"عمليّة بيت وحديقة": 48 ساعة من التجبُّر والتدمير في مخيّم جنين للاجئين
21 أيلول/سبتمبر 2023
في بداية تمّوز نفّذت إسرائيل "عمليّة بيت وحديقة" في مخيّم جنين للاجئين الذي يعيش فيه نحو 23,600 نسمة. شارك في هذه العمليّة التي استمرّت يومين نحو ألف جنديّ، عناصر شرطة حرس الحدود وعناصر "الشاباك"، الذين انتشروا في جميع أنحاء المخيّم. خلال مكوثهم في المخيّم، وفق وكالة الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة (أوتشا)، فرّ نحو 3,500 من السكّان ـ بمَن فيهم أطفال ونساء، رجال ومسنّون ـ من بيوتهم، وبعضهم دون أن يعرفوا إلى أين يتجّهون.
خلال العمليّة، اقتحمت القوّات عشرات المنازل ومكثت فيها طوال ساعات. قامت بتفتيشها وبنبش محتوياتها وبالتدقيق في الأغراض الشخصيّة. وفي بعض عمليّات التفتيش، استعانت القوّات بالكلاب التي تجوّلت في المنازل بحرّيّة وهاجمت السكّان وأخافتهم. حقّقت القوّات الإسرائيليّة مع أفراد من العائلات، وأطلقت النار عبر نوافذ المنازل، وهدمت جدراناً خارجيّة أو أحدثت ثقوبًا وتصدعات فيها. واعتقلت القوّات عشرات الفلسطينيّين، بقي 30 منهم رهن الاعتقال حتّى بعد خروج الجيش من المخيّم.
خلال يومي مكوثها في المخيّم قتلت القوّات الإسرائيليّة 12 فلسطينيًّا، بينهم 4 قاصرين. قُتل 5 منهم خلال تبادل إطلاق النار مع القوّات وقُتل آخر بالرصاص أثناء هروبه من تبادل لإطلاق النار شارك فيه. وقُتل اثنان آخران بينما كانا يحملان عبوات ناسفة. ووفقًا لوزارة الصحّة الفلسطينيّة، فقد أصيب أكثر من 120 فلسطينيًّا. كما أنّ تدمير الطرق وانتشار القوّات بأعداد كبيرة في المخيّم جعلا من الصعب إخلاء الجرحى إلى المستشفيات. إضافة إلى ذلك، قُتِل جنديّ برصاص القوّات الإسرائيليّة في أثناء خروجها من المخيّم.
كما هدمت القوّات 57 منزلًا بشكل كامل تاركةً 277 إنسانًا دون مأوى، بينهم 81 قاصرًا. كما تمّ هدم عشرات المباني بشكل جزئيّ. إضافةً إلى ذلك، دمّرت القوّات 4 كيلومترات من الشوارع و8 كيلومترات من أنابيب المياه ونحو 300 خزّان مياه خاصّ. وتمّ قطع شبكات الكهرباء والإنترنت، كما تمّ فصل نحو 100 أسرة عن شبكة الصرف الصحّيّ. وحتّى بعد انتهاء العمليّة، بقي المخيّم بدون إمدادات مياه لمدّة يومين.
دخول القوّات إلى المخيّم وممارساتها فيه حصلت من خلال التجاهل التامّ لحقيقة أنّه مخيّم لاجئين مكتظّ يعيش ويعمل ويتعلّم ويحلم فيه آلاف الأشخاص. بدلًا من ذلك، اختارت إسرائيل التعامل مع المخيّم كساحة معركة وزعمت بأنّ الدخول إليه كان مطلوبًا كجزء من "مكافحة الإرهاب". هذا الادّعاء الأجوف لا يبرّر المساس المتعمّد بالمواطنين وبممتلكاتهم ـ وهو مساس غير قانونيّ ويتنافى مع القواعد الأخلاقيّة والإنسانيّة الأساسيّة. والغاية من هذا الادّعاء، في الأساس، هي إخفاء الأهداف الحقيقيّة لنظام الأبارتهايد الذي يعمل على تكريس السيطرة العسكريّة على الفلسطينيّين في المناطق المحتلّة وتعزيز الفوقية اليهوديّة في كلّ المنطقة الواقعة بين البحر والنهر.
جمع باحثا بتسيلم الميدانيّان سلمى الدبعي وعبد الكريم السعدي إفادات من سكّان اقتحمت القوّات منازلهم وألحقت بها أضرارًا وأجبرتهم على الفرار منها. فيما يلي بعض الإفادات:
نديّة البيطاوي (26 عامًا)، أمّ لرضيعة ولطفلة صغيرة، قالت في 6.7.23:
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 نحو الساعة 1:30 قبل الفجر سمعتُ صفّارات إنذار في المخيّم وسمعتُ الجيران يقولون إنّ الجيش قد دخل إلى المنطقة الجنوبيّة- الشرقيّة (شارع مهيوب). لم أعر الأمر اهتمامًا كبيرًا، لأنّ هذا الأمر يحدث طوال الوقت. أقفلتُ باب المنزل فقط وعدتُ إلى غرفة النوم. لكن حينئذٍ سمعتُ إطلاق نار وانفجارات قريبًا جدًّا من منزلنا، وهذه هي المرّة الأولى التي أسمع فيها مثل هذه الأشياء من مكان قريب إلى هذا الحدّ.
نقلتُ طفلَيّ، رسميّة (سنتان ونصف) وخِطاب (8 أشهر)، إلى غرفة نومنا ونمتُ. نحو الساعة 5:00 قبل الفجر استيقظتُ للصلاة ثمّ سمعتُ دويّ انفجار. لم أعرف بالضبط من أين، لكنّي شعرت بأنّه قريب جدًّا منّي. وبينما كنتُ أبحث عن شيء أرتديه رأيتُ، فجأةً، كلبًا يدخل إلى غرفة نومي. باب الغرفة بدون مقبض، لذلك يمكن فتحه بسهولة بمجرد دفعه.في اللحظة التي رأيتُ فيها الكلب قفز عليّ. عضّني في يدي اليسرى فدفعتُه. نبح الكلب وهاجمني مرّة أخرى ثمّ أمسكني من فخذي. أبعدتُه فأمسكني من يدي اليمنى. صرختُ من الألم وسحبني الكلب إلى خارج الغرفة. تجاوبتُ معه لأنّني لم أرِد أن يرى طفلاي ما كان يحدث. كان في الممرّ نحو خمسة جنود، فقلتُ لهم إنّ الكلب يعضّني. في البداية لم يردّوا ثمّ أمسكوا بالكلب وضحكوا.
دخلتُ إلى المرحاض وأقفلتُ الباب خلفي. صرخ عليّ أحد الجنود لكي أخرج. كانت يدي تنزف وكنتُ مصدومة من كلّ ما حدث. لم أعرف ماذا أفعل. خرجتُ من المرحاض وضمّد الجنود يدي. كنتُ مرتبكة جدًّا. ذهبتُ إلى طفليّ اللذين كانا يبكيان في الغرفة. رأيتُ الكثير من الجنود داخل المنزل وقاموا بتفتيش كلّ زاوية. ناديتُ عبر النافذة على أختي التي تسكن في المنزل المجاور. سألني أحد الجنود إن كنتُ أريد الذهاب إلى أختي، فقلتُ له نعم. عندما خرجتُ مع طفليّ كان الجنود يسيرون أمامي وخلفي إلى أن وصلت إلى أختي التي كانت تقف في الخارج، لأنّ الجنود أخرجوهم من بيتهم. أمرونا جميعًا بالذهاب إلى منزل الجيران. كان الجيش موجودًا أيضًا في هذا المنزل وجمّع الجميع في غرفة واحدة. كنّا نحو 19 امرأة وطفلًا. كان باب الغرفة مغلقًا وقلنا للجنود إنّنا نختنق من الحرّ ففتحوا الباب. كان هناك جنديّ يحرس مدخل الغرفة طيلة الوقت.
صرختُ وانتحبتُ بسبب آلام العضّة. أعطتني الجارة قرصين من الأكامول، لكنّ ذلك لم يساعد. طلبتُ من الجنديّ أن يستدعي سيّارة إسعاف فقال إنّ وصول سيّارات الإسعاف إلى هنا ممنوع. نحو الساعة 14:00 سمح لي الجنود بالخروج وحدي وقالوا إنّ ذلك على مسؤوليّتي. وفقط بعد جدالات كثيرة معهم سمحوا لي بأخذ طفليّ لأنّهما لم يوافقا على البقاء وحدهما مع أشخاص غرباء. بعد أن خرجتُ اتّصلتُ بوالدي وأخبرته بما حدث وقلتُ له إنّني بحاجة إلى سيّارة إسعاف. طلب منّي أن أعود إلى منزل الجارة وأنتظر هناك، لكنّني قلتُ له إنّ لا فائدة من ذلك لأنّ سيّارة الإسعاف لن تتمكّن من الوصول إلى هناك. سرتُ حتّى آخر سيّارة جيب عسكريّة في الشارع وانتظرتُ سيّارة الإسعاف هناك. وبعد نحو نصف ساعة وصلتْ. كنتُ حينها منهكةً. حملتُ الطفل بيد واحدة وأمسكتُ باليد الأخرى بيد ابنتي الكبيرة. كان هناك جنود في كلّ مكان. نقلتني سيّارة الإسعاف إلى مستشفى ابن سينا حيث قدّموا لي الإسعاف الأوّليّ وأجروا لي صورًا بالأشعة وأعطوني مسكّنات الألم عبر أنبوب تسريب. جاء أصدقاء يسكنون خارج المخيّم وأخذوا الطفلين.
ش. م. قالت في 16.7.23:
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 الساعة 1:00، بينما كنتُ أنا وزوجي نستعدّ للنوم سمعتُ ضجيجًا قويًّا جدًّا. اهتزّ المنزل كلّه. كان ذلك مرعبًا ولم نعرف ما الذي يحدث. ارتجفتُ من الخوف. نادى علينا شقيق زوجي لكي ننزل إلى الشقّة التي يسكن فيها مع حماي وحماتي، لأنّ شقّتهم في الطابق الأرضيّ وتمنح شعورًا أكبر بالأمان. أيقظتُ أبنائي، وهم في سنّ المدرسة الابتدائيّة، فأخذ أحدهم يرتجف من الخوف. حملناهم أنا وزوجي وأخذت معي هاتفي ودواء أتناوله لمنع الإجهاض لأنّني حامل في الأسبوع التاسع. قال لي الطبيب منذ وقت قصير إنّ حملي في خطر وإنّني بحاجة إلى الراحة.
نزلنا إلى منزل حماي وحماتي اللذين كانا هناك مع شقيق زوجي وسلفتي. كانت لديّ آلام في البطن والظهر وأعتقد أنّ سبب ذلك هو شدّة الخوف. لكنّني تجاهلت ذلك لأنّني أردت فقط أن يكون الجميع بخير. ثمّ بدأت تتدفّق المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، وكان من الواضح أنّ الجيش قد داهم المخيّم. سمعنا صفّارات إنذار ودعوات للسكّان وكذلك أصوات انفجارات وإطلاق نار. لم يستطع أحد أن ينام وكان الجميع خائفين.
دخلتُ إلى المرحاض. كان لديّ نزيف خفيف. رجوتُ أن يكون الأمر سهلًا وأن يكون ناجمًا عن التوتّر والخوف فقط. بعد وقت قصير بدأت أشعر بالإنهاك. حاولت البقاء مع الأطفال، الذين كانوا يتراكضون مع الأطفال الآخرين والعائلة، كانوا يركضون باستمرار للنظر عبر النوافذ وتسبّبوا بجلبة هنا وهناك. كنتُ مشغولة بمراقبتهم وليس تمامًا بحالتي التي أمرّ بها. ونحو الساعة 21:30 سمع زوجي أصواتًا في الشارع ونظر بحذر عبر النافذة فرأى جارنا في الخارج وقال إنّه كان يحاول الخروج من المخيّم لأنّ الوضع أصبح خطيرًا جدًّا. اعتقد زوجي أنّه من المحبّذ أن نخرج كلّنا معًا. فخرجنا جميعًا. أخذتُ هاتفي فقط. كان الكثير من الناس قد أصبحوا في الشارع. طلب زوجي منّي أن أمضي قُدمًا مع الأطفال حتّى يتمكّن هو من مساعدة والديه. فقد خضع والده لعمليّة القلب المفتوح منذ 5 أشهر. أمسكتُ الأطفال وذهبت مع بقيّة السكّان إلى مستشفى خليل سليمان الحكوميّ. عادةً ما تستغرق هذه المسافة 10-15 دقيقة سيرًا على الأقدام، لكنّ الشوارع كانت مدمّرة واستغرق الأمر وقتًا أطول بكثير. في الطريق رأينا الكثير من سيّارات الجيب العسكريّة. سرنا خلف سيّارة إسعاف كانت تُخلي بعض السكّان المسنّين. صرخ الجنود علينا لكنّنا طلبنا من بعضنا البعض عدم الالتفات إليهم ومواصلة السير دون توقّف. انفجر أحد أبنائي بالبكاء وأراد والده. أنا بكيتُ أيضًا بلا توقّف بسبب الوضع. كنتُ أخشى أن يطلقوا النار علينا في أيّة لحظة.
بقينا في المستشفى نحو نصف ساعة. جاء زوجي مع والديه. كان هناك أناس كثيرون من المخيّم. كان الجميع خائفين بشكل لا يوصف. أراد جميعهم فقط الوصول إلى مكان آمن بعيدًا عن المخيّم، إلى أقارب أو أصدقاء. اتّصلتُ بأختي التي تسكن في مدينة جنين وقرّرنا الذهاب إليها. خرجنا من المستشفى وكان هناك الكثير من سيّارات الجيب العسكريّة في الطريق. قال لنا الجنود بصوت عالٍ أن نرفع أيدينا ونتقدّم. أحد أبنائي بكى بسبب الغاز المسيّل للدموع الذي كان في الهواء. عندما وصلنا إلى المقاطعة (مجمّع الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة) كان زوج أختي ينتظرنا هناك. أمسكت بأيدي الأطفال وركضتُ إليه، شعرتُ بأنّه طوق النجاة من الموت. عاد زوجي إلى والديه اللذين كانا مع عمّتيه لمساعدتهم. وصلتُ أنا والأولاد إلى منزل أختي في حيّ البساتين في جنين. كنتُ منهكة تمامًا وكانت لديّ آلام في البطن. استلقيتُ على الكنبة ولم أستطع فعل أيّ شيء.
أخبرتُ أختي بالنزيف وطلبتُ منها ضمّادات. حاولتْ تهدئتي وقالت إنّه في بعض الأحيان يكون لدى النساء نزيف ويستمرّ الحمل دون مشاكل. بقينا لدى أختي حتّى انسحاب القوّات من المخيّم. كان زوجي ووالداه لدى أقارب آخرين. لم توافق أختي في البداية على أن نحاول العودة إلى المنزل بسبب حالتي والوضع الصعب في المخيّم: الطرق المجرّفة، الحرائق، الغاز المسيّل للدموع ورائحة البارود في الهواء وكذلك الإطارات المطّاطيّة المشتعلة. أصررتُ على الذهاب إلى هناك لأنّني أردت التأكّد من أنّ منزلي بخير. ذهبتُ إلى هناك والحمد لله كانت الأضرار طفيفة مقارنة بالمنازل الأخرى التي فجّروها. كان الوضع في المخيّم كارثيًّا ولم يكن لدينا تيار كهربائي بسبب عمليّات القصف. ولم يكن هناك ماء أيضًا لأنّهم ألحقوا أضراراً بسخّانات المياه. سافرتُ أنا وأولادي إلى منزل والديّ في قرية عجّة.
في يوم الخميس بدأتُ أشعر بآلام أشدّ في ظهري وبطني وقد أخذت تتفاقم. فهمتُ أنّني بحاجة للذهاب إلى المستشفى. اتّصلتُ بزوجي وأخبرته. قبل ذلك لم أقل له أيّ شيء، لأنّ الوضع كان صعبًا بما فيه الكفاية ولم أرغب في إثارة قلقه. سافرتُ إلى المستشفى الحكوميّ وأجروا لي فحوصات وصورًا. طلب الطبيب منّي أن أرتاح وأبقى قيد المراقبة. وقال إنّ الحمل قد يكون ضعيفًا وقد أجهض الجنين. عدتُ إلى منزل والديّ.
استمرّ الوضع على هذه الحال إلى يوم السبت، حتّى بعد عودتي إلى منزلنا. أراد زوجي البقاء في منزلنا في المخيّم بجانب والديه. في المساء اشتدّت الآلام وكذلك النزيف. أدركتُ أنّني أجهضتُ. كنتُ في حالة نفسيّة صعبة للغاية. لقد انتظرتُ هذا الحمل أكثر من عامين. أمر لا يمكن وصفه، أن أفقد طفلي الذي تكوّن في رحمي والذي بدأت أتخيّل ملامح وجهه أو وجهها. شعرتُ بأنّها كانت بنتًا وفكّرتُ أن أسمّيها "أرجوان"، وهو اسم أحبّه. تخيّلتُ كيف سأشتري لها ملابس وأمشّط شعرها وأغنّي لها. لقد رحلتْ ولن تعود أبدًا. في كلّ مرّة أتذكّرها أبكي. أريدها بلهفة. حتّى الآن لم أخبر أبنائي بأنّه لن يكون لدينا طفل آخر وبأنّنا فقدناه. لا أعرف كيف سأخبرهم. ذهبتُ إلى الطبيب وأجريتُ عمليّة كشط لتنظيف الرحم. ما زلتُ في حالة نفسيّة سيّئة. أفراد عائلتي وزوجي يحاولون التخفيف عنّي وأنا أحاول العودة إلى حياتي الطبيعيّة.
هـ. أ. قالت في 16.7.23:
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 نحو الساعة 1:30 قبل الفجر اقتحم الجنود المخيّم. نقلتُ أولادي، الذين تتراوح أعمارهم بين سنة ونصف السنة و18 عامًا، إلى غرفة نومي لأنّني شعرت بأنّها أكثر بُعدًا عن مصدر إطلاق النار. جاء إلينا ابنا شقيق زوجي، هيثم (25 عامًا) وأيمن (20 عامًا)، لأنّ والديهما لم يكونا في المنزل ولم يرغبا في البقاء وحدهما، كما انضمّتْ إلينا أيضًا أخت زوجي، خلود (41 عامًا). ظننا أنّ كلّ شيء سينتهي بسرعة وأنّ الجنود سيغادرون خلال ساعات قليلة. في اليوم نفسه كان من المفترض أن تتزوّج ابنتي بتول (18 عامًا) في قاعة في المخيّم، بين الساعات 20:00-16:00. تمنّيتُ أن ينتهي كلّ شيء حتّى ذلك الوقت وأن يتمّ حفل الزفاف كما هو مخطّط له.
نحو الساعة 7:00 صباحًا سمعنا طرقات على الحائط الفاصل بين منزلنا ومنزل الجيران. دخل الجنود إلى ساحة المنزل وفجّروا باب المنزل ثمّ اقتحموا، مع كلب ضخم، غرفة النوم التي كنّا فيها جميعًا. كانت خلود واقفة عند مدخل الغرفة بعد أن حاولت فتح باب المنزل قبل أن يقوموا بتفجيره. هاجمها الكلب. أمسك بيدها اليسرى وسحبها إلى داخل الغرفة. جلسنا جميعًا على الأرض، وسقطت خلود بجانبنا. دخل 7-8 جنود. كان الكلب لا يزال يقبض بأسنانه على يد خلود التي لم تتوقّف عن الصراخ. صرخ الأولاد وبكى زوجي بسبب أخته، فيما حاول الجنود إبعاد كلبهم عن خلود، لكنّهم لم ينجحوا. لم ينصعِ الكلب لهم، ومرّ بعض الدقائق حتّى وصل جنديّ آخر وحرّر خلود من الكلب.
أخذ الجنود هواتفنا جميعًا وأخرجوا زوجي وابني مجد (14 عامًا) وابنَي شقيق زوجي من الغرفة. أخذتُ أنا خلود إلى الحمّام المجاور لغرفة النوم وغسلت يدها المصابة. ثمّ قام أحد الجنود بتضميد يدها. اقتادني الجنود أنا وأولادي وخلود إلى الساحة وأجلسونا على كراسٍ هناك. كان زوجي ومجد وابنا شقيق زوجي لا يزالون في الداخل مع الجنود. بعد بضع دقائق خرجوا إلينا. قال لنا أحد الجنود بالعربيّة: لا تخافوا وأغلقوا آذانكم. خرج جميع الجنود من المنزل، ربّما كان عددهم 25. بعد ذلك سمعتُ ضجيجًا قويًّا جدًّا. تصاعد دخان من المنزل. خشيتُ أن نُقتَل. لم أفكّر في أيّ شيء، فكّرتُ فقط كيف سنخرج من هذا الوضع بسلام.
أعادوا إدخالنا إلى المنزل وكان مليئًا بالدخان. أخذنا نسعل جميعًا. بعد نحو عشر دقائق طلبتُ من الجنود الخروج، لأنّ طفلتي الصغيرة لُجين، البالغة من العمر سنة ونصف السنة، شعرت بالإعياء بسبب الدخان. وافقوا وخرجت مع لُجين إلى الساحة التي كان فيها عدّة جنود. جلستُ في الساحة لمدّة ساعة ونصف الساعة تقريبًا. بعد ذلك أعادوني إلى غرفة الضيوف. تجوّل الجنود داخل المنزل ثمّ جلسوا وأكلوا وطلبوا ماء. قلت لهم إنّه لا يوجد عندنا ماء بارد.
عد أكثر من ثلاث ساعات قام الجنود بتقييد يدَي زوجي وابنَي شقيق زوجي بالأصفاد وعصبوا أعينهم وأخذوهم. قلت لهم إنّهم لم يفعلوا شيئًا، فقال لي أحد الجنود بالعربيّة اسكتي وإلّا فسيأخذون مجد أيضًا. فسكتُّ ولكنّي شعرتُ بأنّ قلبي يشتعل بسبب زوجي وابنَي شقيق زوجي. قادنا الجنود إلى غرفة الأولاد. أغلقتُ باب الغرفة لأنّني سمعتُ صوت الكلب وخشيتُ أن يهجم علينا. بكت خلود وتأوّهت من الآلام. وتشبّث الأولاد بي.
في ساعات ما بعد الظهر المتأخّرة غادر الجنود. لكن قبل ذلك قال لنا أحد الجنود إنّه آسف على ما حدث وإنّ ذلك بسبب "المخرّبين". لم أجبْ وقلتُ فقط إنّني أريد استعادة هواتفنا. فقال لي إنّها موجودة في المطبخ. بعد مغادرتهم قمت بجولة في المنزل ورأيت أنّه في حالة مزرية. كان كلّ شيء مدمّرًا، كومة من الأنقاض. حتّى أنّهم فجّروا الحمّام. لم أعثر على المجوهرات الذهبيّة التي تلقّتها بتول من خطيبها بمناسبة الزفاف وكانت موضوعة في الخزانة. لقد اختفت.
ارتعب الأولاد من منظر الدمار ولم يريدوا البقاء في المنزل. خرجنا وذهبنا إلى منزل أختي، في حيّنا. بقينا هناك حتّى اتّصل بنا زوج أختي، الذي كان خارج المخيّم، وطلب منّا إخلاء المنزل. وقال إنّ الجيش أمر الجميع بمغادرة الحيّ وكما يبدو فإنّهم يعتزمون تفجير المنازل. خرجنا جميعًا، نساء وأطفالًا، وخرجتْ أيضا حماة أختي، يسرا (75 عامًا)، التي تعاني من كُسر في الحوض. وصلت سيّارة إسعاف وقامت بإخلائها هي وخلود، ووصلت سيّارة إسعاف أخرى وقامت بإخلائنا من الحيّ. في الطريق كانت سيّارات الجيب العسكريّة في كلّ مكان وكان هناك الناس والأطفال الذين خرجوا من منازلهم لإنقاذ أنفسهم وكأنّنا في نكبة جديدة. تحدّثت مع أقاربنا الذين يسكنون خارج المخيّم وذهبنا إلى منزلهم. أُطلِق سراح ابنَي شقيق زوجي، هيثم وأيمن، في اليوم نفسه.
بعد ذلك انتقلنا إلى منزل عائلتي في قباطية وبقينا هناك حتّى انسحاب الجنود من المخيّم. كنتُ عصبيّة جدًّا وكانت أعصابي متوتّرة. بكيتُ وصرختُ. دُمِّر كلّ شيء. زوجي كان معتقلًا في سجن مجدو ومنزلنا لم يعد صالحًا للسكن وتمّ إلغاء حفل زفاف بتول. لقد كانت تبكي طوال الوقت. لم تستطع أن تصدّق أنّ الناس في جميع أنحاء العالم يحتفلون بحفلات الزفاف وأنّها الوحيدة التي حدث لها شيء كهذا في يوم زفافها.
في يوم الخميس الموافق 6.7.23 تم إطلاق سراح زوجي. كان معتقلًا في مجدو. رغم كلّ شيء، قرّرنا إجراء حفل زفاف بتول وخطيبها، حسين (20 عامًا)، وهو أيضًا من سكّان المخيّم. لم نقم بدعوة الأقارب أو الأصدقاء لحضور حفل الزفاف ولم تكن فيه تعابير فرح أو أغانٍ. كنّا وحدنا، نحن وعائلة حسين فقط. كان الجوّ حزينًا. أنا وزوجي تزوّجنا أيضًا بعد اقتحام جنين، وفي ذلك الحين أيضًا كانت الشوارع مُدمَّرة ولم يتمكّن الناس من الوصول إلى منزلي. ذهبتُ حينها سيرًا على الأقدام ملتقطةً ثوبي الأبيض الذي اتّسخ من الأنقاض والغبار.
بعد يومين من الزفاف اتّصلتْ بتول وقالت إنّها تريد القدوم لزيارتنا. قلتُ لها إنّني في منزل عمّها في المخيّم. كنتُ أتنقّل باستمرار بين منزل شقيق زوجي ومنزلنا، الذي كنتُ أجلس فيه بين الغبار وأتذكّر كيف دخل الكلب إلى الغرفة وهجم على خلود التي لم تتعافَ بعد.
رائدة حمدان (35 عامًا)، أمّ لستّة، قالت في 16.7.23:
أنا أسكن في الطابق الثاني من بناية مكوّنة من ثلاثة طوابق في حيّ الحواشين في مخيّم جنين مع زوجي إياد (38 عامًا) وبناتنا رغد (18 عامًا) والتوأمان ملك ورهف (15 عامًا) ورؤى (14 عامًا) وجنى (12 عامًا) وشام (8 أعوام). في الطابق الذي تحتنا يسكن حماي وحماتي مع ابنتهما مرام (27 عامًا) وفوقنا يسكن شقيق زوجي، محمود، وأسرته.
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 نحو الساعة 11:00 صباحًا عندما كانت حماتي وأخت زوجي عندنا في الشقّة دخلت مجموعة من الجنود فجأةً إلى بنايتنا وأفلتت الكلب في داخلها. دخل الكلب إلى شقّتنا وهاجمني، لكنّني تمكّنتُ من تخليص نفسي. كانت بناتي واقفات في غرفة الضيوف مرتعبات وإذا بالكلب يهجم على ملك. ركضتْ نحو المرحاض لكنّه أمسك برجلها اليمنى وعضّها. كاد يُغمى عليها من شدّة الخوف. أخذنا، أنا والبنات، نصرخُ ونبكي. صاح زوجي وترجّى الجنود الذين كانوا واقفين على درجات البناية أن ينقذوها، فدخل بعض الجنود وأبعدوا الكلب عن ملك. كانت رِجلها مكسوّة بالدم وقام أحد الجنود بتضميدها لها.
بدأ الجنود باستيضاح أسماء سكّان البناية وأجاب زوجي عن جميع أسئلتهم. صعد بعض منهم إلى الطابق الثالث وأحضروا من هناك إلى شقّتنا، خلال لحظات قليلة، محمود، شقيق زوجي، مع زوجته وأولادهما الأربعة الصغار. كما أحضروا حماي المسنّ. جمعونا جميعًا في الصالون ثمّ تفرّقوا في أنحاء الشقّة. سمعتُ خبطًا وتهدّم حائط، لكنّني لم أعرف ما الذي يحدث بالضبط. سمعتُ أيضًا إطلاق نار من جهة السطح. لم أعرف ما الذي كان يحدث لأنّ الجنود منعونا من التجوّل في المنزل. سمحوا لكلّ واحد منّا بالذهاب إلى المرحاض مرّة واحدة فقط. ملك كانت تبكي طوال الوقت بسبب الآلام في رِجلها. بقوا في منزلنا حتّى الساعة الخامسة بعد الظهر.
عندما غادروا أعلنوا أنّهم سيأخذون معهم إياد ومحمود، وحذّرونا من الخروج من البيت وقالوا إنّهم سيعودون لاحقًا. بعد ذلك اتّصل بنا شقيق زوجي، ياسر، الذي يسكن في مدينة جنين، وقال لنا إنّ الجيش الإسرائيليّ يسمح للسكّان بالمغادرة. قرّرنا جميعًا أن نخرج ونمشي إلى مستشفى جنين الحكوميّ. عندما وصلنا إلى هناك أخذتُ ملك إلى الطبيب وأعطاها حقنة. بعد ذلك وصلنا إلى منزل ياسر، وبقينا هناك حتّى انتهاء العمليّات العسكريّة.
في اليوم التالي لانسحاب الجيش، يوم الأربعاء، عدتُ إلى المنزل وحدي للاطمئنان عليه. فاكتشفتُ أنّ الجنود عاثوا فسادًا في جميع ممتلكاتنا وخرّبوها وألقوا كلّ شيء على الأرض. فسدت محتويات الثلّاجة بسبب انقطاع التيّار الكهربائيّ. وجدنا ثغرة في حائط مطلع الدرج وكما يبدو فإنّ الجنود أطلقوا النار من خلالها على شبّان فلسطينيّين. تمّ إطلاق سراح زوجي وشقيقه ظهر يوم الخميس، بعد أربعة أيّام من الاعتقال.
أ. ق. قالتْ في 16.7.23:
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 في ساعات الظهر كنتُ في المنزل مع أطفالي الصغار ولم يكن زوجي في المنزل. نحو الساعة 13:30 بدأتُ أسمع دويّ انفجارات.
فجأةً، اهتزّ المنزل. نظرتُ من خلال النافذة ورأيتُ نارًا تشتعل في المطعم الواقع على الجانب الآخر من المبنى، تحت شقّة سلفي. سمعتُ سيّارة إطفاء ثمّ أصوات رجال الإطفاء الذين سألونا عمّا إذا كنّا بخير. بعد ذلك اعتقدتُ أنّ كلّ شيء قد انتهى، لكن نحو الساعة 15:30 اقتحم الجنود المنزل فجأةً. لم تكن الأبواب مقفلة لأنّني كنتُ أخشى أن يأتي الجنود ويفجّروها. دخل أكثر من 20 جنديًّا إلى المنزل، وسألني أحدهم، بالعربيّة، مَن يوجد في المنزل. فأجبته أنا والأطفال فقط. سألني عن زوجي، فأجبته أنّه ليس في المنزل. سأل الجنديّ عن اسمي واسم زوجي.
أخذ الهاتف منّي وأمرني بفتحه. قلتُ له إنّ فيه أشيائي الشخصيّة، لكنّه هدّدني بأنّني إذا لم أفتح له الهاتف فسوف يأخذني بالقوّة إلى سيّارة الجيب وأن عليّ أن أفتحه. فتحتُ الواتساب ورأى مراسلاتي مع زوجي. سألني ما إذا كان هناك سلاح في المنزل، فأجبته أنّه لا يوجد. واصل الجنديّ استجوابي بخصوص زوجي وتهديدي بأنّه سيحضر ضابطًا كبيرًا ليتحدّث معي. قلتُ له إنّ في إمكانه إحضار من يريد. في تلك الأثناء تفرّق الجنود في المنزل. سمعتُ أصوات تكسير من كلّ مكان. أفسدوا كلّ شيء وقلّبوا كلّ محتويات المنزل. استلقى الجنود على أرائكنا. كانت هناك جنديّة استلقت على سريرنا، سريري أنا وزوجي، بحذائها، كما لو أنّها في بيتها.
أصبحنا رهائن داخل منزلنا، وكأنّنا مختطفون. لا أستطيع أن أصف ما شعرتُ به. كان المنزل مقلوبًا رأسًا على عقب تمامًا. لم يبقَ شيء كما كان سابقًا. دمّروا كلّ شيء، حتّى خزائن المطبخ. أردت فقط أن يخرجوا ويتركونا وشأننا بسلام. خفتُ على حياتي وحياة أطفالي الصغار وعلى حياة زوجي الذي لم يكن معنا. كنتُ آمل ألّا يطلق النشطاء المسلّحون النار باتّجاه منزلنا. شعرتُ بأنّنا في خطر كبير من كلّ الاتّجاهات.
جلسنا على الكراسي بجانب مائدة الطعام في غرفة الضيوف. نادى عليّ أحد الجنود للذهاب معه إلى غرفة النوم وأشار لي بالجلوس على السرير. جلس على الكرسيّ أمامي وسألني مرّة أخرى عن زوجي. قرّب وجهه منّي ليخيفني. حاول أن يصوّرني بهاتفه وأصرّ حتّى عندما أبعدت وجهي عنه. تجادلتُ معه ورفضت السماح له بتصويري. هدّدني باعتقالي وبأخذي إلى سيّارة الجيب. كما أخذ هاتفي وقال إنّه سيعيده لاحقًا. في تلك اللحظة دخل شخص آخر، ظننتُه ضابطًا، وسمعتهم ينادونه أبو آدم. كان يتحدث العربيّة بشكل متقن. قلتُ له إنّ الجنديّ يريد أن يصوّرني وإنّني غير مستعدّة لأنّني أرتدي النقاب وغير مستعدّة أن أخلعه. قال الضابط شيئًا للجنديّ، فتركني وشأني لكنّه لم يُعدْ لي الهاتف.
عدتُ للجلوس في غرفة الضيوف. كان الجنود يتجوّلون في المنزل. نحو الساعة 17:00 أحضر الجنود فجأةً عائلة عمّ زوجي، التي تسكن بجوارنا، إلى الشقّة. قبل الاقتحام تمامًا، في الليلة ذاتها، توفّي عمّ زوجي في المستشفى وكان من المفترض أن تكون الجنازة في الصباح. ولهذا السبب كان لديهم أفراد آخرون من العائلة في منزلهم. كانوا سبعة في المجموع. أدخلهم الجنود جميعًا عبر ثغرة فتحوها في حائط غرفة الأولاد وأحضروهم إلينا في غرفة الضيوف. عندما رأيتُهم هدأت قليلًا لأنّني كنت خائفة جدًّا عندما كنتُ أنا والأطفال وحدنا مع الجنود المسلّحين. كان الجوّ حارًّا جدًّا ولم يسمح لنا الجنود بفتح النوافذ والستائر. كان ذلك صعبًا للغاية. كان في منزلنا نحو 50 جنديًا وبدا مثل ثكنة عسكريّة. مرّت ساعة وساعة أخرى ولم يغادروا. تفاقم الوضع أكثر عندما أحضر الجنود أربعة شبّان من الشارع.
اقتادوا أحد الشبّان إلى غرفة نومي المجاورة لغرفة الضيوف. حسب ما فهمت ممّا سمعته فقد حقّقوا معه بتهمة الانتماء إلى سرايا القدس. سمعتهم يضربونه. حقّقوا معه لمدّة عشر دقائق تقريبًا. شعرتُ بالحزن عليه وعلى أطفالي الذين جلسوا بهدوء وسمعوا ذلك. طلب الشابّ منهم أن لا يضربوه وقال إنّه لا ينتمي إلى سرايا القدس أو إلى أيّ فصيل آخر. أخرجه الجنود إلى غرفة الضيوف وأجلسوه على الأرض ويداه مقيّدتان بالأصفاد وعيناه معصوبتان.
بعد ذلك أحضر الجنود الشابّ الآخر. قام الجنديّ الذي حقّق مع الشابّ الأوّل بسحبه من ملابسه ودفعه على التلفزيون الموجود على حائط غرفة الضيوف فكسره. ضربه على رقبته وذراعيه وصفعه. قلتُ له إنّه ممنوع أن يضربه أمام أعين الأطفال وإنّهم خائفون. فقال للشابّ إنّه هو السبب في احتجاز الأولاد. كأنّ الشابّ هو الذي يحتجزنا! قيّد يديه بالأصفاد وتركه على الأرض تحت التلفزيون. طلبت منه أن يضع التلفزيون بعيدًا لكي لا يسقط على رأس الشابّ. فقال الجنديّ إنّه ليس لديه مشكلة إذا سقطت الشاشة عليه ومات. لم يتحدّثوا مع الشابّين الآخرَين. أحدهما فقدَ وعيه وسقط على الأرض. وسمعت صديقه يقول للجنود إنّه يعاني من تشنّجات عصبيّة وإنّه يتناول أدوية. فأعطاه دواء.
بقينا هكذا طوال الليل. لم يتوقّف إطلاق النار وكانت هناك تفجيرات طوال الوقت. لم نعرف شيئًا عمّا كان يحدث في الخارج. في اليوم التالي، نحو الساعة 11:30، غادر الجنود المنزل تدريجيًّا. فور مغادرتهم مباشرة أخذت الأطفال وبعض الأشياء الخاصّة بهم وغادرنا المنزل. كانت في الشارع سيّارة إسعاف جاءت لإخلاء امرأة مسنّة في المنطقة، فصعدنا أنا والأطفال إليها. فوجئتُ عندما اكتشفتُ أنّ الكثيرين من السكّان كانوا قد غادروا منازلهم وسافروا إلى خارج المخيّم، بمَن في ذلك حماتي وسلفتي. نقلتنا سيّارة الإسعاف إلى مستشفى جنين واتّصلت بزوجي فحضر وأخذنا من هناك إلى منزل شقيقه في مدينة جنين، حيث كان بقيّة أفراد العائلة. بقينا هناك حتّى انسحاب الجنود من المخيّم.
عدنا إلى المنزل يوم الأربعاء. اضطررنا إلى رمي أشياء كثيرة من المنزل دمّرها الجنود. لقد حطّموا أيضًا بعض النوافذ وأحدثوا ثغرة صغيرة في الحائط، ربّما لإطلاق النار على الشبّان. الأطفال ما زالوا خائفين، وكلّما سمعوا أصواتًا وضجيجًا في الخارج يسألونني ما إذا كان الجنود قادمين لاعتقالنا! عندما أفكّر في الأشخاص الذين بقوا في المخيّم طيلة فترة الاقتحام أشعر بالحزن عليهم. كان الأمر مخيفًا جدًّا، لا يمكن وصفه. رغم كلّ ما مررنا به، إلّا أنّ وضعي أفضل من وضع غيري. فأنا تمكّنتُ من الراحة والتنفّس خارج المخيّم حتّى انتهاء الاقتحام.
محمود الغول (60 عامًا)، قال في 16.7.23:
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 قبل الفجر بدأت العمليّة العسكريّة لقوّات الاحتلال الإسرائيليّ في المخيّم، وقرّر ابني محمّد (32 عامًا) وزوجته تنسيم (27 عامًا) السفر مع طفليهما إلى منزل والدَي تنسيم في وادي برقين. وبقيتُ أنا وزوجتي عزيّة (60 عامًا) وأبناؤنا عبادة (27 عامًا) وإيهاب (29 عامًا) وجهاد (35 عامًا) وأسرة جهاد في بيوتنا. عندما بدأ الاقتحام وبدأنا نسمع دويّ الانفجارات صعد جهاد وأسرته إلى شقّتنا التي في الطابق الثاني، حتّى نكون كلّنا معًا.
قرابة الساعة الثامنة صباحًا اقتحم نحو 15 جنديًّا منزلنا. وفور دخولهم قاموا بتقييد يدي جهاد وعبادة وإيهاب بالأصفاد واقتادوا النساء والأطفال إلى غرفة أخرى. بدأ الجنود بالتحقيق معنا، كلّ واحد على حدة، وأخذوا يسألون أسئلة عن كتيبة جنين وعن المكان الذي يخزّن فيه النشطاء المسلّحون المتفجّرات. قلنا إنّنا لسنا أعضاء في كتيبة جنين ولا نعرف ماذا يفعلون.
قام الجنود بتفتيش المنزل وعاثوا فسادًا بمحتوياته كلّها. قلتُ للضابط إنّ في شقّتي وشقّة جهاد أموالًا تلقّيناها مقابل أرض بعناها لتمويل حفل زفاف أحد أبنائي، والذي كان من المقرّر أن يتمّ قريبًا. أردتُ أن أعرف إذا كان ينبغي عليّ الذهاب لأخذ المال أو تركه في مكانه. طمأنَني الضابط وقال إنّ المال يمكن تركه في مكانه ولن يحدث له شيء.
بقي الجنود في منزلنا لمدّة ساعتين ثمّ اعتقلوا أبنائي وغادروا معهم. بقيتُ في المنزل مع بقيّة أفراد العائلة. سمعنا دويّ انفجارات في أنحاء المخيّم وضجيج جرّافات في الشوارع. لم نعرف بالضبط ما كان يحدث خارج المنزل. في يوم الثلاثاء، قرابة الساعة 22:00 ليلًا، سمعنا من السكّان والجيران أنّ قوّات الجيش طلبت من سكّان المخيّم الخروج من المنازل وإخلاءها، لأنّ الجيش سيقوم بتفجير قسم منها. قرّرت مغادرة المنزل بسرعة مع أفراد عائلتي. مشينا جميعًا إلى منزل ابنتي التي تسكن في برقين المجاورة. عندما خرجنا من المنزل صُدمنا. فقد قامت الجرّافات العسكريّة بتجريف شوارع المخيّم مخلّفة حفرًا وأكوامًا من التراب. كما قطع الجيش الكهرباء وعمّ الظلام في الأرجاء.
حينما سمعتُ أنّ الجيش انسحب عدتُ وحدي إلى منزلنا. عندما وصلتُ إلى هناك صُدمت مرّة أخرى. فالجرّافة العسكريّة قامت بجرف واقتلاع بوّابة مدخل بيتنا الحديديّة التي يبلغ عرضها 4 أمتار. كانت في ساحة المنزل وعند مدخله آثار انفجار. محتويات المنزل كلّها كانت مُدمّرة. عاثوا فسادًا في كلّ ناحيةٍ. ذهبتُ على الفور للبحث عن الأموال التي كانت في دُرْج سرّي في خزانة غرفة النوم واكتشفت أنّها مسروقة بالكامل، 150,000 شيكل. ذهبتُ إلى شقّة جهاد لأتحقّق من بقاء الأموال التي كانت موجودة هناك ولكنّي لم أجد شيئًا. كان لديه مبلغ 100,000 شيكل من بيع قطعة الأرض، التي حصلنا مقابلها على 250,000 شيكل.
تبيّن أنّ الجنود قاموا بتفجير مدخل المنزل بالمتفجّرات. وجدتُ أسلاكًا يستخدمها الجيش الإسرائيليّ لتفجير المنازل. لم يكن في منزلنا نشطاء عسكريّون أو موادّ محظورة، ولا أعرف لماذا انتقموا منّي ومن أفراد عائلتي ودمّروا منازلنا بكلّ محتوياتها. فوجئتُ أيضًا عندما اكتشفتُ أنّهم اقتلعوا باب بُرج الحمام وفرّ نحو 60 حمامة أربّيها فيه.
لا تزال عائلتي ممزّقة وموزّعة لدى الأقارب. نحن بحاجة إلى ترميم المنزل وتصليح الأثاث الذي دمّره الجنود. تمّ إطلاق سراح أبنائي الذين تمّ اعتقالهم في اليوم التالي للانسحاب.
لينا السعدي (31 عامًا)، أمّ لثلاثة، قالتْ في 16.7.23:
في يوم الاثنين الموافق 3.7.23 نحو الساعة 21:30 مساءً اتّصل بي والدي وقال لي إنّنا سنخرج من المنزل لأنّهم أعلنوا في المساجد أنّ على السكّان إخلاء منازل الحيّ. خرجنا من المنزل أنا وزوجي علاء الدين السعدي (35 عامًا) وأولادنا ناصر (10 سنوات) ومحمّد (7 سنوات) ومنى (4 سنوات). أبلغنا جيراننا فخرجوا هم أيضًا. لم نكن نعرف إلى أين سنذهب. رأينا سيّارة إسعاف في الشارع ونقلت قسمًا منّا إلى منطقة مستشفى ابن سينا. من هناك واصلنا طريقنا إلى منزل أختي بسيّارة أحد السكّان الذي أشفق علينا. كنّا في حالة يُرثى لها، وعانى جميع أطفالي من ارتفاع درجة الحرارة، والشيء الوحيد الذي أخذته معي هو دواؤهم.
وصلنا إلى منزل أختي والأطفال معنا يبكون. وضعتهم هناك في السرير وظننتُ أنّني سأفقدهم، لأنّ أجسامهم كلّها كانت ترتجف. أحضرت لهم أختي الحلويات والطعام، لكنّهم لم يكونوا جائعين. أراد أبناء أختي أن ينام أطفالي في غرفهم، لكنّهم أصرّوا على النوم بجانبي فقط. نمنا جميعًا في نفس الغرفة. في اليوم التالي جاء والدي وأخذني أنا والأطفال إلى منزلهم، وساعدتني أمّي في رعاية الأطفال. انتعشنا جميعًا ببطء لأنّنا شعرنا بالأمان وبدأ الأطفال في التعافي.
بعد انسحاب الجنود من المخيّم عدنا إلى المنزل وأصبنا بصدمة. كان المنزل مدمَّرًا بشكل كامل، وقاموا بإجراء تفجير في داخله. دمّروا كلّ شيء: الأثاث، الحيطان والملابس، لم يعد هناك شيء صالح للاستخدام. لم يكن فيه كهرباء ولا ماء أيضًا، لأنّ الرصاص اخترق خزّانات المياه الموجودة على السطح. نظرت إلى المنزل ولم أتحمّل أن أكون هناك. انتشرت في كلّ مكان رائحة حريق لا تطاق، وكانت الملابس مبعثرة في جميع أنحاء المنزل، محروقة وممزّقة. تمّ تدمير كلّ شيء. حتّى أنّهم حطّموا جميع نوافذ سيّارتنا.
قلتُ لزوجي إنّني لا أريد البقاء هناك وأريد العودة إلى منزل والدَي. لم أعرف ماذا أقول للأطفال، فقد سألوني عن ملابس العيد وعن ألعابهم.نحن الآن لدى والدَي وأذهب كلّ يوم إلى المنزل لتنظيفه. يبقى الأطفال لدى جدّهم وجدّتهم، فهم لا يريدون العودة إلى المنزل المدمَّر، حتّى أنّهم لا يريدون أن أذهب أنا إلى هناك، لأنّهم يخافون أن يفقدوني ويفقدوا أباهم أيضًا. لم نعثر أنا وزوجي على شهادات ميلاد الأطفال ولا على صورنا أو شهاداتنا الجامعيّة. كلّ شيء وجدته كان تالفًا أو محروقًا أو متّسخًا بالزيت، لأنّهم قاموا بسكب كلّ الغذاء الموجود في المطبخ على الأرض. لا نعرف ماذا سنفعل، فقدنا كلّ شيء. إلى متى سيستمرّ هذا الوضع؟ الآن علينا ترميم كلّ شيء من البداية. سنحتاج أيضًا إلى أثاث جديد، لأنّه لم يبق شيء يمكن استخدامه، كما أنّه لا يمكننا البقاء لدى والدَي طوال الوقت.
ألبوم صور: الخراب الذي زرعته القوات الإسرائيلية في مخيم جنين للاجئين، 3-4 تموز 2023. تصوير: عبد الكريم السعدي، بتسيلم