توفي زوجي في عام 1995. في عام 1997 اشتريت شقة في الطابق التاسع في مبنى الظافر وسكنت فيه مع الأولاد، الذين تزوجوا فيما بعد وسكنوا خارج الشقة. اثنان منهما يسكنان الآن خارج البلاد. بقينا في البيت أنا وابنتي هند. في عام 2004 تزوجت هند وسكنت خارج الشقة. في عام 2006 ابني محمد الذي يعمل طبيبا، استأجر شقة في الطابق الخامس من المبنى وفي عام 2011 اشترى شقة في الطابق الثاني. في عام 2013 اشترى ابني مهند شقة في نفس البرج أيضا، في الطابق التاسع مقابل شقتي. كانت حياتنا جيدة وعشنا في جو أسري. كنت أشعر أنني أسكن مع أولادي في نفس البيت. المستأجرون الآخرون جميعهم محترمون ولطيفون، وكان يسود المبنى جو أسري جميل.
مررنا هنا بحربين: في 2008 - 2009 لم نعاني من مشاكل خاصة. وأيضا في حرب عام 2012 كنا في البرج ولم نكن نقلق كثيرا إلى أن أصابت إحدى القذائف الطابق الثامن. لحسن الحظ لم تقع إصابات. أعتقد أن القذيفة تسبب بها قصف مدفعي. عندما حدث ذلك، جميع المستأجرين أخلوا شققهم لعدة ساعات، وبعد ذلك عدنا إلى شققنا. تكسرت النوافذ وتسبب القصف ببعض الأضرار، ولكننا جميعنا عدنا وتابعنا حياتنا بشكل طبيعي.

مريم أبو ريا في شقتها المستأجرة. تصوير: محمد صباح، بتسيلم، 29.06.15
في بداية الحرب الأخيرة في 2014، بقينا أنا وأبنائي في شققنا. مررنا بوقت صعب للغاية بسبب القصف في كل مكان وبسبب انقطاع الكهرباء والماء. لم ننم في الليالي. أحصينا الأيام والساعات وكنا نأمل انتهاء الحرب في كل لحظة. سمعنا الأخبار طوال الوقت. شاهدنا الصور المرعبة على شاشة التلفزيون. بكينا على الناس الذين قتلوا وعلى دمار البيوت. كنا نخرج من البيت فقط لكي نشتري حاجياتنا الضرورية.
في يوم السبت 23.8.14 في حوالي الساعة 17:30، كنت في شقة ابني محمد الذي كان عيد ميلاده في ذلك اليوم، بعد ذلك عدت إلى شقتي. رن الهاتف وقالت لي زوجة محمد أنه علينا الخروج من المبنى، لأنها تلقت اتصالا قالوا لها فيه أنهم سوف يقصفون المبنى. فتحت باب الشقة فرأيت سكان العمارة ينزلون الدرج حاملين أغراضهم بأيديهم. قالوا لي أنهم سمعوا أن المبنى سيقصف. نزلت فورا إلى شقة ابني محمد، ولكني لم أجد أحدا هناك. أغلقت أسطوانة الغاز ونزلت الدرج مع الساكنين في العمارة. قسم منهم نزلوا عبر الدرج والقسم الآخر عبر المصعد. كنت أرتدي لباس الصلاة.
جميع سكان المبنى أمسكوا أولادهم وأمسكوا بضعة أغراض شخصية. كنا جميعا مصدومين ولم يعرف أحد منا ماذا سيحدث. قال بعض الناس أن القصف سيوجه إلى الطابق الحادي عشر، حيث يوجد المكتب الإعلامي لحماس.
ذهبنا أنا وأبنائي وأسرهم وبعض أسر أخرى تسكن في نفس المبنى إلى فيلا يملكها شخص نعرفه، اسمه محمد أبو مزكور. جلسنا في ساحة الفيلا وانتظرنا أن يقصفوا الشقة لكي نعود إلى شقننا. بينما كنا نشرب القهوة، أطلق صاروخ من طائرة استطلاع نحو المبنى.
تلقينا اتصالا آخر من شخص قال أنه من الجيش الاسرائيلي، وأمرنا بأن نخلي كل المنطقة، وأن نتأكد من أن جميع ساكني المبنى قد أخلوا المكان.
توثيق بالفيديو لقصف برج الظافر: safadpress
بعد بضع دقائق سمعنا انفجارين ثم انهار البرج. ارتجف جسدي. كان قلبي ينبض بقوة حتى شعرت أنه يخرج من مكانه. تدمر كل شئ. شقننا الثلاثة أنا وأبنائي. بكيت ولم أصدق أن البرج قد انهار.
لم نستطع السير بين الركام والزجاج. هربنا من هناك. كانت رجل ابني محمد مكسورة واستعان بعكازات للسير إلى أن أخذنا شخص بسيارته إلى منزل ابنتي في حي النصر. مكثنا هناك ربع ساعة ثم سمعنا بأن الجيش الاسرائيلي سوف يقصف أيضا المبنى الذي تعيش فيه ابنتي، لأن مكتب صحيفة الرسالة التابعة لحماس يقع فيه. خرجنا من المبنى وذهبنا لمنزل أخت زوجي في حي الشيخ رضوان. مكثنا لديها حتى نهاية الحرب، وطوال الوقت سمعنا طائرات وقصف وخفنا كثيرا. بعد ذلك عدنا إلى منزل ابنتي هند، الذي لم يقصف في النهاية. مكثنا عندها حتى 01.10.14 وبعدها استأجرنا شقة في مبنى يقع في دوار أبو مازن، وانتقلنا للعيش فيها لمدة شهر.
بعد ذلك استأجرنا ثلاث شقق لي ولأولادي مهند ومحمد ولأسرتيهما. لم يكن لدينا ملابس أو فرش. أقاربنا أعطونا بعض الفرش والأغطية والقليل من الملابس. لم يكن لدينا أي شئ في الشقق وبالكاد تدبرنا أمرنا. في البداية عانينا من وضع نفسي صعب ولم نكن نستطيع النوم على الإطلاق.
فيما بعد ذهبنا إلى أنقاض برجنا، لكي نبحث عن وثائق رسمية، جوازات سفر وشهادات الأولاد الجامعية. بحثنا أيضا عن حلي ذهب لزوجات أبنائي ولكننا لم نجد أي شئ.
ما زلنا إلى اليوم نفكر بشققنا ونتكلم عنها. شقتي كانت مفروشة بالكامل لا ينقصها أي شئ: ثلاجة، غسالة، تلفزيون، هدايا وتذكارات اشتريناها من ليبيا، تونس، مصر والأردن، تذكارات من حياتي أنا وزوجي. كل شئ تدمر في القصف.
ما زلت إلى اليوم أشتري الأثاث الذي تحتاجه الشقة، أدوات، أجهزة كهربائية، ملابس، أغطية، فرش، مقاعد للجلوس وغيرها. انفقت على شقتي تلك ومعداتها طوال 17 عاما. يستطيع الانسان شراء كل شئ ما عدا التذكارات. بعد القصف وبعد أن خسرت شقتي وشقق أولادي أصبت بمرض السكري. ما زلت إلى الآن أبكي على الشقق التي تدمرت من دون أي سبب وأحلم باليوم الذي أعود فيه إلى شقتي. أتمنى أن يبنوا البرج من جديد وأن نعود إليه، ولكن حتى لو بنوه من جديد فلا شئ سيعود كما السابق.
مريم محمد عبد القادر أبو ريا، 65 عاما، أرملة وأم لثلاثة، من سكان تل الهوا في مدينة غزة. قام بجمع إفادتها باحث بتسيلم محمد صباح بتاريخ 29.06.15 في شقتها المستأجرة.