أصواتٌ من غزّة

أميرة حرورة

40 عامًا، أم لأربعة أطفال أعمارهم تتراوح بين 3-15 سنة، صحافية من سكان مدينة غزة  

بسبب عملي كصحافية فأنا عادة لا أكون في البيت مع الأطفال عندما يقع تصعيد عند وقوع الحرب، لأنني أغطي الأحداث. يبقى زوجي أو فردٌ آخر من العائلة معهم في المنزل، أو تقوم ليان ابنتنا البكر (15 عامًا) بالاعتناء بأخوتها الصغار، وأحيانًا يبقون بمفردهم. 

تكون تلك الأوقات مخيفة جدًا. عملي كصحافية مخيف كما أشعر أيضًا بالخوف على الأطفال طوال الوقت، خصوصًا عندما أتركهم بمفردهم في المنزل. يظلّ ذهني وقلبي معهم كما وأتصل بهم باستمرار لمعرفة ما إذا كان كل شيء على ما يرام. هذا الخوف لا يوصف. في كل صباح كهذا عندما يكون عليّ أن أذهب للعمل أبدأ بالبكاء وأعانقهم، لأنني أشعر أنني قد لا أعود إلى المنزل. كصحافية فلسطينية - غزّاوية، أنا لست آمنةً بأيّ شكل من الأشكال، وأصلاً على أي حال لا يوجد أي مكان آمن في قطاع غزة كلّه. أخرج من أجل توثيق الأحداث في شوارع غزة بينما تقصف الطائرات القطاعَ فوق رأسي وتدمّر البيوت من حولي. خوفٌ شديد يملأ الأرجاء. 

عند كل قصف أشعر بالخوف من أن يكون أحد أفراد عائلتي أو أصدقائي من بين الضحايا. 

تحاول ليان عدم إظهار خوفها. في بعض الأحيان تصرخ وتبكي على حين غرة. ابننا آدم (12 عامًا) يظلّ نائمًا أثناء القصف وكأنه يهرب منه، وكرم (7 سنوات) يعاني أثناء القصف من حركات غير إرادية في تعابير الوجه ويرتعد جسده. 

أحاول أن أعطي لنفسي مجالًا للتعبير عن الخوف والقلق وأن أفرّغ قليلًا حتى أستطيع العمل بذهنٍ صافٍ. ولكنني لا أنجح حقيقةً بعمل ذلك. الخوف يعشش بداخلي دائمًا مما يجعلني أنهار. عندما أكون في العمل لا أستطيع التوقف عن التفكير بالأولاد وآخذ استراحات عن العمل باستمرار كي أطمئن عليهم بالرسائل، خاصةً عندما يقع قصف بالقرب من منزلنا. أنظر إلى صورهم في هاتفي وأتذكر صوت ضحكاتهم. لكنّي أشعر طوال الوقت أنني على وشك أن أفقدهم أو أنهم هم على وشك أن يفقدوني. 

الصورة
أميرة حرورة. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة
أميرة حرورة. الصورة قدمتها الشاهدة مشكورة

في الواقع لا حماية لنا. لا توجد ملاجئ لنحمي الأطفال فيها أثناء القصف، والجيش لا يفرّق بين المقاتلين والمدنيين أو الأطفال. يستهدف القصف المنازل والشوارع والمستشفيات والأسواق. كما أنهم لا يمتنعون عن إلحاق الأذى بالصحفيين المعرّضين في الواقع للخطر أكثر من أي شخصٍ آخر. أشعر أن الجيش الإسرائيلي يلحق الأذى بالصحفيين عن عمد كي يمنع نشر ما يحدث هنا أمام العالم. في المنزل أثناء الليل أدخل لغرف الأطفال للتأكد من أنهم بخير. أعاني من الكوابيس في نومي وأرى أمام عينيّ طوال الوقت الأشياء التي وثقتها خلال نهار العمل. 

ليس بمقدوري أن أنسى أي منزل من المنازل التي دخلتها. القتلى والثكالى والدمار والناس الذين لم يعد لديهم سقف يؤويهم. لا زلت على علاقة مع العديد من الضحايا، لأنني بعد أن وثقت معاناتهم حُفرت قصصهم في ذهني. عدم القدرة على النسيان يزيد من الضغط النفسي. أشعر في كثير من الأحيان أنني أريد أن أصرخ وأن أبكي. أشعر أنني على وشك الانفجار.  

مشاعر الجزع والقلق والمخاوف التي تصاحبني أثناء الحروب لا تتركني حتى بعد انتهائها. أظلّ في حالة تأهب وقلق بانتظار التصعيد القادم. لا يوجد استقرار ولا ارتياح، لكن علينا الاستمرار في الحياة رغم هول القصف والقتل والدمار. في المنزل ومع الأطفال أحاول تغيير الشعور العام والابتعاد عن الأخبار عبر مشاهدة أشياء أخرى على التلفزيون. أضحك وأمزح وأحاول إخراج الأطفال من أجواء الحروب التي يعيشونها. من الصعب فعل ذلك ولكنني أحاول.   

نحن محاصرون هنا في القطاع وليس بإمكاننا حتى أن نسافر في إجازة بسبب صعوبة الحصول على التصاريح وبسبب التكاليف. لا أعتقد أن الجانب الإسرائيلي سوف يوافق على إعطائي تصريحًا، والسفر عبر مصر ينطوي أيضًا على معاناة. 

لا توجد كلمات تعبر عن حجم الثُكل والألم والحزن الذي تجلبه كل حرب لنا. بعدما نكون قد بدأنا بالتقاط أنفاسنا قليلاً والنسيان، يبدأ تصعيد آخر أو حرب أخرى. أكثر من مليونيّ شخص هنا، نعيش كلنا في جزعٍ ورعب. إن وضعي يظلّ أفضل بكثير من وضع أولئك الذين فقدوا أعزّ أحبائهم أو أطفالهم أو الذين أضحوا بلا سقف يؤويهم. لأجل هذا ما زلت أتمكن من دعم الآخرين وما زلت أستطيع العمل. 

* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 15.6.23.