أصواتٌ من غزّة

آية حسّونة السّوسي

31 عامًا، من سكّان شمال مدينّة غزّة، تحدثت عن قتل زوجها وأطفالها جرّاء قصف خيمتهم في مخيّم المهجَّرين في منطقة مواصي خان يونس، وعن عودتها وحيدة إلى خرائب مدينة غزّة

الصورة
آية حسّونة وزوجها عبد الله السوسي الذي استُشهد جرّاء القصف الإسرائيليّ في 9.8.24
آية حسّونة وزوجها عبد الله السوسي الذي استُشهد جرّاء القصف الإسرائيليّ في 9.8.24

في يوم الثلاثاء المُوافق 9.8.24 أبيدت عائلتي في قصف طال خيمتنا في مخيّم المُهجَّرين في منطقة مواصي خان يونس، حيث استُشهد زوجي عبد الله السّوسي (33 عاماً) وابننا حمزة (4 سنوات) وابنتنا رغد (سنتان). في القصف نفسه استُشهد أيضاً خالي ماجد السّوسي (53 عاماً) وسِلفي وليد السّوسي (36 عاماً).

حدث ذلك بعد مُرور عشرة أشهُر على تهجيرنا. في 13.10.23، بعد مضيّ أسبوع على بدء الحرب، غادرت وأفراد عائلتي منزلنا في حيّ الصّفطاوي شمال غرب مدينة غزّة، وذلك حين قصفت طائرات الحرب الإسرائيليّة منطقتنا وطوّقتنا بالأحزمة الناريّة. تهدّمت المنازل المحيطة بنا وتضرّر منزلنا جزئيّاً. لم يكن أمامنا خيار آخر سوى النزوح. أنا وزوجي أخذنا ولدينا ولذنا بالفرار دون أن نأخذ معنا شيئاً من المنزل. ذهبنا إلى حيّ الصحابة وبقينا هناك مدّة يومين. بعد ذلك انتقلنا إلى منزل صغير في حيّ الصبرة مع عائلة زوجي، وبقينا فيه مدّة شهر.

الصورة
عبد الله السوسي, وابنه حمزة السوسي (4 سنوات) وابنته رغد السوسي (ٍسنتان) - الثلاثة استُشهدوا جرّاء قصف إسرائيليّ في 9.8.24، في مخيّم للمُهجَّرين في مواصي خان يونس
عبد الله السوسي, وابنه حمزة السوسي (4 سنوات) وابنته رغد السوسي (ٍسنتان) - الثلاثة استُشهدوا جرّاء قصف إسرائيليّ في 9.8.24، في مخيّم للمُهجَّرين في مواصي خان يونس

بعد ذلك، حين اشتدّ القصف على مدينة غزّة واجتاح الجيش الإسرائيليّ حتى المستشفيات قرّرنا النزوح إلى جنوب القطاع. خرجنا سيراً على الأقدام، ونحن نحمل ولدينا على أذرعنا ونحمل بعض المتاع على ظهورنا. وصلنا إلى مدخل مخيّم النصيرات للّاجئين وتوجّهنا من هناك في سيّارة إلى مدينة خان يونس حيث أقمنا لدى أقارب لنا حتى بداية شهر كانون الأوّل 2023.

في تلك الفترة اجتاح الجيش الإسرائيليّ خان يونس، وكانت المنطقة التي لجأنا إليها ضمن المناطق التي أمر الجيش بإخلائها. اضطررنا إلى النزوح مجدّداً، وفي هذه المرّة ذهبنا إلى خان يونس حيث أقمنا - أنا وزوجي وولدينا - في غرفة صغيرة لدى أصدقائنا. بقينا في رفح حتى اجتاحها الجيش الإسرائيليّ في بداية شهر أيّار 2024.

من هناك ذهبنا إلى منطقة مواصي خان يونس. لم تكن معنا خيمة ولا بطّانيّات، ولا أدوات طبخ ولا طعام أو أيّ حاجيّات أخرى. كان معنا فقط بعض المتاع الخفيف. حصلنا على خيمة تبرّعت بها منظمة إغاثة، واقتنينا بعض البطّانيّات والحاجيّات الضروريّة. تعذّبنا كثيراً بسبب نقص مياه الشرب. أنا وزوجي كنّا نصبّر أنفسنا على تحمّل مشاقّ النزوح والحياة داخل خيمة، لكنّ ذلك كان صعباً جدّاً.

في يوم الجُمعة المُوافق 9.8.24 ذهب زوجي لأداء صلاة الجُمعة، وحين عاد إلى الخيمة كنت أعدّ الطعام على موقد، وكان ولداي بجانبي يستمعان إلى قصّة كنت أقرأها لهُما. كنّا في مزاج جيّد، رغم الخوف وضجيج القصف الذي كان يُسمع في أماكن بعيدة عنّا وأيضاً أماكن قريبة منّا. ساعدني زوجي في إكمال التحضيرات لوجبة الغداء، ثمّ قال لي "أريد أن أجلس خارج الخيمة إلى حين ينضج الطعام". جلس هناك مع أخيه وليد وخالي ماجد.

طلب منّي ولداي أن يلعبا قرب والدهما فسمحت لهُما، لأنّني فضّلت أن يلعبا بعيداً عن نار الموقد. سمعتهما يضحكان، وشاهدت زوجي ينظر إلى السّماء نحو طائرات الاستطلاع، وكان ممتعضاً من قوّة ضجيجها.

الصورة
آية حسّونة وزوجها عبد الله السوسي وابنتهما رغد (سنتان)
آية حسّونة وزوجها عبد الله السوسي وابنتهما رغد (سنتان)

فجأة سمعت دويّ انفجار هائل. كنت على بُعد نحو ثمانية أمتار من زوجي وولديّ. التفتّ فوراً لكي أرى ما حالهم فلم أشاهد سوى دُخان أسود. صرخت "زوجي! أولادي!" وركضت نحوهم. وجدت رغد ابنتي مُلقاة على ظهرها وغارقة بدمائها. صرخت "رغد! رغد!". كنت مصدومة. بعد ذلك وجدت عبد الله، زوجي، وكانت ملابسه كأنّها فحم أسود. بعد ذلك رأيت ابني حمزة وكانت الدماء تغطي رأسه.

أنا أيضًا أصبت، ولكن لم أشعر بذلك أبداً. وقفت بجانبهم أنظر إليهم وقد فارقوا الحياة كلّهم. لفظوا أنفاسهم في لحظة واحدة. بعد ذلك أخلونا جميعاً إلى المستشفى. فقط لاحقاً شعرت بآلام في ظهري وتبيّن أنّني مُصابة هناك ودمي ينزف بكثرة. في المستشفى أجريت لي فحوصات وعدّة صور أشعّة. قلت لأقاربي "أريد أن أودّع زوجي وولديّ قبل دفنهم"، لكنّ الطبيب لم يسمح لي بالخروج لأنّ حالتي كانت خطيرة. منعني من مغادرة السّرير. قلت له "لكنّني أريد أن أودّعهم، أن أراهُم للمرّة الأخيرة". في النهاية وافق الطبيب. ودّعتهم بالدّموع وبالغ الحُزن والأسى. كانت تلك لحظات صعبة للغاية.

أصبت في الكليتين ورقدت للعلاج مدّة 14 يوماً. حين غادرت المستشفى ذهبت في البداية إلى خيمة عائلة زوجي، إلى أن وصل والدي، الذي نزح إلى جنوب القطاع لكي يعتني بي ويقف إلى جانبي. سكنت معه في خيمتنا، رغم أنّها كانت مليئة بشظايا الصّاروخ الذي انفجر هناك. مكثنا في الخيمة أنا ووالدي إلى أن عُدنا إلى الشمال بعد إعلان وقف إطلاق النار، في 28.1.25.

تركت جثامين زوجي وولديّ مدفونة في خان يونس، وعدت إلى الشمال مع والدي وشقيقتي آلاء، التي نزحت في حينه إلى جنوب القطاع هي الأخرى مع زوجها وأولادها. عُدنا في سيّارة عبر شارع صلاح الدين.

في اليوم الأوّل كان الشارع مكتظّاً جدّاً، لأنّ المُهجَّرين عادوا بأعداد هائلة، بعضهم مُشاة وبعضهم في سيّارات. السيّارة التي أقلّتنا تعطّلت فواصل والدي سيراً على الأقدام لأنّه لم يتحمّل الانتظار. في اليوم التالي، بعد أن انتظرنا وبتنا في السيّارة، قلت لشقيقتي وزوجها إنّني أريد أن أعود إلى منزلي عبر شارع الرشيد، طريق البحر.

كنت أمشي في طريق البحر وأنظر إلى العائدين مع أولادهم وقلبي تملؤه الحسرة، لأنّني عائدة إلى غزة دون زوجي وأولادي. تضاعف في داخلي الحزن وألم الفقد مع الشعور بأنّ زوجي وولديّ كان ينبغي أن يكونوا معي. سمعت في الطريق رجُلاً يُمازح أولاده قائلاً "أين أولادي؟ أين أنتم؟ هيّا تعالوا معي". نظرت إليهم وقلبي يتحطّم. تساءلت "وأنا يا ألله، أين أولادي، أين زوجي؟". أسأل الله أن ينتقم ممّن حرموني من ابني وابنتي. كنت طوال الطريق أمشي وأبكي. بكيت بسبب الدّمار الهائل، وبكيت ألماً على عذاب الناس وأوجاعهم، فنحن جميعاً مررنا بالجحيم نفسه.

كان أخي إبراهيم ينتظرني على طريق البحر في دوّار النابلسي. لكي يعرف أين أنا ويُلاقيني سألني "ما هو المَعْلم الأبرز القريب منك؟". لكنّني لم أميّز الأماكن ولا عرفتها وسط الخراب والدّمار. لم أعرف شوارع غزّة لأنّها جميعاً قد دُمّرت نهائيّاً. لم أعرف أين تبدأ غزّة وأين تنتهي. رأيت مسجداً مهدّماً فسألت الناس عنه وقالوا لي هذا مسجد الشيخ عجلين.

في الطريق التقيت والدتي، أسماء. وجدها تنتظرني على أحرّ من الجمر. عندما رأيتها حاولت أن أتمالك نفسي، لكنّ والدتي أجهشت بالبكاء تأثراً بلقائنا وحزنا على عودتي دون زوجي وولديّ. كانت أمّي متعلّقة بهم. حاولت أن أهدّئها. عزّيتها وأنا صامدة، لأنّها كانت مُنهارة.

في اليوم التالي لوُصولنا إلى غزة وصلت شقيقتي آلاء وزوجها وأولادهما. وصلنا كلّنا إلى منزل شقيقتي أفنان في شارع الجلاء. احتضنت أمّي آلاء وأولادها وزوجها. عمّت أجواء من الفرح. لكنّني أيضاً بكيت على فقدان زوجي وولديّ. كم تمنّيت أن يكونوا معي في تلك اللّحظات، وكم وددت لو أفرح مثل آلاء، لكنّ نصيبي كان الألم والفقدان.

الآن، حين أتجوّل في السّوق وأرى ملابس الأطفال أقول لنفسي "هذه بمقاسات أولادي. ليتهم معي لأدخل وأشتري لهُم ملابس وألعابًا". من الصّعب جدّاً التغلّب على هذا الألم. عندما أشتاق لأولادي، ويطغى عليّ الألم، أذهب إلى السّوق وأشتري الأشياء التي أودّ لو أشتريها لهُم، ثمّ أتصدّق بها للأطفال اليتامى. آمل أن أستمرّ في هذا النهج وأواصل مساعدة اليتامى الذين في سنّ أولادي. قطعت عهداً على نفسي أن أتصدّق كلّما اشتقت لهُم أو تعبت نفسيّا وبكيت.

فقدت ابني وابنتي صغيرين. لم أذق ما يكفي من السّعادة معهما. لم أسمع منهُما كلمة"ماما!" بما يكفي، ولم أشبع من أمومتي. قبل الحرب كنّا نسكن في منزل عائلة زوجي، وكان حلمُه أن ننتقل للعيش في شقة خاصّة بنا، وأن يسجّل ولدينا في أفضل المدارس.

أقيم حاليّاً في منزل شقيقتي أفنان، في شارع الجلاء، وهو أيضاً تهدّم جزئيّاً جرّاء القصف.

يصعب عليّ كثيراً اعتياد الحياة دون أسرتي وقبول هذا الوضع. قبل يومين التقينا للمرّة الأولى في منزل والديّ. كان هناك أبي، أمّي، أخي وزوجته، وأخواتي كلّ واحدة مع زوجها وأولادها، وأنا وحدي دون زوجي وابني وابنتي. أثناء تناول الطعام، حين تجمّعنا حول الطاولة، حاولت أن لا أبكي ولكنّني لم أتمالك نفسي. أحسست حرقة قلب. أمي وأخواتي أيضاً بكين وتذكّرن أولادي وزوجي. ذلك اللقاء العائليّ أثار مشاعر صعبة جدّاً.

أنا أعيش الآن وحيدة، دون زوجي ودون ابني وابنتي ودون بيتي. لقد حرموني منهم إلى أبد الآبدين. سلبوا كلّ ما هو جميل في حياتي. أقيم مع عائلتي في غزة، وأبحث عن شقّة أو خيمة لتكون مأوىً لي يخصّني. المنطقة التي كنّا نسكن فيها في شمال مدينة غزّة تهدّمت تماماً. لم يبق فيها أثر لحياة.

* سجّلت هذه الإفادة باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 1.2.25