عنف المستوطنين = عنف الدولة

عنف المستوطنين = عنف الدولة

10 أيار/مايو 2010، حُدّث في 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2021

الصورة
صورة مقتطعة من شريط فيديو صوّره متطوّع بتسيلم باسل العدرة؛ مستوطن مسلّح يرافقه عدد من الجنود يتوعّد مزارعين فلسطينيّين قرب التواني في تلال جنوب الخليل، 18.4.20.

نهبت إسرائيل أكثر من مليوني دونم من أراضي الضفة الغربيّة منذ أن احتلّتها في العام 1967. هذه الأراضي المنهوبة تسخّرها الدّولة لاحتياجاتها هي - لبناء المستوطنات الجديدة وتوسيع مسطّحات نفوذها، بما في ذلك المساحات الزراعيّة والمناطق الصناعيّة، ولشقّ الشوارع المخصّصة أساساً لخدمة المستوطنين.

تسيطر المستوطنات في الضفة الغربية على مئات الآلاف من الدّونمات وهي أراضٍ يُمنع أو يُقيّد دخول الفلسطينيّين إليها. بعض هذه الأراضي استولت عليه إسرائيل بوسائل رسميّة - عبر أوامر عسكريّة أو عبر إعلانها "أراضي دولة" أو "مناطق إطلاق نار" أو "محميّات طبيعيّة" أو عبر مصادرتها؛ وبعضها الآخر استولى عليه مستوطنون بالقوّة المجرّدة بواسطة عُنف يوميّ يمارسونه ضدّ السكّان الفلسطينيّين وممتلكاتهم.

ظاهريّاً يبدو وكأنّ هناك مساران منفصلان لا علاقة بينهما: الدّولة تستولي على أراضي الفلسطينيّين بطرق علنيّة ورسميّة حازت على تصديق المستشارين القضائيّين والقضاة، بينما المستوطنون الرّاغبون هُم أيضاً بالاستيلاء على أراضٍ لأجل تحقيق أهدافهم يستخدمون بمبادرة منهم ولأسباب تخصّهم العُنف ضدّ الفلسطينيّين. لكنّه في الواقع مسار واحد: يمارس المستوطنون عُنفهم بدعم تامّ من الدّولة - هي تتيحه وممثّلوها يشاركون في تنفيذه - وذلك كجزء من استراتيجيّة نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ السّاعي إلى قضم المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينيّة لاستكمال عمليّة الاستيلاء الجارية. بوصفه كذلك، عُنف المستوطنين هو جزءٌ من سياسة حكوميّة: القوّات الرسميّة للدّولة تسمح به وتُتيح تنفيذه وتشارك فيه.

تعمل الدولة على تسوية هذا الواقع بطريقتين تكمل إحداهما الأخرى:

أ. تسوية الاستيلاء على الأراضي:

تتيح الدّولة للمستوطنين المُكوث في أراضٍ سُلبت من الفلسطينيّين بالعُنف وعوضاً عن إخلائهم تمنح سُلطاتها الدّعم لعشرات البؤر و"المزارع" الاستيطانيّة - وهذه لا تختلف عن المستوطنات الأخرى سوى في أنّها أقيمت بدون موافقة الحكومة أو بدون خطّة تسمح بالبناء في تلك الأراضي. من أشكال هذا الدّعم: أوعزت إسرائيل للجيش أن يحمي البؤر الاستيطانيّة وفي حالات أخرى موّلت حماية خاصّة لها؛ شقّت لها الشوارع ومدّت لمعظمها شبكات الكهرباء والماء؛ قدّمت لها الدعم عبر قنوات عدّة منها وزارات الحكومة وقسم الاستيطان في المنظمة الصهيونيّة العالميّة والمجالس الإقليميّة في الضفة الغربيّة؛ منحت أفضليّات لمشاريع اقتصاديّة - بضمنها منشآت زراعيّة ودعم مزارعين جُدد ورعي القطعان؛ خصّصت لها حصص مياه ومنحتها حماية قانونية ضدّ الالتماسات التي طالبت بإخلائها.

صرّحت الدّولة في الماضي أنّها تعتزم تطبيق القانون الإسرائيليّ في البؤر الاستيطانيّة مستقبلاً وحتى أنّها التزمت بذلك أمام المجتمع الدوليّ - غير أنّ هذه الوعود لم تتحقّق. في آذار 2011 غيّرت الدّولة سياستها وأضحت تميّز رسميّاً بين فئتين من البؤر الاستيطانيّة: تلك التي أقيمت على أراضٍ مسجّلة كـ"أراضي دولة" أو أعلنتها هي "أراضي دولة" أو أقيمت على أراضي مسح (وهي أراضٍ قيد المسح ولا تزال مكانتها غير مقرّرة نهائيّاً) ، وفئة البؤر الاستيطانيّة القائمة على أراضٍ فلسطينيّة بمُلكيّة خاصّة - وهي تعتزم إخلاء بؤر هذه الفئة فقط. الجدير بالذكر هو أنّ المحكمة العليا قبلت هذا التمييز أو التصنيف رغم أنّه لا يعتمد أيّة معايير قانونيّة. خُلاصة الأمر أنّ جميع البؤر الاستيطانيّة تقريباً بقيت في مكانها.

ب. تسوية الاعتداءات الجسديّة على الفلسطينيّين:

تم توثيق عُنف المستوطنين تجاه الفلسطينيّين منذ بدايات الاحتلال في تقارير ووثائق حكوميّة لا تعدّ ولا تُحصى، وفي آلاف الإفادات التي أدلى بها فلسطينيّون وجنود وفي كتب وتقارير منظمات حقوق إنسان فلسطينيّة وإسرائيليّة - بضمنها تقارير بتسيلم منذ تأسيسها – ومنظمات دوليّة، وفي آلاف التقارير الإعلاميّة. غير أنّ هذا التوثيق المتواصل والشامل لم يترك أيّ أثر بحيث استمرّ عُنف المستوطنين تجاه الفلسطينيّين حتى أصبح منذ وقت طويل جزءاً لا يتجزّأ من روتين نظام الاحتلال في الضفة الغربيّة.

يشمل عُنف المستوطنين الضرب ورشق الحجارة والتهديد والوعيد وإحراق الحقول وإتلاف الأشجار وشتّى المزروعات وسرقة الثمار واستهداف المنازل وتخريب السيّارات وإغلاق الطرق وإطلاق النّار، وفي حالات نادرة القتل أيضاً. يطرد مستوطنو "المزارع" الاستيطانيّة الرّعاة والمزارعين الفلسطينيّين من حقولهم ومن المراعي ويُبعدونهم عن مصادر المياه التي اعتادوا الاستفادة منها جيلاً وراء جيل، وفوق ذلك يقومون باستفزازات يوميّة بقصد خلق مناوشات عنيفة، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيّرة لتدبّ الذعر بين مواشي الفلسطينيّين وتسبّب فرارها وتشتيتها.

يمتنع الجيش ضمن سياسته عن الدّخول في مواجهات مع المستوطنين المعتدين رغم أنّه من الناحية القانونيّة يمتلك الجنود صلاحيّة توقيفهم واعتقالهم بل يقع هذا عليهم كواجب أيضاً. في نهجها الرّوتينيّ، تسمح قوّات الأمن للمستوطنين أن يُلحقوا الأذى بالفلسطينيّين وممتلكاتهم. ويفضّل الجيش عموماً إخراج الفلسطينيّين بالذات من أراضيهم الزراعيّة أو من المراعي عوضاً عن مواجهة المستوطنين؛ وفي ذلك يلجأ إلى إصدار أوامر تعلن الموقع "منطقة عسكريّة مغلقة" وتسري فقط على الفلسطينيّين أو يقوم الجنود بتفريقهم باستخدام قنابل الغاز المسيل للدّموع وقنابل الصّوت والرّصاص المعدنيّ المغلّف بالمطّاط وحتى الرّصاص الحيّ. وفي بعض الأحيان يشارك الجنود أنفسهم في الهجمات التي يشنّها المستوطنون على الفلسطينيّين أو يقفون جانباً موقف المتفرّج دون التدخّل لمنع الاعتداء.

بعد أيّ هجوم يشنّه المستوطنون ضدّ الفلسطينيّين يعمل جهاز إنفاذ القانون الإسرائيليّ كلّ ما في وُسعه للامتناع عن معالجة الأمر. من ذلك أنّه يضع العراقيل لتصعيب تقديم الشكاوى وإذا تمّ تسجيل شكوى وفتح تحقيق - وهذه حالات قليلة جدّاً - يُسارع الجهاز إلى طمس الحقائق بحيث يندر جدّاً تقديم لائحة اتّهام ضدّ مستوطن اعتدى على فلسطينيّ وتشمل في معظم الحالات تهماً بسيطة تافهة، وإذا انتهت محاكمة كهذه بإدانة المستوطن فتُلقى عليه عقوبة رمزيّة فقط. 91% من ملفّات التحقيق أغلقت دون تقديم لائحة اتّهام، هذا ما تفيد به معطيات نشرتها منظمة "يش دين" في كانون الثاني 2020 ولخّصت فيها عمل 15 عاماً في متابعة لملفّات التحقيق في عُنف المستوطنين. فُتح أكثر من 1,200 ملفّ تحقيق وتمّ تقديم لائحة اتّهام فقط في 100 منها.

عُنف المستوطنين هو جزءٌ من سياسة حكوميّة القوّات الرسميّة للدّولة تسمح به وتُتيح تنفيذه وتشارك فيه، وذلك كجزء من استراتيجيّة نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ السّاعي إلى توسيع واستكمال عمليّة الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.

عُنف المستوطنين له آثار بعيدة المدى على الواقع في المناطق المحتلّة لأنّه يُنشئ بعد حُدوثه حالة من الشعور بالخطر والرّدع في صُفوف الفلسطينيّين. يقوّض عُنف المستوطنين أسُس معيشة تجمّعات بأكملها ويسدّ عليها سُبل كسب الرّزق. يحدّث الأهالي كيف انكمش اقتصاد التجمّعات الفلسطينيّة التقليديّ - كتربية المواشي والزراعة الموسميّة - أو هي تخلّت عنه تمامًا تحت وطأة العُنف والترهيب وفي واقع انعدام الخيارات؛ وهي فروع وفّرت لهُم في الماضي العيش الكريم والرّفاه من جيل إلى جيل. ويحدّث الأهالي كيف يهجر سكّان التجمّعات أراضي المرعى ومصادر المياه التي لطالما استفادوا منها ويقلّصون فلاحة أراضيهم الزراعيّة. وفي مناطق أخرى لا يجرؤ الفلسطينيّون على الوصول إلى أراضيهم دون مرافقة مواطنين إسرائيليّين أو الجيش. بعض الأراضي الزراعيّة تعرّضت للتخريب أو أهملها أصحابُها مُجبرين فتدنّى محصولها بحيث بات من غير المُجدي لهُم تكبّد عناء ومخاطر الوُصول إليها. هكذا أنشئت في الضفة الغربيّة جدران شفّافة غير مرئيّة يعلم الفلسطينيّون أنّهم إذا تجاوزوها فسوف يتعرّضون لعُنف قد يكلّفهُم حياتهم.

عُنف الدّولة - المنظّم الرسميّ أو غير الرسميّ - هو جزءٌ لا يتجزّأ من نظام الأبارتهايد الإسرائيليّ الطامح إلى تهويد المكان، أي سائر المنطقة الممتدّة بين النهر والبحر. يعتبر هذا النظام الأرض مورداً وُجد أساساً لخدمة الجمهور اليهوديّ ولذلك تخصّص الأرض بشكل شبه حصريّ لاحتياجات البلدات اليهوديّة القائمة من تطوير وتوسيع وإقامة بلدات يهوديّة جديدة. في موازاة ذلك، يعمل هذا النظام على تشظية المجال الفلسطينيّ وتفتيته وعلى تجريد الفلسطينيّين من أراضيهم وزجّهم في معازل ضيّقة ومكتظّة.

يقوم نظام الأبارتهايد على العُنف المنظّم والمنهجيّ تجاه الفلسطينيّين وهو عُنف يتعدّد الوكلاء القائمين على تنفيذه: الحكومة والجيش والإدارة المدنيّة والمحكمة العليا والشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) ومصلحة السّجون وسُلطة الطبيعة والحدائق وغيرها. المستوطنون هُم عامل إضافيّ في هذه الشبكة التي تديرها الدّولة إذ هي تسخّر لتحقيق أهدافها عُنف المستوطنين مضافاً إلى عُنف أجهزتها الرسميّة. أحياناً يظهر عُنف المستوطنين كنُذر تسبق عُنف سُلطات الدّولة الرسميّ وأحياناً يأتي مدمجاً معه. والجدير بالذكر أنّ عُنف المستوطنين مثله كمثل عُنف الدولة - العسكريّ، هو أيضاً عُنف منظّم ومُمأسس وهو مدجّج بالوسائل ويطبّق وفقاً لاستراتيجيّة محدّدة معيّنة الهدف.

الجمع بين العُنف الرسميّ وهذا العُنف الذي يبدو في الظاهر "غير رسميّ" ولا علاقة للدّولة به، يتيح لدولة إسرائيل أن ترقُص على الحبلين: أن تحافظ من جهة على متّسع للإنكار والادّعاء أنّ "هذه أفعال المستوطنين" –وليست أفعال الجيش ولا المحاكم ولا الإدارة المدنيّة؛ وأن تحقّق من جهة أخرى هدف تجريد الفلسطينيّين من أراضيهم. لكنّ الوقائع تدحض ذلك إذ تلغي هذا المتّسع الذي تحاول الدّولة إبقاءه لفائدتها: حين يمارس المستوطنون عُنفهم بإذن وبدعم وبرعاية سُلطات إسرائيل فهو يندرج ضمن عُنف الدّولة. إنّهم ليسوا مستوطنين يعملون ضدّ الدّولة بل هي الدّولة نفسُها.

مواد مقترحة

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

تقرير جديد لبتسيلم: إسرائيل تنفّذ مشروعَ مَحو في الضفة الغربية

يُبيِّن التقرير الأكثر شمولية الذي يصدر عن بتسيلم حتى الآن، حول السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية، أن إسرائيل تشغّل بصورة متزامنة خمسَ آلياتٍ تعزّز إحداها الأخرى، بغية تفكيك الوجود الجماعي الفلسطيني في الضفة وإعادة تنظيم الحيّز بواسطة العنف، بهدف ترسيخ وجود وسيادة يهوديّين- إسرائيليّين دائمين ومتواصلين فيه.منذ نهاية العام 2022، ومنذ تشرين الأول 2023 بصورة أخصّ وأشدّ، بدأت مرحلة جديدة في السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. فقد صعّدت إسرائيل بشكل متطرف سياسةً ممتدة منذ سنوات طويلة تقوم على السيطرة والعنف والسلب وأخذت تطبّقها بصورة علنية واضحة، أكثر عنفًا وأسرع وتيرةً. كما تجري مأسسة هذه الخطوات بدرجة متزايدة، في إطار السياسة الحكومية وممارساتها.في أوج هذا التصعيد اليومي، تنشر بتسيلم تقرير "مشروع المَحْو"، الذي يزيد عدد صفحاته عن 200 صفحة ويستند إلى تحليل نحو 2,000 إفادة أدلى بها فلسطينيون من الضفة الغربية، وإلى عمل ميداني إضافي وإلى عقود من التوثيق. يتتبع التقرير التسارع والتوسع اللذين حصلا خلال السنوات الأخيرة في السياسات والممارسات الإسرائيلية المتواصلة منذ سنوات عديدة."ما يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية ليس سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل هو مشروع سياسي واحد يتغلغل في جميع مناحي الحياة"، كما قالت المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك. "يجري تهجير التجمّعات، يُدفع الاقتصاد إلى حافة الانهيار ويعيش ملايين الأشخاص في حالة خوف دائم من عنف الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين. تعمل هذه الآليات معًا لتفكيك الحياة الجماعية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لترسيخ نظام ثابت من الفوقية اليهودية في أنحاء الضفة الغربية. العالم يشاهد ما يحدث، لكن ردّه أبعد ما يكون عن مستوى الضرورة الذي تقتضيه خطورة الوضع".هكذا يعمل مشروع المحويحدّد التقرير خمس آليات مترابطة تدفع إسرائيل بواسطتها هذا المشروع قدمًا في أنحاء الضفة الغربية:العنف وبثّ الرعب: تستخدم إسرائيل قوات الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة لبث الرعب وفرض العنف والإكراه. منذ 7 تشرين الأول 2023 حتى 31 آب 2026، قتلت إسرائيل 1,107 فلسطينيين في الضفة الغربية، بينهم 245 طفلًا.التطهير العرقي والاستيلاء على الحيّز: تستخدم إسرائيل العمليات العسكرية وهدم المنازل وإقامة البؤر والمزارع الاستيطانية المدعومة من الدولة، بغية تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وتوسيع الوجود اليهودي في هذه المناطق. حتى اليوم هجّرت إسرائيل 75 تجمّعًا فلسطينيًا واستولت البؤر والمزارع الاستيطانية على 1,07 مليون دونم، أي ما يعادل 18% من مساحة الضفة الغربية. كما هجّرت إسرائيل قسرًا نحو 33,000 فلسطيني من مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.تقييد الحركة والتنقّل: تجزّئ إسرائيل الحيّز الفلسطيني بواسطة الحواجز والبوابات وسَدّات الطرق. حتى نهاية العام 2025، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) نحو 925 عائقًا للحركة في أنحاء الضفة الغربية.الخنق الاقتصادي: تستخدم إسرائيل سيطرتها على فرص العمل والعائدات الضريبية الفلسطينية والجهاز المالي والبنى التحتية، بغية تعميق الأزمة الاقتصادية وتبعية الفلسطينيين لها. فقد ارتفعت نسبة البطالة من 13,1% في العام 2022 إلى أكثر من 31% عام 2024، في ظل الإلغاء الجماعي لتصاريح العمل في إسرائيل واحتجاز مبالغ متزايدة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.التدمير الاجتماعي والسياسي: تجرّم إسرائيل محاولات التنظُّم السياسي وتقتحم مكاتب منظمات المجتمع المدني وتحظر نشاطها، وتقمع الاحتجاجات وتعتقل الناشطين والطلاب والصحفيين. منذ تشرين الأول 2023، اعتقلت إسرائيل ما لا يقل عن 60 صحفيًا فلسطينيًا من الضفة الغربية.الإطار السياسي: يحدد التقرير "خطة الحسم" التي وضعها بتسلئيل سموتريتش عام 2017 بوصفها وثيقة أساسية لفهم التصعيد الراهن. وتسعى الاستراتيجية الواردة فيها، المسماة "الحسم بواسطة الاستيطان"، إلى جعل السيادة اليهودية أمرًا لا رجعة فيه، من خلال توسيع المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتهجير الفلسطينيين، بحيث لا يتبقى أمام الفلسطينيين سوى ثلاثة خيارات: الخضوع أمام الفوقية اليهودية أو الرحيل أو مواجهة القمع العسكري. ورغم أن الخطة لم تُعتمد رسميًا قطّ بوصفها سياسة حكومية، إلا أن سموتريتش يتولى اليوم صلاحيات واسعة في مجالات التخطيط والأراضي وإنفاذ القانون في الضفة الغربية، وتتجلى بعض المبادئ المركزية في المنطق الذي تقوم عليه الخطة في سياسات الدولة وممارساتها، بصورة متزايدة باستمرار.مشروع ممتد منذ عقود: بدأ مشروع المحو قبل سنوات عديدة من خطة سموتريتش من العام 2017 ومن تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها. ترى بتسيلم أن الهجوم الإسرائيلي الراهن على حياة الفلسطينيين هو جزء من مشروع استعماري استيطاني طويل الأمد، يُنفَّذ بواسطة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. وفي قطاع غزة، تجسّد هذا المنطق في أشدّ صوره تطرفًا، في الإبادة الجماعية التي تنفّذها إسرائيل؛ أما في الضفة الغربية، فقد سرّعت الحكومة الحالية تنفيذ المشروع وجعلت آلياته أكثر وضوحًا.المسؤولية الدولية: تدعو بتسيلم الحكومات والمؤسسات الدولية إلى التوقف عن التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها إسرائيل بوصفها أحداثًا منفصلة، ثم التوقف عن إتاحة المجال لها وتمكينها من مواصلة جرائمها، وحماية الفلسطينيين والعمل على إنهاء نظام الأبارتهايد والحكم العسكري الإسرائيليين. ذلك أن المستقبل العادل يستوجب نظامًا سياسيًا يقوم على الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية لجميع البشر الذين يعيشون في الحيّز الممتد بين نهر الأردن والبحر المتوسط، مع الإحقاق الكامل للحقوق الفردية والجماعية وضمان المشاركة السياسية المتساوية.تقول المديرة العامة لبتسيلم، يولي نوفاك: "يظل الفلسطينيون عرضة لعنف آخذ في التصاعد، بينما تمضي إسرائيل قدمًا في مشروع المحو الذي تنفّذه في الضفة الغربية. لا يمكن للحكومات أن تدين هذه الجرائم، وفي الوقت نفسه تمنح إسرائيل حصانة تتيح لها مواصلة ارتكابها. ويتعين عليها، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، استخدام جميع الوسائل المتاحة لها بموجب القانون الدولي، من أجل وقف جرائم إسرائيل وتعطيل منظومة العنف والهدم التي تفكك الحياة الفلسطينية".التقرير الكامل، الملخص، الخرائط والرسوم البيانية متاحة لوسائل الإعلام، مع حظر النشر حتى الموعد المحدد.

14 أيلول/سبتمبر 2026

مشروع المحو: إلغاء إسرائيل للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية

سياسة إطلاق النار

مشروع المحو

منذ تولّي الحكومة الإسرائيلية الحالية مهامها في نهاية عام 2022، وبوتيرة أشدّ منذ تشرين الأول 2023، صعّدت إسرائيل بشكل دراماتيكي المسّ بمقوّمات حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية. في أية لحظة يمكن أن يجد الفلسطيني نفسه معرّضًا لعنف الجيش وميليشيات المستوطنين المسلحة، أو معرّضًا للاعتقال أو الوقوع ضحية التنكيل والإذلال وأحيانًا للقتل.يرتكز تقرير "مشروع المَحو" على أكثر من ألفي إفادة سجلتها بتسيلم لفلسطينيين منذ تشرين الأول 2023، كذلك على أكثر من ثلاثة عقود من توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها نظام الأبارتهايد الإسرائيلي في الضفة الغربية. ينظر التقرير في الواقع الراهن ليس على أنه مجموعة من الأحداث العينية أو وقائع معينة تمسّ بالفلسطينيين، بل كجزء من منظومة محو شاملة تعمل لتفكيك الظروف التي تتيح للفلسطينيين الاستمرار في الوجود في الضفة الغربية وفي الوقت نفسه تعمّق السيطرة والفوقية اليهوديين فيها على نحو لا رجعة فيه. يبيّن النظر في واقع الضفة الغربية أن مشروع المحو يُنفّذ بشكل علني ومباشر وعنيف أكثر من ذي قبل، كما أنه يرتكز على تعاون متصاعد بين سلطات الدولة الرسمية وميليشيات المستوطنين التي تعمل في الضفة بغطاء ودعم السلطات.

14 أيلول/سبتمبر 2026

המאחז "חוות לכתחילה". צילום: פאיז אבו רמילה, בצלם, 22.7.24

عنف المستوطنين = عنف الدولة

البؤرة الاستيطانيّة "لِخَتْحيلَه" - استيلاء المستوطنين على أراضي تجمّع وادي قلط بمُساعدة الجيش

أصبحت البؤر الاستيطانيّة و"المزارع" الاستيطانية، خلال العقد الأخير، إحدى الطرق الرئيسة التي تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي في الضفّة الغربيّة ولطرد التجمّعات الفلسطينيّة التي تعيش عليها. بخلاف الخطوات الرسميّة التي يتمّ اتّخاذها لإقامة مستوطنات، فإنّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة يمكن أن يُنفّذ بسرعة ويتطلّب موارد وقوى بشريّة قليلة نسبيًّا. كما أنّ الاستيلاء على ـأراضٍ زراعية من خلال البؤر الاستيطانيّة والمزارع، يسمح للدولة بالتنصّل من المسؤوليّة عن الاستيلاء على الأرض وعن الممارسات العنيفة وغير القانونيّة التي يرتكبها المستوطنون ، رغم أنّها تدعم هذه البؤر الاستيطانيّة بشتّى الطرق. وبذلك، تنجح الدولة في عرض ممارسات المستوطنين - مبعوثيها - كمسألة تعلق بإنفاذ القانون فحسب، بدلًا من كونها قضيّة متعلّقة بسياسة منتهجة.يتمّ إنشاء البؤر الاستيطانيّة بشكل سريع في مناطق أساسيّة، ويتمكّن المستوطنون من السيطرة على مساحات شاسعة في غضون وقت قصير، ومن فرض حقائق على الأرض عبر مداهمة الأراضي الفلسطينيّة بقطعان الأغنام والأبقار، مواجهة السكّان الفلسطينيّين بشكل متعمّد والاعتداء العنيف عليهم. في بعض الحالات، يتم إنشاء البؤر الاستيطانية بدون مصادقات رسمية من قبل السلطات الإسرائيلية، وفي بعضها الآخر من خلال التعاون مع السلطات، وسط الاعتماد على اتفاقيات تخصيص للأغراض الزراعية، مثل المراعي والفلاحة. حتى في الحالات التي يتم فيها تخصيص الأراضي من جانب الدولة، يتجاوز المستوطنون في كثير من الحالات المساحات المخصصة، وهكذا يقومون بتوسيع مساحات الأراضي الخاضعة لسيطرتهم.تحظى ممارسات المستوطنين هذه، في كثير من الحالات، بتعاون من جانب الجيش الذي يمتنع عن هدم المباني غير القانونيّة التي يقيمونها، لا بل يزوّد المستوطنين بخدمات حراسة، ويشارك بشكل فعّال في طرد السكّان الفلسطينيّين بشكل عنيف. منذ 7 تشرين الأوّل، تفاقمت ممارسات المستوطنين الساعية إلى الاستيلاء على الأراضي، سواء من ناحية حجم انتشارها وآثارها، أو من ناحية حدّة العنف الذي يستخدمه المستوطنون، أو من ناحية انخراط الجيش الفعّال في هذه الممارسات. وفي هذا الإطار أيضًا هُجِّر 19 تجمّعًا فلسطينيًّا على الأقل من مساكنها وأراضيها بهذه الوسائل، وتواجه اليوم تجمّعات أخرى كثيرة تهديدًا وجوديًّا خطيرًا.يقع تجمّع وادي قلط (الكعابنة) - الذي تقطنه 15 أسرة، تعدّ معاً 80 شخصاً بضمنهم 40 قاصراً - في منطقة وادي قلط، المسمّاة أيضاً الحثرورة-العرارة. منذ العام 1983 وعلى مرّ السّنين منذئذٍ اعتمد سكّانه في معيشتهم بالأساس على تربية الأغنام. في الماضي طُرد سكّان التجمّع، أبناء عشيرة الكعابنة، من النقب بعد إقامة دولة إسرائيل فانتقلوا بداية إلى منطقة الخليل، ومن هناك إلى منطقة تقع شرقيّ القدس. ومنذ أن سكنوا منطقة وادي قلط طُردوا منها مرّتين: كانت المرّة الأولى في أعقاب إقامة مستوطنة "كفار أدوميم"، والمرّة الثانية في أعقاب إقامة مستوطنة "متسبيه يريحو".في العام 2018 أقيمت في منطقة النفوذ البلدية لمستوطنتيّ "متسبيه يريحو" و"معاليه أدوميم" البؤرة الاستيطانية "حفات لختحيلَه"، على بعد نحو 150 مترًا شرقيّ تجمع وادي قلط. . تعمل في البؤرة الاستيطانية "لِخَتْحيلَه" مدرسة دينيّة لشبّان "حريديم" تسربوا من أطر أخرى، وتدعمها ماليّاً مؤسّسة "كيرن كييمت". تدمج المدرسة التعليم والعمل الزراعي ورعي الأغنام. كذلك تقام هناك مناسبات. وقد علمت بتسيلم أن اتفاقية لتخصيص أرض للرعي وزرع الأشجار في المنطقة الواقعة شمالي شرق البؤرة الاستيطانية قد تم التوقيع عليها بين قسم الاستيطان الذي تم تخصيص الأرض له من قبل المسؤول عن الأملاك الحكومية في الإدارة المدنية وبين ممثلي البؤرة الاستيطانية. وتسمح اتفاقيات التخصيص هذه باستخدام الأراضي للرعي، لكن معلومات بتسيلم تشير إلى أن الاتفاقيات، وكذلك الوضع التخطيطي، لا تسمح بالبناء، ولذلك فإن الأبنية في البؤرة الاستيطانية هي غير قانونية، كما يبدو، وهي في كل الأحوال لا تشمل أراضي التجمع. في العام 2022 أقيمت غربيّ التجمّع بؤرة استيطانيّة أخرى، وهكذا حوصر التجمّع بين البؤرتين من الشرق والغرب، وشارع رقم 1 من الجنوب والمحمية الطبيعية وادي قلط من الشمال. في أعقاب ذلك، وبسبب عُنف المستوطنين، تقلّصت إلى حدّ كبير مساحة المراعي المُتاحة لأبناء التجمّع.ويقول سكّان التجمّع في إفاداتهم إنّهم منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة "حفات لِخَتْحيلَه" يتعرّضون لتنكيل على نطاق لم يعهدوه من قبل. وقد تحدّثوا عن اعتداءات جسديّة على رُعاة في المراعي واقتحامات للتجمّع نفسه. وقال السكّان إنه خلال تلك الاقتحامات، كان مستوطنون يأتون من صوب البؤرة الاستيطانية ويقومون باعتداءات جسديّة على السكان ورشقهم بالحجارة إضافة إلى تهديدهم . ورغم تكرار هذه الأحداث تكرّرت أيضاً توجهات السكّان إلى الشرطة الإسرائيلية، إلّا أنّها لم تحرّك ساكناً لوقف هذه الهجمات والمضايقات، بل قامت باعتقال سكّان من التجمّع، بمن فيهم قاصرون.إن خلق مثل هذه "الاحتكاكات" بصورة متعمّدة يشكل تعبيرًا جيدًا عن الهدف الذي تقام من أجله بؤر المزارع الاستيطانية هذه والطريقة التي بواسطتها يكرس هؤلاء سيطرتهم على الأرض. وإن أعمال التنكيل المتعمدة التي يقوم بها مستوطنو هذه البؤر ضد المزارعين الفلسطينيين تخلق صورة مزيفة عن "مواجهات" متوازية ومتوازنة بين المستوطنين والمزارعين، وهي الصورة التي يستغلها الجيش بغية إبعاد الفلسطينيين بذريعة "الضرورة الأمنية"، بالقوة في كثير من الأحيان. وعندما تقع مثل هذه الأحداث، مرة تلو الأخرى وبصورة متكررة، يتم إغلاق الطريق أمام المزارعين وقدرتهم على الوصول إلى الأراضي التي يستخدمونها للرعي، الأمر الذي يمسّ بقدرتهم على الاسترزاق من رعي المواشي.ولا يقتصر التنكيل بسكان التجمع على محاولة إبعادهم عن مناطق الرعي فقط، بل يشمل أيضًا تقييد حقهم في الحركة والتنقل. في الماضي نصبت الإدارة المدنيّة والجيش بوّابة كهربائيّة على الطريق المؤدّية إلى التجمّع، لكنّهم أغلقوها منذ ما قبل الحرب ومنعوا بذلك السكّان من الخروج والدّخول عبر المنفذ إلى الشارع المقابل لمدخل المستوطنة، ثمّ بدأ المستوطنون بتسيير دوريّات في المنطقة. خلال الحرب أغلق الجيش أيضاً الطريق الجبليّة المتعرّجة المتّجهة إلى أريحا، وبذلك صعّب أكثر فأكثر قدرة السكّان على التنقل من التجمّع وإليه ووُصولهم إلى المدينة، علماً أنّهم يتلقّون فيها معظم الخدمات. ومؤخّراً فُتح الحاجز الذي على المنفذ خلال ساعات النهار لكنّ الجيش يعود ويُغلقه كلّ ليلة. وعلى كلّ حال، فإنّ الطريق من الشارع في اتّجاه أريحا مُغلقة وبالتالي فهو لا يخدم سكّان التجمّع في شيء.منذ اندلاع الحرب الحالية، تفاقمت الهجمات التي يشنّها المستوطنون ضدّ أهالي التجمع. وقد شملت هذه الهجمات اقتحام التجمّع في ساعات اللّيل بضع مرات، حيث كان بعض المهاجِمين يرتدون الزيّ العسكريّ أو كانوا ملثمين جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية. كانوا يقتحمون المنازل، يهدّدون السكّان، يطالبونهم بالرّحيل عن منازلهم ويُلحقون أضراراً بالمنازل والممتلكات. كذلك ألحق المستوطنون عدّة مرّات أضراراً بشبكة المياه في التجمّع، والتي تصلها المياه من شركة "مكوروت". في كانون الأول 2023 هبطت وتيرة الهجمات في أعقاب تدخّل الإدارة المدنيّة بضغط من منظمات إنسانيّة. مع ذلك، واصل المستوطنون منع الوُصول إلى المراعي، ممّا أضرّ كثيراً بقدرة السكّان على كسب معيشتهم وأدّى بمعظم مربّي الأغنام إلى بيع معظم أغنامهم بعد أن عجزوا عن تحمّل تكلفة شراء الأعلاف لإطعامها. بعض هؤلاء تخلّوا مجبرين عن نمط حياتهم التقليديّ بعد أن اضطرّوا للعمل كعمّال أجيرين. توضح الإفادات التي أدلى بها السكّان أمام بتسيلم مدى تأثير البؤرة الاستيطانيّة على حياة السكّان الفلسطينيّين الذين يُقيمون و/أو يرعون مواشيهم في جوارها، كما التنكيل والتجبّر بهم من قبَل المستوطنين والجيش.أدناه إفادتان أدلى بهما اثنان من سكّان التجمّع أمام باحث بتسيلم الميدانيّ عامر عاروري:طايل كعابنة (41 عاماً)، أب لستّة، قال في إفادته التي أدلى بها في 13.5.24:أنا أب لستّة أولاد، وابني الأكبر، محمود (23 عاماً) متزوّج. التجمّع الذي أقيم فيه سكن في الماضي قريباً من الموقع الذي أقيمت عليه مستوطنة "متسبيه يريحو"، ولكن رحّلونا عنه في العام 1983. من هناك نتقل التجمّع إلى الموقع الذي هو موجود فيه الآن. وأنا قد وُلدت هناك في السّنة نفسها. منذ إقامة البؤرة الاستيطانيّة، قبل خمس سنوات، نعاني من هجمات يشنّها علينا مستوطنون يأتون من جهة البؤرة الاستيطانيّة الرعويّة.في أيّار وحزيران 2023شنّ علينا مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة هجمات متتالية. في إحدى الهجمات دخلوا مع أغنامهم وأفلتوها لترعى وسط التجمّع. عندما طرد الأهالي الأغنام استدعى المستوطنون نجدة فجاء مستوطنون إضافيون من جهة البؤرة الاستيطانيّة نفسها، وكان بعضهم مسلّحًا بالعصيّ والهراوات وكان بعضهم ملثّمًا. اعتدوا عليّ وعلى آخرين من أبناء عائلتي، بضمنهم ابني (14 عاماً) وابن أخي (16 عاماً) وابن عمّي محمد إبراهيم (60 عاماً).استدعينا الشرطة، ولكن عندما جاءوا اعتقلونا نحن بالذات. كبّلوا أيدينا واقتادونا إلى محطّة الشرطة في مستوطنة "معليه أدوميم". أبقونا هناك طوال 24 ساعة جالسين على مقعد، مكبّلي الأيدي وأعيننا معصوبة بقطعة قماش. بعد ذلك حقّقوا معنا واتهمونا بالاعتداء على عناصر الجيش، رغم أنّ المواجهة جرت أصلاً مع المستوطنين. أطلقوا سراح ابني وابن أخي دون كفالة، أمّا أنا وابن عمّي فقد اضطررنا لإيداع كفالة بقيمة 1,500 شيكل عن كلّ واحد منّا.في أعقاب أحداث السّابع من أكتوبر جاء حفّار كبير من آليّات الإدارة المدنيّة وجنود، وسدّوا بأكوام التراب الطريق المؤدّي إلى بعض منازل التجمّع. نتيجة إغلاق هذه الطريق والطرق الأخرى المؤدّية إلى التجمّع والتي كانوا قد أغلقوها منذ ما قبل الحرب، نضطرّ إلى استخدام طرق التفافيّة وعرة، إضافة إلى أنّها تُطيل كثيراً مدّة سفرنا إلى أريحا. قبل ذلك كنّا نصل إلى الشارع الرئيسيّ، شارع أريحا - القدس، خلال 5 دقائق.بعد مضيّ 20-30 يوماً على أحداث السّابع من أكتوبر أذكر أنّني سمعت في اللّيل حركة في الخارج. عندما خرجت لأستوضح الأمر شاهدت عدداً من المستوطنين يتقدّمون في اتّجاه منزلنا. لخوفي منهم طلبت من النساء والأطفال أن يفرّوا إلى منزل أقارب لنا يقع في مكان أعلى من موقع منزلنا، وهربت مع اثنين من أبنائي إلى الشارع الرئيسيّ. خرّب المستوطنون أربعة ألواح شمسيّة حصلت عليها بمُساعدة من الاتحاد الأوروبيّ، وهدموا مخزناً أضع فيه الأعلاف، مساحته 4x4 متر. بعد ذلك رأيتهم يعودون في اتجاه البؤرة الاستيطانية في تلك اللّيلة هاجموا عائلتنا فقط.منذ 7.10.2023 ازدادت الهجمات علينا. صار مستوطنون يأتون إلى التجمّع كلّ يوم تقريباً، وكان بعضهم يرتدي الزيّ العسكريّ، ويهجمون على المنازل، يُضيئون بمصابيحهم على السكّان النائمين، يتجوّلون بين المنازل ويقولون لنا إنّ علينا أن نرحل عن هذا المكان، وإلّا فسوف يُجبروننا على الرّحيل بالقوّة.في 27.11.23، في ساعة متأخرة من اللّيل، جاء إلى منزلي أربعة أشخاص يرتدون أقنعة على وُجوههم. قالوا لي إنّني أسرق المياه من شركة "مكوروت". أجبتهم بأنّ هذا غير صحيح وأنّني أحصل على المياه بطريقة قانونيّة، والسّلطة الفلسطينيّة تدفع منذ سنين حسابات المياه عن كلّ البلدات البدويّة التي في المنطقة. عندئذٍ طلبوا أن أريهم فواتير، ثمّ قال أحدهم إنّهم قد أبلغونا منذ زمن أنّ علينا الرّحيل والآن يوجد أمامنا خياران: إمّا أن نرحل طوعاً وهُم يقدّمون لنا أموالاً تساعدنا على الانتقال إلى مكان آخر، وإمّا أنّهم في المرّة القادمة سوف يُجبروننا على الرّحيل بالقوّة. قلت لهُم إنّني أن أرحل عن هذا المكان.كذلك حاول المستوطنون أن يسرقوا 20 من أغنامي. جاءوا إلى مساكن التجمّع وأخذوا يقتادون الأغنام في اتجاه البؤرة ، ونحن بدورنا استدعينا الشرطة فجاءت إلى المكان وأعادت لنا الأغنام.بعد 7.10.223 بنحو 40 يوماً وجدنا أن أنابيب شركة مكوروت التي تزود التجمّع بالمياه قد قُطّعت. بقينا أيّاماً بدون مياه. لا يوجد أحد غير المستوطنين له مصلحة في ذلك. الأمر نفسه تكرّر بعد ذلك عدّة مرّات أخرى. هُم يريدون التضييق علينا بكلّ الطرق بهدف ترحيلنا من هذه المنطقة والاستيلاء عليها.في بداية الحرب، عندما ازدادت هجمات المستوطنين، راودت فكرة الرّحيل عن التجمّع عدداً من إخوتي، حتى أنّ أحدهم قد باشر في تفكيك مبانيه، لكنّه في النهاية اقتنع وآثر البقاء. في كانون الأول 2023، وبعد ضغوط مارستها منظمات إنسانية على الإدارة المدنية، توقفت الهجمات.المستوطنون يمنعوننا أيضًا من الوُصول إلى المراعي، وإذا اقتربنا مع الأغنام من البؤرة الاستيطانيّة يخرجون ويرشقوننا بالحجارة. وقد تفاقم هذا الوضع بعد أن أقاموا هنا بؤرة استيطانيّة أخرى قبل سنة، على بُعد 2 كيلومتر غربيّ التجمّع. على سبيل المثال، قبل يومين هاجم مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية الغربية أغنام أخي أحمد حين كانت ترعى قرب التجمّع ورشقوها بالحجارة فكسروا رجل إحدى الأغنام.حتى إقامة "متسبيه يريحو" والبؤرة الاستيطانيّة كانت مُتاحة لنا مراعٍ كافية بحيث لم تكن حاجة للأعلاف لإطعام الأغنام سوى خمسة أشهر في السّنة. ولكن في أعقاب إقامة المستوطنات والضغط الذي مارسه المستوطنون وتقلّص مساحة المراعي المتاحة لنا، اضطررنا إلى شراء الأعلاف طيلة السنة، بتكلفة بلغت 1,200 شاقل في الشهر. لم نتحمّل هذه النفقات، ولذلك قلّصت عدد أغنامي من 120 إلى 20. معظم سكّان التجمّع باعوا بالتدريج معظم أغنامهم، وكثيرون منهم اضطروا للعمل كعُمّال أجيرين في المنطقة الصناعيّة "ميشور أدوميم" أو في مصانع البحر الميت أو في مزارع التُّمور الفلسطينيّة.نحن لا نعرف ما يخبّئه لنا المستقبل، لأنّ وجود المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة يهدّد وجودنا هنا ووجود تجمّعنا هذا. هدف المستوطنين، في رأيي، هو اقتلاعُنا من منازلنا.محمد كعابنة (51 عاماً،)، أب لسَبعة، قال في إفادته التي أدلى بها في 13.5.24:يقيم ولداي الاثنان، جهاد (28 عاماً) وهو متزوّج وأب لثلاثة، وموسى (24 عاماً) وهو أيضاً متزوّج وأب لثلاثة، إلى جانبي. أعمل في مزرعة تُمور في أريحا. حتى 7 أكتوبر كان جهاد يعمل في "ميشور أدوميم" وموسى في منطقة البحر الميت، كلاهُما بتصاريح عمل رسميّة، ولكن مع بداية الحرب ألغيت هذه التصاريح.في 21.6.2020، دخل مستوطنون جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية إلى التجمّع وضرب أحدهم إحدى الأغنام بقضيب حديديّ. عندما اقتربت منه ضربني بالقضيب على رأسي وفرّ هارباً مع بقيّة المستوطنين. تمّ إخلائي لتلقي العلاج في أحد مستشفيات أريحا.منذ اندلاع الحرب في غزة أغلق الجيش الإسرائيليّ بوّابة كهربائيّة الأمر الذي يمنعنا من الوُصول إلى شارع القدس - أريحا، ممّا يضطرّنا إلى السّفر عبر طريق بديلة وعرة وتُطيل مدّة سفرنا كثيراً.في السّنوات الأخيرة أقيمت هنا بؤرتان استيطانيّتان تهدّدان أمن وحياة أهالي التجمّع: الأولى أقيمت شرقيّ التجمّع قبل نحو 5 سنوات وتسمّى "حَفات لِخَتْحيلَه"، والثانية أقيمت غربيّ التجمّع قبل نحو سنة.منذ بدء الحرب في تشرين الأول 2023، بدأ مستوطنون يدهمون التجمّع بين الواحدة ليلاً والثالثة فجراً، والناسُ نيام، - بعضهم بزيّ عسكريّ وملثّمون. وقد تحوّل ذلك إلى ممارسة دائمة، والمرّة الأخيرة كانت في 29.11.23. كانوا يظلّون في التجمّع وقتاً طويلاً، وأحياناً يقتحمون المنازل ويوجّهون أضواء مصابيحهم على وجوه أفراد العائلات وهُم نيام. أحياناً كانوا يقفون لصق منازلنا في الخارج، يثرثرون ويضحكون مع بعضهم البعض. في إحدى المرّات قال لي أحد المستوطنين الذين جاؤوا من ناحية البؤرة الاستيطانية أنّه من الأفضل لنا أن نرحل الآن عن منزلنا، لأنّهم سيأتون في المرّة القادمة بهدف إحراق المنزل وهدمه، لكي يُجبرونا على الرّحيل.في 29.11.23، نحو الثالثة فجراً، استيقظت من نومي مرعوباً إذ اقتحم منزلي نحو 6 أشخاص يرتدون الزيّ العسكريّ ووجّهوا ضوء مصباح إلى وجهي؛ وكانوا يضعون أقنعة على وُجوههم. أمروني بأن أجلب بطاقة هويّتي ثمّ سألني أحدهم منذ كم من الوقت أقيم هنا فأجبنه له بأنّ أبي وجدّي وعائلاتهم قد أقاموا هنا منذ عشرات السّنين. قال لي إنّه وفقاً للسجلّ الذي لديه أنا أقيم هنا فقط منذ 10 سنوات، وسألني لماذا لا أرحل. عندما قلت له إنّني لا أريد أن أرحل سألني كم من المال أريد لكي أوافق على الرّحيل. قلت له إنّني لا أريد مالاً، كما أنّه ليس لي مكان آخر أذهب إليه، فاقترح عليّ أن أرحل إلى الأردن أو قطر. أعتقد أنّهم كانوا مستوطنين من البؤرة الاستيطانيّة المسمّاة "لِخَتْحيلَه" لأنني رأيتهم يعودون في اتجاه البؤرة.مستوطنو المزرعة الاستيطانيّة "لِخَتْحيلَه" والبؤرة الثانية التي أقيمت قبل سنة غربيّ التجمّع يقيّدون إمكانيّة وصولنا إلى المراعي. يرشقوننا بالحجارة ويهدّدوننا بالسّلاح الناريّ لكي يمنعونا من الرّعي. لهذا السّبب، منذ خمس سنوات لا نستطيع الابتعاد مع الأغنام عن منازلنا سوى لمسافة 400 متر، لأنّنا نخاف الاقتراب من البؤرة الاستيطانيّة. إضافة إلى ذلك، يرعى المستوطنون الذين يأتون من ناحية البؤرة الاستيطانية أغنامهم قبالة منازل التجمّع ولا أحد منّا يجرؤ على توجيه كلمة إليهم، لأنّنا نخاف أن يهاجمونا جسديّاً كما فعلوا في مرّات سابقة. على سبيل المثال، يوم أمس (12.5.24)، نحو السّاعة 17:30، اقترب إلى التجمع أحد المستوطنين من البؤرة الاستيطانية الواقعة غرب التجمّع وأخذ يرشق أغنامنا بالحجارة، وبالنتيجة كُسرت رجل إحدى الأغنام. أكثر ما يثير الغضب هو أنّه يُسمح للرّعاة من المستوطنين أن يتجوّلوا مع أغنامهم داخل أراضي التجمّع وفي وادي القلط، بينما الأهالي مواليد هذا المكان - البدو - يُمنعون من ذلك.في الماضي كانت أغنامي تعدّ 80 رأسًا، ولكن بعد محاصرتنا بالمستوطنات والبؤر الاستيطانيّة ومنعنا من الوُصول إلى المراعي اضطررت لبيع 60 منها وبقيت عندي 20 فقط. أنا إنسان فقير، حيث أنّني أعمل في مزارع التّمور الفلسطينيّة لقاء أجر يوميّ قدْره 80 شاقلاً. ثمّ إنّه عمل موسميّ لا يتوفّر سوى لمدّة ثمانية أشهُر في السّنة، ومدخولي لا يكفي لشراء أعلاف لأغنامي.هذه الأمور ضربت الوضع الاقتصاديّ للتجمّع ككلّ، بعد أن كان يعتمد في معيشته على تربية الأغنام وتجارة الأغنام وبيع منتجات الألبان التي كنّا نصنعها بأيدينا. ثمّ أصبح الرّعي وتجارة المواشي غير مجدية لنا اقتصاديّاً فترك كثيرون هذا المجال وتحوّلوا إلى عمّال أجيرين. المستوطنات والبؤر الاستيطانيّة المحيطة بالتجمّع قد دمّرت نمط حياتنا البدويّ.

13 تشرين الأول/أكتوبر 2024