ألاء الفيّومي
18 أيار/مايو 2023
19 عامًا، من سكّان حيّ الشجاعيّة في غزّة، أمّ لطفل صغير، والتي دُمِّر منزلها من جرّاء القصف
أنا أمّ لطفلة عمرها سنتان وسبعة أشهر اسمها بتول. خلال السنوات الأربع الأخيرة سكنّا بالإيجار في منزل من طابقين تملكه عائلة عدس سويّةً مع أسرة أختي ولاء (19 عامًا) وهي متزوّجة من شقيق زوجي.
في يوم الثلاثاء الموافق 9.5.23 كان التيار الكهربائي ساريًا فغسلت ملابسنا ثمّ دخلتُ إلى غرفة النوم وجلستُ على السرير. كان زوجي خارج المنزل لدى والديه وكانت طفلتي نائمة بجواري في السرير. قرأتُ الأخبار على الهاتف وفجأةً سقط حائط الغرفة على السرير، بالضبط حيث كنتُ جالسةً. انقطعت الكهرباء. قبل ذلك لم يكن هناك أيّ تحذير.
لم أرَ شيئًا لأنّني كنتُ تحت الأنقاض والحجارة. كانت بتول تبكي وقلتُ لها: "لا تبكي، أنا بجانبك". لم أستطع التحرُّك. شعرتُ أنّني في كابوس. حاولتُ رفع الحجارة عنّي لكنّي لم أستطع. بدأتُ أصرخ: "ساعدوني! ساعدوني!". جاء زوج أختي وسألني أين أنا، لأنّه لم يرَني تحت الأنقاض. فقلتُ له: "أنا غير مهمّة، الأهمّ هي بتول، أخرجْها". أردتُ أن أراها لآخر مرّة قبل أن أموت لذا حاولتُ ثانيةً تحريك الحجارة التي سقطت فوقي. عندها جاء الجيران ورفعوا عمودًا من الخرسانة سقط عليّ.
أخرجوني أنا وبتول وأجلسونا في صالة البيت. لم تكن هناك سيّارات إسعاف لكنّني رأيتُ سيّارات إطفاء. كان هناك حريق في منزل جيراننا، أسرة البهتيني، المجاور لنا تمامًا. سمعتُ الجيران يقولون إنّ طائرات الاحتلال قصفت منزلهم واستشهد خليل البهتيني هو وزوجته وابنته هاجر. بعد ذلك فقدتُ الوعي. عندما صحوتُ كنتُ في منزل والديّ القريب من منزلي. أصبتُ بحروق في جسمي وبشظايا في يدي اليمنى وفي كتفي الأيمن وبكدمات في جميع أنحاء جسمي. كما أصبتُ بخدوش طفيفة في رقبتي ورأسي.
استدعى والداي سيّارة إسعاف لكنْ مرّتْ ساعة ولم تصل ففهمتُ أنّ هناك الكثير من الجرحى. طلب أخي سيّارة أجرة وسافرتُ مع أخواتي إلى مستشفى الشفاء حيث مكثتُ طيلة يومين ثمّ عدتُ إلى منزل والديْ زوجي. اليوم وبعد أسبوع من الواقعة استأجرْنا بيتًا جديدًا.
لم يعد من الممكن أن نسكن في منزلنا فقد تحوّل إلى خراب وبات كومة من الحجارة. دُفن كلّ الأثاث تحت الأنقاض واحترق قسم منه. المكان الذي تضرّر أكثر شيء في المنزل هو غرفتي والتي كان فيها جميع ملابسنا. البيت الذي نسكن فيه الآن لا يوجد فيه أثاث. ابنتي تبكي كثيرًا وتَسُدُّ أذنيها. كذلك ابن عمّها محمّد، ابن أختي، وعمره سنتان وسبعة أشهر، يتصرّف هو أيضًا بهذه الطريقة. إنّهما يصرخان: "نار، نار". أختي ولاء حامل في شهرها التاسع وخلال القصف لم تشعرْ فجأةً بساقيها وكادت تختنق. وضعوا لها جهاز تنفّس وأوصلوها بالأكسجين في المستشفى. كما عانى زوجها من مشقة بالغة إذ أصيب بجروح في رِجليه وبشظايا. حاول أن ينقذنا بعد القصف وحده لكنّه لم يستطع حتّى جاء الجيران وساعدونا.
عندما كنتُ في المستشفى أخبرتني أختي صفاء (26 عامًا) بأنّ جارتينا دانيا وإيمان عدس قد استشهدتا. حزنتُ حزنًا شديدًا عليهما وبكيتُ كثيرًا. ماذا فعلتا؟ ماذا فعلتُ أنا؟ لماذا يقصفوننا دون إنذار وفي الليل ونحن نائمون؟ لم نفعل أيّ شيء.
أنا في حالة نفسيّة صعبة جدًّا منذ القصف. أعيش في خوف ولا أستطيع النوم وفقدتُ شهيّتي. طوال الوقت أرى القصف وما حدث أمام عينَيّ. أتذكّر غرفتي وملابسي وملابس ابنتي على الدوام. أشعر بأنّني أهذي. في الليل أحلم بأن الحائط يسقط عليّ وبأنّني أرفع الحجارة عنّي. أخاف أن أمسك بهاتفي الخلويّ لأنّني كنتُ أحمله عندما تعرّض منزلنا للقصف.
لماذا يخيفوننا نحن وأطفالنا؟ لقد خرجتُ من تحت الأنقاض ولم أصدّق أنّني على قيد الحياة. حتّى أنّني لم أعد إلى البيت لأرى ما حدث له، ليست لديّ القوّة للذهاب إلى هناك. أخاف حتّى أن أذهب إلى الشارع الذي تمّ قصفنا فيه.
* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 18.5.23.