الجنود يستعملون أربعة فلسطينيين كدروع بشرية خلال عملية عسكرية في مخيم اللاجئين في نور شمس

محمود غريب، 45 عام

محمود غريب

في يوم الثلاثاء الموافق 14.9.04، في الساعة 04:20 تقريباً استيقظت مع أفراد أسرتي لأداء صلاة الفجر. سمعنا بعض شباب المخيم ينادون ويعلنون أن الجنود يحاصرون حارتنا، حارة المنشية، والتي تقع بمحاذاة الشارع الرئيسي. وفي تلك اللحظات سمعت طرقاً على الأبواب. ذهبت الى المدخل الرئيسي ثم فتحت الباب، ورأيت أمامي مجموعة من الجنود والذين كانت وجوههم مغطاة بأصباغ التمويه. أنا أجيد العبرية جيداً، ولذلك سألتهم بالعبرية ماذا يريدون؟ طلب مني أحد الجنود إخراج أفراد العائلة من البيت، فقلت له:"كيف أخرج الأولاد الى الخارج وأنتم مع هذه الوجوه المخيفة؟". طلبت من الجندي أن يستبدلوا الجنود المصبوغة وجوههم باللون الأسود بجنود عاديين حتى يخرج الأولاد دون خوف.

ابتعد الجنود عن المكان وجاء مكانهم ستة جنود نظاميين وعاديين. أثناء ذلك الوقت، طلبت من أفراد الأسرة الإستعداد من أجل الخروج من البيت. وبعد أن خرجنا، قام الجنود بفصل النساء عن الرجال، وأرسلوا النساء الى بيت مجاور. أما نحن الرجال فقد طلبوا منا الذهاب الى بيت "أبو داوود". وفي بيت "أبو داوود" رأيت حوالي عشرين شخصاً جميعهم من جيراننا. ويبدو أن الجنود كانوا أخرجوهم من بيوتهم ووضعوهم جميعاً في هذا البيت منذ ساعات الصباح الباكر.

بقينا في بيت "أبو داوود" حتى الساعة الخامسة مساءً (17:00) تحت الحراسة المتواصلة من قبل ستة جنود. وخلال هذا الوقت سمعت أصوات اطلاق نار وانفجارات في الخارج، لكنني لم أستطع مشاهدة ما يحدث. وفي الساعة الخامسة مساءً (17:00) بالتقريب، نادى أحد الجنود على جاري، أحمد مشارقة، والذي أعرفه جيداً، وقام الجندي بأخذ أحمد الى الخارج. بعد مرور 10 دقائق تقريباً، وصلت مجموعة من الجنود الى البيت ونادوا علي بإسمي، أبو ربيع. قمت وسألت عن الأمر، فقال لي أحد الجنود انهم قتلوا مطلوباً وأنهم يريدون مني أن أذهب معهم لكي أترجم ما يقولونه لشقيق المطلوب، من العبرية الى العربية. أحد الجنود قال لي:"ستربح الحسنات إذا نقلت القتيل". كان الحديث يدور بالعبرية. ثم أخذني الجنود الى البيت الذي وقع فيه الحادث. عندما وصلت الى البيت رأيت عددا كبيرا من الجنود والضباط المتواجدين في المكان. أحد الجنود طلب مني ومن أحمد مشارقة الدخول الى البيت. وقد أمرنا بالدخول الى غرفة الضيوف التي كانت مليئة بالفرشات. دخلنا الى البيت، بينما راقبنا الجنود من بعيد. ولم يدخل أي جندي الى البيت.

عندما دخلنا الى الغرفة، رأيت بقعاً من الدم وقطعا من جسم إنسان تحت أنقاض الهدم. قمت أنا وأحمد بإزالة التراب وأجزاء الجدران التي انهارت فوق الجثة. وعندما تعرفنا على الشخص الذي كان تحت الأنقاض، واسمه فلاح، وهو شقيق أحمد مشارقة، بدأ أحمد بالبكاء على أخيه. وفجأة بدأ فلاح يتحدث معنا وقال إنه لم يمت، وطلب من أخيه أن يتوقف عن البكاء عليه. لم نستطع أنا وأحمد رفعه واخراجه من البيت. خرجت الى الجنود وقلت لهم إن الرجل لم يمت، وأنه مقبور تحت الأنقاض والتراب، وأنني غير قادر مع أخيه على رفعه، وقلت لهم انني بحاجة الى عدد من الأشخاص لمساعدتي في اخراجه.

بعد مرور عدة ثواني أحضر الجنود أبنائي الإثنين: ربيع، في العشرين من عمره، وتامر في الرابعة والعشرين من عمره، من أجل مساعدتنا في إخراج الجريح. وقد قمت مع أبنائي وأحمد بإخراج فلاح ووضعناه في زاوية ناحية البيت. وفي هذه اللحظة طلب مني أحد القادة نزع الملابس عن فلاح من أجل التأكد أنه لا يحمل حزاماً ناسفاً. وقد قمت بنزع الملابس عنه بينما تابع الجنود مراقبتي من جميع النواحي والإتجاهات. وقد رفع فلاح الجريح يديه لمساعدتنا في نزع قميصه. وقد كان يتلوى من الألم بسبب الجدار الذي انهار عليه. وبعد ذلك قمت بنزع بنطاله. وبعد أن انتهيت طلب مني القائد احضار الجريح الى الجنود من أجل التحقق من أنه لا يحملُ حزاماً ناسفاً، وقد قمت مع أحمد مشارقة بإحضار الجريح الى الجنود ، وبعد أن فحصوه، شكرني أحد الجنود على جهودي وطلب مني الوقوف جانباً. كان في المكان حوالي ثلاثين جندياً، وكانت وجوههم مغطاة بأصباغ التمويه، وكان من بينهم أربعة ضباط يحملون الرتب العسكرية على أكتافهم.

بعد بضع ثواني، أصدر أحد القادة الأوامر لي ولأبنائي ولأحمد بالدخول الى البيت واخراج كلب ميت من هناك. وقد أعطاني مصباحاً يخص أحد الجنود من أجل استعماله، وقال لي ان لون الكلب بني. دخلنا الى البيت وبحثنا عن الكلب تحت الأنقاض. وفي النهاية، وبعد أن أزلنا بعض الأنقاض، وجدنا الكلب. ورأينا على الكلب حزاماً من الجلد وجهازاً الكترونيا ملتصقاً ببدنه. وقد قمنا بإخراج الكلب ونقله الى الجنود. ثم توجه الي أحد الجنود وشكرني مرة أخرى، وقال لي:"لقد بذلت اليوم الكثير من الجهد". وبعد ذلك قام الجنود بنقل الجريح والكلب الى المكان الذي وقفت فيه الجيبات العسكرية، على شارع طولكرم – نابلس، وبدأوا بالإنسحاب من المنطقة.

شهادة محمود عبدالله ابراهيم غريب، من مواليد عام 1959، متزوج وأب لستة أبناء، عامل، ومن سكان مخيم اللاجئين نور شمس في طولكرم. تم تسجيل الشهادة من قبل عبد الكريم السعدي في مخيم اللاجئين نور شمس بتاريخ 15.9.04.


Date
Featured image
20040914_mahmud_zeghib_human_shield.jpg
Witness (description)
محمود عبد الله غريب