أصواتٌ من غزّة

جمالات وادي

(44 عاماً)، أمّ لسبع بنات وابنين، تحدّثت عن تهجيرها وعن فُقدان ابنها وغرق خيمة الأسْرة في مخيّم المهجَّرين في مستشفى شُهداء الأقصى

الصورة
جمالات وادي في مخيّم المهجَّرين، في مستشفى شُهداء الأقصى (صورة قدّمتها العائلة مشكورة)
جمالات وادي في مخيّم المهجَّرين، في مستشفى شُهداء الأقصى (صورة قدّمتها العائلة مشكورة)

في بداية الحرب، قبل نحو سنة وأربعة أشهر، اضطررنا إلى النزوح عن منزلنا في حيّ الشجاعيّة في غزة: أنا وزوجي بهجت (58 عاماً)، الذي يعاني من عجز في رجله ويتصعّب في السّير، وأولادنا وأحفادنا التسعة: وعد (26 عاماً، متزوّجة وأمّ لولدين: عصام الذي بلغ سنتين وثمانية أشهُر، وكاميليا رضيعة في الشهر الأوّل من عُمرها)، خلود (24 عاماً)، هلا (21 عاماً وطفلتها رتاج ابنة السنتين و7 أشهر)، شهْد (18 عاماً)، روضة (17 عاماً)، رغد (16 عاماً)، نور (5 سنوات)، محمد (24 عاماً - استُشهد لاحقاً في 4.4.24) ومحمود (20 عاماً). انتقلنا جميعاً إلى مخيّم للمهجّرين في مدرسة في حيّ تل الهوى، في غرب مدينة غزّة. بعد مضيّ نحو خمسة أيّام أمر الجيش سكّان المنطقة بإخلائها والانتقال إلى جنوب قطاع غزّة. نزحت مجدّداً، إلى الجنوب، مع أسرتي. فقط ابني محمد (24 عاماً) لم يقبل الانتقال معنا وبقي مع عمّته وأولادها في شمال القطاع.

أقمنا مدّة شهر ونصف تقريباً في خيمة في منطقة مواصي خان يونس، لكنّنا اضطرُرنا إلى النزوح عن هذا المكان أيضاً بسبب القصف العنيف. في هذه المرّة ذهبنا إلى مخيّم مهجرين أقيم في مدرسة تقع في غرب مدينة دير البلح. كان الوضع في تلك المدرسة كارثيّاً. كان الاكتظاظ شديداً. في الفترة نفسها علمت أنّ ابني محمد أصيب بجروح بالغة في رجله اليُمنى، وأنّه تلقّى العلاج في المستشفى المعمدانيّ والمستشفى الإندونيسيّ، وزرعوا بلاتين في رجله. توجّهت مرّات كثيرة إلى الصّليب الأحمر ومقرّ سيّارات الإسعاف طالبة منهُم أن ينقلوا محمد إلى الجنوب، إلى مستشفى شهداء الأقصى، لكي يتلقّى العلاج هناك، لكنّهم أجابوني في كلّ مرّة أنّ الوضع صعب ولا توجد إمكانيّة لنقله.

الصورة
جمالات وادي وبنات الأسرة داخل خيمة النزوح (صورة قدّمتها العائلة مشكورة)
جمالات وادي وبنات الأسرة داخل خيمة النزوح (صورة قدّمتها العائلة مشكورة)

ذات مرّة، خلال فترة وقف إطلاق النار التي كانت في بداية الحرب، كنت عائدة من السّوق إلى المدرسة التي نزحنا إليها وإذ بي أرى محمد في المدرسة. كان قد وصل عبر حاجز "نتسريم". أخذت أصرخ بصوت عالٍ ثمّ عانقته وقبّلت رجله المُصابة. محمد عانقني بقوّة وراح يبكي. تلك كانت مفاجأة كبيرة جدّاً فأنا لم أكن أعلم هل سأحظى برؤيته مرّة أخرى. أخذته إلى مستشفى شهداء الأقصى، وبعد أن فحصه الأطبّاء قالوا إنّ الأوعية الدمويّة في رجله قد تهتّكت ولا تعمل بعد. نقلوه إلى المستشفى الأوروبيّ، شرقيّ رفح، وقرّر الأطبّاء هناك أنّه لا بدّ من بتر الرجل، من تحت الرُّكبة. رقد محمد في المستشفى وتلقّى العلاج لفترة طويلة. وكان في المستشفى نفسه عدد من أصدقائه، بعضهم مُصابون يتلقّون العلاج وبعضهم مهجّرون. كنت أتّصل به كلّما استطعت، لكي أطمئنّ عليه.

في بداية شهر نيسان، فقدت الاتّصال مع محمد. جئت إلى المستشفى الأوروبيّ لكي أفحص ما الذي يجري معه ولكن لم أجده هُناك. شعرت بالاختناق وبكيت كثيرًا. اضطررت إلى العودة إلى المدرسة وأبلغت والده وأخواته أنّني لا أعرف أين هُو.

الصورة
جمالات وادي وأبناء أسرتها داخل خيمة النزوح (صورة قدّمتها العائلة مشكورة)
جمالات وادي وأبناء أسرتها داخل خيمة النزوح (صورة قدّمتها العائلة مشكورة)

في مرحلة لاحقة أخبرني أحدهم أنّ محمد استُشهد. انتقلنا للسّكن في خيمة أقمناها في ساحة مستشفى شهداء الأقصى، علّنا نتعرّف على جثة محمد في حال جلبوها إلى هُناك، إذا كان قد استُشهد فعلاً. ولكي أعرف، راقبت جميع الجثث التي جُلبت إلى المستشفى ونظرت إليها.

منذ ذلك الحين ما زلنا هُنا - 13 نفراً في خيمة صغيرة جدّاً وفي ظروف بائسة للغاية. الخيمة لا تقينا من الحرارة ولا من البرد أو القصف. حتى الآن تضرّرت الخيمة عدّة مرّات جرّاء قصف طائرات الجيش لخيام المهجرين. قبل نحو أربعة أشهُر احترقت خيمتنا عندما قصفوا خيمة قريبة منّا. نجونا من ذلك الحريق بأعجوبة. ابنتي روضة أصيبت بجُروح وأيضاً حُروق في وجهها، وكذلك احترق شعرها. حفيدتي رتاج أصيبت في يدها. مع الخيمة احترقت جميع البطّانيّات ومتاعنا كلّه.

اضطررت إلى نصب خيمة جديدة عوضاً عن تلك التي احترقت، لكنّني لم أتمكن من الحصول سوى على شوادر فيها ثُقوب فقط. الخيمة الجديدة خالية من أيّ متاع وحتى من ضرورات الحياة. ثمّ جاء الشتاء، وكنت أعلم أنّ الأمطار ستُغرقنا لأنّ الشوادر قديمة وممزّقة. أعددت أواني لتجميع مياه الأمطار، حتى لا تُغرق كلّ شيء، ومع ذلك قبل عدّة ليالٍ حين كان الطقس شديد البُرودة وماطراً لم نتمكّن من النوم طوال اللّيل بسبب الرّيح والأمطار. أغرقت المياه الخيمة كلّها، وبلّلت الأغطية والملابس والفرشات التي تمكّنا من الحُصول عليها. نقلت أولادي وأحفادي إلى خيام الجيران. كانت الملابس مبلّلة وملوّثة بالرّمال والأوحال. في الصّباح أخرجتها لتجفّ تحت الشمس، لكنّها ما زالت رطبة حتى اليوم. وضعُنا في الخيمة كارثيّ وحياتنا هُنا بائسة للغاية. أنا أعاني من ضيق التنفّس (الربو) والسكّري، وزوجي مريض ولا يستطيع بذل أيّ جُهد. ثكلت ابني، خيمتي احترقت أكثر من مرّة، أغرقتها مياه الأمطار، وأنا وحدي مسؤولة عن أسْرة تعدّ 13 نفراً.

الآن، البرد ينخر عظامنا. نحن هُنا في داخل الخيمة نرتجف من البرد ليلاً ونهاراً. تلقّيت من الجيران قليلاً من الملابس من أجل أولادي وأحفادي. حفيدتي كاميليا، ابنة الـ30 يوماً، ازرقّ لون وجهُها من شدّة البرد. أحاول أن أدفئها بقدر ما أستطيع، وأحملها في حضني. ألفّ أولادي بالبطّانيّات وأتفقّدهُم أثناء اللّيل خشية أن يموتوا جرّاء البرد.

أوضاعُنا كارثيّة ومنظمات الإغاثة لا تُساعدنا. أبكي طوال الوقت على الحالة التي وصلنا إليها حيث البرد والمطر اللّذين ينخران عظامنا. نحن ما زلنا في بداية فصل الشتاء. هل كُتب علينا أن تُغرق المياه الخيمة كلّما هطل المط وتبلّل المياه جميع بطّانيّاتنا وملابسنا مرّات ومرّات؟

لم أتمكّن من الحُصول على خيمة جديدة، أو شوادر. أنا الآن المُعيلة الأساسيّة للأسرة ولا أملك أيّة نقود لشراء شوادر جديدة. وهذه الخيمة ليست مكاناً يمكن العيش فيه. بالعكس تماماً. هي لا توفّر لنا أيّة حماية، لا من القصف ولا من الأمطار. أخاف أن أفقد ابني الذي تبقّى لي، أو بناتي أو أحفادي بسبب البرد. لقد حدث أن توفّي هُنا أطفال داخل الخيام من شدّة البرد. أصلّي وأدعو الله أن يحميني ويحمي أسْرتي، فأنا لن أتحمّل فُقدان فرد آخر من الأسرة.

أقف في طابور توزيع الأغذية، طابور الحياة. وأيّة حياة! إنّها حياة خوف وذُلّ وعذاب. إنّهُم يذبحوننا ويُبيدوننا أمام أنظار العالم كلّه، والعالم يتفرّج ولا يفعل شيئاً من أجلنا. لماذا يصمت العالم؟!

أنا أفضّل الموت على هذه الحياة. أريد أن أموت، ولكنّي أتمنّى أن لا يطال الموت أولادي وأحفادي.

* سجّلت هذه الإفادة ا باحثة بتسيلم الميدانيّة ألفت الكُرد في 4.1.25