أصواتٌ من غزّة

أحمد مطر

(32 عامًا)، من سكّان بيت حانون، تحدّث عن التهجير والفقدان خلال الحرب وعن العودة إلى بيت حانون حيث اكتشف أنّه لم يبقَ شيء من منزل عائلته

كنتُ أسكن مع عائلتي في منطقة البورة في بيت حانون، قرب حاجز "إيرز". غادرنا منزلنا منذ اليوم الثاني من الحرب، 8.10.23، بسبب القصف المكثّف على منطقتنا، والتي أعلنها الجيش منطقة قتال وأمر الجميع بإخلائها.

خرجتُ من المنزل مع والديّ وعمّتي رحاب مطر (64 عامًا) التي تستعين بكرسيّ متحرّك. إخوتي وأخواتي متزوّجون وهم لا يسكنون معنا في المنزل. انتقلنا في البداية إلى منزل أخي أكرم (40 عامًا) في منطقة الفالوجة في مخيّم جباليا للّاجئين. في ذلك المساء كانوا قد قصفوا منزلنا والمنازل القريبة منه في بيت حانون، ولم يعد لدينا منزل نعود إليه.

لكن كان هناك أيضًا قصف مكثّف قرب منزل أكرم، واضطررنا إلى النزوح مرّة أخرى، وهذه المرّة إلى منزل والدَي زوجته، في شارع الجلاء غرب مدينة غزّة. بقينا هناك حتّى وقف إطلاق النار الأوّل، ثمّ عدنا إلى بيت أكرم. تضرّر منزله في القصف ووجدنا هناك جثّتين لشخصين لم نعرفهما. دماؤهما كانت لا تزال على الحيطان. حاولنا تنظيف البيت وترتيبه قدر الإمكان.

بعد نحو أسبوع من انتهاء وقف إطلاق النار استأنف الجيش الإسرائيليّ قصف المنطقة بشكل مكثّف. نزحنا مرّة أخرى، وهذه المرّة إلى بيت أصدقاء لنا في حيّ الشيخ رضوان غرب مدينة غزّة. بقينا عندهم فترة طويلة. عندما انسحب الجيش من مخيّم جباليا عدنا إلى منزل أكرم في الفالوجة، ثمّ انتقلنا من هناك لاحقًا إلى منزل خالي في وسط مخيّم جباليا، قرب مستشفى "اليمن السعيد".

أخي أيمن، وهو أيضًا متزوّج، كان يسكن حتّى بداية الحرب في حيّ الصفطاوي غرب مخيّم جباليا. عندما اندلعت الحرب نزح مع عائلته إلى منزل عائلة زوجته القريب من عيادة الأونروا في وسط المخيّم. كان يقيم في المنزل نحو ستّين نازحًا. في أحد الأيّام أطلق الجيش الإسرائيليّ قنابل الغاز المسيّل للدموع إلى داخل المنزل، فأصيبت ابنته الرضيعة سيدرا، ابنة السنة، من جرّاء استنشاق الغاز على ما يبدو، ثمّ نشأ لديها التهاب رئويّ. عانت سيدرا من صعوبات في التنفّس وارتفاع في درجة الحرارة طيلة ثلاثة أسابيع، وكانت موصولة بالأوكسجين في المستشفى، ثمّ توفّيت في 6.1.24 عندما قُطِعت الكهرباء. كان والدي متعلّقًا جدًّا بسيدرا وتألّم كثيرًا لفقدانها. بكى عليها دون توقّف. لم نعد نسمعه يضحك، ولم يعد يريد الجلوس معنا، وانعزل وحيدًا. قلبه تحطّم. لم أره حزينًا هكذا من قبل.

بعد فترة من الوقت بدأ أبي يشعر بآلام شديدة في معدته، واصفرّت عيناه. ذهب إلى عدد من الأطبّاء. ظنّوا في البداية أنّه مصاب بالتهاب الكبد الفيروسيّ الذي انتشر في القطاع في أثناء الحرب، لكنّ حالته تدهورت. أجروا له أولتراساوند في المستشفى المعمداني وتبيّن أنّه مصاب بالسرطان وقد أصبح منتشرًا في كلّ أنحاء جسمه. توفّي أبي بعد أسبوع، في 21.5.24. أعتقد أنّ ما قتله هو حزنه على فقدان سيدرا.

في تلك الفترة بدأ الاجتياح الثاني لمخيّم جباليا. انتقلنا ثانيةً إلى حيّ الشيخ رضوان وبقينا فيه حتّى انتهت عمليّات الجيش الإسرائيليّ. عدنا بعد ذلك إلى بيت خالي، بجوار مستشفى "اليمن السعيد". في هذه المرحلة أصبحت الحياة أكثر احتمالًا. لم يعد الجوع شديدًا. كان من الممكن العثور على بعض السلع الغذائيّة، وكان هناك أيضًا ماء للشرب.

بقينا هناك حتّى الاجتياح الثالث للمخيّم، في 6.10.24. في ذلك اليوم وصلت طائرة كوادكوبتر وأعلنت أنّ علينا مغادرة المخيّم. ذهبنا إلى بيت لاهيا، إلى البيت الذي تركته عمّتي رحاب عندما نزحت معنا في بداية الحرب. كانت الأيّام التي قضيناها هناك من أصعب الأيّام. قصفٌ في كلّ ناحية، أحزمة ناريّة وأصوات ضجيج مرعبة. كنّا بدون كهرباء، بدون ماء، وبدون طعام.

بعد ذلك أمر الجيش الإسرائيليّ بإخلاء منطقة بيت لاهيا أيضًا. خرجنا، العائلة بأكملها، باتّجاه الحاجز العسكريّ شرقيّ مخيّم جباليا للّاجئين – أنا وأخي أكرم، زوجته وأولاده، أختي وأولادها، والدتنا وعمّتنا على كرسيّها المتحرّك. وصلنا إلى الحاجز منهكين وقاموا هناك بفصل النساء عن الرجال. عبرت والدتي وعمّتي وأختي وذهبن إلى مخيّم الشاطئ للّاجئين، غرب مدينة غزّة. أمّا أنا وأخي فاحتجزونا على الحاجز، لأنّ الجيش الإسرائيليّ أراد إجراء مسح ضوئيّ لوجهينا. ثم سمحوا لنا بالمرور وتبعناهنّ إلى مخيّم الشاطئ. بقينا هناك في منزل أصدقاء لنا حتّى سمعنا أنّه تمّ توقيع اتّفاق وقف إطلاق النار.

كان في مخيّم الشاطئ أيضًا عمّتي سهيلة (67 عامًا) وابنها أحمد الحلبي (37 عامًا)، وهو مُطلّق وأب لطفل عمره سبع سنوات يعاني من إعاقة ذهنيّة. قبل نحو شهر اختفى أحمد ومنذ ذلك الحين لم نتمكّن من العثور عليه. ابنه والعمّة سهيلة يبكيان عليه طوال الوقت. لا نعلم ماذا حلّ به، ربّما قُتِل أو ربّما اعتقله الجيش الإسرائيليّ. بعد ذلك بفترة وجيزة حدثت مصيبة أخرى للعمّة سهيلة. فقدت حفيدتها هديل إسماعيل الهشيم (14 عامًا) أيضًا، والتي قُتلت بنيران الجيش قبل عدّة ساعات من بدء وقف إطلاق النار، في 19.1.25، عندما ظنّ الناس أنّه دخل حيّز التنفيذ وبدأوا يحاولون العودة إلى منازلهم. العمّة سهيلة في حالة نفسيّة عصيبة للغاية الآن، وهي لا تتوقّف عن البحث عن ابنها.

في اليوم الذي أُعلن فيه وقف إطلاق النار لم أستطع أن أكون سعيدة بسبب الخوف من استئناف الحرب. في ذلك الصباح استيقظنا مبكّرًا، تناولنا وجبة الفطور، ثمّ ذهبتُ مع أخي أكرم وأولاده وأصدقائنا للاطمئنان على الوضع في مخيّم جباليا وعلى منزل أكرم.

عندما خرجنا من منزل أصدقائنا رأينا طوفانًا بشريًّا يتدفّق نحو مخيّم جباليا. عندما وصلنا إلى شارع الصفطاوي رأينا دمارًا هائلًا لا يمكن تصوّره. لم تبقَ مباني قائمة تقريبًا. كان الطريق شاقًّا. الشوارع مليئة بالحجارة والحطام والحديد. كان هناك بعض المباني التي لا تزال قائمة، ولكن لم تكن هناك أبراج سكنيّة. كانت كلّها مسوّاةً بالأرض.

وصلنا إلى مفرق أبو شرخ ومنطقة الفالوجة. كان مكانًا بلا حياة. لم يعد هناك أشجار، ولا مباني، ولا طرق، ولا أرصفة. سِرنا فوق حطام البناء في الشوارع المدمّرة. الغبار والرمل في كلّ ناحية. ظهَرَ المكان وكأنّه بعد زلزال.

في النهاية وصلنا إلى منزل أكرم في منطقة الفالوجة. كان من الصعب تحديد المكان بسبب حجم الدمار الهائل. سألنا شابًّا عن مكان وجودنا لأنّنا لم نعرف أين كنّا. جرّافات الجيش جرفت المنازل. وصل أكرم قبلي ببضع دقائق إلى المكان الذي كان فيه المنزل، ووجدته ينظر إلى الأنقاض بحزن. حفر بين الحطام محاولًا العثور على ملابس أو بطانيّات لأولاده.

ذهبتُ بعد ذلك إلى وسط مخيّم جباليا لأرى ما وضع منزل خالي. كان كلّ شيء خرابًا هناك أيضًا. تمّ محو منطقة "دوّار الشهداء الستّة" بالكامل. سُوِّيت بالأرض تمامًا.

وصلتُ إلى مستشفى "اليمن السعيد" فوجدناه محروقًا ومدمّرًا. رأيتُ بعض السكّان ينظّفونه لكي يسكنوا فيه. تمّ تدمير كلّ المنازل المحيطة بالمستشفى، بما في ذلك منزل خالي الذي أقمنا فيه في مرحلة مبكّرة من الحرب. كلّ شيء مدمّر. لم يبقَ شيء من الحياة التي كانت هناك. الناس اليائسون كانوا يتجوّلون في الشارع ويتحدّثون مع أنفسهم. في الطريق مررتُ بمجموعة نساء يبكين، لا يعرفن ماذا يفعلن، عاجزات أمام الدمار الهائل.

رأيتُ مدارس أحرقها الجيش الإسرائيليّ ودمّرها، وقام الناس بتنظيفها هي أيضًا لكي يقيموا فيها، رغم عدم توفّر أيّ ظروف مناسبة هناك.

جلس سكّان المخيّم على جوانب الطرقات، وبدا الحزن واليأس واضحين على وجوههم. وجد الناس صعوبة في التعرّف على منازلهم، وعندما عثروا على أنقاضها حاولوا فقط إيجاد بعض الملابس أو البطانيّات تحت الأنقاض.

فكّرتُ في مواصلة الطريق إلى بيتنا في بيت حانون، ولكنّني لم أتمكّن من ذلك. كنتُ يائسًا ومصدومًا من حجم الدمار في مخيّم جباليا، وذهبتُ إلى منزل أخي أيمن في حيّ الشيخ رضوان.

في اليوم التالي استيقظتُ وذهبتُ إلى بيت حانون. اشتقتُ إلى المكان كثيرًا، وعندما وصلتُ إلى مدخل المدينة بعد عام ونصف العام كنتُ سعيدًا. في البداية رأيتُ بعض المنازل التي كانت لا تزال قائمة، ولكن كلّما تغلغلتُ أعمق في المدينة ازدادت صدمتي. كنتُ مصدومًا من حجم الدمار. لم يكن هناك أيّ بيت قائمًا على الإطلاق. كانت تلك بقعة خراب ودمار. لم أتمكّن من التعرّف على منازل أقربائي وأصدقائي وجيراني.

في النهاية وجدتُ منزلنا. لقد تمّت تسويته بالأرض تمامًا، وكذلك حال المنازل المحيطة به. لم أتخيّل أبدًا أن تكون المشاهد قاسية إلى هذه الدرجة. كنتُ أتمنّى طوال الوقت أن أجد شيئًا ما في منزلنا أستطيع أن آخذه معي، لكن لم يبقَ شيء. شعرتُ بظلم وألم لا يحتملان. لكن إلى جانب ذلك، شعرتُ بالسعادة أيضًا لأنّني تمكّنتُ من العودة إلى هناك.

فقدنا كلّ شيء، مثل كلّ الناس في بيت حانون. دمّر الجيش شمال قطاع غزّة – بيت لاهيا، بيت حانون، مخيّم جباليا للّاجئين. لا توجد بنى تحتيّة للحياة: لا منازل، لا طرق، لا شوارع، ولا ماء. ورغم كلّ شيء، بدأ بعض السكّان بإزالة أنقاض منازلهم لإقامة خيام مكانها والسكن حيث كانت منازلهم.

أنا أبحث الآن عن شقّة للإيجار، حتّى يكون لدينا سقف ما يؤوينا على الأقلّ. لن نستطيع السكن في خيمة مع والدتي المسنّة وعمّتي التي تستعين بكرسي عجلات.

وذهبتُ إلى بيت حانون. اشتقتُ إلى المكان كثيرًا، وعندما وصلتُ إلى مدخل المدينة بعد عام ونصف العام كنتُ سعيدًا. في البداية رأيتُ بعض المنازل التي كانت لا تزال قائمة، ولكن كلّما تغلغلتُ أعمق في المدينة ازدادت صدمتي. كنتُ مصدومًا من حجم الدمار. لم يكن هناك أيّ بيت قائمًا على الإطلاق. كانت تلك بقعة خراب ودمار. لم أتمكّن من التعرّف على منازل أقربائي وأصدقائي وجيراني.

* سجّلت الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 22.1.25