أخلوا سبيل سامح، لأنّنا قلنا لهم إنّه يعاني مرضًا في القلب؛ وأخذوا معهم أخي عبد الحافظ (28 عامًا) وابني عبد الرحمن (16 عامًا). لاحقًا، أخلى الجنود سبيلهما خلال اليوم نفسه، فقط بعد أن ذهب علاء إلى سجن عوفر وسلّم نفسه. بقيت أنا في المنزل، وكنت أعاني أوجاعًا شديدة في كلّ أنحاء جسمي وأحسّ بضيق في التنفّس. في مرحلة معيّنة لم أعد قادرًا على التحمّل، فاستدعينا سيّارة إسعاف تابعة للصّليب الأحمر. نقلني الإسعاف إلى مجمّع فلسطين الطبّي في رام الله، حيث أجروا لي فحوصات سريريّة وصور أشعّة. تبيّن لديّ رضوض وكدمات شديدة في منطقة الرقبة والظهر والقفص الصدري. تلقّيت سوائل بالحقن الوريدي (إينفوزيا) وأخرجوني نحو الساعة 12:00 ظهرًا. أحدث الجنود في المنزل أضرارًا كبيرة: أتلفوا أسطوانة مفتاح الباب الرّئيسي والباب الموصل إلى السّقف، حطّموا جهاز "الإينتركوم" عند مدخل البناية، حفروا في جدار إحدى الغرف فتحة بطول وعرض 30 على 30 سم، وكسروا إطار نافذة، وحطّموا إطار نافذة أخرى في غرفة الصّالون. اقتحام مخيّم الجلزّون للّاجئين - 6.8.18: في يوم الإثنين الموافق 6.8.18 وعند الساعة 3:00 قبيل الفجر، اقتحم عشرات الجنود وعناصر من شرطة حرس الحدود مخيّم الجلزّون للّاجئين، شرعوا في تفجير قنابل الصّوت ودبّوا الرّعب في قلوب السكّان. خلعوا أبواب ثلاثة منازل، أفزعوا السكّان من نومهم، أذلّوا بعضهم، وأجبروا أحدهم أن يتعرّى، أجروا تفتيشًا في المنازل وسيطروا على سطح أحدها. ولم يسلم المركز الثقافي "المناجل" من أيدي الجيش إذ خلع جنود بابه وألحقوا أضرارًا بالأجهزة والأثاث وصادروا وثائق. منزل عائلة خطّاب - الساعة 3:00 فجرًا: عشرات من عناصر شرطة حرس الحدود دهموا منزل عدنان خطّاب (45 عامًا) وزوجته سلوى (44 عامًا) وأولادهما الستّة الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و24 عامًا. جمّعت الشرطة أفراد الأسرة في ممرّ وانتشروا في أنحاء المنزل وعلى السطح وفي السّاحة. أجروا تفتيشًا في ممتلكات الأسرة ألحقوا خلاله أضرارًا. فوق ذلك، أرغم عناصر الشرطة الابن زيدان (20 عامًا) أن يتعرّى وفتّشوا جسده، ثمّ هدّدوه بأنّهم سوف يعودون لاعتقاله. في إفادة أدلى بها في اليوم التالي حدّث عدنان خطّاب عن اقتحام منزل الأسرة: أمس الموافق 6.8.18، عند الساعة 3:00 فجرًا، استيقظت على صوت ضجيج قادم من جهة موقف السيّارة. سمعت أيضًا طرقات على باب المدخل الرّئيسي والباب الخلفي، باب المطبخ. ذهبت إلى الباب الخلفي، فرأيت مجموعة من عناصر الشرطة يأمرونني بفتح الباب، ثمّ دخلوا دون كلام ولا إذن ولا تفسير. كان معهم ضابطان من قوّات حرس الحدود، وعندما سألتهما "إلى أين؟ ماذا تريدون؟"، صرخ عليّ احدهما وقال: "اسكت. جيش"، ثمّ دفعني ودخل. أمروني بإيقاظ جميع الأولاد الكبار، وبعد ذلك احتجزوني مع زوجتي وابني أوّاب في الممرّ وتوزّعوا في كل أنحاء المنزل وعلى السّطح وحول المنزل. استيقظ ابني ريان أثناء إجرائهم التفتيش. احتضنته لكي لا يخاف. أيقظنا ابنتي الصغيرة، حلا، لكي لا تستيقظ بنفسها وتصاب بالرّعب. بقي الأولاد إلى جانبنا. أخذ أحد الضبّاط ابني زيدان (20 سنة) إلى الخارج، حيث غرفة الدرج. لاحقًا علمت أنّهم أجبروه على أن يتعرّى تمامًا ثمّ فتّشوه. بعد ذلك أخرجوه من البناية وسأله عن أصدقاء له، وعمّا إذا ما رشق حجارة. قالوا له: "في هذه المرّة سوف نتركك لأنه لا وقت لدينا، ولا يوجد أمر اعتقال، ولكن في المرّة القادمة سوف نأخذك". أراد ابني إسلام (24 عامًا) أن يدخل المرحاض، لكنّ عناصر الشرطة لم يسمحوا له. بعد مضيّ ساعة تقريبًا، نقلونا من الممرّ إلى الصالون وأوقفوا شرطيين مسلّحين للحراسة، وكانا يوجّهان سلاحهما إلينا طيلة الوقت. كذلك قام عناصر الشرطة بتصويرنا، أنا وأبنائي - إسلام وأوّاب وزيدان؛ وصوّروا بالفيديو جميع أنحاء المنزل. عند الساعة 4:15 تقريبًا، بعد أن انتهوا من العبث بالمنزل والسطح، غادروا دون أن يُفهمونا لماذا جاءوا أصلًا. لقد قلبوا جميع غرف النّوم رأسًا على عقب وأتلفوا إحدى الخزائن؛ وعلى سطح المنزل نزعوا أغطية السخّانات الشمسيّة وألقوا بها على السطح. يبدو لي أنّ هدف الاقتحام كان ترهيب زيدان، علمًا أنّه يعمل من ساعات الصباح وحتّى المساء في شركة الكهرباء، ولا يتدخّل بأيّ نشاط سياسي. بعد مغادرة القوّات بقينا جميعًا في المنزل وانهمكنا في ترتيبه، وتعطّل أولادي عن أشغالهم - لقد شوّشوا حياتنا دون أيّ سبب وزرعوا في نفوسنا القلق بعد أن هدّدوا زيدان. في إفادة أدلى بها غداة الاقتحام حدّث زيدان خطاب بما يلي: استيقظت على صوت طرقات على باب المنزل. كان والداي قد استيقظا من قبل، وفتح والدي الباب. دخل نحو 10-15 من عناصر شرطة حرس الحدود، وكانت وجوههم مطليّة بصباغ أسود. عند خروجي من الغرفة قال لي ضابط "توقّف، توقّف، هل أنت زيدان؟ ماذا لديك في جيوبك؟". طلب منّي أن أخرج كلّ ما في جيوبي. أخرجت ساعة، بطاقة هويّة وسجائر. أمرني أن أضعها على الطاولة، ثمّ اقتادني إلى الصّالون وأجلسني هناك مع والديّ واثنين من إخوتي - إسلام وأوّاب. ثمّ جاء ضابط وناداني. سألني "أين غرفتك؟"، طلب منّي أن أوشّر عليها فقط، وعُدت إلى الصّالون. في هذه الأثناء أجرى عناصر الشرطة تفتيشًا في غرفتي، وهي في الواقع غرفة الدرج، لأنّ بيتنا صغير. ثمّ ناداني الضابط مرّة أخرى، سألني: "ماذا تشتغل؟" وتركني قليلًا، ثمّ عاد ووجّه إليّ مزيدًا من الأسئلة. بعد مضيّ نحو السّاعة، عاد الضابط وأمرني أن أرتدي ملابسي. حين كنت أرتدي بلوزتي في غرفتي، صرخ عليّ أحد أفراد الشرطة قائلًا: "توقّف! توقّف! ما هذا الذي وضعته في جيبك؟!" - رغم أنّني لم أضع شيئًا. وجّه الشرطي سلاحه إلى رأسي وأمرني أن أخلع ملابسي. خلعت جميع ملابسي وبقيت مرتديًا "البوكسر" فقط، لكنّه أمرني بخلعه أيضًا. فعلت ذلك، وعندها أمرني أن أفشق رجليّ. تملّكني شعور بالمهانة الشديدة. ثمّ أمرني الشرطي أن أرتدي ملابسي، فاردتديتها ثمّ اقتادني إلى الخارج. عندما كنّا في الخارج سألني الضبّاط عن الجيران وعن منازلهم وسيّاراتهم. سألني أيضًا عن سيّارتي، فأجبته أنّني لا أملك سيّارة، لكنّه أصرّ أنّني بلى أملك سيّارة. الشرطي الذي رافقني كان يدفعني بعقب بندقيّته طيلة ما يقارب 15 دقيقة، ويسألني شتّى الأسئلة في مواضيع غير ذات علاقة. وجّه الشرطي مصباحه نحو كومة حجارة قبالة منزلنا وسألني ما علاقتي بها. أجبته أنّه لا توجد لي بها أيّة علاقة. قال لي: "لدينا صور لك، ويمكننا إثبات إنّك تشارك في رشق الحجارة"، فقلت له أنّه لا علاقة لي برشق الحجارة. قال لي: "حسنًا، الآن ليس لدينا الوقت الكافي، ولا يوجد أمر باعتقالك حاليًّا، لكن توقّع أنّنا سوف نعود لاعتقالك". ثمّ أمرني بالبقاء في الخارج إلى ان يغادروا. في نهاية المطاف غادروا عند الساعة 4:30 فجرًا. هذه الأفعال التي يقوم بها الجيش لا غاية لها سوى استفزاز الناس، ومضايقتنا وتشويش حياتنا. إنّهم يتصرّفون بعُنف واستعلاء، ويتجبّرون على أشخاص لا حول لهم ولا قوّة. اقتحام منزل عائلة نخلة - السّاعة 3:00 فجرًا: اقتحم جنود مزوّدون بأدوات عمل وسلالم منزل عبد نخلة (48 عامًا) وزوجته مريم (45 عامًا) وأولادهما الأربعة المتراوحة أعمارهم بين 13 - 20 عامًا - في حيّ الملعب داخل مخيّم الجلزّون. اتّجه الجنود مباشرة نحو الدّرج الدّاخلي الذي يُفضي إلى سطح المبنى، وصعدوا إلى هناك. أغلقوا الباب وراءهم وأخذوا يراقبون مركز "المناجل" الثقافي، المجاور لمنزل الأسرة، والذي كان جنود قد اقتحموه أيضًا في ذلك الوقت. في إفادة أدلت بها يوم 8.8.18، حدّثت لارا نخلة (19 عامًا) عن الهلع الذي أصابها نتيجة اقتحام منزلهم: عندما جاء الجنود كنت نائمة مع أخواتي في الغرفة. صحوت على صوت طرقات قويّة على باب المنزل. لم أدرك تمامًا هل هو حلم أم حقيقة واقعة. سمعت صرخات أحدهم ينادي "يا عبد! افتح، يا عبد". ظننت أنّ شخص يعرف والدي. ذهبت وأيقظت والدي، فأطلّ من النافذة ورأى الجنود. طلب منهم أن ينتظروا ويمهلوه وقتًا ليوقظ أفراد الأسرة، لكي لا يخافوا. انتظر الجنود بضعة دقائق. عندما فتح والدي الباب لهم، دخلوا مع أدوات عمل وسلالم، واتّجهوا دون إذن أو أمر تفتيش مباشرة نحو الدّرج الدّاخلي الذي يُفضي إلى سطح المنزل. كانوا يتصرّفون كأنّهم يعرفون المنزل. أمرني الجنود بإطفاء الأضواء الخارجية وإغلاق الباب. كنّا نسمع أصوات خطواتهم، ولكن لم نعرف ماذا كانوا يفعلون على سطح منزلنا. علمنا لاحقًا أنّ مجموعة أخرى من الجنود اقتحمت المركز الثقافي المجاور لمنزلنا. أنا كنت مصدومة بعض الشيء. كانت رجلاي ترتعدان، ولم أقدر على فعل شيء. كنت خائفة طيلة الوقت من لحظة نزول الجنود وعودتهم - خفت أن ينكّلوا بنا. غادر الجنود نحو الساعة 4:30 فجرًا، ومع ذلك لم أهدأ ولم أتمكّن من النوم. كنت أجفل خائفة كلّما دخل أو خرج أحدهم من الباب، لأنّني اعتقدت أنّ الجنود قد عادوا. عند طلوع النهار لم أذهب إلى دورة حلاقة، كنت قد سجّلت لها. ما زلت مهزوزة حتّى الآن من هذه الحادثة. اقتحام مركز "المناجل" الثقافي - السّاعة 3:00 فجرًا: خلع الجنود أبواب المركز، وأجروا تفتيشًا في المكان. اتّصل أحد عناصر قوّات الأمن بمدير المركز (محمد صافي، 41 عامًا) وأمره بالقدوم إلى هناك. لدى وصوله، رأى صافي عشرات الجنود، وبعضهم صوّبوا أسلحتهم نحوه. أخذ يستفسر عن سبب اقتحام المركز، لكن لم يجبه أحد. بعد وقت قصير، غادر الجنود المكان وقد خلّفوا وراءهم فوضى وأضرارًا كبيرة. في إفادة أدلى بها يوم 8.8.18 حدّث صافي عن اقتحام المركز قائلًا: أقيم المركز عام 2008 لكي يلبّي الاحتياجات التربويّة لشريحة الشباب والأطفال. هناك هيئة عامّة مكوّنة من 40 ناشطًا اجتماعيًّا من المخيّم. يستفيد من خدمات المركز أكثر من 150 طفلًا على مدار السنة، يشاركون في دورات ومخيّمات صيفيّة وفعاليّات تطوّعيّة. قبل اقتحام المركز بيوم واحد اختتمنا مخيّمًا صيفيًّا شارك فيه 110 من أطفال المخيّم. في يوم الإثنين، 6.8.2018، عند الساعة 3:00 فجرًا، اتّصل بي ضابط إسرائيلي - لم يعرّف عن نفسه - وأمرني بالقدوم إلى المركز. بعد 10-15 دقيقة، فيما كنت أهيّئ نفسي استعدادًا للخروج، اتّصل ثانية وهدّدني قائلًا "إذا لم تأت فسوف نخرّب المركز ومنزلك". عندما وصلت إلى المركز - نحو الساعة 4:00 فجرًا، وجدت هناك عشرات الجنود. تجمّع عشرة منهم حولي وهُم يصوّبون أسلحتهم نحوي. وبسبب العتمة صوّبوا نحوي مصابيحهم وكأنّني مجرم أو إرهابي. قلت لهم: "ما الحكاية؟ ماذا تريدون؟ أنا محمد صافي - مدير المركز، وأنتم طلبتم أن آتي إلى هنا، وها أنا قد أتيت!". لم يجبني أحد منهم. وعلى ما يبدو كانوا قد أنهوا مهمّتهم، إذ تركوني وغادروا المكان دون أن يقولوا لي لماذا اقتحموا المركز. سألت من الضابط المسؤول، ولكنّهم لم يكترثوا لسؤالي. وعند الساعة 4:15 غادروا المكان. بعد ذهابهم تفقّدت المركز فوجدت أنّهم قد ألحقوا أضرارًا كثيرة. لقد ألحقوا الضرر في الباب الرئيسي، الحديديّ، وبابين من الخشب، ثلاثة طبول للكشّافة، طاولتي دراسة وثلاث كراسيّ. إضافة إلى ذلك خلعوا رفوف كتب وصادروا مستندات مختلفة وأموال. سوف يكلّفنا إصلاح كلّ هذه الأضرار ما بين 5000 إلى 10000 شيكل. بطبيعة الحال، عرقل إتلاف الأجهزة نشاطات كثيرة والمسألة برمّتها أقضّت راحتنا.
منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.
تقرير جديد يصدر اليوم عن منظمة حقوق الإنسان بتسيلم، هو تقرير وضع بعنوان "بلا رسن: تنكيل الجنود بالسكان الفلسطينيّين في وسط مدينة الخليل". يكشف التقرير تكرّر حالات التنكيل الشديد الذي يُمارسه جنود إسرائيليّون ضدّ السكّان الفلسطينيّين. يستند التقرير إلى أكثر من 20 إفادة أدلى بها أمام بتسيلم شهود فلسطينيّون ممّن تعرّضوا للاعتداء في الفترة الواقعة بين شهرَي أيّار وآب 2024. يحدّث الضحايا كيف جرى توقيفهم على يد جنود بشكل عشوائيّ تماماً حين كانوا يسيرون في شوارع مدينة الخليل منصرفين إلى شؤون حياتهم اليوميّة؛ وكيف تعرّضوا للضرب وسلسلة من التنكيل الشديد، أحياناً في الشارع، وأحياناً في نقاط عسكريّة اقتادهُم إليها الجنود. المديرة العامّة لمنظمة بتسيلم، يولي نوفاك، نوّهت قائلة: "إنّه لأمرٌ عاديّ أن يخرج الناس من بيوتهم وينصرفوا لشؤون حياتهم اليوميّة فيُصادفهم جنود، يُلقون القبض عليهم، ويضربونهم حدّ الإغماء. الإفادات التي سجّلها باحثو بتسيلم الميدانيّون تتكشّف عن وضع مُرعب في كلّ ما يتعلّق بمعايير السّلوك لدى الجنود الإسرائيليّين ونزوعهم إلى العُنف الشديد. بعد مضيّ أكثر من سنة على الحرب الشعواء التي تشنّها إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطينيّ، أضحى التنكيل بالمارّة الفلسطينيّين سلوكاً مرغوباً بل ومطلوباً. ما يجري ليس حالات فرديّة تُرصَد هُنا أو هُناك، ولا انحراف عن التعليمات، وإنّما هو ظاهرة تعبّر عن نهْج منتظم، ظاهرة هي نتاج عمليّة نزع إنسانيّة الفلسطينيّين التي تقودها حكومة إسرائيل".