غزة

انتشار الجرذان، الفئران والحشرات الضارة الأخرى في قطاع غزة يشكل خطرًا على حياة ملايين الأشخاص

الصورة

الدمار الشامل الذي ألحقته إسرائيل بصورة متعمَّدة بالحيّز العمراني في قطاع غزة، بما في ذلك البنى التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي، يُرغم ملايين البشر على العيش في ظروف غير إنسانية ويعرّضهم لأزمة صحية وبيئية متواصلة سترافق سكان القطاع لسنوات طويلة قادمة، حتى لو اتُّخذت خطوات فورية لإعادة إعمار المنطقة. خلال الأشهر الأخيرة، تم توثيق انتشار هائل للجرذان والحشرات الضارة في مخيمات المهجرين: فقد تبين أن أكثر من 80% من مجمّعات المهجّرين التي فحصت منظمة "أنقِذوا الأطفال" (Save the Children) الأوضاع فيها خلال نيسان 2026 قد عانت من وجود دائم للجرذان والحشرات الضارة ـ بما في ذلك البراغيث والقراد ـ في داخل الخيام وفي محيطها. وبسبب حجم الدمار الذي لحق بالبنى التحتية في القطاع والنقص الحاد في مواد مكافحة الحشرات الضارة، من المتوقع أن تتفاقم هذه الظاهرة أكثر فأكثر، بينما لا يلوح في الأفق أي حل ملائم.

خلال الأشهر الأخيرة، أظهرت تقارير طواقم المتابعة الطبية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، إضافة إلى إفادات أدلى بها عدد من سكان القطاع، كيف تقتحم الجرذان الخيام وتعض الأطفال والبالغين أثناء نومهم وتلتهم مخزونات الطعام وتتلف الملابس والبطانيات والفرشات وما تبقى للمهجرين من ممتلكات ضئيلة بعد عامين ونصف العام من الإبادة الجماعية في القطاع. وقد وصف آباء وأمهات كيف يخشون النوم خوفًا من أن يتعرض أطفالهم لهجمات الجرذان خلال الليل.

كما يعرّض تفشي الجرذان والحشرات الضارة سكان مخيمات المهجرين أيضًا لخطر تفشي الأمراض المُعدية التي تنقلها القوارض، ومنها داء اللولبية النحيفة (Leptospirosis). إضافة إلى ذلك، تتفشى في المخيمات المكتظة، أيضًا، تلوثات وأمراض معدية جرّاء الظروف الصحية المتردية التي تشمل، أيضًا، تراكم النفايات وقنوات الصرف الصحي (المجاري) بين الخيام وآبار مياه المجاري من دون أية بنية تحتية مناسبة. التدمير المنهجي الذي نفذته إسرائيل في الجهاز الصحي والنقص الحاد جدًا في منتجات المحافظة على الصحة تحوّل الأمراض والإصابات التي كان بالإمكان الوقاية منها أو معالجتها بسهولة في الظروف العادية إلى حالات تشكل خطرًا على الحياة.

في الإفادات التي سجلها باحثو بتسيلم الميدانيون في قطاع غزة، محمد صباح وألفت الكرد وخالد العزايزة، تحدث ثلاثة من سكان القطاع عن الظروف الصحية المرعبة في مخيمات المهجرين وانتشار الجرذان والفئران والحشرات الضارة الأخرى التي تشكل خطرًا عليهم وعلى أطفالهم:

رنا قرموط (22 عامًا)، من سكان مخيم جباليا للاجئين:

[...] انتهت الحرب على الورق فقط، لكن معاناتنا لم تتوقف لحظة. حتى في مخيم حلاوة لم ننجُ من إطلاق النار اليومي من القناصة والرافعات العسكرية التي كانت موجهة نحونا.

لكن إلى جانب الجوع، فإن ما يقتلنا أيضًا هو القوارض والجرذان والحشرات التي انتشرت بشكل مرعب في مخيمات المهجرين. امتلأت الخيام بالجرذان والديدان والحشرات التي تعيش بين الركام والرمال وأكوام القمامة. في الليل كانت الجرذان تدخل إلى الخيمة وتأكل كل ما تجده. لقد قضت على ما تبقى لدينا من طعام ودقيق ولم نتمكن حتى من حمايته. حاولنا نصب الفخاخ لها، لكن أعدادها كانت تتزايد باستمرار وكانت تتحرك بين الخيام.

أعيش في خوف حقيقي على طفلتي الصغيرة. أخشى أن تقترب منها الجرذان وهي نائمة. لم أعد أستطيع النوم، أبقى مستيقظة معظم الليل لأحرسها من الجرذان والأمراض والأوبئة التي تنشرها. وهي تقرض حتى الخيمة نفسها، بينما يمنع الجيش إدخال الخيام والأغطية ومستلزمات الحياة الأساسية.

قبل نحو أسبوعين، غفوت لفترة قصيرة ثم استيقظت على صوت طفلتي تبكي بكاء هستيريًا. عندما حملتها اكتشفت أن الجرذان عضّت كفّ قدمها وهي نائمة. في تلك اللحظة شعرت أن روحي قد غادرت جسدي مني من شدة الخوف. بدأت أصرخ وأبكي وأركض بها أنا وزوجي بين نقاط الخدمات الطبية بحثًا عن دواء أو مادة تعقيم ضد الالتهاب والتسمم، لكن الجيش يمنع حتى إدخال الأدوية ومواد التعقيم إلى القطاع. بقيت أبكي وطفلتي بين ذراعي، أخشى أن ينتشر المرض في جسدها الصغير بينما أنا عاجزة ولا أستطيع إنقاذها.

منذ ذلك اليوم وأنا أعيش في رعب دائم. لا تمر ليلة من دون بكاء وخوف. أخشى أن تعود الجرذان وتأكل وجه طفلتي أو جسدها وهي نائمة. أخاف أن أنام وأفزع من كل حركة داخل الخيمة. يقف زوجي عاجزًا أمام هذا الواقع القاسي. لا يستطيع أن يوفر لنا بيتًا أو طعامًا أو حتى خيمة جديدة تحمينا.

حتى الآن لا توجد أي حلول، وما زلنا نعاني من انتشار الجرذان والقوارض والأمراض في مخيم المهجرين. أعالج إصابة طفلتي بما أستطيع، بوسائل بدائية، وأصارع الأمراض التي تحيط بنا من كل جانب وتهددها وتهددنا جميعًا. ما زلنا نعيش هنا حياة خوف وإذلال وعجز داخل خيمة ممزقة، بين الجوع والحصار.

هذه الحرب لا تتمثل في القصف وإطلاق النار فقط. إنها حرب تجويع وإخضاع وترك أجساد أطفالنا فريسة للقوارض المفترسة والأمراض. لم يبقَ لنا سوى أن ندعو الله أن تنجو طفلتي الصغيرة من الموت البطيء الذي نعيشه هنا في كل لحظة. [...]

إلى الإفادة الكاملة

فاطمة الكرد (35 عامًا)، مطلقة وأم لأربعة، من سكان جباليا:

[...] القصف مستمر في كل مكان ولا يمكن الهروب من الضجيج وهناك قتلى وجرحى في كل مكان. دُمّر منزل عائلتي في جباليا بالكامل وتم إعلان المنطقة التي كنا نعيش فيها منطقة عسكرية مغلقة. أدركت أننا سنواصل العيش في خيمة.

ثم جاء الشتاء وكان كارثة بالنسبة لنا. في كل مرة كانت تهطل فيها الأمطار كانت خيمتنا تغرق ولم أكن أستطيع فعل شيء. مضت تسعة أشهر حتى الآن ونحن نعيش هنا في الخيمة، والمعاناة مستمرة.

لكن أسوأ ما نواجهه الآن هو هجمات الجرذان والقوارض. لا يمكن تخيل عدد الجرذان والفئران والقوارض التي تعيش معنا داخل الخيام. إنها موجودة هنا ليلًا ونهارًا، بأعداد هائلة وأحجام مختلفة. أبقى مستيقظة طوال الليل أحاول طردها أو قتلها داخل الخيمة.

قبل يومين استيقظت على صراخ ابنتي سيدرا، التي قالت إن فأرًا عضّ أصابع قدميها. كانت تصرخ من الخوف وتبكي كثيرًا.

حتى ابنتي قمر، التي تدرس في الصف الثاني عشر، تعاني كثيرًا من هذا الوضع. كل يوم ننقل كتبها ودفاترها من مكان إلى آخر حتى لا تأكلها الجرذان. تحفر القوارض تحت جوانب الخيمة وتختبئ هناك، ثم تخرج إلى داخلها. أخشى حتى أن تقرض الخيمة نفسها، لأنها مصنوعة من النايلون والقماش المشمع.

في الليل تحيط بنا أسراب من الجرذان والقوارض. بحسب تقديرات سمعناها، يوجد اليوم في قطاع غزة نحو أربعة ملايين جرذ، أي أكثر من عدد السكان. تدخل الجرذان إلى خيمتنا دون أي عائق. أجدها أحيانًا تقرض الخبز أو الطعام الموجود لدينا داخل الخيمة فأسرع إلى رمي الطعام في القمامة خوفًا من أن نُصاب بالأمراض.

بصراحة، لم أعد أعرف كيف يمكن التخلص منها. حاولت نثر السم، لكن ذلك لم يفد. أشعر أنها تزداد تكاثرًا فقط، بسبب أكوام النفايات المحيطة بالخيام ومياه الصرف الصحي وأيضًا لأن المهجرين يرمون بقايا الطعام قرب الخيام مباشرة.

نحن نعيش في كارثة بيئية هائلة ولا نعرف كيف نتعامل معها. حتى السلطات هنا لم تضع أي خطة لمواجهة الجرذان والقوارض التي تهدد حياتنا يوميًا.

قبل نحو أسبوع سمعت في الليل صوتًا تحت القماش المشمع للخيمة. أشعلت ضوء الهاتف ورفعت الغطاء، فرأيت جرذًا ضخمًا بحجم قطة. أطفأت الضوء فورًا وبدأت أصرخ وأهرب. خرجنا جميعًا وخفنا أنا وأولادي من العودة إلى الخيمة. الجرذان ضخمة ونحن نخشى أن تهاجمنا.

أشعر أن القوارض تعيش معنا فعلًا ولا يمكن التخلص منها. وإضافة إلى ذلك، بدأت الأفاعي تظهر هنا أيضًا. إنها كارثة أخرى حلّت بنا ولا حل لها.

الآن نحن على أبواب الصيف. تحولت الخيمة إلى فرن ملتهب، كما انتشر الذباب والبعوض. في الليل يلسعنا البعوض المنتشر بكثرة والذي أصبح حجمه كبيرًا بشكل غير معتاد، وفي الصباح نستيقظ منذ السادسة بسبب لسعات الذباب، الذي ينتشر هنا بأعداد هائلة أيضًا. هذه اللسعات تسبب لنا الحساسية والتورم في أجسادنا.

أحاول بكل الطرق الحفاظ على نظافة الخيمة، لكن الذباب والبعوض لا يتركاننا، لا ليلًا ولا نهارًا.

الخيمة مثل القبر. لقد أصبحت مأوى للقوارض والحشرات. أنا أكرهها، لكن ليس لدينا أي مكان آخر نذهب إليه. [...]

إلى الإفادة الكاملة

محمد عبيد (41 عامًا)، أب لخمسة، من سكان حي الشجاعية في مدينة غزة:

[...] في إحدى الليالي، بينما كنا ننام في الخيمة، استيقظنا فجأة على صراخ ابنتي ديما. في البداية ظننت أنها أصيبت بإطلاق نار، لكن اتضح أنها استيقظت مذعورة بعدما مر فأر على وجهها أثناء نومها. في تلك الليلة لم تستطع ديما النوم من شدة الخوف من عودة الجرذان.

ورغم أننا نحاول تنظيف الخيمة يوميًا، إلا إننا نعاني من انتشار الجرذان والحشرات الضارة الأخرى، لأن الخيمة لا تحتوي على أماكن آمنة لتخزين الطعام، كما في المطابخ. نحن نخزن الطعام والحبوب وحتى ملابسنا داخل صناديق من الكرتون، والجرذان والحشرات الأخرى تنجذب إلى رائحة الطعام. كثيرًا ما اكتشفنا أن الجرذان أتلفت بعض ملابسنا أو مزقت الأكياس التي خزنا فيها الحبوب والطعام.

ومن الأخطار الأخرى هنا حفر الصرف الصحي غير المغطاة بألواح معدنية، لأن معظم العائلات فقيرة ولا تستطيع شراءها. في أحد الأيام زحف ابني سند خارج الخيمة وكاد يسقط في حفرة صرف صحي ولم نتمكن من منع سقوطه إلا في اللحظة الأخيرة.

إضافة إلى حفر الصرف والطعام الموجود في الخيام، فإن ما يساهم أيضًا في انتشار الجرذان والفئران هو أن الخيام أُقيمت على أرض طينية، لا على أرضيات إسمنتية، والقوارض تعيش في شبكة أنفاق حفرتها تحتها.

تزداد المعاناة من القوارض في الصيف، حين تنتشر بأعداد كبيرة في أنحاء المخيم. معظم العائلات في المخيم غير قادرة على مواجهتها بالوسائل المعتادة، مثل السموم والمصائد، بسبب أسعارها المرتفعة جدًا بالنسبة للمهجرين.

فمثلًا، يبلغ سعر مصيدة لاصقة لاصطياد الجرذان اليوم 20 شيكلًا، بينما يبلغ سعر سم الجرذان نحو 50 شيكلًا. وبوصفي رب عائلة عاطلًا عن العمل، لا أستطيع تحمل تكلفة شراء السم. إذا كان لدي 20 شيكلًا، فالأولوية بالنسبة لي هي شراء الطعام أو الأدوية أو تلبية احتياجات أخرى لأولادي.

أحيانًا تنظم بعض منظمات الإغاثة ورشات للنساء حول طرق تخزين الطعام وتنظيف الخيمة، لكن كل ذلك لا يفيد ولا يحد من انتشار القوارض.

في الأشهر الأولى من الحرب كان عدد الفئران والجرذان قليلًا نسبيًا، لكن اليوم، وبسبب الدمار الهائل، تحولت أنقاض المنازل إلى بيئة مثالية لتكاثر الجرذان والقوارض. [...]

إلى الإفادة الكاملة