داود البوجي
1 آب/أغسطس 2023
45 عامًا، أب لسبعة، من سكّان حيّ الرمال في غزّة
عندما كان عمري سنة ونصف السنة انتقل والداي من غزّة إلى المملكة العربيّة السعوديّة وسكنتُ هناك حتّى أنهيتُ المدرسة الثانويّة. بعد ذلك سافرتُ إلى الهند ودرستُ فنّيّ أسنان في جامعة بنغلاديش. أنهيتُ دراستي وعدتُ إلى السعوديّة وعملتُ في مجال أطقم الأسنان. بعد ذلك واصلتُ العمل في مجال التسويق.
في العام 2005 عدتُ إلى غزّة وتزوّجتُ من هدى، عمرها اليوم 35 عامًا. وبعد نحو شهر من الزفاف انتقلنا للسكن في المملكة العربيّة السعوديّة. أربع من بناتنا ولدنَ هناك: مريم (17 عامًا) ورؤى (16 عامًا) ومرام (15 عامًا) ورؤيا (13 عامًا). وضعنا الاقتصاديّ كان ممتازًا. في عام 2010 بدأوا بتقليص الرواتب وتدهور الوضع. وفي عام 2013 قرّرنا العودة للسكن في غزّة.
بدأتُ أبني حياتي من جديد. كان لدينا منزل خاصّ بنا وتقدّمتُ للعديد من الوظائف لكن لم يتمّ قبولي في أيّ منها، رغم أنّ لديّ خبرة كبيرة وخاصّة في مجال التسويق. كان عليّ أن أستمرّ في إعالة أسرتي ففتحتُ في النهاية متجرًا للهواتف الخلويّة ولمستلزمات الاتّصالات والإنترنت والهواتف المحمولة. لكن بسبب الوضع الاقتصاديّ الصعب في القطاع اضطررتُ إلى إغلاقه بخسارة تُقدَّر بنحو 20 ألف دولار. بعد ذلك عملتُ ستّة أشهر في تجارة السيّارات وهنا أيضًا خسرتُ مالًا بسبب وضع السوق الصعب.
قبل عقد من الزمن ولدتْ لنا بنت أخرى، مروى. في عام 2016 بدأتُ أعمل ساعيًا على درّاجة ناريّة للخدمات اللوجستيّة للأشخاص. أردتُ إعالة أسرتي فقط وتوفير بعض احتياجاتنا على الأقلّ. بعد ثلاث سنوات تركتُ هذا العمل أيضًا لأنّ الدخل كان منخفضًا جدًّا.
بعد أن رُزقنا أيضًا بأمل، عمرها اليوم خمس سنوات، جلستُ مع زوجتي وبناتنا الأكبر سنًّا وفكّرنا معًا في ما يمكننا فعله ومِمَّ نكسب لقمة العيش. قرّرنا فتح مصلحة تجاريّة في مجال الأكل. اعتقدنا أنّ ذلك يجب أن يكون شيئًا شعبيًّا وسهل التحضير لا يتطلّب إعداده الكثير من النفقات. قرّرنا فتح مصلحة لخبز "التميس"، وهو شيء يمكن تحضيره في المطبخ المنزليّ وبيعه. أرغفة خبز محشوّة بخلطة بيتيّة من الجبن والنقانق وصدر الدجاج ويتمّ تجميدها بعد ذلك.
فتحنا صفحة على الفيسبوك وبدأنا نتلقّى طلبيّات. في البداية كنّا نبيع في البيت فقط وبعد فترة معيّنة ركّبتُ على درّاجتي الناريّة صندوقًا خشبيًّا ذا مادّة عازلة للحفاظ على الخبز طازجًا وبدأتُ أتجوّل في الشوارع للبيع. بدأ وضعنا الاقتصاديّ يتحسّن وكان ذلك أساسًا بفضل زوجتي وبناتنا اللواتي ساعدن في إنجاح المصلحة. لكن بعد عام تقريبًا، خلال فترة الكورونا، انهار المشروع بأكمله وتحطّمت أحلامنا كلّها. أصبح الوضع سيّئًا للغاية واستمرّ على هذا النحو سنة ونصف السنة على الأقلّ وأثّر ذلك على زوجتي والبنات كثيرًا. لم نقدر أن نرفع رأسنا. لم يكن لدينا أيّ حياة اجتماعيّة وتقلّصت حياتنا بشكل كبير جدًّا بسبب وضعنا الماليّ.
بعد الكورونا بدأتُ أتجوّل في الشوارع بعربة ساندويتشات. بدلًا من خبز "التميس" أعددتُ الخبز المحمّص على شوّاية قمتُ بتركيبها على العربة وبعت الساندويتش بشيكل. أتجوّل بالعربة في الشوارع كلّ يوم من الساعة 10:00-17:00 لكنّ الدخل زهيد جدًّا. الساندويتش بشيكل لا يربّح شيئًا تقريبًا. أريد أن أرفع السعر لكنّ هذا مستحيل بسبب الوضع الصعب في القطاع. الدخل من هذا العمل لا يكفي لسدّ احتياجاتنا وأنا لا أستطيع دفع فواتير الكهرباء والماء والإنترنت مثلًا من بيع السندويتشات.
أحلم بأنّ يكون لديّ أخيرًا دخل ثابت وبأن لا أضطرّ إلى الوقوف تحت الشمس في الشوارع بعد الآن. أحلم ربّما بأن يكون لديّ مخبز صغير وأقوم بتشغيل عاملين فيه.
قبل سنة ونصف السنة وُلِد ابننا الصغير، عاهد.
يحطّم قلبي أنّي لا أستطيع توفير حياة كريمة لزوجتي وأطفالي. آمل أن أتمكّن من منحهم بعض الراحة على الأقلّ. أحيانًا نذهب إلى المتنزّه حيث توجد أكشاك ومرافق للأطفال ولكنّ كلّ شيء هناك يكلّف مالًا ونحن لا نسمح لأنفسنا بالذهاب إلى هناك إلّا في أحيان متباعدة. بسبب الوضع، قلّما نستضيف أفرادًا من عائلاتنا أيضًا. نحن نأكل اللحوم مرّة واحدة في الأسبوع فقط. أصبحتُ شخصًا مدعومًا يعتمد على الرزم الغذائيّة التي نتلقّاها من وكالة "أونروا" وعلى تبرّع بمبلغ مائة دولار شهريًّا من قطر.
الوضع في غزّة لا يسمح لنا حتّى بأن نحلم. أبسط الأمور مسلوبة منّا، مثل العمل والكهرباء والماء. تعاني غزّة من أعلى معدّلات الفقر ومعدّلات البطالة التي ترتفع على الدوام بين الشبّان وكبار السنّ على حدّ سواء وبالتالي فإنّ حلم العثور على وظيفة ثابتة تبدّد هو أيضًا.
* هذه الإفادة سجّلتها باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكرد في 23.7.23.